241189572571696

الخميس، 31 ديسمبر، 2009

صعود حماس.. سسيولوجيا الظاهرة الإسلامية

صعود حماس.. سسيولوجيا الظاهرة الإسلامية
*سيف دعنا


لم يكن صعود حركه حماس, أو أي حركه مقاومة عربية أو غير عربية ذات مشروع تحرري, ممكنا دون التشكيك الجدي بداية, وحتى الانقلاب أو الثورة على منظومة المفاهيم والرؤى الغربية الاستعمارية السائدة في العالم واقتراح منظومة بديلة ومضادة.

الرؤية الغربية للعالم, وهي ككل رؤية للعالم للذات وللآخر منحازة دائما, شكلت ليس فقط أساس النظرة لطبيعة ودور هذه الحركات (الإسلامية المقاومة في الوطن العربي), بل وأساس النظرة الغربية للمجتمعات غير الغربية على العموم.

بمعنى أن صعود الحركات الإسلامية في فلسطين (حماس والجهاد الإسلامي) ولبنان (حزب الله), وحركات ثورية أخرى في مناطق مختلفة من العالم (أميركا اللاتينية مثلا) مرده أن نشاطها المقاوم المستند لوعي وفكر مضاد قاد, أو على الأقل أسس, لانقلاب على سيادة المفاهيم الغربية ليس عن الغرب فقط, بل, وربما بأهمية أكبر, عن المجتمعات والظواهر غير الغربية, أو انقلاب على المفاهيم والتصورات الغربية السائدة عن المجتمعات والظواهر العربية في حالتنا.

"
الهيمنة الغربية على العالم ليست فقط نتاجا لهيمنة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية رغم الأهمية الكبيرة لكل من هذه العوامل التي تشكل مع عوامل أخرى أسس المشروع الإمبريالي الغربي, بل تستند في جزء هام منها على سيادة بنية المفاهيم الثقافية الغربية في المجتمعات الأخرى
"
مرد هذا الزعم أنه لا يمكن تفسير صعود ونجاح حركات المقاومة الإسلامية سواء في فلسطين أو لبنان, أو الحركات الثورية في غير مكان من العالم, بردها للمقاومة العسكرية وحدها, خاصة في ظل التفوق العسكري الغربي, رغم الأهمية الكبيرة لهذا العامل وضرورته وارتباطه الوثيق بالتغيير الثقافي المقصود هنا.

وأيضا, مرد هذا الزعم, الذي سيشكل أساس محاوله تفسير صعود حماس, وأيضا أفول منظمه التحرير الفلسطينية, هو طبيعة الهيمنة الغربية على العالم واستنادها في جزء هام منها على ما يسمى الإمبريالية الثقافية.

الهيمنة الغربية على العالم ليست فقط نتاجا لهيمنة اقتصادية سياسية أو عسكرية، رغم الأهمية الكبيرة لكل من هذه العوامل التي تشكل مع عوامل أخرى أسس المشروع الإمبريالي الغربي, بل تستند في جزء هام منها على سيادة بنية المفاهيم الثقافية الغربية في المجتمعات الأخرى.

ومنظومة المفاهيم هذه تشكل بنية مستقلة (نسبيا) عن البنى الأخرى, بمعنى أنه لا يمكن اختزالها وتفسيرها كليا دائما ومباشره بإرجاعها لعوامل اقتصادية أو سياسية بحته، رغم أهمية التفسير الاقتصادي-السياسي لتوضيح جانب هام من المشروع الإمبريالي الغربي.

الأهم هو أن هذه المنظومة تتبنى كأساس مشكل ومؤسس لها مبدأ فوقية كل ما هو غربي ودونية ما هو غير ذلك, وبالتالي تغدو المكتبة الغربية مرجع المعرفة الأعلى, ويغدو الأدب والفن والموسيقى والمسرح وأي شكل أو تعبير ثقافي غربي وكل ما هو غربي إجمالا مقياسا للعالمية يحاكم ويقيم على أساسه كل إنتاج ثقافي آخر, رغم مبدأ المركزية الأوروبية المتضمن والمؤسس لهذه التعبيرات.

كذلك يصبح النظام القيمي والأخلاق الغربية قيما وأخلاقا عالمية لا غربية ونتاجا لواقع وبنى تاريخية, يقلل على أساسها من شأن, إن لم نقل احتقار, كل ما هو ليس بغربي.

ليس المقصود هنا دعوه للانغلاق ورفض كل منتج ثقافي أو فكري غربي على الإطلاق, وأنا أكتب, ولو جزئيا, استنادا لأحدها, بل المقصود هو الدعوة لرؤية وضرورة قراءة أي إنتاج ثقافي وفكري وقيمي وأخلاقي في سياقه التاريخي وعلى اعتبار أنه إنتاج غربي لا عالمي, وإلا وقعنا في اللاتاريخية والتشيؤ.

والقناعة الغربية بعالمية القيم والمفاهيم الغربية ليست محض نرجسية وغرور, بل هي نتاج وضرورة في الوقت نفسه لصيرورة المشروع الإمبريالي الغربي، الأهم ليس الرؤية الغربية للعالم والوعي الغربي بالذات وبالآخر خارج التاريخ على الإطلاق, وليست الرؤية الغربية للعالم للذات وللغير مستعصيه على التفسير وفق أطر العلوم الاجتماعية والإنسانية.

كذلك المقصود أيضا التأكيد على أن أي تبن أو قبول غير نقدي للرؤية الغربية للعالم هو قبول برؤية العالم كما أنتجها الوعي الجمعي الغربي ومن موقع الغربي حصرا, يشكل أحد عوامل استدخال الهيمنة الغربية، فالهيمنة الثقافية الغربية أو سيادة البنية الإمبريالية الثقافية أحد أهم أسس المشروع الإمبريالي, ليست محصورة في الغرب ولا نتاجا لنشاط القوى الغربية فقط, بل وفي الوطن العربي والعالم كذلك عبر مشاركه قوى ونخب محلية يصعب تخيل إمكانية استدخال الهيمنة دونها.

النظر للمشروع الإمبريالي الغربي كنظام أو بنية (بمعنى تقديم تفسير بنيوي للإمبريالية) ربما تساعد في تفسير الأهمية الكبيرة التي يؤديها العامل الثقافي في عمل هذا النظام وأهمية سيادته عالميا لنجاح المشروع. فالنظام الرأسمالي العالمي (أو النظام الإمبريالي) يعتمد في سعيه لتحقيق تراكم رأس المال على بنية من المحاور السياسية والاقتصادية والثقافية, وهذه البنية ومحاورها تفسر فيما تفسر سبب وجود ثلاثة مصطلحات (الأمة والعنصر أو العرق والإثنية) رغم تأديتها وظيفة واحده, وهي كونها أسسا لكتابة تاريخ الجماعات الإنسانية كما يشير إيمانويل وولرشتين.

الأهم, ورغم أن المفاهيم الثلاثة تؤدي ذات الوظيفة فيما يتعلق بالتأريخ أو تشكل أساس صياغة الرواية الجماعية والوعي الجماعي, فإنها تعكس أيضا وجود تراتبية هامة للتراكم الرأسمالي العالمي وضرورية لإعادة إنتاج النظام الرأسمالي العالمي لذاته.

هناك تراتبية سياسية للأمم يمثلها ويعبر عن نسبية ولا تكافؤ القوة التي تتمتع بها الأمم المختلفة ما يسمى نظاما عبر الدولة (الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتفاقيات الدولية وأسس العلاقات الدولية... إلخ), وتراتبية عرقية يفرضها ويعيد إنتاجها التقسيم الإجباري العالمي للعمل الذي بحرمانه دول المحيط من بعض النشاطات الاقتصادية والتقنيات واحتكارها من دول المركز يظهر وكأنه يؤكد فوقية أو دونية بعض العناصر أو الأعراق, وتراتبية إثنية مؤسسة على تراتبية ثقافية تفترض فوقية ثقافية غربية وتسهم في إنتاج وتبرير كل من الهيمنة الاقتصادية والسياسية.

رغم أن هذه الرؤية هدفها توضيح ديناميات الرأسمالية العالمية كنظام, وأيضا وأساس تقديم تفسير اقتصادي- سياسي للعنصرية (الرأسمالية أساسا ومنتجا للعنصرية), فإنها أيضا تؤكد محورية ومركزية القبول بالفوقية الثقافية الغربية للتراكم الرأسمالي العالمي.

"
تعتمد الإمبريالية العالمية في نشر هيمنتها على كل شعوب الأرض على مؤسسات "الاستعمار الداخلي" أي مجموعة من النخب الذين لا يرتبطون بالاستعمار عبر بنية مصلحية فقط بل ثقافيا وسياسيا كذلك
"
وطبعا تعتمد الإمبريالية العالمية في نشر هيمنتها على كل شعوب الأرض على مؤسسات "الاستعمار الداخلي." مجموعه من النخب أو الطواويس كما يسميهم المفكر العربي منير العكش (والطاووس الذي يفرد أجنحته الملونة بزهو وغرور لا يدري أنه بذلك يكشف خلفيته ويفضح نفسه), الذين لا يرتبطون بالاستعمار عبر بنية مصلحية فقط, بل ثقافيا وسياسيا كذلك.

فهم يرون العالم والرجل الأبيض وأنفسهم من خلال الرواية الاستعمارية والأدب الاستعماري والثقافة الاستعمارية, وبالتالي ينطبق عليهم مفهوم "المستشرقين المحليين"، كما يصف عالم الاقتصاد شهيد علم, مروجي الغربنة كنمط أعلى للحياة في بنغلاديش وباكستان.

ولهذه القوى الداخلية دور هام في استدخال الهزيمة والقبول بالموقع الدوني لشعوبها كونها الأدوات المحلية للإمبريالية الثقافية, وهي تعمل على نشر الشعور بالامتنان للاستعمار لنشره الحضارة وتحرير السكان الأصليين من "همجيتهم" وفق الرؤية الغربية.

هؤلاء الطواويس المفتونون بالرجل الأبيض لدرجة تقليده في كل شيء (حتى بمحاوله تغيير لون بشرتهم كما أشار فرانز فانون) وتبني رؤيته للعالم ولنفسه ولغيره, لعبوا دورا مركزيا في التاريخ الاستعماري في التشنيع على الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار وإحباط نضالها وتشويهها, وما لدى العرب من طواويس ومستشرقين محليين ليس بجديد كما تشير كل تجارب الشعوب الأخرى.

هذه المقدمة المختصرة والمتواضعة هدفها التقديم لتفسير ليس فقط صعود حماس والحركات الإسلامية المقاومة في الوطن العربي, بل أيضا تفسير ونقد بعض سوء الفهم حول طبيعة هذه الحركات لأن أحد أهم العوامل التي أدت وتؤدي إلى سوء الفهم هو سيادة منظومة المفاهيم الغربية أو الامبريالية الثقافية, التي تحوي فيما تحوي رؤية المجتمعات الأخرى من موقع المستعمر.

بمعنى, هناك علاقة وثيقة بين أي فهم, أو سوء فهم, لطبيعة الحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين ولبنان, وصعودها وتنامي شعبيتها على مستوى الوطن العربي من جهة, والصور والافتراضات التي يحملها المرء عن المجتمع العربي والإسلام والصور والافتراضات التي يحملها عن الغرب من جهة أخرى, ومن يخطئ في فهم المجتمع والتاريخ العربيين, سيخرج بصورة مشوهة عن الحركات المقاومة وتفسير خاطئ لأسباب صعودها.

والعكس طبعا صحيح, فكل سوء فهم لطبيعة حركات المقاومة هو بالأساس نتاج لتبني مفهوم مشوه لطبيعة وتاريخ المجتمع العربي, أو نتيجة لتبني أو قبول تصورات وافتراضات خاطئة, إن لم نقل منحازة ثقافيا وأحيانا عرقيا ضد العرب ومجتمعهم.

من أجل ذلك، فإن إعادة الاعتبار لحقيقة الظواهر الاجتماعية غير الغربية, والأهم التحرر من سطوة الهيمنة الغربية تبدأ بالاعتراض والتشكيك في منظومة المفاهيم الغربية (والأميركية تحديدا في حالتنا العربية) السائدة عالميا وعربيا, واقتراح البديل. ولكن الاعتراض والتشكيك على مستوى الفكرة يبقى أكاديميا ما لم يترافق بالعمل الذي يجعل من الفكرة المضادة حقيقة في وعي الناس.

كذلك, ولأن الهيمنة الإمبريالية تقود فيما تقود إلى فقدان الهوية (وهذا الفقدان هو أحد أعراض الغربنة أو تقليد الغرب كما أشار الفيلسوف الإيراني أحمد فرديد) وتفترض القبول بالهوية أو الهويات المتناسبة مع مشروع النهب الامبريالي, يقع على عاتق المقاومة إنتاج هوية مضادة أو إعادة إنتاج الهوية المعبرة عما يجمع الأمة ويميزها عن غيرها، هذا ما فعلته حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان، وهذا بالضبط ما أسس لشعبيتها.

"
القومية ليست مفهوما جامدا أو حاله جامدة, بل هي حاله تاريخية اجتماعية متغيرة ومرنة بمعنى أن التغير الاجتماعي والحركة التاريخية يؤديان بالضرورة إلى التغيير في التعبير عن الفكرة والمشروع القومي
"
فيما يتخيلنا الغرب الاستعماري من موقعه وحسب مصلحته مجموعات دينية وطائفية ومذهبية وقطرية وفيما يحمل لواء هذه الهويات المصطنعة والمستجدة مجموعه من القوى المحلية المرتبطة مصلحيا وثقافيا بالغرب, ويؤهلها القبول والعمل من خلال هذه الهويات الانخراط في مشاريع إقليمية ودولية, ارتكزت حركات المقاومة على الهوية العربية-الإسلامية كهوية مضادة للهويات الممكن من خلالها استدخال الهيمنة. الخطاب المقاوم في تطوره أصبح خطابا قوميا بامتياز. هذا الزعم بالتأكيد يفترض التوضيح، ولهذا سأذكر ثلاث مسائل.

أولا: الفصل بين الإسلام كمكون أساسي للثقافة العربية والفكرة القومية هو فصل تعسفي ولا يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة القومية كمفهوم ولا الإسلام كدين, وأعني هنا وفق أطر علم الاجتماع. القومية ليست مفهوما جامدا أو حالة جامدة, بل هي حاله تاريخية اجتماعية متغيرة مرنة. بمعنى أن التغير الاجتماعي والحركة التاريخية يؤديان بالضرورة إلى التغيير في التعبير عن الفكرة والمشروع القومي (هذا برأيي يفسر تأييد المسيحيين العرب القوي للمقاومة كون ثقافتهم عربية-إسلامية).

ثانيا: وبسبب العامل الأول, لا توجد أداة أو إطار نظري واحد ووحيد للتعبير عن وصياغة الفكرة القومية (الماركسية شكلت هذه الأداة في أفريقيا وآسيا أثناء النضال للاستقلال من الاستعمار, والفكر الليبرالي كما الإصلاح الديني وحتى الماركسية كما تبنتها الجبهة الشعبية عبر عن الفكر العربي). التاريخ وحده وفي كل مرحلة هو الذي يحدد الإطار الفكري الأكثر قدرة على التعبير عن الفكرة القومية وليس النظرية ذاتها أو مستوى تعقيدها الفلسفي.

ثالثا: لمفهوم الأمة خصوصية لدى كل الشعوب بسبب اختلاف السياق والتجربة الثقافية والتاريخية، في التاريخ العربي-الإسلامي لدينا مفهوم الأمة والدولة, حيث الأمة واحدة بغض النظر عن التعبيرات السياسية المتعددة, وهذا يجعل من أي قضية في أي قطر عربي قضية عربية للجميع دون استثناء، وهو ما مكن حركات المقاومة بسبب استنادها لهوية عربية من كسر حدود القطر والدين والطائفة والمذهب في شعبيتها.

ولأن الصورة المتضمنة في الخطاب الإمبريالي عن العالم العربي تهدف لتشكيله والهيمنة عليه, لا فهمه أو تفسيره, انعكس هذا على رؤية الغرب لحركات المقاومة أيضا. والخطاب الغربي عن الإسلام المقاوم وعن حركات المقاومة يظهرها وكأنها طارئة على المجتمع العربي ووليدة الظرف الراهن.

هذا التأريخ يتجاهل الجذور السياسية والاجتماعية, وكذلك الفقهية والفلسفية لهذه الحركات في التاريخ العربي-الإسلامي. حركه حماس بهذا المعنى انطلقت عام 1987 وحزب الله انطلق عام 1982، ولكن هذه الحركات هي امتداد لتيار فقهي وفكري أساسي في الفكر الإسلامي، وجذورها قويه وممتدة في المجتمع العربي-الإسلامي، يمكن أن يختلف المرء سياسيا أو اجتماعيا جزئيا أو كليا مع هذه الحركات, ولكن لا يمكن الادعاء أنها نتاج مؤامرة. هذا زعم سخيف ولا تاريخي.

بنفس المنطق يمكن رفض توصيف حركات المقاومة كأدوات لقوى خارجية، إقليمية أو دولية, أو التشكيك في أصولها. هذا التوصيف ليس إهانه لهذه الحركات فقط, بل وللمجتمع والإنسان العربي, وتشكيك بقدرة المجتمع العربي على إنتاج البديل المحلي لأي صيغه فاشلة.

"
المجتمع العربي كان تاريخيا ولا يزال مجتمعا حيويا وديناميكيا يتميز بحراك يتوجب أن يثير الإعجاب, ولهذا فهو لم يتوقف عن الإنتاج المتواصل للظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية في كل مرحلة وتوفير بدائل جديدة
"
توقيت انطلاقة حماس وحزب الله مثلا ترافق مع أفول منظمة التحرير الفلسطينية للأولى والمقاومة الوطنية اللبنانية للثاني. ما يجب أن نستنتجه من هذا التاريخ, ودون أي عناء, أن المجتمع العربي كان تاريخيا ولا يزال مجتمعا حيويا وديناميكيا يتميز بحراك يتوجب أن يثير الإعجاب, ولهذا فهو لم يتوقف عن الإنتاج المتواصل للظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية في كل مرحله, وتوفير بدائل جديدة لكل ما يفشل وكل ما عفا عليه الزمن.

أخيرا, هناك التشكيك بعقلانية حركات المقاومة والإصرار على توصيفها بالطابع الغيبي كونها دينية, ولذلك يبدي البعض أحيانا استغرابا لخوضها في السياسة كون هذا الحقل عقلانيا بامتياز وأحيانا تلام حركات المقاومة على فعل ذلك.

سوء الفهم هذا ليس مشكلة حركات المقاومة, بل مشكلة حامليه ذاتهم لأن فهمهم للظاهرة الإسلامية الثورية ضحل ولا تاريخي. ليس هناك تناقض بين العقلانية السياسية والخيار الديني في حاله حركات المقاومة, على العكس، فالعقلانية صفة أصيلة في التيارات الإسلامية الفكرية التي تنتسب لها المقاومة، وإلا فكيف يفسر العقلانيون ليس فقط التطور المستمر لخطوات المقاومة بل وكيف يفسرون صعودها وشعبيتها.

يمكن أن يتفق المرء أو يختلف كليا أو جزئيا مع حركات المقاومة الإسلامية, ولكن يصعب إنكار أن دورها, بالترافق مع عوامل وقوى أخرى كثيرة إقليميا ودوليا يسهم في إعادة تشكيل المنطقة وربما تحريرها من الهيمنة الغربية.
المصدر: الجزيرة
*سيف دعنا

مكان الميلاد: فلسطين
تاريخ الميلاد: 1/6/1969
المؤهل العلمي: دكتوراه في علم الاجتماع
المهنة: أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدولية, جامعه ويسكونسن- بارك سايد (ويسكونسن, الولايات المتحدة الأميركية)وعضو مجلس الأمناء والهيئة الاداره لمركز الأبحاث العربية.
النشر: في المجلات الأكاديمية المتخصصة بالإضافة إلى الصحافة العربية مثل جريده الأخبار اللبنانية والأهرام ويكلي بالإنجليزية.
اقرأ المزيد

الخميس، 3 ديسمبر، 2009

الصراعات السياسية في منطقة البحيرات الافريقية

صراع البحيرات العظمى.. صناعة محلية وخبرة أجنبية


د. حمدى عبد الرحمن حسن*
ليس بخاف أن دول إقليم البحيرات العظمى الأفريقية ترقد على بركان من البارود القابل للاشتعال في أي لحظة. وقد تركزت الأنظار منذ بداية أعوام التسعينيات من القرن الماضي على متابعة الصراعات والحروب الأهلية فى المنطقة والتي أخذت شكل عنف مسلح وتطهير عرقي فى رواندا وبوروندي، أو شكل صراع على الهوية والسلطة كما حدث في الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا).

وتعكس خريطة الصراعات الإثنية المسلحة في البحيرات العظمى تداخلا واضحا فى التفاعلات والأحداث على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وما يزيد الأمر تعقيداً أن تطور الأحداث والأفعال ورود الأفعال من جراء تدخل الأصدقاء وأصحاب المصالح على المستويين الإقليمي والعالمي قد أفضى إلى تعدد الأطراف وتداخل القضايا والمشكلات وانقطاع السبل أمام فرص التسوية السلمية والسياسية.

وقبل تحليل خريطة الصراعات السياسية والاجتماعية والإثنية في منطقة البحيرات العظمى، تجدر الإشارة إلى عدد من الملاحظات المهمة التي تعين على فهم ما يجري هناك، والتنبؤ بسيناريوهات المستقبل بعد تغير القيادة السياسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية:
أولاً: تمتاز منطقة البحيرات العظمى بأهمية استراتيجية بالغة، ومن ثم فإن طبيعة الترتيبات الإقليمية السائدة في المنطقة تعكس دائما مصالح القوى الإقليمية والدولية الفاعلة. ويرتبط بذلك أن الأمن القومي العربي في امتداده الأفريقي يرتبط أيضا بتلك المنطقة حيث منابع النيل الذي تعتمد عليه كل من مصر والسودان.

ثانياً: منطقة البحيرات العظمى غنية بثرواتها الطبيعية، فثمة مخزون هائل من المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل اليورانيوم، والكوبالت، والنحاس، والماس، والذهب، والأحجار الكريمة، وفوق ذلك كله خزانها المائي الضخم. وعلى صعيد الطاقة الكهربائية الهيدروليكية فإنه يمكن القول بأن شلالات إنجا (Inga Fall) تكفي لسد احتياجات القارة الأفريقية بأسرها.

ثالثاً: ارتباط الصراع في المنطقة بالتفاعلات العدائية بين الهوتو والتوتسي، وهو الأمر الذي أفضى إلى تحالفات وارتباطات إقليمية على أساس إثني قبلي مثل الارتباط بين نظام حكم الرئيس يوري موسوفيني في أوغندا وحكم الأقلية من التوتسي في كل من رواندا وبوروندي.

رابعاً: هناك خطط استراتيجية لربط البحيرات العظمى بمنطقة القرن الأفريقي، وهو ما تجسد في طرح المشروع الأميركي للقرن الأفريقي، وذلك من أجل ضمان المصالح الأميركية في المنطقة والاعتماد في ذلك على جيل من الزعماء الأفارقة الجدد مثل موسوفيني في أوغندا وكاجامي في رواندا وزيناوي في إثيوبيا.

وسنحاول هنا التركيز على خريطة الصراعات في البحيرات العظمى من حيث الجذور التاريخية وتطور الأحداث والتدخلات الإقليمية والدولية في أعوام التسعينيات من القرن الماضي، وتأثير ذلك على المصالح الاستراتيجية العربية -المصرية والسودانية تحديدا- والتعرف على آفاق وسيناريوهات المستقبل، وذلك عقب اغتيال رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية لوران ديزيريه كابيلا على يد أحد حراسه.

أولاً: خريطة الصراع وعدم الاستقرار
تعزى جذور الصراعات في البحيرات العظمى إلى تاريخ هذه المنطقة وإلى طبيعة الترتيبات والتوازنات الإقليمية فيها، بالإضافة إلى مصالح القوى الدولية الفاعلة. ويأتي في المقام الأول إشكالية التفاعلات الإثنية العدائية بين كل من التوتسي والهوتو في رواندا وبوروندي وتأثيرات ذلك على دول الجوار المحيطة لاسيما دول الكونغو الديمقراطية وأوغندا وتنزانيا. وليس بخاف أن تصرفات وسياسات النظام الحاكم في الكونغو منذ عام 1972 قد أسهمت بدور بارز في تشكيل التوترات التي تشهدها المنطقة منذ منتصف التسعينيات.

ويتألف السكان في كل من رواندا وبوروندي والبالغ عددهم نحو 13 مليون نسمة من ثلاث جماعات عرقية هي: الهوتو (85%) والتوتسي (14%) والتوا (1%)، والجماعة الأخيرة تعد من الأقزام الذين يقطنون مناطق غرب البحيرات العظمى في الغابات الاستوائية بوسط أفريقيا.

ويرتبط الصراع فى المقام الثاني بمسألة هوية الكونغوليين من أصل رواندي (بانيا رواندا) سواء كانوا من التوتسي أو الهوتو أو التوا. فهل بمقدور هؤلاء الزعم بأنهم يتمتعون بالجنسية الكونغولية بحجة إقامتهم الدائمة في الكونغو منذ ظهورها إلى حيز الوجود عام 1885 تحت مسمى دولة الكونغو الحرة؟ وإذا قبلنا بهذه الحجة التاريخية يصبح من حق هذه الجماعة العرقية -شأن غيرها من الجماعات العرقية الأخرى المنتشرة في ربوع القارة الأفريقية- أن تطالب بأراضي أسلافها في شرقي الكونغو.

لاجئون في بورندي
1- جذور الصراع الإثني في رواندا وبوروندي
كانت تقطن المنطقة المعروفة اليوم باسم رواندا وبوروندي جماعات صغيرة من الأقزام تسمى "توا" Twa، وكانت حرفتها الغالبة هي الصيد والقنص. على أنه في فترة تاريخية لاحقة نزحت إلى المنطقة جماعات عرقية أخرى تنتمي إلى البانتو وهي قبائل الهوتو. وعلى عكس السكان الأصليين من أقزام التوا فإن شعب الهوتو اشتغل بالزراعة. وعبر استصلاح مساحات كبيرة من الأراضي وتقسيمها فيما بينهم اتسمت التنظيمات الاجتماعية التي أقامها الهوتو بعدم المركزية رغم خضوعها لسلطة "موامي" واحد (الموامي هو الملك بلغة الهوتو).

غير أن القرن الرابع عشر شهد تطورا هاما في تاريخ المنطقة، حيث وفدت جماعات من التوتسي قادمة من إثيوبيا على الأغلب، وهي من الشعوب الحامية طوال القامة، ويحترفون مهنة الرعي وتربية الماشية. وتميز التوتسي على عكس الهوتو بأنهم يمتلكون تقاليد حربية صارمة، بالإضافة إلى تطويرهم تنظيمات ومؤسسات مركزية قوية. وسرعان ما سيطر التوتسي -رغم كونهم أقلية- على الأغلبية من شعوب الهوتو، وفرضوا عليهم نظاما إقطاعيا متسلطا. ويرى بعض الدارسين أن نمط الحكم الذي ساد في هذه المنطقة كان أقرب إلى نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا خلال عهد الأبارتايد إذا وضعنا التوتسي مكان البيض كأقلية عنصرية حاكمة والهوتو مكان السود كأغلبية مضطهدة. لقد كان على كل فلاح من الهوتو أن يقتطع جزءا من محصوله لتقديمه إلى الحكام من التوتسي، إلى جانب قيامه بالعمل سخرة في أي مكان يطلب منه ذلك. وبإيجاز شديد فرض التوتسي على الهوتو السخرة، واستخدموا العقاب الجماعي وفي أحيان كثيرة تكون العقوبة إبادة قرى بأكملها يقطنها الهوتو.

وعليه فإن جذور الصراع في المنطقة ترجع إلى القرن الرابع عشر عندما غزت الأقليات من التوتسي المنطقة وتبنت نظام حكم استبداديا عنصريا يقوم على اضطهاد الأغلبية من الهوتو.

جنود بلجيكيون في الكونغو
الخبرة الاستعمارية
خضعت المنطقة للاستعمار الألماني في القرن التاسع عشر. وفي عام 1916 تمكنت بلجيكا من بسط سيطرتها على المنطقة التي وضعت بعد ذلك بثلاث سنوات تحت نظام الانتداب وفقا لعهد عصبة الأمم، وأطلق عليها حينئذ اسم "رواندا أورندي".

ولم تكن المنطقة تمثل أهمية اقتصادية لبلجيكا باستثناء قربها الجغرافي من إقليم الكونغو البلجيكي الغني، فكان نمط الإدارة الاستعمارية البلجيكية يعتمد أساسا على نظام الحكم غير المباشر، أي حكم الإقليم من خلال مشايخ ورؤساء التوتسي (الحكام التقليديين). وقد سمح هذا النظام للتوتسي بفرض إرادتهم بشتى السبل، فكان بمقدورهم تحصيل الضرائب وتوزيع الأراضي. وبالإضافة إلى ذلك فقد سمح لهم بالفصل في المنازعات والقيام بأمور الإدارة اليومية. كما أن البعثات التبشيرية الكاثوليكية قدمت فرص التعليم والتدريب لأبناء التوتسي باعتبارهم "قادة طبيعيين" في حين ظل الهوتو محرومين من هذه الفرص واقتصر عملهم اليومي على فلاحة الأرض وزراعتها.

وطوال الحقبة الاستعمارية تعمقت الكراهية بين الشعبين عبر لغة الخطاب الاجتماعي المختلفة. فقد وصلت نزعة الاستعلاء لدى أبناء التوتسي مدى بعيدا حتى أنهم نظروا إلى طعام الهوتو ومشربهم باعتباره نجسا لا ينبغي أن تقربه أيديهم. ومع ذلك نجد أن بعض الإرساليات ومنظمات الغوث الفرنسية التي كانت حريصة على نشر الثقافة الفرنسية في أواسط أفريقيا وفرت بعض فرص التعليم والتدريب المهني لأبناء الهوتو. ولا شك أن هذه العملية سمحت بخلق نخبة متعلمة ذات طموح سياسي بين أفراد الهوتو، وشكلت قياداتهم السياسية فيما بعد.

سياسات الحكم الوطني
عندما اجتاحت رياح التغيير القارة الأفريقية في الخمسينيات شملت روح التحرير الوطني كلا من رواندا وبوروندي. على أن الاستقلال كان يعني بالنسبة للأغلبية من الهوتو التحرر من استغلال واستبداد التوتسي. وبالفعل شهدت رواندا عام 1959 واحدة من أكبر المذابح في التاريخ الأفريقي، حيث أودت انتفاضة الهوتو بحياة نحو مائة ألف من أبناء التوتسي.

وحينما حصلت رواندا على استقلالها عام 1962 أضحى غريغور كيباندا وهو من الهوتو أول رئيس لبلاده بعد الاستقلال. وفي عقد الستينيات تبنت الحكومة الوطنية حملات تطهير عرقية واسعة النطاق ضد التوتسي، وأدت هذه السياسة إلى هجرة مئات الآلاف من التوتسي إلى الدول المجاورة مثل زائير وبوروندي وأوغندا.

ويلاحظ أن ثمة متغيرا آخر للصراع داخل رواندا ارتبط بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المدنية عام 1972. فقد ظهر انقسام جديد في صفوف الهوتو أنفسهم على أسس واعتبارات إقليمية، إذ إن قائد الانقلاب الجنرال هابياريمانا وهو من الهوتو ينتمي إلى منطقة الشمال حيث موطن غلاة الهوتو المؤمنين بضرورة تطهير البلاد من التوتسي. وأيا كان فإن حكم الرئيس هابياريمانا تميز بالفساد وسوء الإدارة حتى أن كثيرا من كبار معارضيه من الهوتو انضموا إلى الجبهة الوطنية الرواندية التي تمثل أساس المعارضة من التوتسي.

نشأت المعارضة المسلحة لنظام الرئيس جوفينال هابياريمانا بين صفوف التوتسي الذين يعيشون في المنفى لاسيما في أوغندا، فهؤلاء قدموا الدعم لقوات يوري موسوفيني حتى تمكنت من الوصول إلى السلطة في أوغندا. عندئذ تم تشكيل الجبهة الوطنية الرواندية التي استطاعت غزو شمال رواندا عسكريا عام 1990.

ويعتقد أن الرئيس موسوفيني قدم المساندة والتأييد للجبهة كنوع من رد الجميل، بيد أن اتساع نطاق المواجهة العسكرية في البلاد ووجود محاولات إقليمية دولية لوقف الحرب الأهلية ودعوة الحكومة والمعارضة للتفاوض السلمي قد دفع إلى القبول بمبدأ تقاسم السلطة وإجراء تحولات ديمقراطية في البلاد.

ففي عام 1992 تم التوصل إلى اتفاقية سلام في أروشا بتنزانيا حيث تم تشكيل قوة رقابة عسكرية أفريقية للإشراف على إجراءات تنفيذ الاتفاق. على أنه في أبريل/ نيسان 1993 اندلعت الحرب الأهلية مرة أخرى في رواندا. وفي هذه المرة تدخل مجلس الأمن وأصدر قرارا بإنشاء قوة دولية أفريقية لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية تدفق الإغاثة الدولية. وقد استطاعت كل من الحكومة الرواندية والجبهة الوطنية المعارضة لها التوصل إلى اتفاق بشأن أساليب عودة اللاجئين والمشردين وتعويضهم تحت إشراف منظمة الوحدة الأفريقية.

غير أن هذا الاتفاق الذي سمح بفكرة تقاسم السلطة بين الهوتو والتوتسي أثار مرة أخرى عداوات وأحقادا تاريخية لا تنساها الذاكرة الجماعية لغلاة الهوتو. فالجبهة الوطنية المعارضة رغم أن دستورها يؤكد على نبذ الانقسامات العرقية وتضم بين صفوفها عددا من المعارضين الهوتو، فإنها تمثل بشكل أساسى الأقلية من التوتسي، وعليه فإن هذه المخاوف من عودة سيطرة التوتسي قد أودت بحياة الرئيس هابياريمانا عندما أُطلق صاروخ على الطائرة التي كان يستقلها مع رئيس بوروندي في السادس من أبريل/ نيسان 1994.

وعلى الرغم من تشابه التركيبة الإثنية في كل من رواندا وبوروندي فإن الغالبية من الهوتو في بوروندي لم تتقلد زمام السلطة بشكل كامل منذ الاستقلال. وعوضا عن ذلك فقد حكمت البلاد بواسطة مجموعات متعاقبة من العسكر الذين تمكنوا من قمع الطموحات السياسية للأغلبية العرقية. ففي عام 1972 قامت قوات التوتسي الحكومية بارتكاب مذبحة رهيبة راح ضحيتها حوالي ثلاثمائة ألف شخص من الهوتو، وقد استهدفت المذبحة المعلمين والطلاب وذوي النفوذ، حتى إن هذا العام أصبح يمثل في الذاكرة الجماعية لكل من الهوتو والتوتسى عام الرعب.

وقد وقع احتجاج شعبي من قبل الهوتو عام 1988 ضد سيطرة التوتسي، مستفيدا بذلك من مناخ حركات التحول الديمقراطي التي شهدتها مناطق عدة في أفريقيا. وعلى الرغم من أن بوروندي حاولت انتهاج منحى التحول الديمقراطي وأجرت أول انتخابات تعددية حرة، فإن الأزمة السياسية التى شهدتها منذ الاستقلال أفضت إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي عندما تمكن بعض ضباط الجيش من التوتسي من اغتيال أول رئيس منتخب هو ميلشيور ندادايا في أكتوبر/ تشرين الأول 1993.

وعندما شجع بعض غلاة الهوتو الانتقام بقتل المواطنين من التوتسي كان رد الجيش عنيفا حيث ارتكب مذبحة أخرى ضد الهوتو. وتذكر بعض التقارير أن ضحايا هذه المذبحة بلغوا خمسين ألف قتيل، إضافة إلى نزوح نحو ثلاثمائة ألف من الهوتو إلى الدول المجاورة. وفي يوليو/ تموز 1996 قام الحاكم العسكري السابق بوبويا بانقلاب عسكري تولى على إثره السلطة في البلاد.

2- جذور الصراع في الكونغو الديمقراطية
لقد حدثت هجرات واستقرار من جانب جماعات بانيا رواندا فى الكونغو في لحظات تاريخية متفاوتة ولأسباب مختلفة. فالبحيرات العظمى شكلت في فترة معينة منطقة جذب تجاري لبعض الدول القوية نسبيا مثل رواندا قديما. ويطرح بعض الباحثين أدلة تاريخية على أن رواندا كانت لها السيطرة على مناطق زراعية في جزر بحيرة كيفو (وهي جزء من الأراضي الكونغولية حاليا) وذلك في القرن الثامن عشر.

ومن ناحية أخرى تزعم جماعة من التوتسي أنها استقرت في القرن السابع عشر بمرتفعات مولينغي "Mulenge" الواقعة بين بحيرتي كيفو وتنجانيقا، أو إن شئت الدقة فقل بين بوكافا ويوفيرا في جنوب مقاطعة كيفو الكونغولية. وعليه فقد أطلق هؤلاء على أنفسهم أسم "بانيا مولينغي". على أن هذا الزعم يدحضه زعم آخر من قبل جماعات كونغولية محلية أخرى. فعلى سبيل المثال ترفض جماعات بافوليرو Bafulero القول بأن التوتسي هم بانيا مولينغي بحجة أن مولينغي يمثل لقب زعيم البافوليرو في حين تقع أراضيهم على بعد نحو مائتي كيلومتر جنوب المنطقة التى يقطنها هؤلاء التوتسي.

الخبرة الاستعمارية
أيا كان الأمر حول صحة هذا التراث التاريخي غير المكتوب فإن من الصعوبة بمكان إنكار حقيقة أن بعض مناطق التجمع السكاني الرواندية قد وجدت خارج إطار الحدود الاستعمارية التي رسمت عام 1885.

أضف إلى ذلك أن ال "بانيا رواندا" الذين عاشوا في جزيرة أدجيوي Idjwi كبرى جزر بحيرة كيفو أضحوا رعايا بلجيك في عام 1910 كما كان حال غيرهم من المتحدثين بالكينيا رواندية في شمال كيفو حينما تخلت ألمانيا عن الأراضي التي احتلتها بلجيكا في إطار الترتيبات الحدودية التي تمت بين هاتين القوتين الاستعماريتين. tالتمييز بين بانيا رواندا وغيرهم من الكونغوليين أضحى مسأله نظرية بعدما سيطرت بلجيكا على كل من رواندا وبوروندي عام 1920 طبقا لنظام الانتداب في عهد الأمم، ثم تغير هذا الأساس القانوني عام 1945 طبقا لنظام الوصاية الذي فرضتة الأمم المتحدة.

ومن المعروف أن بلجيكا قامت لغايات عملية بإدارة كل من الكونغو ورواندا - أوروندي كإقليمين منفصلين ولكن باستخدام جيش واحد أطلق عليه اسم "القوة العامة"، وحاكم عام واحد اتخذ مقرا له مدينة كينشاسا، وكان يعاون الحاكم العام نائبان أحدهما في لومومباتشي والآخر في بوجمبورا.

لقد قامت بلجيكا بنقل آلاف المزارعين الروانديين إلى شرق الكونغو في مقاطعات ماسيسي Masisi وتشورو Rutshuru وواليكالي Walikali شمال كيفو في الفترة ما بين 1937-1955، وجندت آلافا آخرين للعمل فى المناجم ومؤسسات النقل والزراعة فى مقاطعات شابا وجنوب كيفو طوال الحقبة الاستعمارية. ومن المعلوم أن بانيا رواندا قد شاركوا فى أول انتخابات بلدية عامي 1957-1958، وكذلك في الانتخابات العامة عام 1960 وقد انتخب عدد من ممثليهم لوظائف عامة في الكونغو.

سياسات الحكم الوطني
ظلت قضايا الهوية والمواطنة إشكالية تؤدي دوما إلى الصراع في الكونغو. وعلى الرغم من تدفق أعداد كبيرة من التوتسي إلى الكونغو خلال الفترة من 1959-1961 بعد أن فروا من رواندا، فإنهم وجدوا كل ترحيب من جانب الحكومة الكونغولية. بل الأكثر من ذلك أن الرئيس الراحل موبوتو قام في عام 1972 بإصدار مرسوم عام يمنح بمقتضاه الجنسية الكونغولية لجميع المقيمين من أصول رواندية أو بوروندية والذين استقروا في الكونغو منذ ما قبل عام 1950.

بيد أن المشكلة بدأت تتفاقم تدريجياً عندما تزايد أعداد ال "بانيا رواندا" بفعل الزيادة الطبيعية فى المواليد والهجرات الجماعية بعد استقلال كل من رواندا وبوروندي. وقد حاول ال بانيا رواندا لاسيما المولينغي منهم استغلال مكانتهم الاقتصادية المتميزة ومركزهم السياسي المتصاعد في الحصول على مزيد من الأراضي فى المقاطعات المزدحمة بالسكان شمال وجنوب كيفو.

ساعد ذلك على تنامي مشاعر الغضب والكراهية من جانب الجماعات الكونغولية الأخرى. وكان مرسوم 1972 محل سخط عام حتى أن موبوتو نفسه اضطر في عام 1981 إلى التخلي عنه وإصدار قانون جديد يحدد المواطنة على أساس الانتماء إلى إحدى الجماعات الإثنية التي كانت موجودة داخل حدود الكونغو عام 1885. يعني ذلك حرمان جانب كبير من البانيا رواندا من حق المواطنة. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد إذ حرم هؤلاء من أراضيهم حيث سيطرت عليها الجماعات الكونغولية المحلية بزعم أنها أراضي أجدادهم، وأضحت مسألة "الأرض" تشكل جوهر الصراع بين البانيا رواندا وغيرهم من الكونغوليين شمال وجنوب كيفو.

وقبل موجة النزوح الجماعى للهوتو إلى كيفو عام 1994 كان البانيا رواندا يشكلون حوالي 5% من جملة سكان شمال كيفو. وكان أغلب البانيا رواندا هؤلاء من الهوتو. أما في ماتسيسي وروتشورو فقد شكل البانيا سواء كانوا من الهوتو أو التوتسي الغالبية المطلقة للسكان. وعلى الرغم من هذه الغالبية العددية فقد ظلت السلطة السياسية شمال كيفو بأيدي قبائل الأقلية مثل الهوندي الذين سيطروا على عملية توزيع الأراضي.

وفى عام 1987 شهدت الانتخابات البلدية في معظم أنحاء شمال كيفو أعمال عنف واسعة النطاق عندما رفضت السلطة المحلية مشاركة المتحدثين بالكينيا رواندية في هذه الانتخابات بحجة أنهم أجانب ولا يتمتعون بصفة المواطنة.

وفى عام 1991 احتج البانيا رواندا مرة أخرى عندما قامت السلطات بتحديث القوائم الانتخابية عبر تحديدها لمفهوم المواطنة واعتبارهم أجانب. ومن المعلوم أن الجماعات الإثنية الصغيرة في شمال كيفو مثل الباهوندي والبانيا نجا تخشى من الزيادة العددية للبانيا رواندا وإمكانية سيطرتهم على أي انتخابات بشكل ديمقراطي.

وقد ازدادت الأمور تعقيداً وتشابكا مع تدفق ما يربو على المليون لاجئ رواندي أغلبهم من الهوتو بعد أحداث 1994 في رواندا. وقد استقر هولاء فى معسكرات أو بين ظهراني أقاربهم في المدن والقرى الواقعة شمال كيفو. وأسهمت مليشيات الهوتو المسلحة في مناطق اللاجئين بنشر أيدولوجية معادية للتوتسي بين صفوف هوتو البانيا رواندا في الكونغو وكذلك الجماعات الإثنية الكونغولية الأخرى.

وقد أسهم نظام حكم موبوتو في زيادة حدة الأزمة ونشر مشاعر الكراهية المناوئة للمواطنين من أصول توتسية. وعلى سبيل المثال أصدر نائب حاكم جنوب كيفو فى سبتمبر/أيلول 1996 إنذاراً عبر مؤسسة الإذاعة الحكومية يحذر فيه البانيا مولينغي ويطالبهم بضرورة مغادرة البلاد فى غضون أسبوع واحد وإلا تعرضوا للسجن والإبادة. وكان رد التوتسي حاسما وهو اللجوء إلى خيار القوة والعنف للدفاع عن وجودهم وممتلكاتهم في الكونغو.

لقد بدأت حملة الإطاحة بنظام موبوتو فى أكتوبر/تشرين الأول 1996 عندما حمل شباب البانيا مولينغي السلاح للدفاع عن أنفسهم فى مواجهة النظام الحاكم في كينشاسا الذي سلبهم الحق في الهوية والواطنة. وقد التفت حولهم جماعات وقوى المعارضة الأخرى مثل مقاتلي الماي ماي، وساندت كل من رواندا وبورندى وأوغندا - لأسباب استراتيجية - تحالف قوى المعارضة بزعامة لوران كابيلا الذى تمكن فى غضون سبعة أشهر من الإحاطة بنظام موبوتو والسيطرة على السلطة.

على أنه بعد نحو عام أو يزيد على سقوط نظام موبوتو انفرط عقد التحالف الحاكم في الكونغو بزعامة كابيلا، بل وأعلنت حركة مسلحة جديدة شرق البلاد حرب تحرير أخرى فى أوائل أغسطس/آب 1998. بيد أن هذه الحرب التى انطلقت من شرق مقاطعة كيفو تختلف عن سابقتها التي استهدفت نظام موبوتو من عدة أوجه:
1- أن قوى المعارضة لنظام كابيلا لا تجمعها أجندة سياسية مشتركة بل إن أهدافها متنافسة ومتناقضة.
2- أن القدرات اللوجستية لهذه القوات وتحالفاتها الخارجية هي محدودة مقارنة بما كان عليه الوضع عام 1996 عندما بدأ كابيلا أول خطواته نحو السلطة.
3- وجود العديد من قوى المعارضة وجماعات القرار في شرق الكونغو وتدعيم مراكزهم منذ عام 1996.

ومع ذلك يمكن القول بشكل عام إن قوات المعارضة الرئيسية لنظام كابيلا تنتمي إلى جماعات البانيا مولينغي التي اتهمته بالفساد والمحسوبية والانغلاق على جماعته العرقية في إقليم شابا. أضف إلى ذلك أن رواندا وبوروندي وأوغندا أعربت عن استيائها البالغ من نظام كابيلا. وعلى سبيل المثال فإن قياديين عسكريين ومسؤولين حكوميين سابقين فى نظام هابيارمانا وجدوا مأوى وملاذا في معسكرات اللاجئين شمال كيفو ثم أخذوا يهاجمون أهدافا محددة داخل الأرض الرواندية.

إن المشرع السياسي الذي طرحه لوران كابيلا –سواء على الصعيد الداخلي أو الأقليمي– فسر على أنه يطرح ترتيبات إقليمية جديدة تؤثر يقينا في واقع التوازن الإقليمي في البحيرات العظمى. فقد حاول كابيلا جاهداً التخلص من تأثير حلفائه الروانديين والأوغنديين الذين أتوا به إلى السلطة وأن يخلق عوضا عن ذلك مراكز تأييد داخلية معتمدا على فلول الجيش الرواندي ومليشيات الهوتو وجنرالات موبوتو السابقين ومقاتلي الماي ماي ومتمردي تحالف القوى الديمقراطية المعارضة لنظام موسوفيني في أوغندا ومتمردي بوروندي. وتشترك هذه القوى جميعاً في معارضتها لنظم الحكم القائمة في كل من رواندا وبورندي وأوغندا. أما على الصعيد الخارجى فقد سعى كابيلا إلى إقامة تحالف مع أنغولا وزيمبابوي وأفريقيا الوسطى وتشاد والسودان.

ثانياً: الترتيبات والتحالفات الإقليمية
أدى انهيار بعض الدول وضعف البعض الآخر في منطقتي القرن الأفريقي والبحيرات العظمى إلى إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في معادلة جديدة للقوى على أرض الواقع. فانهيار إثيوبيا (منغستو) والصومال (سياد برى) واستقلال إريتريا أسهم فى إعادة ترتيب ميزان القوى بين السودان وجاراتها. كما أن انهيار نظام موبوتو في الكونغو والتمرد المستمر في شرق البلاد أفضى إلى وجود دولة ضعيفة في الكونغو الديمقراطية. وفي المقابل فإن وصول التوتسي إلى الحكم في كل من رواندا و بوروندي أدى إلى ظهور دولة أوغندية قوية على المستوى الإقليمي.

ولا شك أن مستقبل الصراع في الكونغو الديمقراطية سوف يحسم ويحدد بدرجة كبيرة شكل التوازن الإقليمي في البحيرات العظمى. ويرتبط توصيف الصراع وموقف القوى الإقليمية ارتباطا وثيقا بأية محاولة جادة لفهم طبيعة التحالفات الإقليمية القائمة واستشراف آفاق المستقبل. فهل يمكن النظر إلى الأزمة في الكونغو في مرحلة ما بعد موبوتو على أنها تمرد من جانب إحدى الأقليات في البلاد، وأن ثمة مؤامرة خارجية تحاول استغلالها لتحقيق أغراض سياسية واستراتيجية؟!

يرى البعض أن هذا التمرد خطط له الروانديون وقام به التوتسي داخل القوات المسلحة الكونغولية. وربما يدعم ذلك أن قائد الكتيبة العاشرة في الجيش الكونغولي التى تعسكر في مدينة جوما هو الذي أعلن من خلال محطة الإذاعة القومية "صوت الشعب" بداية حركة تمرد علنية شمال كيفو حيث صرح قائلاً "إننا في جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية قد قررنا خلع الرئيس كابيلا من السلطة". وقد أعلنت القوات العسكرية المتمركزة في جنوب كيفو تأييدها للتمرد.

على أن حكومة الرئيس كابيلا رأت أن التمرد هو بمثابة "مؤامرة من الأجانب" أي من التوتسي للسيطرة على السلطة، بينما هم ليسوا إلا أقلية في دولة تضم ثلاثمائة جماعة عرقية. وقد طالب أحد كبار المسؤولين في جهاز الأمن الكونغولي جميع أفراد الشعب بالتعاون واستنكار وإجلاء الأعداء وجميع من يعاونهم للقضاء عليهم نهائياً.

ويبدو أن وجهة النظر الحكومية لتوصيف الصراع بأنه مجرد حركة تمرد مدعومة من الخارج استطاعت أن تقنع بعض جيران الكونغو. يعني ذلك أن عملية الإطاحه بنظام كابيلا لن تكون سهلة المنال كما كان عليه الحال بالنسبة لسلفه موبوتو. صحيح أن كابيلا كان يحظى بكثير من الدعم والتأييد، إلا أن هناك الكثير من المستقلين حوله والذين سيخسرون كثيراً إذا تمت الإطاحة به.

وعلى صعيد آخر يرى البعض أن الأزمة في الكونغو مجرد حرب أهلية واقتتال داخلي، وهذا ما تحاول رواندا وأوغندا التأكيد عليه، في حين يصر تحالف المعارضة المسلحة ضد نظام كابيلا أنهم يخوضون حرب تحرير أخرى بغية الحفاظ على وحدة وأمن الدولة.

على أن تعقد الصراع في الكونغو وارتباطه وتداخله مع الصراعات التي تشهدها المنطقة ككل يجعل حسمه لصالح أحد الأطراف أمرا مستبعداً. كما أن غياب القيادة السياسية التي تحظى باحترام وقبول كافة الجماعات يقلل من إمكانيات التسوية السياسية. يعني ذلك أن كافة الاحتمالات واردة بما فيها خيار التقسيم. فهل يمكن تقسيم الكونغو إلى كيانات سياسية وجغرافية أكثر تماسكا؟ وهل يواكب ذلك إعادة تقسيم المنطقة بما يحقق التجانس الثقافي والتوزيع العادل للموارد ؟

وعلى صعيد آخر هل تفضي معادلة القوى في البحيرات العظمى إلى المحافظة على نظام الحكم الذي أورثه كابيلا للكونغو مع فقدانه السيطرة على شرق البلاد.

لا شك أن تحقق ذلك الأمر يضمن لأوغندا ورواندا وبوروندي مصالحها الأمنية على طول الحدود مع جمهورية الكونغو الديمقراطية. إن البانيا مولينغي على الرغم من أنهم يعيشون في هذه المنطقة قبل ترسيم الحدود كما ذكرنا آنفا تم حرمانهم من حق المواطنة، بل إن الدعاية الحكومية لعشرات السنين كانت تسميهم بالأجانب وتثير ضدهم مشاعر العداء والكراهية، وهو الأمر الذي يضفي على الصراع طابعاً اجتماعيا ممتداً.

ثالثاً: الإطار الدولي للصراعات في البحيرات العظمى
لا يمكن فهم الصراعات في البحيرات العظمة دون الإشارة إلى الإطار الأجنبي ولاسيما الأوروبي والأميركي والإسرائيلي. فمن الملاحظ أن السياسة الأفريقية للولايات المتحدة تركز على هذه المنطقة من خلال أداتين رئيسيتين: الأولى هي خلق ودعم بعض القادة الأفارقة الجدد الذين يعملون بشكل أو بآخر على تحقيق المصالح الأميركية ونذكر على وجه الخصوص الجنرال بول كاغامي الرجل القوي في رواندا منذ عام 1994 الذي تلقى تدريباته العسكرية في كلية الجيش والأركان بمدينة ليفنورث بولاية كنساس الأميركية.

أما الأداة الثانية فهي طرح مشروع القرن الأفريقي الكبير والذي يضم إلى جانب دول القرن التقليدية أوغندا والكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي وقد يضم إلنها جنوب السودان إذا انفصل ويرمي هذا المشروع إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط الأميركية.

وتفضي القراءة المدققة للتحرك الأميركي في المنطقة بغض النظر عن ادعاءاته الأيدولوجية إلى تأكيد أن نمط التوازن الإقليمي الذي تحاول الولايات المتحدة ترسيخه في البحيرات العظمى يعتمد أساسا على نظام حكم الأقليات، أي قادة أفارقة ينتمون إلى جماعات عرقية تشكل أقلية في مجتمعها: موسوفيني في أوغندا، وكاغامي في رواندا، وزيناوي في إثيوبيا، وأفورقي فى إريتيريا، وقرنق في جنوب السودان.

ويلاحظ أن التنافس الغربي والأميركي فى المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة يدور حول ضمان الوصول إلى مناطق التعدين والثروة الطبيعية. ويدل على ذلك من التجارة غير المشروعة في الماس والذهب وتهريب السلاح والتي يتورط فيها رجال أعمال وشركات أوروبية وأميركية وإسرائيلية. ويبدو واضحا أن المصالح الغربية في المنطقة تستفيد من استمرار الصراعات والحروب المسلحة لضمان تدفقات عوائد التجارة غير المشروعة في الماس والسلاح.

وتجدر الإشارة كذلك إلى قضية المياه، فالوجود الأجنبي والإسرائيلي تحديدا في المنطقة يسعى إلى التأثير في الخزان المائي واعتبار قضية المياه ورقة ضغط يمكن إثارتها فى إطار الترويج لمقولة حروب المياه في المنطقة.

ليس كافياً إذن أن تتعارض المصالح المصرية والعربية عموما في البحيرات العظمى مع المصالح الأميركية والإسرائيلية هناك!

وماذا بعد كابيلا؟
إنه منذ وصول لوران كابيلا إلى السلطة عام 1997 لم يتمتع الشعب الكونغولي بأي درجة من الاستقرار وتحسن الأوضاع الاقتصادية، حيث لجأ كابيلا إلى تركيز السلطة في يديه واستخدام القوة ضد معارضيه، من ذلك أنه أرسل زعيم المعارضة أتيان تشيسيكيدي إلى المنفى في مسقط رأسه.

وعلى الرغم من محادثات السلام التى حضرها كابيلا بنفسه مع قادة الدول الست التي لها علاقة مباشرة بالصراع في بلاده وهي رواندا وبوروندي وأوغندا وأنغولا وناميبيا وزيمبابوي، فإن أي اتفاق تم التوصل إليه لم ينفذ على أرض الواقع. فهل سيسهم غياب كابيلا عن الساحة السياسية فى إمكانية التوصل إلى حل سياسي مقبول لجميع الأطراف أم أن توريث الحكم لابنه الجنرال جوزيف كابيلا لن يغير شيئا في خريطة التوازنات القائمة على البركان الملتهب في البحيرات العظمى؟! هذا ما سوف تفصح عنه السنوات القادمة.
ــــــــــــــــــ
*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
ومدير مركز دراسات المستقبل الأفريقى بالقاهرة
المصدر: الجزيرة
اقرأ المزيد

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة
جابر سعيد عوض
ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 20ص.




شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها.
لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال"بارسونز" parsons، و"هومانز" Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في الدراسات السياسية. فلم يرجع علماء السياسة إلى الكتابات الرئيسية في تحليل النظم إلى الأسس الفكرية والمنهجية المتمثلة في النظرية العامة للنظم General systems Theory، والتي تعود جذورها إلى أعمال البيولوجي"فون بيرتا لانفي" Bertalanffy في العشرينيات من هذا القرن.
وكتاباته اللاحقة عن بيولوجية التحليل العام للنظم الصادرة عامي 1949 و 1950، والتي تناولت الخصائص الرئيسية للأنظمة البيولوجية وإمكانية استخدامها في الدراسات الاجتماعية، وكذلك كتابات الفسيولوجي"كانون" Cannon، بصفة خاصة مؤلفه"حكمة الجسد" الصادر عام 1932، والتي كان لها أيضاً دوراً بارزاً في الحركة الفكرية التي استهدفت توحيد العلوم في اطار النظرية العامة للنظم.
ويرجع الفضل الأول في تطوير وادخال اقتراب التحليل النظمي إلى حقل العلوم السياسية إلى عالم السياسة الأمريكي"ديفيد ايستون" David Easton، ومن هنا لم يكن غريباً أن يطلق بعض دارسي العلوم السياسية على اقتراب التحليل النظمي"اقتراب ايستون". جاء تطوير ايستون لاقتراب تحليل النظم في علم السياسة تدريجياً وعلى مراحل. ففي عام 1953، نشر اللبنات الأولى لمفهوم"النظام السياسي" في كتابه Political system، والتي تطورت بصورة واضحة في مقالته العلمية المنشورة بمجلة"World Politics" عام 1956، وبصورة أكثر وضوحاً في كتابه A system Analysis of Political Life الصادرة عام 1965. والذي يرى فيه ايستون وجوب تبسيط الحياة السياسية المعقدة المركبة، والنظر إليها تحليلياً على أساس آلي منطقي على أنها مجموعة من التفاعلات التي تتم في اطار النظام السياسي من ناحية، وبينه وبين بيئته من ناحية أخرى. فوفقاً لاقتراب النظم، تميل المجتمعات والجماعات إلى أن تكون كيانات مستمرة نسبياً تعمل في اطار بيئة أشمل. هذه الكيانات يمكن نعتها بصفة النظام نظراً لأنها تمثل مجموعة من العناصر أو المتغيرات المتداخلة وذات الاعتماد المتبادل فيما بينها، والتي يمكن تحديدها وقياسها. هذه الكيانات لها أيضاً حدود مميزة تفصلها عن بيئاتها، فضلاً عن أن كل منها يميل إلى الحفاظ على ذاته من خلال مجموعة من العمليات المختلفة، خاصة عندما يتعرض للاضطراب سواء من داخل أو خارج حدوده مع بيئته الأوسع.
يؤكد ايستون أن فكرة النظم كاطار تحليل بما تتضمنه من علاقات ومفاهيم نظرية لها دلالات تطبيقية، ومن ثم فهي تمثل نقطة بداية حقيقية في تطوير الدراسات السياسية. هذا الاطار التحليلي للنظام السياسي في أبسط صوره كما يراه ايستون لا يعدو أن يكون دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي من التفاعلات السياسية الموجهة بصفة أساسية نحو التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع. تبدأ هذه الدائرة الديناميكية بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات، وتقوم عملية التغذية الاسترجاعية بالربط بين نقطتي البداية والنهاية، أي بين المدخلات والمخرجات. ويوضح الشكل التالي نموذجاً مبسطاً لتفاعلات النظام السياسي كما قدمه ايستون.
أقام ايستون اطاره التحليلي للنظام السياسي على مجموعة من"الفروض" التي تقوم بدورها على مجموعة من المفاهيم المتعلقة بمجموعة من المتغيرات السياسية الهامة التي توضح الخصائص الرئيسية للنظام السياسي. وعلى ذلك يجدر بنا قبل التعرض لهذه الفروض أن نقدم لذلك بنبذة عن المفاهمي الأساسية التي يقوم عليها اقتراب تحليل النظم.
المفاهيم الأساسية لاقتراب التحليل النظمي
لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا أن أهم سمة شكيلة يمكن ملاحظتها على اقتراب التحليل النظمي هو كثرة المفاهيم المستخدمة في التحليل. ويعلل ايستون ذلك بالاشارة إلى أنه إذا كان من الصعوبة بمكان الوصول إلى نظرية عامة وشاملة، فإنه يمكن الاستعاضة عن ذلك بتطوير مجموعة مترابطة منطقياً من المفاهيم في اطار متكامل وعلى درجة عالية من التجريد تمكن من القيام بالتحليل، وتوجيه الاهتمام نحو المحددات الرئيسية للسلوك السياسي. كل ذلك انطلاقاً من أن المفاهيم تشير إلى متغيرات واقع الحياة السياسية. أهم هذه المفاهيم هي: النظام، البيئة، الحدود، المدخلات، المخرجات، التحويل، التغذية الاسترجاعية. وفيما يلي نبذة عن كل من هذه المفاهيم.
النظام: System
يمثل النظام وحدة التحليل الرئيسية في اقتراب التحليل النظمي. ويعرف النظام بصفة عامة بأنه مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة وظيفياً مع بعضها البعض بشكل منتظم، بما يعنيه ذلك من أن التغير في أحد العناصر المكونة للنظام يؤثر على بقية العناصر. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم النظام يتولد عنه مفهوم آخر هو مفهوم النظام الفرعي Sub-System، إذ أن النظام قد يعتبر نظاماً في حد ذاته، كما أنه قد يعتبر هو ذاته نظاماً فرعياً في اطار نظام أعلى مستوى منه.
ألا أن الأهم من ذلك هو أن التمييز بين الأنظمة، كالتمييز بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي مثلاً، لا وجود له في الواقع العملي، بل لا يعدو أن يكون تمييزاً ذو طبيعة تحليلية. التحليل بإيجاز هو عملية تعريف وتقييم للأجزاء التي يتكون منها الكل بهدف إدراك لهذه الأجزاء كمكونات لكل مركب مع محاولة معرفة الضوابط التي تربط علاقاتها ببعضها البعض من جهة. والقوانين التي تحكم حركة وتطور الكل المركب من جهة أخرى.
وعلى ذلك يعرف النظام السياسي بأنه مجموعة من التفاعلات السياسية التي تحدث داخل أي مجتمع، والتي يتم بمقتضاها صنع السياسات العامة. ويتكون النظام السياسي من أربعة عناصر أساسية هي: المدخلات، التحويل، المخرجات، التغذية العكسية.
البيئة: Environment
يشير مفهوم البيئة لدى ايستون بصفة أساسية إلى كل ما هو خارج حدود النظام السياسي، بعبارة أخرى تشكل البيئة كل ما هو خارج إطار النظام السياسي ولا يدخل في مكوناته.
ولما كانت فكرة النظام السياسي لا تعدو أن تكون فكرة تحليلية، فإن الفصل التعسفي بين النظام السياسي والأنظمة الاجتماعية الاخرى لا وجود له، بما يعنيه ذلك من أن النظام السياسي يتأثر ببيئته من خلال مجموعة المدخلات ويؤثر عليها من خلال مجموعة المخرجات، وهو ما سوف يتم توضحيه بعد قليل.
الحدود: Boundaries
لما كان النظام السياسي لا يوجد في فراغ، بل في اطار بيئة، كان لا بد من الفصل التحليلي بين النظام السياسي وبيئته بوضع نقاط تصورية توضح مناطق انتهاء الأنظمة الأخرى وبدء حدود النظام السياسي. بعبارة أخرى هناك حدود للنظام السياسي يمكن تمييزها تحليلياً تفصله عن المحيط أو البيئة بمختلف جوانبها، وإن كان هذا لا يعني الغاء علاقات التأثير بين النظام السياسي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.. الخ التي تتم عبر الحدود.
ويضيف الموند باول في اطار تطويرهم لاقتراب تحليل النظم ليتلاءم ودراسة المجتمعات الجديدة حديثة العهد بالاستقلال إلى أن الحدود بين النظام السياسي وبيئته تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، وتتأثر في ذلك بالأوضاع والقيم الاجتماعية والثقافية السائدة.

المدخلات: Inputs
تشتمل مدخلات النظام السياسي وفقاً لاقتراب التحليل النظمي على كل ما يتلقاه هذا النظام من بيئته. يلاحظ أن هناك ثمة اختلافات حول هذه المدخلات. فطبقاً لرأي ايستون(1956 - 1965) تشتمل مدخلات النظام السياسي على عنصرين رئيسيين فقط هما المطلب والتأييد. تشير الأولى إلى الرغبات الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة منها بكيفية توزيع القيم وتحقيق أهداف المجتمع، وهي في رأيه قد تكون عامة كما قد تكون محددة. وقد يكون التعبير عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشير الثانية إلى الاتجاهات والمواقف سواء المؤيد منها أو المعارض للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أن الموند وباول في اطار دراستهم للبلدان النامية قد ميزوا بين أربعة وظائف رئيسية للنظام السياسي على مستوى المدخلات هي
وظيفة التنشئة السياسية والتجنيد السياسي Political Socialization and Recruitment، وهي العملية التي من خلالها يتم نقل ثقافة المجتمع عبر الأجيال من جيل إلى آخر. يتم ذلك بواسطة العديد من المؤسسات الاجتماعية كالأسرة، المدرسة، دور العبادة، أدوات الإعلام الجماهيري...الخ. أما وظيفة التجنيد السياسي، وهي وظيفة مرتبطة بالتنشئة السياسية، فمهمتها اسناد الأدوار السياسية إلى الأفراد بعد إكسابهم الخبرات والمهارات اللازمة للاطلاع بها. تتم هذه الوظيفة عن طريق مؤسسات سياسية كالأحزاب والنقابات.
وظيفة التعبير عن المصالح Interest Articulation، حيث تقوم الجماعات المختلفة داخل النظام بالتعبير عن مصالحها، ويفترض أن يتم ذلك من خلال القنوات الشرعية للتعبير عن المطالب، إلا أنه كثيراً ما يتم التعبير عن هذه المصالح من خلال القنوات غير الشرعية وغالباً ما يتم ذلك باستخدام العنف، الأمر الذي لا شك يؤثر على مدى استقرار النظام.
وظيفة تجميع المصالح: Interest Aggregation، ويقصد بها بلورة المطالب والموالفة بينها وتكتيلها لتقدم في شكل مقترحات تعرض على صانعي القرار. وبديهي أن وجود أبنية تقوم بتجميع المصالح كالأحزاب يخفف كثير من العبء على صانعي القرار، وبالتالي يزيد من القدرة الاستجابية للنظام السياسي.
وظيفة الاتصال السياسي، وهي وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام وجماعات الضغط والمصالح، وتلعب دوراً في توفير الاتصال الفعال الذي يتيح للنظام السياسي القيام بوظائفه المختلفة بصورة أيسر.
أما وليم متشل W.Mitchel(1962) في اطار تطويره لنموذج ايستون أضاف عنصراً ثالثاً إلى عنصري المدخلات السابق الإشارة إليها، وهو عنصر الموارد بمختلف أشكالها، والحقيقة أن هذا العنصر يمثل إضافة حقيقية لافتقاد نموذج ايستون له.
المخرجات: Outputs
عرفها ايستون بأنها مجموعة القرارات والأفعال والتصرفات التي يقوم بها النظام وتكون لها الصفة الإلزامية، ويتم بمقتضاها التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع.
وبنفس الصورة وعلى غرار تقسيم المدخلات إلى مجموعة من الوظائف كما سبقت الإشارة، ميز الموند وباول ثلاثة وظائف رئيسية على مستوى المخرجات هي:
وظيفة صنع القرار Rule-making، بما يعنيه ذلك من وضع السياسات واتخاذ القرارات، ويتم ذلك من خلال السلطة التشريعية بالأساس.
وظيفة تنفيذ القواعد Rule-application، بما يعنيه ذلك من تطبيق القواعد والقرارات، ويتم ذلك بواسطة الجهاز الإداري والسلطة التنفيذية.
وظيفة التقاضي حول القواعد Rule-adjudication، بما يتطلبه من إصدار الأحكام القضائية الملزمة في حالة التنازع حول القواعد.
التحويل: Conversion
تتمثل هذه العملية في مجموعة الأنشطة والتفاعلات التي يقوم بها النظام ويحول عن طريقها مدخلاته من موارد ومطالب وتأييد إلى مخرجات، أي قرارات وسياسات تصدر عن أبنية النظام السياسي. التحويل هو بمثابة غربلة للمدخلات. وعلى عكس مفهومي المدخلات والمخرجات اللذان يمثلان عمليات تبادلية بين النظام السياسي من جهة وبيئتيه المحيطة من جهة أخرى، فإن عملية التحويل لا تعدو أن تكون عملية داخلية تتم في إطار النظام ذاته.
التغذية استرجاعية: Feedback
يقصد بها كافة عمليات التأثير الاسترجاعي للمخرجات على المدخلات، ويتم ذلك من خلال ما تحدثه المخرجات على البيئة من آثار سلباً أو إيجاباً ويكون لها تأثيرها في ذات الوقت على المدخلات. بعبارة أخرى، التغذية الاسترجاعية هي عملية يتم بمقتضاها تدفق المعلومات من البيئة إلى النظام السياسي من جديد في شكل مدخلات عن نتائج قراراته وأفعاله. التغذية الاسترجعاية بهذا المعنى تربط مدخلات النظام السياسي بمخرجاته، ومخرجاته بمدخلاته، وتعطي في ذات الوقت الطابع الديناميكي المستمر للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لنموذج ايستون لتحليل النظم، فإن التغذية الاسترجاعية تمثل عملية هامة وحيوية لبقاء النظام واستمراره. إن علم النظام بمدى الاستجابة لقراراته وسياساته يجعله قادراً إما على المضي في طريقه بانتهاج نفس السياسة أو تعديلها، أو حتى التخلي عنها كلية، وهو ما يسميه ايستون بالتغذية الاسترجاعية الفعالة التي تضمن الاستجابة الفعالة للنظام، وإلا تعرض وجوده للخطر حال افتقادها.
بعد هذه النبذة عن أهم المفاهيم في اطار اقتراب التحليل النظمي، تجدر الإشارة إلى أن هناك ثمة مجموعة من المفاهيم الأخرى. فبعض هذه المفاهيم يوضح الخطوط العريضة لأبنية وحركة النظم مثل وصف النظام بأنه مغلق أو مفتوح. ومنها ما يدور حول المستوى الهيراركي مثل النظام الفرعي. ومنها ما يتناول جوانب التنظيم الداخل للنظم مثل مفاهيم التكامل، والاعتماد المتبادل، والتكيف، والتعلم، والنمو، والتدهور، والأزمة، والانهيار، والحمل المتعدي. كما أن منها كذلك مفاهيم تتبلور حول ضبط وتنظيم وبقاء النظام مثل مفهومي الاستقرار والتوازن.
الفروض الأساسية التي يرتكز عليها الاقتراب
يرتكز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون على مجموعة من الافتراضات لعل أهمها
(1) العملية السياسية عملية آلية ديناميكية
يفترض اقتراب التحليل النظمي أن التفاعلات السياسية بين مكونات النظام المختلفة وبعضها البعض من ناحية، وبينها وبين معطيات البيئة المحيطة تتم بصورة آلية ديناميكية. هذه الآلية والديناميكية تحكم عملية تحليل النظام السياسي وتوجهها. بعبارة أخرى، يبرز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون الطابع الديناميكي الحركي للنظام السياسي من خلال التأكيد على التفاعل بين النظام بأنظمته الفرعية والبيئية بأنظمتها المختلفة.
(2) النظام السياسي نظام مفتوح يؤثر ويتأثر بالأنظمة الأخرى
نقطة البداية في التحليل النظري لدى ايستون تفترض أن التفاعلات السياسية في اطار النظام السياسي تتم استجابة للتأثيرات البيئة. النظام السياسي بطبيعته كنظام اجتماعي قد فصل تحليلياً عن الأنظمة الاجتماعية الاخرى المشكلة للبيئة، إن ما يجعل تحديد هذه البيئة بمختلف مكوناتها أمر هام حيوي هو الافتراض الذي ينظر إلى الحياة السياسية على أنها

تشكل نظام مفتوح عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة، وإن كان هو الآخر يؤثر فيها بدوره. وطالما أن الحياة السياسية تفهم على أنها نظام مفتوح، فإن المطالب، كما يرى ايستون، تقدم لنا أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الطرق التي من خلالها تحدث البيئة الكلية انطباعها على عمليات النظام وعلى مخرجاته.
(3) النظام يقوم بمجموعة من الوظائف لا بد منها لاستمراره
إن ما يعطي قيمة للدراسة التحليلية للحياة السياسية كنظام سلوكي كما ينظر إليه اقتراب تحليل النظم هو التساؤل الذي يثور حول كيف أن الأنظمة السياسية تستمر في عالم يتضمن عناصر التغير كما يتضمن عناصر الاستقرار. يقول ايستون أن محاولة الإجابة على هذا التساؤل كشفت ما أسماه"دورة حياة الأنظمة السياسية"، والتي تتبلور حول مجموعة من الوظائف الهامة والحيوية التي بدونها لا يستطيع أي نظام سياسي أن يستمر وأن يحافظ على بقاؤه.
(4) البيئة تفرض على النظام ضغوطاً
على الرغم من أن البيئة بمختلف جوانبها تمثل مشكلة تحليلية خطيرة، إلا أن ايستون أ كد على أنه يمكن إلى حد كبير تبسيط الأمور فيما يتعلق بتحليل أثر البيئة إذا ما تم تركيز الاهتمام حول مجموعة من المدخلات التي يمكن استخدامها كمؤشرات تلخص المؤثرات الأكثر أهمية من حيث مدى إسهامها في خلق التوتر والضغوط التي تعبر الحدود من البيئة إلى داخل السياسي بالتركيز على مدخلين رئيسيين: المطالب، التأييد.
المطالب تفرض على النظام السياسي إذن ضغوطاً، لا بد له من أن يستجيب لها بصورة أو بأخرى. يرجع ذلك إلى أن عدم اشباع المطالب والرغبات الجماهيرية يترتب عليه تزايد الإحساس بعدم الرضى عن النظام السياسي، ومن ثم يقل الدعم والتأييد له.
الضغوط كمفهوم تشير إلى التأثيرات القادمة من البيئة نحو النظام. وإن كان ايستون يرى أنه ليست كل هذه التأثيرات البيئية تمثل توتراً وضغوطاً على النظام. فبعضها قد يلعب دوراً إيجابياً في استمرار النظام، بينما بعضها الآخر قد يكون محايداً فيما يتعلق بأحداث التواترات والضغوط، إلا أن الغالبية من هذه التأثيرات يتوقع أن تعمل في اتجاه إحداث التوترات والضغوط على النظام.
(5) النظام السياسي نظام تكيفي
يعتقد ايستون أن القدرة الحقيقية لبعض الأنظمة على الاستقرار والبقاء رغم الضغوط والتوترات غير العادية التي تتعرض لها من بيئاتها يحمل على الاعتقاد في الحقيقية أن هذه الأنظمة تمتلك بالضرورة مقدرات للاستجابة في مواجهة هذه الضغوط والتوترات. وعليه فهو يفترض أن النظام السياسي هو نظام تكيفي ويقوم في الواقع بأكثر من مجرد رد الفعل بصورة سلبية للتأثيرات البيئية.
العلاقات الأساسية التي يطرحها الاقتراب
يطرح اقتراب التحليل النظمي مجموعة من العلاقات الأساسية بين العناصر أو المتغيرات التي يتكون منها النظام السياسي من ناحية، وبينها وبين البيئة الخارجية المحيطة عبر الحدود التي تفصلها عن غيره من النظم الاجتماعية الأخرى من ناحية أخرى.
يذهب ايستون إلى أنه ما أن يوجد النظام السياسي بحدوده وأنظمته الفرعية حتى نجد أن هناك مجموعة من العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة باعتبار أنها أنظمة مفتوحة تتعرض لتأثيرات من بعضها البعض. فالواقع أنه ليست هناك ثمة أنظمة اجتماعية، وبينها الأنظمة السياسية بالطبع، يمكن أن تكون معزولة تماماً عن البيئة المحيطة. وعلى ذلك فإن التحليل النظمي يجب أن يركز جل اهتمامه بدراسة العلاقات عبر الحدود بين الأنظمة وبين المدخلات والمخرجات. وعلى الرغم من أنه ليس هناك ثمة

اتفاق بين دارسي السياسة حول التسميات المتعلقة بالمفاهيم في هذا الخصوص، إذ كما سبق ورأينا أن ايستون على سبيل المثال يرى مدخلات النظام السياسي من البيئة بمختلف أنظمتها الرئيسية والفرعية تتمثل فقط في المطالب والتأييد، باعتبارهما المؤشرين الرئيسيين للطريقة التي تؤثر بها العوامل البيئية في تشكيل وإعادة تشكيل عمليات النظام السياسي، يرى الموند وكولمان مزيداً من التحديد لهذه المدخلات، على النحو السابق الإشارة إليها، كما يضيف ميتشيل عنصر الموارد كعنصر ثالث.
وعلى الرغم من أن هذه المفاهيم المتعددة تتفاوت، إلا أنها تتشابه إلى حد كبير من حيث مدلولاتها بخصوص ما يتم تبادله وانتقاله عبر الحدود بين النظام السياسي بأنظمته الفرعية ومختلف الأنظمة البيئية الأخرى. فعندما يشير ايستون أو الموند أو ميتشيل إلى المطالب أو التعبير عن المصالح أو تجميعها، فإنهم يشيرون إلى ظاهرة أمبريقية تتعلق بما يلي: من يطلب؟ ماذا؟ من من؟ كيف متى، وبأي النتائج على المشاركين وعلى النظام؟
ولكي يوضح ايستون عملية تنظيم المصالح المختلفة، اقترح بناء نموذج لمسارات هذه المطالب منذ اللحةظ الأولى لدخولها إلى النظام السياسي مروراً بمسارها نحو نقطة الخروج كسياسات وقرارات ملزمة. وعلى الرغم من اعتراف ايستون بأن التحليل النهائي لكل نظام سوف يكون فريداً، كما أن مسار المطالب سوف يكون أيضاً، إلا أنه يرى مع ذلك إمكانية التجريد في اطار تعددية الواقع لنموذج نمطي لشبكة المطالب في كل الأنظمة السياسية منذ اللحظة التي تولد فيها المطالب في شكل رغبة أو شعور أو حاجة غامضة، إلى اللحظة التي تجد فيها طريقها في النهاية عند مواضع مختلفة من القرارات السياسية. أطلق ايستون على هذا النموذج"نموذج تدفق المطالب"، والذي يمكن توضيحه في الشكل التالي
المعضلات التي يحاول الاقتراب حلها
(1) إمكانية التحليل
يختلف مفهوم ايستون عن النظام السياسي كما هو مستخدم في اقتراب تحليل النظم عن مهفوم علماء السياسة السابقين عليه في أنه يركز على الجانب التحليلي، بينما كان هؤلاء العلماء يركزون على الجانب المؤسسي القانوني. يرتبط بذلك ما أدخله اقتراب تحليل النظم من مفاهيم جديدة إلى حقل الدراسات السياسية، والتي تمت استعارتها لا فقط من العلوم الاجتماعية الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس، بل أيضاً من العلوم الطبيعية، الأمر الذي لا شك كان له أكبر الأثر في إثراء العلوم السياسية.
يرتبط بذلك أيضاً شمول التحليل لمختلف عناصر النظام السياسي، بما يعنيه ذلك من كافة العمليات المتمثلة في المدخلات والمخرجات. الشمول أيضاً يعني عدم اقتصار النظام السياسي على المؤسسات الحكومية الرسمية كالسلطات الثلاث، أو على الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة، إنه يتسع مع الاطار التحليلي الجديد ليشمل مختلف الجماعات

والقطاعات التي تلعب دوراً مؤثراً، أو يمكنها أن تلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية سواء في ذلك أكانت مع أو ضد النظام، مشروعة أم غير مشروعة كالاضرابات والمظاهرات.
أضف إلى ذلك أن اقتراب تحليل النظم كاستراتيجية عامة أو اطار تحليلي لدراسة الظاهرة السياسية أو الاجتماعية يحدد نقاط تركيز للدراسة، كما يحدد كيفية معالجة الموضوع أو الاقتراب منه، كما يقوم بتحديد وحدات التحليل المستخدمة. فضلاً عن ذلك فإن أهمية اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية ترجع غلى أن عدد لا بأس به من الاقترابات الأخرى المتسخدمة في التحليل السياسي، كالاقتراب البنائي - الوظيفي والاقتراب الاتصالي تعتمد في مفاهيمها وأساسياتها على اقتراب تحليل النظم.
(2) إمكانية القياس
مع اقتراب تحليل النظم، لم يعد علماء السياسة يهتمون فقط بمجرد مقارنة الأنظمة عن طريق وجود أو عدم وجود خاصية، بل أكثر من ذلك القياس الدقيق لخصائص محددة. ويرجع ذلك بالأساس إلى الطبيعة التحليلية السلوكية لعلم السياسة، والقائمة على مجموعة كبيرة من المفاهيم التي يمكن الاستدلال عليها من خلال مجموعة من المؤشرات التي يسهل قياسها.
(3) إمكانية المقارنة
اقتراب تحليل النظم أفاد كثيراً في مجال دراسات المقارنة، لا سيما بعد تطويره على يد الموند وباول. فلما كان النظام السياسي بأبنيته المختلفة، والتي تتفاوت في بساطتها وتعقيداتها وفي درجة رقيها وتقدمها يمثل ظاهرة عالمية توجد في كل المجتمعات، حتى البسيط منها، باعتبار أنها تمتلك شكلاً أو آخر من أشكال الأبنية السياسية، فإن إمكانية المقارنة بين النظم السياسية تصير ممكنة على أساس مجموعة من الأبعاد. من هذه

الأبعاد: مدى تعقد وتمايز هذه الأبنية، مدى التخصص الوظيفي لهذه الأبنية، مدى قدرة هذه الأبنية على القيام بالوظائف الموكولة إليها... إلخ.
بعبارة أخرى، كانت من نتيجة اكتشاف وظائف مشابهة أو نمطية في كل نظام سياسي، تاريخي أو معاصر، أضحى من الممكن الدراسة المقارنة للطربقة أو الطرق التي من خلالها يقوم النظام بأداء هذه الوظائف في ظل ظروف مختلفة لكل نظام. وهو الأمر الذي أضحى معه علم السياسة في وضع يمكن من الوصول إلى تعميمات تتعدى خبرة أي نظام سياسي واحد، أو أنظمة أخرى تنتمي لثقافة أو حضارة واحدة، بما يعنيه ذلك من إمكانية تقدم الدراسات المقارنة.
الانتقادات الموجهة إلى اقتراب تحليل النظم
بعد العرض السابق للجوانب الإيجابية التي أضافها اقتراب التحليل النظمي إلى حقل الدراسات السياسية، تجدر الإشارة في ختام هذا البحث إلى أهم الانتقادات التي تعرض لها الاقتراب. لعل أول الانتقادات التي وجهت إلى اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية كما قدمه ايستون هو المحافظة والتحيز للوضع القائم. فالاقتراب يعطي اهتمام مبالغ فيه للاستقرار كيقمة عليا تسيطر على سلوك النظام. حتى وإن كان الاستقرار المقصود لا يفترض الجمود، بل يفترض التغيير المنظم الذي يطرأ على البيئة أو النظام أو كليهما استجابة للمطالب، إلا أنه لا يضمن التغير الثوري بما يعنيه ذلك من تحول جذري شامل للنظام السياسي، وهو الأمر الذي لا موضع له في اقتراب النظم.
الاقتراب يجعل من استمرار النظام والأمر الواقع في حد ذاته كهدف، ويعطي جل اهتمامه وتركيزه بالبحث عن مقومات استمرار النظام وتدعيمه وليس عن عوامل تغييره وتطويره. بعبارة أخرى يكشف عن عناصر الاستمرارية والاستقرارية في النظام، دون أن يستطيع تفسير كيف

ولماذا يتطور النظام من وضع إلى آخر بصورة دقيقة. ومن هنا يوجه البعض انتقاداً إلى الاقتراب باعتبار أن أغلب الدراسات التي اتبعته انتهت إلى نتائج محافظة أو مؤيدة للأمر الواقع.
هناك أيضاً انتقاد آخر يوجه إلى اقتراب تحليل النظم كما صاغه ايستون، يتمثل في التناول السريع والمبهم للعملية التحويلية. هذه العملية التي تتمثل في مجموعة الأنشطة والتفاعلات الداخلية التي يقوم بها النظام والتي بمقتضاه تتحول مدخلات النظام إلى مخرجات. اكتفى ايستون بالإشارة إلى أن هذه العملية التحويلية تحدث داخل النظام دون أن يذكر لنا بوضوح الأبنية التي تقوم بها وكيفية القيام بها. ومع ذلك يمكن القول أن وظائف النظام على مستوى المخرجات كما صاغها الموند وباول تتدارك ذلك بعض الشيء.
وحتى بعد التعديلات التي أدخلت على نموذج ايستون لتحليل النظم، فإن الاقتراب لا يزال توجه إليه الانتقادات لا سيما فيما يتعلق بصعوبة التحويل الإجرائي لكثير من المفاهيم الجديدة التي جاء بها الاقتراب، لتصبح قابلة للقياس، ومن ثم اختبار العروض وإجراء الدراسات. ولعل الصعوبات التطبيقية التي اعترضت محاولات استخدام الاقتراب، لا سيما في مجال دراسات العلاقات الدولية والنظام الدولي، أصدق دليل على ذلك.

مصادر البحث
(1) جابرييل الموند، بيغهام باول، السياسة المقارنة. ترجمة أحمد عناني(القاهرة: مكتبة الوعي السائر، نسخة معدلة، 1966)
(2) د. علي الدين هلال، مدخل في النظم السياسية المقارنة، مجموعة المحاضرات التي ألقيت على طلبة السنة الثانية بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1975 - 1976
(3) د. فاروق يوسف أحمد، قواعد المنهج العلمي: المناهج والاقترابات والأدوات المنهجية(القاهرة: مكتبة عين شمس، 1985)
(4) د. كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة(الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع، 1987)
(5) د. محمد محمود ربيع، مناهج البحث في السياسات(بغداد: مطبعة جامعة بغداد، 1978)
Churchman, C. West, The Systems Approach New York : Dell Publishing Co., Inc, 1968.
Cortes, Fernando, Adam Przeworski & John Sprague, Systems Analysis for Social Scientist?( New York : John Wiley & Sons, 1974. Easton , David, The Political System(New York: Alfred A. Knopf, 1953).
………………..,"An Approach to the Analysis of Political Systems", World Politics, Vol. 9, April 1957.
(10) ……………….., A System Analysis of Political Life(New York: John Wiley & Sons, Inc., 1965).
(11) ……………….., A Framework for Political Analysis(New Jersey: Prentice-Hall, Inc., 1965).
(12) ……………….., Varieties of Political Theory(N.J.: Prentice - Hall, Inc., 1966).
(13) International Encyclopedia of the Social Sciences, Vol. 15,(System Analysis).
Holt, Robert & John Richardson,"Competing Paradigms in Comparative Politics", in Robert Holt & John Turner(eds.), The Methodology of Comparative Research(New York: The Free Press, 1970).
Mitchell, W. C., The American Polity(New York: The Free Press, 1962).
Parsons, Taicot, Social System(New York: The Free Press, 1951).
Raddiffe-Brown, A, R,, A Natural Science of Society(Illinois; The Free Press, 1957).
Young, R., Approaches to the Study of Politics(Evanston: Northwestern University Press, 1958).
اقرأ المزيد

الاقتراب البنائي (الوظيفي ) واستخداماته في البحوث السياسية

الاقتراب البنائي – الوظيفي واستخدامه في البحوث السياسية: نظرة تقويمية

السيد عبد المطلب غانم

ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 24ص.








أول سؤال يواجه الباحث عندما يتعرض للاقترابات هو:"ما الإسهام الذي يود تحقيقه: تنمية الاقتراب أم استخدامه أم تطبيقه؟" ولا ننكر واقعتين احتمال حدوثهما كبير جداً، أولاهما أن تنمية الاقتراب وتطبيق الاقتراب يسهمان في تنمية العلم، وثانيتهما أن تطبيق الاقتراب قد يسهم في تنمية الاقتراب، بينما الاقتراب قد ييسر أ يعوق التطبيق أو الاستخدام، إلا أن التمييزم هام[1]، فهل يستهدف الباحث"التنظير" أم الواقع العملي أم كليهما معاً؟ هذا السؤال اجابته في تصنيف البحوث بدءاً من"البحث" أي الموجه إلى الحقل الأكاديمي وانتهاء بالبحث"الحركي"، أي الموجه نحو"الفعل" و"السياسة" Policy.

وأياً كان الإسهام المنشود، فلا بد أن يخضع الباحث لاقتراب ومحاولات تطبيقه واستخدامه للتقويم، ولا نسعى هنا إلى تقويم الاقتراب بغرض خلق فرص لتنميته أساساً، وإن كان بعض الفرص سيتجلى في تقويم الاقتراب بغرض تيسير التطبيق أو الاستخدام، ومن تقويم محاولات والاستخدام، وعليه، ينقسم هذا البحث إلى ثلاثة أجزاء

معايير تقويم الاقتراب البنائي- الوظيفي ومحاولات تطبيقه واستخدامه.

تقويم تطبيق واستخدام الاقتراب البنائي- الوظيفي في علم السياسة.

تقويم تطبيق واستخدام الاقتراب البنائي الوظيفي في البحوث والدراسات السياسية في مصر، ويختتم بتأمل بعض فرص التطوير وزيادة الفهم.

أولاً- معايير تقويم الاقتراب ومحاولات التطبيق والاستخدام

يفرض الكشف عن هذه المعايير طرح بعض التمييزات والأفكار الأساسية بإيجاز يتناسب مع المساحة المتاحة:

1- لغة الاقتراب ولغة التطبيق والاستخدام

يستخدم الاقتراب لغة ذات تعريفات اسمية nominal أو معجمية Lexical أما لغة التطبيق أو الاستخدام فذات تعريفات إجرائية Operational أو واقعية Real، ويعكس الانتقال من الاسمية إلى الإجرائية التحول من لغة النظرية والتنظير إلى استراتيجيات الإثبات(الأقرب إلى الأدلة الجنائية)، أي توليد أدلة إثبات فروض أو نظريات قابلة للاختبار والتفسير الإمبريقي.

ويتولد عن اللغة التنظيرية أبعاد للمفاهيم ومفاهيم مشتقة لها، وافتراضات(أو بتعبير البعض) قضايا Propositions، ويتولد عن اللغة الإجرائية متغيرات ومؤشرات لها، وفروض Hypothesls وفروض عملية working hypothesis ويغلب على اللغة التنظيرية الاستنباط وعلى اللغة الإجرائية الاستقراء[2]

و"تابعة" باصطلاحات التوقعات التجريبية والمشاهدية، ويتبنون مجموعة من الافتراضات على أنها أساسية ثم يشتقون منها القواعد Theorems بالعمليات المنطقية، ونادراً ما يهتمون بجدية بتعريف مفاهيمهم بصراحة وبطريقة صورية formal.

2- العلاقة بين المتغيرات

يمكن التمييز بين:[3]

- العلاقة الحتمية deterministic أو الاحتمالية stochastic وتعبيراً عن الأولى:"إذا وجدت س توجد بلا خلاف ص"، وعن الثانية:"إذا وجدت س من المحتمل أن توجد ص".

- العلاقة الانعكاسية reversible أو غير الانعكاسية trreversible وفي الأولى:"إذا وجدت س توجد بعدها ص"، وفي الأخيرة:"إذا وجدت ض فلا نتيجة عن س".

- العلاقة التعاقبية sequential أو التعايشية coextensive وفي الأولى:"إذا وجدت س توجد بعدها ص"، وفي الأخيرة:"إذا وجدت س توجد معها ص".

- العلاقة الضرورية necessary أو الإحلالية Substituation مثال الأولى:"إذا وجدت س، وفقط إذا وجدت س توجد ص"، ومثال الثانية:"إذا وجدت س توجد ص، ولكن إذا وجدت ع أو أي معادل وظيفي لها توجد أيضاً ص".

- العلاقة الكافية sufficient أو المشروطة contingent، ففي الأولى:"إذا وجدت س توجد ص بغض النظر عن أي شيء آخر"، وفي الثانية:"إذا وجدت س توجد ص بشرط وجود نوع"

قد تكون التقريرات التي يتضمنها الاقتراب إما: حتمية، غير

انعكاسية، تعاقبية، ضرورية، وكافية، أو: احتمالية، إنعكاسية، تعايشية، إحلالية، ومشروطة، والأولى أقل وجوداً في علم السياسة وأرهق في التدليل والإثبات، والثانية خلاف ذلك. ويمكن وصف النوع الأول"بما لا يمكن تحاشيه invitability" والثاني بعلاقة"الاعتماد المتبادل Interdependency".

3- التعميمات: توجد تعميمات تعمل كقانون lawlike وأخرى تظل تعميمات وصفية، النوع الأول هو التعميمات الحقيقية، وتصاغ بطريقة تغطي مجموعة المشاهدات وتتخطاها، ويقتصر الثاني على تغطية مجموعة المشاهدات ولا يتخطاها، مثل القول:"كل عمداء كلية الاقتصاد ذكور" فهو تعميم لا يؤثر أداة تنبوئية، فلا نستطيع أن نتوقع منه أن العميد المقبل ذكر أم أنثى. بينما يسمح الأول بالاستنتاج الاستنباطي من مجموعة المشاهدات التي بني عليها إلى مجموعة مفتوحة وغير محدودة، وموطن الأول الاقتراب المصاغ بطريقة استنباطية، وأهم سماته: عدم الاختلاف invariance بمعنى الانطباق على مجموعة لا نهائية من المشاهدات تدعم حدوده، وغير مقيد بالزمان والمكان، ويوجد في البناء الاستنباطي، وقابل للاختبار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ويستبعد هذا التحديد التعميمات التزامنية Syndromatic التي تتضمن توكيداً لخصائص متزامنة نحو:"إذا وجد س، فإن عناصر أخرى محددة: ص، ع، ل تتعايش(تتزامن) مع س"، فهي افتراضات عممت كتعريفات وتستخدم كأساس للتبويب أو التصنيف.

وغالباً ما يغض الطرف عن هذا التمييز، وما زالت معظم الاقترابات في علم السياسة سوابق لبناء النظرية، أي تنتمي إلى ما قبل التنظير.

4- التفسير

يشير التفسير إلى أحد أربعة أنواع من النشاط الفكري:

- معرفة معنى س: أي تقديم معنى لكلمة، أو عبارة، أو رمز معقد،

أو ناتج أدبي أو رمزي غير لغوي، كقول:"اشرح معنى(المصداقية)؟(ترداف اشرح كلمة Explain)" أو قول: اشرح ما يعنيه استون بـ(التخصيص السلطوي للقيم)"، فالتفسير هنا شرح للمعنى.

- معرفة كيف تعمل ص: مثل تعليم الآخرين كيف يصنعون الكعك أو يضعون برنامجاً مناسباً للحاسب الآلي، وتتضمن إعطاء توجيهات معقدة ترشد إلى الأداء الناجح، كقول:"وضح لي أو علمني كيف يصنع الكعك؟" أو قول:"وضع لي أو علمني كيف توضع خريطة البرنامج؟(ترداف"وضح لي" و"علمني" كلمة Explain)، فالتفسير هنا بيان عملي أو بيان نظري لما يمكن عملياً.

- عرض أسس ل: بمعنى - مثلاً- إثبات أن زوايا المثلث متساوي الأضلاع متساوية أو أن مجموع زوايا المثلث 180 درجة، وهذا ما يسميه المناطقة"البرهنة" فهي برهنة صورية formal demonstration ومكانها في مجال اللغة الصورية، كقول:"اثبت أن مجموع زوايا أي مثلث تساوي 180 درجة؟"(ترداف"اثبت" كلمة Explain)، فالتفسير هنا عملية إثبات أو برهنة.

- معرفة لماذا ل: بمعنى تقديم سبب لحدث معين أو شيء معين أو بتعبير أعم بيان علة(الكشف عن علة) لمعلول، كالإجابة على:"فسر لماذا أصبح مبارك رئيساً لمصر"، أو:"فسر لماذا دخلت مصر حرب أكتوبر 1973"، هنا التفسير تسبيب أو علة.

ولعل النوع الأخير هو المقصود عندما يتحدث الناس عن التفسيرات، وهو المقصود في العلم تحديداً[4]، فغاية العلم تقديم إجابات يعول عليها لأسئلة"لماذا؟"، إلا أن ستة أنواع من الإجابات ممكنة[5]:

(أ) التفسير التطوري gentic، بمعنى تقديم تتالي زمني للأحداث يجعل حدوث الحدث موضع التفسير جلياً أو واضحاً أو مفهوماً، ففي هذا التتالي يكشف النقاب عن السبب أو العلة.

(ب) التفسير بالإشارة إلى نوايا الفاعل actor's intentions اعتماداً على أن التفاعل رشيد ويأخذ بالوسائل التي تؤدي إلى الغايات متى توافرت لديه المعلومات وأراد الغايات، فسلوكه هادف. وقد تستبدل النوايا بأشياء أخرى قريبة كالأغراض purposes والدوافع motives والأسباب العقلية reasnons.

(ج) التفسير باستخدام نزعات مسبقة dispositions، وينبني كسابقه على مفهوم الرشادة الإنسانية، إلا أنه يعول أكثر على اتجاهات الفاعل، أي استعداده المسبق للتصرف بطريقة معينة في موقف لم تتحدد أبعاده بعد.

(د) التفسير بوظيفة الحدث، بتوضيح غرضه النسقي في السياق المعطى، وهذا نمط من التفسير متميز عن النمطين السابقين مباشرة، وهو لا يقتصر على العلوم البيولوجية والاجتماعية وإنما يستخدم أيضاً في العلوم الفيزيقية، والتفسير الوظيفي تاريخي الطابع واهليجي elliptical وجزئي، ويركز عموماً على الحدوث المنتظم لحاجات فردية أو جماعية أو لنظام يمكن أن تفي بها مجموعة من الأنشطة أو الأبنية المتكافئة وظيفياً.

(هـ) التفسير باللجوء إلى التعميم الإمبريقي، فيتحدد الحدث المفسر في إطار مجموعة منتظمة من الأحداث[6].

كانت هذه بعض المحكات الأساسية لتقدير جدوى تطبيق أو استخدام اقتراب ما، فما الذي يمكن أن يقدمه الاقتراب للباحثين والممارسين عموماً؟ يؤدي الاقتراب - أو يجب أن يؤدي- خمس وظائف، ويمكن استخدامها في نفس الوقت كمعايير لتقويم الاقتراب من ناحيتي الأصالة والجدوى[7]:

1- عنصر مفاهيمي: بمعنى أن الاقتراب يعطي تنظيماً جيداً لمجموعة المفاهيم الأساسية والعلاقات المتبادلة بينها، وتقدر هذه المفاهيم ليس على أساس صدقها أو زيفها وإنما على أساس منفعتها التنظيرية.


2- عنصر تنظيري: بمعنى تقديم مجموعة من الفروض التي يمكن اخضاعها للاختبار الإمبيريقي.

3- قواعد التفسير التي تدلنا على العبارات التي تصف الظاهرة موضع المشاهدة، وأي المشاهدات تثبت أن تنبؤات النظرية المعطاة صحيحة أو زائفة، فهذا العنصر - كما وضح ميرتون- يؤدي إلى تراكم التفسيرات النظرية.

4- تحديد المشكلات النظرية والإمبيريقية التي تستحق الدراسة، وتسمى بالمعضلات puzzles، فهي"مجموعة المشكلات التي تثبت الأصالة والمهارة في الحل"، والمعيار في الحكم عليها هو التأكد من وجود الحل.

5- عنصر المعرفة- التنبؤ: بمعنى الاقتراب من الصحة المنطقية والإمبيريقية، فتتوافر في الاقتراب القدرة على الإضافة للمعرفة.

ثانياً- تقويم تطبيق واستخدام الاقتراب البنائي- الوظيفي في علم السياسة

ظهر الاقتراب البنائي- الوظيفي صياغة وتطبيقاً في علم السياسة على يد ألموند وزملائه، فقد حاول بناء نظرية وظيفية للنظم السياسية، وطبقوها في كتاب على المناطق المتنامية وفي آخر على مجموعة كبيرة من النظم من قبيل الدليل والتوضيح، ومن محاولة استون في بناء نظرية عامة للنظم السياسية ومحاولات ألموند التالي توضيحها نمى اقتراب فرعي في البنائي- الوظيفي هو اقتراب"المدخلات- المخرجات"، وحاول بلوندل تقديم اقتراب بنائي- وظيفي للحكومات، وحاول ميتشيل تطبيق أفكار(اقتراب) تالكوت بارسونز على النظام السياسي الأمريكي[8].


1- ألموند والمتطلبات الوظيفية: استخدم ألموند أربعة مفاهيم أساسية: البنية، الوظيفة، أسلوب الأداء، القدرات، وهي أبعاد المتطلبات الوظيفية.

البنية structure: يضمن ألموند النظام السياسي كل التفاعلات التي تؤثر على الاستخدام أو التهديد بالاستخدام الشرعي للإكراه المادي، وتشير البنية إلى"الأنشطة القابلة للملاحظة التي تشكل النظام السياسي" هي أنشطة منتظمة الحدوث يعبر عنها بالأدوار roles، وقد أدرك ألموند عدم كفاية تعريفه للدور فأضاف:

"يجب ألا يتكون تحليل النظام السياسي من ملاحظة الأنماط الواقعية للسلوك والتفاعل على مدى فترة زمنية فقط، وإنما أيضاً من تلك المقدرات الذاتية المتوطنة في النظام السياسي ككل وفي أجزائه المختلفة"[9].

وهذه الأخيرة هي الثقافة السياسية، فالفبنية ذات وجهين: وجه قابل للملاحظة والتحديد المباشر- السلوك- ووجه مستتر وتحديده غير مباشر- الثقافة السياسية- والبنية هي الفاعل الوظيفي.

الوظيفة Function: يحتمل مفهوم الوظيفة عند ألموند أكثر من معنى: سلوك، عملية، عامل ما، بل ويعتبرها أحياناً خطاً لحدود النظامالسياسي[10]، إلا أنه وضعها في تصنف ثلاثي: القدرات، وظائف التحويل، ووظائف الحفاظ على النظام والتأقلم، ولم يضمن المجموعة الأولى أياً من الوظائف التي درسها، وضمن الثانية ستاً منها، وضمن الأخيرة عمليتي التنشئة السياسية والتجنيد السياسي، ثم عاد وعالجها على أنها: وظائف مدخلات ووظائف مخرجات، والعمليتان سابقتا الذكر كعمليات تسمح باستمرارية النظام وتغيره، وتضم الأولى: تجميع المصالح، وتكتيل المصالح، والاتصال السياسي، وتضم الثانية: وضع القاعدة rule making

وتنفيذها، والتقاضي طبقاً لها، والعلاقة الأساسية بين الأبنية والوظائف بهذا المعنى هي فكرة"تميز الأدوار والأبنية"[11].

أسلوب الآراء performance style: ويشير إلى الطريقة التي تنفذ بها الوظيفة، وقد ميز بين النظم التقليدية والنظم الحديثة - أو بالأحرى بين الغربية وما عداها- طبقاً لأسلوب أداء كل وظيفة وعملية ذكرها، وفي هذا يربطها بوجهي البنية، ويبرز ارتباط أسلوب الأداء بالثقافة السياسية[12].

القدرات capabilities: ويشير إلى"مستوى الأداء" بل يجعلها ألموند مرادفاً للأدء نفسه[13]، وقد حدد خمس قدرات: القدرة الاستخراجية extractive، القدرة التنظيمية regulative، القدرة التوزيعية distributive، القدرة الرمزية symbolic، القدرة الاستجابية responsive، وكانت القدرات بمثابة اقتراح لم يطبقه ألموند وزملاؤه.

وأهم المشكلات التي يثيرها هذا الاقتراب:[14]

- جعل النظام السياسي المتقدم معادلاً للنظام الديمقراطي"الأنجلو- أمريكي"، وإهمال الوظائف المجتمعية وإسهام النظام السياسي فيها.

- تعدد أبعاد المقارنة، فهي حوالي 20 بعداً، منها اثنان فقط أساسيان، والباقي ثانوي، وهذا يفرض صعوبات غير قابلة للحل في المقارنة.

- الميل إلى التركيز بداءة على العلاقات الاستاتيكية أكثر من العلاقاات الديناميكية، فهذا الاقتراب مهتم - فوق كل شيء- بمشكلات البقاء ومتطلبات التأقلم المستمر وتشغيل الوظائف والأبنية المختلفة الموجهة نحو الحفاظ على النظام، ولا يقبل إلا التغير التدرجي والسلامي.

- المعاناة من"خدعة السببية الوظيفية النهائية fallacy of infinite


funcionalism"، أي الميل إلى"تفسير أصول الشرط أو نمط الحركة باصطلاحات كونه ضرورة وظيفية لبقاء النظام"، فالقول بأن بنية معينة تؤدي وظيفة هامة ما لا يني أن هذه الوظيفة مفسر كاف لأصلها ووجودها.

العنصر المفاهيمي، وفير، لكنه ناقص مشوش منطقياً، ويجعل هذا التشويش من العسير تحديد العنصر التنظيري والمعضلة التي يحلها وقواعد التفسير، وباختصار متى فسد الأساس فسد البناء، إلا أنه ما زال صالحاً لتنظيم جميع البيانات وربما وضع معايير للملاحظات الأساسية.

الإغراق في استعارة وتطبيق المفاهيم المستخدمة في العلوم الطبيعية.

لا يمكن تطبيقه على الظواهر السياسية الجماهيرية مثل التصويت وتكوين الاتجاهات السياسية والمظاهرات وغيرها مما يعد"سياسة ندوة".

2- بلوندل والاقتراب البنائي- الوظيفي للحكومات: الحكومة جهاز لتخصيص"القيم" وعند الضرورة إجباراً، وذلك على مراحل ثلاثة:

"أولاً، لا بد وأن نعرف الطريقة التي تصاغ بها هذه القيم ويتم إعلام الحكومة بها، وثانياً، لا بد وأن نعرف كيفية هضم(تمثيل) جهاز الحكومة وتحويله هذه القيم إلى قرارات قابلة للتطبيق على كل المجتمع، وثالثاً: لا بد وأن نعرف كيف تنفيذ هذه القرارات طبقاً لخط الأمر الحكومي"[15].

والهدف الأساسي من ذلك تخفيض التوتر وحل الصراعات، وأداته أبنية ذات طابع"قيمي وإجرائي"، يسميها"ترتيبات قانونية"، ويقيم النموذج على ثلاثة مفاهيم:

النظام السياسي: لم يقدم بلوندل تعريفاً للنظام السياسي وإنما يقدمه مضاهاة للآلات الإلكترونية:

"يمكن فهم النظام السياسي بالمضاهاة بالكمبيوتر الإلكتروني الذي6

يشغل وبالتالي يحول"المدخلات" إلى"مخرجات" بينما تسمح آليات التكيف بالتغذية العكسية... وتدفع المدخلات النظام السياسي إلى الحركة، فيجب فهمه كماكينة معقدة يدفعها للحركة عدد ضخم من المطالب والمساندات التي على مستويات مختلفة من التحديد.... وماكينة النظام السياسي لها رقابة على المخرجات أكثر مما لها على المدخلات"[16].

ويؤكد بلوند على آليتين: آلية العرض أو التسجيل momitoring وهو الذي يسجل المطالب"بطريقة معقدة" وبما يؤدي إلى تحريك"الماكينة"، وآلية ا لتحويل وهي التي تحول المدخلات إلى مخرجات بعد"عملية اختيار أو تقييد، أو إعادة ترتيب"، والنظام السياسي هنا هو"الحكومة".

الوظائف: يرى بلوندل أن مشروع ألموند مرض إلا أنه منتقد في بعض جوانبه خاصة الوظيفة والعملية، ويعيد الصياغة، فآلية العرض تقوم باختيار وتوليف المطالب، أي"التجميع" و"التكتيل" بتعبير ألموند، ويجعل المخرجات:

- مخرجات قيمية وهي عامة وليست اجرائية، ويسميها"بالمخرجات الداخلية"، وترادف"صنع القاعدة" عند ألموند.

- مخرجات خاصة وهي إجرائية وتنبع من المخرجات العامة وتتجه نحو تنفيذ القاعدة كقرارات فردية.

- مخرجات(قيمية - لكن- خاصة" وترادف"التقاضي طبقاً للقاعدة" عند ألموند.

ومن ثم يلخص بلوندل وظائف النظام السياسي أو عملياته على النحو التالي:

"(1) من أجل تشغيل المدخلات، على النظام السياسي أن يختار من بين الضغوط التي تفرضها العوامل البنائية والمؤقتة التي تميز المجتمع.

(2) ويتبع عملية الاختيار عملية توليف، وكلاهما مرتبط بوجهة النظر القيمية للنظام السياسي، ومن ثم فهما معرضتان"للكبت" أو"الزيادة" نتيجة لتلك العوامل القيمية، (3) ومن أجل تحويل المدخلات إلى مخرجات يمر النظام السياسي بمرحلتين متعاقبتين، فيعبر أولاً عن القواعد القيمية للنظام في تقريرات عامة، (4) ثم تطبق تلك بالتالي على المواقف الخاصة، (5) وأخيراً توجد عملية المراجعة المزدوجة حيث تواجه القواعد القيمية بالمخرجات الفردية كعنصر من آلية التغذية العكسية وكمطلب قيمي في المجتمعات الإنسانية"[17].

الأبنية: يتبنى بلوندل تقسيم الكتب المدرسية للأبنية، فيرى أنها ستة أنواع: التجمعات الاجتماعية والاقتصادية، الأحزاب، الهيئات التنفيذية، البرلمانات والمجالس الاستشارية، الهيئات القضائية، والأجهزة الإدارية، ويربط بلوندل بين الأبنية والوظائف على النحو التالي[18]:

ما قدمه بلوندل لا يصلح لأن يكون"نموذجاً" على الاطلاق، فما قدمه لا يعدو أن يكون تطويراً أوبالأحرى إعادة صياغة للوظائف التي قدمها الموند ليضفي عليها طابع المدرسة التي يعتنقها ألا وهي"الدستورية"، وذلك في محاولة لتطوير تلك المدرسة بإذابة الحكومة في التحليل السياسي فبقية كتابه ليست معالجة على أساس هذه الأفكار المطروحة، وحينما حاول تقديم تصنيف للنظم السياسية استخدم أبعاداً جديدة هي: من يحكم، وبأي طريقة، ولأي غرض، في عودة واضحة إلى أرسطو طبقاً لصياغة داهل Dahl.

3- ميتشيل والمتطلبات الوظيفية للمجتمع: قدم ميتشيل تصوره للاقتراب البنائي- الوظيفي كمقدمة لدراسة"النظام السياسي الأمريكي"[19] وفيه تطوير لفكرة"المدخلات- المخرجات"، وفكرة المتطلبات الوظيفية- تحقيق الهدف، الاندماج، التأقلم، الحفاظ على النمط- لبارسونز.

وقد حدد ميتشيل المتطلبات الوظيفية على النحو التالي:

- التحديد السلطوي لأهداف النظام، فنحن مهتمون بأنواعها وعددها.

- التعبئة السلطوية للموارد لتنفيذ الأهداف، وتشمل الموارد: العاملين والمهارات والماديات والتكنولوجيا.

- اندماج النظام، ويتضمن هذا فحص الضوابط وأنواعها وعددها وفرصتها.

- تخصيص القيم والنفقات، ويتضمن هذا فحص أنواعها وحدوثها ومتلقيها وكمياتها.

وتظهر ثلاثة من هذه الوظائف في جانب المخرجات، وواحدة في جانب المدخلات، وتضم هذه الأخيرة: المطالب والتوقعات والموارد والمساندة، وهي الخاصة بتعبئة الموارد أو التأقلم، أما الثلاثة الأخرى فهي تحقيق الهدف والاندماج والحفاظ على النمط.

وقد تبنى ميتشيل تقسيم استون للمدخلات وأضاف إلى جانب المطالب

"التوقعات" و"الموارد"، وقد أدرك أن مخرجات النظام السياسي"قرارات وسياسات"، وهذا ما ذكره استون، إلا أن ميتشيل وضح مجالات ثلاثة لها: أهداف النظام، القيم والتكاليف، والضوابط.

اهتم ميشيل أكثر من استون والموند بالبنية الداخلية للنظام السياسي(بداخل الصندوق) التي تشغل المطالب والموارد والمساندة فتخرج كقرارات سلطوية، فالبنية ككل والعلاقات بين أجزائها في غاية الأهمية، وقد اهتم ميتشيل بمفهومي"الأدوار" و"القواعد القيمية" التي تحكم هذه الأدوار، وبالعلاقات الرسمية وغير الرسمية، وأهم ما يطرحه في هذا المقام: هل النظام السياسي متخصص وظيفياَ؟ وإلى أي درجة؟ وإلى أي حد تتخصص(تتميز) البنية الداخلية وطبقاً لأي معايير؟ ما مدى وضوح بنية القوة(السلطة)؟ وإلى أي حد هي مفتوحة؟ وإلى أي حد هي مركز أو منتشرة؟ وكيف تكتسب الأدوار السلطوية وكيف تضبط؟ وكيف تفرض القواعد القيمية؟ وما هي آثار البنية على وظائف تحقيق الهدف، التخصيص، إدارة التوتر، والاندماج؟

4- مسائل يجب أن تؤخذ في الاعتبار: بمراجعة الأدبيات السابقة الذكر وغيرها وجدت أن المنظرين والدارسين تنزلج أقدمهم في مزالج عسيرة نتيجة عدم مراعاة عدة مسائل الرعاية الكافية:

(أ) وحدة التحليل: فقد ورثت العلوم الاجتماعية جدل"المعرفة- التكوين" و على قضب التكوين Ontoligy موقفان: للكلية أو الهولامية Holism، فالمجتمع نظام أو كل لا يمكن تنقيصه إلى محصلة مكوناته، والجزئة أو العناصرية elementalism، فالحقيقة الاجتماعية تكتل أفراد متفاعلين، وعلى قضب المعرفة epistemology موقفان: الوضعية positivism وترى أنه لا يوجد إلا شكل واحد للمعرفة العلمية بالحقيقة هو ما تأخذ به العلوم الطبيعية، وعلى العلوم الاجتماعية أن تقتفي أثرها، وغير الوضعية أو معارضو الوضعية unti-positivism ويرون أن طرق دراسة الحقيقة الإنسانية تختلف عن تلك المألوفة في دراسة الحقيقة الطبيعية لأن الأخيرة

موضوعية وسببية تماماً أما الأولى فقصدية وذات معنى، أي الباحث إذن بالنسبة لوحدة التحليل وأسلوب دراستها؟ موقفان لا بد من حسمهما بوضوح كاف في فكر الباحث على الأقل إن لم يكن في نتاجه أيضاً.

(ب) وحدة تحليل أمبيريقية أم تحليلية: فالنظام مثلاً ليس تجميعة عشوائية من العناصر وإنما مجموعة متعامدة يمكن وصفها في اطار زمني وفي اطار مكاني، فهذا نظام أمبيريقي، ولا يمكن الحديث عن النظام إلا في الحالات التي توجد فيها عمليات مختلفة تؤدي إلى القول بوجود نظام محدد وبعينه، ويجب أن يعبر النظام عن اختلافات ظاهرة وهامة في عملياته وأبنيته على مر الزمن، أما من وجهة النظر التحليلية أو التشييدية analytical or constructive فيمكن معالجة أي تجميعة من العناصر التي تبدو ذات أهمية لغرض البحث على أنها تشكل نظاماً على الأقل في المراحل الأولى لجمع البيانات والتحليل، ومن ثم فإن القرار النهائي المتعلق بوجود نظام ما أو عدم وجوده لا يتم الوصول إليه إلا في المرحلة الأخيرة للتحليل، وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه يعفي الباحث من اتخاذ أي قرار تحكمي فيما يختص بوجود نظامما إلا أنه يفرض عليه مشكلات خطيرة فيما يتعلق بجمع البيانات وتبويبها خاصة في المراحل الأولى، وينحو الدارسون هذا النحو في بناء النموذج model-building وفي التشبه simulation بالذات، فعلى الباحث أن يعي الفارق، وأن يعيد البناء إذا تبنى النظرة التحليلية.

(ج) وحدة التحليل ومستوى التحليل: خطأ كثيراً ما يقع فيه الدارسون وهو أن يكون تماثل وحدتين أو شبه تماثلهما بنائياً أو وظيفياً أو سلوكياً مبرراً لمعالجتها كمضاهاة، فيفترض أن التقريرات عن أحدهما تصلح كتقريرات عن الأخرى، فسلوك لجنة تشريعية فرعية لا يمكن تطبيقه ببساطة على لجنة تشريعية غير نوعية(أساسية)، ويتضخم الخطأ بافتراضي أن الوحدة الصغرة تكرار replica للوحدة الأكبر. وقد عبر هنز أيلو عن هذا بخدعتين[20]: الأولى خدعة التركيب composition وهي الأكثر

شيوعاً وتشير إلى استنتاج خصائص الوحدة الكلية من خصائص الوحدات الفرعية التي تتركب منها، والثانية خدعة التقسيم division وتشير إلى استنتاج خصائص الأجزاء من خصائص الكل، ولا يجب أن تختلطا بالروابط linkage بين الأجزاء والكل، وأثر الكل على الأجزاء، وأثر الأجزاء على الكل، وباختصار على الباحث أن يحدد مستوى التحليل ووحدة التحليل، أو بتعبير ايلو"وحدة الموضوع subject unit" و"وحدة الشيء object unit"، فيمكن مقارنة الوحدات المختلفة فقط إذا كانت على نفس مستوى التحليل، ويمكن ربط خصائص الوحدات المختلفة فقط إذا كانت على نفس المستوى، واشتقاق خصائص - مثلاً- وحدة من وحدات أخرى له حدوده وإجراءاته المنهجية.

(د) تحليل النظام، هندسة النظام، وإدارة النظام[21]: يرجع كويد Quade الخلط بين هندسة النظم وتحليل النظم إلى أنها مجرد تطبيق وليسا وجهة بحثية، كما أن إدارة النظم امتداد لتحليل العمليات operations analysis، ويرى ج. بلاك G.Black أن تحليل النظم يوفر إطاراً واسعاً ويحدد النتيجة المطلوبة، أما هندسة النظم فهي وضع التصميم الذي يتفق مع البديل التكنولوجي المثالي، أما إدارة النظم فهي المسئولية الكلية عن ضبط كل الإجراءات، فهل من يطبق الاقتراب البنائي- الوظيفي يسعى إلى التحليل وهذا جانب بحثي أم يستهدف"الهندسة" وهذا جانب تخطيطي أو متعلق"بالتصميم design"، أم ينشد الإدارة والضبط وهذا ما يخص"التشغيل" أو"التحريك"

(هـ) أشكال الوظيفية: يتميز الاقتراب البنائي- الوظيفي كما عرضناه عن نوعين آخرين من استخدام التحليل الوظيفي، وهما: الوظيفة الانتقائية eclisitic، وهو الاستخدام السائع، ويعني أنه في تحليل ظاهرة ما سيهتم دارس السياسة، إلى جانب الأشياء الأخرى، بوظائفها، بمعنى الأغراض التي تخدمها الظاهرة، فتكون الوظيفة أحد الاعتبارات

الأساسية وليست بالضرورة أهمها، والوظيفية الأمبيريقية empirical وهي صورة وسط بين الوظيفية الانتقائية والاقتراب البنائي- الوظيفي، وتعطي الاهتمام لما يؤدي فعلاً ويرتبط بالمجتمع دون اعتبار ذلك متطلباً ضرورياً له.

(و) كلمة function: قدم ميرتون خمسة معاني لهذه الكلمة في الإنجليزية[22]: الأول الاستخدام الشعبي ويشير إلى تجمع شعبي أو مناسبة احتفالية، وهو معنى بعيد عن الاستخدام، والثاني أنها ترادف المهنة occupation وهو شائع لدى دارسي الاقتصاد، والثالث أنها"الأنشطة الموكولة إلى شاغل مركز، منصب معين"، وهو شائع في الخطابة وفي علم السياسة، ويشيع الاستخدام الرابع لدى دارسي الرياضيات، فيرادف كلمة"دالة" بالعربية، فيشير إلى"المتغير الذي ينظر إليه في علاقته بمتغير آخر أو أكثر باصطلاحات تعبر عن اعتماد قيمة المتغير على قيم المتغيرات الأخرى، والخامس مستمد من علم الأحياء، فتشير إلى"العمليات الحيوية التي تساهم في بقاء الكائن العضوي"، ووجدت في"لسان العرب":"الوظيفة من كل شيء: ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام أو علف أو شراب".

ثالثاً: التطبيق والاستخدام في الدراسات السياسية في مصر

أجريت عدة فحوص لرسائل الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. ونوقش تدريس العلوم السياسية في الوطن العربي في عدة دراسات[23]، ومن النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسات والفحوص ويرتبط بموضوعنا ما يلي:

تتسم الأغلبية العظمى من الأعمال المفحوصة بغياب فكرة المنهج أساساً، فيصدق عليها القول"ما نرانا نقول إلا معاداً من قولنا مكرور"

فإن كان ما قيل غير علمي ورتب مع غيره ومع بعضه بأسلوب غير علمي، جاز لكل واحد أن يتوقع ما يكون عليه النتائج النهائي.

النذر اليسير هو الذي تجاوز اقترابات عشرينيات القرن العشير، وبعض هذا النذر تجاوزه بلا تأهيل كاف.

يغيب تحليل المفاهيم أساساً في الدراسات المفحوصة، وتغيب الأطر التحليلية والاقترابات، وكثير من الموجود منها من قبيل"أداء الواجب" في اصطلاح العامة، فلا هدفاً وصل ولا أرضاً قطع.

يسود الطابع المكتبي على معظم الدراسات المفحوصة، وقليلة هي الدراسات الإمبيريقية مع بعض ما يشوبها من عيوب منهجية.

وقد فحصت المجلد الذي قدمته كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عيدها الفضي[24] عن رسائل الماجستير والدكتوراه التي أجازتها. ووجدت أنه من بين رسائل الماجستير في العلوم السياسية والتي وصل عددها إلى 148 رسالة، توجد 41 رسالة تصلح موضوعاتها للمعالجة طبقاً للاختراب البنائي- الوظيفي إلا أن ما عولج منها طبقاً له لا يتجاوز الربع، ومعظمها طبقاً للوظيفية الانتقائية- أي ذكر الوظيفة ضمن أشياء أخرى- وعدد أطروحات الدكتوراه 82 أطروحة منها 19 أطروحة تصدق عليها النتيجة السابقة، وبالعودة إلى الأصول أمكنني تبين نوعين من الأخطاء.

(أ) أخطاء قاتلة تعود إلى التأهيل، وأهمها

- عدم معرفة أو تحديد"الإسهام المنشود" ولهذا عدة مضاعفان من جانب الخلط بين لغة التنظير ولغة البحث الإمبيريقي، فكثيراً ما يلجأ الباحث إلى التقريرات النظرية لاستخدامها كما لو كانت تقريرات وصفية أمبيريقية، والعكس رائج بنفس القدر تقريباً، من جانب ثاني الخلط بين التفسير والتعريف، فيتم إحلال كل منهما محل الآخر، بل واستخدامهما دون مراعاة القواعد المنطقية والإجراءات المنهجية الخاصة بكل منهما، ومن

جانب تدهور البناء المنطقي والفكري للعمل، فيضرب الباحث أنى واتته البلاغة وأسعفه النقل.

- الإنضاج المبكر للعمل: وقد وقع كاتب هذه السطور في هذا الخطأ بطريقة، ووقع فيه الآخرون بطريقتين مختلفتين، ففي رسالته الماجستير"علاقة الرأي العام بالتنمية السياسية: دور الإدراك السياسي" تعجل ووضح نظرية في الموضوع، بينما لا زال حتى اليوم يفحص وتختبر بعض ما طرحه من أفكار حينئذ، والطريقة الأولى التي ينضج بها الآخرون قبل الأوان أن يبدأ الباحث في المراحل الأولى من العمل بالنقد وليس التقويم، ويلجأ إلى التوليف أو المزج بين الاقتراب واقترابات أخرى دون محاولة استكمال النقص من أدبيات نفس الاقتراب، والطريقة الثانية هي"العمومية والكلية"، وللعمومية هنا معنيان: أحدهما تقصي الفكرة - نقلاً وتكراراً- ربما عودة لأصول فكرية سابقة على الأصول الإغريقية، وثانيهما تتبع الوحدة موضوع البحث منذ نشأتها أو ربما قبل نشأتها حتى تاريخ البحث، بينما الموضوع لا يقتضي هذا، و"الكلية" تشير إلى تجاهل فكرة"النطاق الوسط" في النظرية والموضوع.

استبدال الأدلة أو الشواهد evidence بآراء الكتاب وما خلصوا إليه عنها، واستبدال البيانات الكلية aggregate بآراء الكتاب عنها ونتائجهم منها، فيحل"الرأي" محل"المعرفة" طبقاً لفهم أفلاطون، ويحل التقرير عن الوقائع محل الوقائع، ويضرب البحث من ذاتية إلى ذاتية.

(ب) أخطاء قابلة للإدارة أو التعلم: وهي أخطاء من تحاشيها بالممارسة والتدريب، ومنها

- عدم التفرقة يبن التعريف وإعادة التعريف من جانب وتسمية المعرف أو الظاهرة من جانب آخر.

- عدم التفرقة بين مشكلة البحث وموضوع البحث.

- عدم التفرقة بين الافتراض proposition والفرض hypothesis والسؤال Question والقضية Case والحجة argument.

- ضعف البناء الإجرائي وتصميم البحث.

- تشوه أدوات instruments جمع البيانات.

وأخيراً، تملي هذه المراجعة الموجزة وغير الكاملة عدة مهام على المجتمع الأكاديمي

أولاً: الاهتمام بالتأهيل الفكري النظري للطلاب والباحثين خاصة في الاقترابات والنظريات، وفي التقويم والنقد.

ثانياً: الاهتمام بالجانب التدريبي لكسب المهارات البحثية وتنميتها.

ثالثاً: تعويد الدارسين وتدريبهم على مراجعة وتقدير أعمال زملائهم السابقين وأساتذتهم.

رابعاً: الاهتمام باستراتيجيات وأساليب وأدوات جمع البيانات.

الهوامش

1- راجع في هذا:

Peter A. Clark; Action Research and Organizational change(London: Harper & Row, 1972): 1-17.

ومن المفيد هنا مراجعة تصنيفات أعلام علم الاجتماع بين: التنظيري والتطبيقي وغيرهما، ومراجعة تعريف الإحصاء التطبيقي.

2- من الأعمال الرائدة والجيدة

فاروق يوسف أحمد، الحرمان الاقتصادي والاستقرار السياسي. رسالة دكتوراه غير منشورة(جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1972).

3- Hans I. Zetterberg; On Theory and Verification in Sociology(Totowa, N.J.: Bedminster, 1965): 69.

4- الهدف المميز للعلم عند ارنست ناجل هو تقديم تفسيرات نسقية ومدعمة بمسئولية:

Ernest Nagel; The Structure of Science(New York: Harcourt,- Brace & World, 1961): 15.

5- Roger Brown; Explanation in Social Science(Chicago: Adline, 1963).

6- لم نتطرق هنا إلى مواقف المدارس المختلفة من التفسير ولا النماذج التي توضحه، والمراجع الثلاثة السابقة مفيدة في هذا الشأن.

7- Robert T. Holt and J.M. Richardison; competing(V) Paradigms in Comparative Politics; in: Holt, R.T. & Turner, J.E.(eds.); The Methodology of Comparative Research(New York: Free Press, 1970): 23-28; Robert K. Merton; Social Theory and Social Structure(New Delhi: Amerind, 1972): 69-72.

8- في تفاصيل هذه المحاولات أنظر بالإضافة إلى الأصول التالية:

الذكر: السيد عبد المطلب غانم، الاتجاهات المعاصرة في دراسة النظم السياسية(القاهرة: دار القاهرة للنشر والتوزيع، 1981)، وفي الخطوات الإجرائية والاستخدام انظر:

- G. David Garson; Handbook of Political Science Methods(Boston: Holbrook Press, Inc. 1973): Chap. 3. G.A.

9- Almond and G.B. Powell, Jr.; Comparative Politics: A Developmental Approach(New Delhi: Amerind, 1972): 23

10- قارن المواضيع التالية: Ibid.: 28, 29-30, 73, 64.

11- Ibid.: 22, 42.

12- اقرأ وقارن:

- Ibid,; 47-49, 86-88, 171-190; G.A. Almond';"A Functional Approach to Comparative Politics; G-A, Almond and J.S. Coleman(eds.); The Politics of Developing Areas(Princeton: Princeton University Press, 1960): 30-44,

13- Almond and Powell; Op. Cit: 191-202..

14- في التفاصيل، انظر السيد عبد المطلب غانم، م. س. ذ. الفصل الخامس.

15- Jean Blondel; An Introduction to Comparative Government(London: Weidenfeld & Nicdson, 1969):. 6

16- Ibid.: 17 & 18.

17- Ibid,:23.

18- Ibid.: 26..

19- W.R. Mitchell; The American Polity(New York: Free Press, 1962).

ونماه في عمل لاحق هو:

W.R. Mitchell, 'The Shape of Political Theory to come: From Political Sociology to Political Economy", in: S.M. Lipset(ed.); Politics and the Social Sciences(New York: Oxford University Press, 1969): 101-136.

20- في تفاصيل هذه النقطة:

- Heinz Eulau; Micro-Marco-Marco Political Analysis(Chicago: Aldine Publishing Company, 1969): 1- 18

21- في التفاصيل والمراجع، انظر: السيد عبد المطلب غانم، م.س.ذ: 60- 68.

22- -- R.K. Merton; Op. Cit,: 74- 75

23- نتذكر أعمال ندوة قسم العلوم السياسية عن"تدريس العلوم السياسية في مصر" وأعمال ندوة الجمعية العربية للعلوم السياسية عن"تدريس العلوم السياسية في الوطن العربي"، وبعض الأعمال التي قدمتها"سلسلة بحوث سياسية" الصادرة عن مركز البحوث والدراسات السياسية.

24- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، خلاصة عن رسائل الماجستير والدكتوراه(القاهرة: مطبعة جامعة القاهرة، 1987): 361- 621.



اقرأ المزيد