241189572571696

الجمعة، 30 أبريل، 2010

عن محنة الديمقراطية في العالم العربي




ماجد كيالي


الوعي المتعثّر بالديمقراطية
الدولة أولا
تمكين الديمقراطية
العامل المجتمعي
التدخلات الخارجية
دورة التطور
انشغلت معظم الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية في الساحة العربية، طوال النصف الثاني من القرن المنصرم، بشعارات ومقولات التحرير والوحدة والاشتراكية، على اعتبار أنها التحديات الأساسية التي تواجه الأمة العربية، في سعيها للنهوض بأوضاعها وتعزيز مكانتها.
هكذا، فإن هذه الأحزاب والتيارات لم تشتغل على مسألة الديمقراطية، إلى الدرجة المناسبة، ولا على مسألة الدولة والمواطنة في العالم العربي، إذ ظلت هذه القضية مهمشة، أو تأتي تاليا في سلم الاهتمامات الوطنية والقومية.
الوعي المتعثّر بالديمقراطية
فقط، ومنذ العقد الأول من هذا القرن (الحادي والعشرين)، بدا وكأن مسألة الديمقراطية باتت تحتل مكانة محورية في الخطابات التغييرية العربية، بعد أن انحسرت مكانة الخطابات القومية المتعلقة بمسألة الوحدة والتوحد العربيين، والخطابات اليسارية المتعلقة بمسألة العدالة الاجتماعية (أو الاشتراكية)، لأسباب داخلية وخارجية؛ بحيث أضحت مسألة الديمقراطية بمثابة مخلّص، أو بديل، لاسيما بالنسبة للتيارين القومي واليساري.
ويصح القول بأن مسألة الديمقراطية، طوال الفترة المذكورة، باتت لدى كثير من التيارات السياسية العربية تنافس، وربما تزيح، الأولوية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي (وضمنها قضية فلسطين) جانبا، ولأول مرة.
لكن تجربة السنوات الماضية أكدت استعصاء مسألة الديمقراطية في الواقع العربي، على الصعيدين السلطوي والمجتمعي، بما لا يقل عن الاستعصاء الحاصل في قضايا فلسطين والوحدة والاشتراكية.

وقد بينت التجربة أن الواقع العربي: السياسي والمجتمعي والثقافي لم يستطع تمثّل مسألة الديمقراطية، وهذا يتعلق بالحكومات (وبالأصح السلطات) والمحكومين أو "الرعية"؛ وتقع مسؤولية ذلك (بحسب كتاب "هرطقات" لجورج طرابيشي) على عاتق الطرفين، فالذين فوق يسيطرون بسلطاتهم، والذين تحت يسيطرون بثقافاتهم وعاداتهم.
لكن لا ينبغي أن يستنتج من ذلك بأن إعاقة الديمقراطية، واستعصاء الديمقراطية، في الواقع العربي إنما تصدر عن جوهر ثابت أو مطلق فيه (على ما يذهب البعض من المستشرقين والمتغرّبين)، وإنما هي تصدر عن تكلّس الواقع العربي، وهشاشة تفاعلاته، وضعف الفاعلين فيه، ما يضعف قدرته على النهوض والتطور الديمقراطيين.
هكذا، مثلا، دخلنا في مسار التحديث من دون حداثة، وعرفنا من الحداثة مظاهرها وتجلياتها، دون التعمق بجوهرها وتوسّل أدواتها والمشاركة بإعادة إنتاجها. وهكذا، أيضا، تحولنا إلى إطار المدينة من دون تمدين، بحيث بتنا مدنيين نفتقد للمدنية، بمعناها وثقافتها الهوياتية والأداتية؛ أي أخذنا المكان (المدينة) من دون أن نتمثل زمان المدنية ودلالاتها وتعبيراتها المجتمعية والمؤسسية.
فضلا عن كل ما تقدم فإن محنة الديمقراطية في العالم العربي تنبع من افتقاد الموروث التاريخي، السياسي والثقافي، لمفهوم الدولة والمواطنة، واتكاء هذا الموروث على مفاهيم "الخلافة" الدينية، و"الأحكام السلطانية" والنماذج "المملوكية"، وثمة في الواقعين الثقافي والسياسي ما يعمل على تكريس هذا الموروث وإعادة إنتاجه، بتلاوين مختلفة.
طبعا، ثمة اجتهادات كثيرة، أيضا، أحالت ذلك الاستعصاء (في مسألة الديمقراطية) إلى طبيعة البنية الاجتماعية العربية، وتقليدية الفكر العربي، وعدم التمييز بين الديني والدنيوي، أو بين العلم والدين، كما ثمة من أحال ذلك الأمر إلى العوامل الخارجية، وضمنها الاحتلالات والتدخلات الغربية في الشؤون العربية.
وعلى الأغلب فإن استعصاء العملية الديمقراطية في العالم العربي إنما ينبع من مجموعة عوامل، يمكن ملاحظتها في الإشكاليات التالية:
الدولة أولا
الإشكالية الأولى، تتعلق بطبيعة تشكّل الدولة في البلدان العربية، التي نشأت، في الأغلب، إما على حامل المؤسسة العسكرية (الجيش)، وإما على خلفيات قبلية/عشائرية. هكذا قادت هذه الأوضاع إلى تآكل الدولة المفترضة (دولة المؤسسات والقانون) لصالح السلطة، وإلى تهميش المجتمع، وعرقلة تحديثه وتمدينه، كما أدت إلى التحكم بمصادر الثروة والقوة والتشريع.
وبديهي فإن تجاوز هذه الحال لا يكمن فقط في إرساء تكريس الشرعية السياسية عبر الانتخابات والاستفتاءات (على ما يحصل في بعض البلدان العربية)، وإنما هو يكمن بداية بإعادة الاعتبار للدولة (المؤسسات)، وإعلاء شأن القانون، وفصل السلطات، واحترام الحريات الفردية والعامة، وتحقيق المساواة بين المواطنين. فهذه هي المداخل الحقيقية اللازمة لإرساء التحول الديمقراطي في العالم العربي، وبعد ذلك تأتي قضية الانتخابات والاستفتاءات، وتداول السلطة؛ أي أن الديمقراطية تأتي تاليا لمسألتي الدولة والمواطنة، والاعتراف بالحريات والحقوق الأساسية، وليس العكس على ما يروج البعض.

هكذا، فنحن هنا لا نتحدث عن الديمقراطية، وإنما نتحدث عن أهمية قيام الدولة أولا، باعتبارها معبر العالم العربي نحو الحداثة والتحديث، نحو العقل والعقلانية، نحو السياسة والمشاركة السياسية.
ويستنتج من ذلك أن الجهود يجب أن تتركز أولا وقبل كل شيء على إعادة الاعتبار للدولة، أو تأسيس الدولة الحديثة في واقعنا العربي، دولة المؤسسات والقانون والدستور، باعتبار ذلك مقدمة ليس للديمقراطية فقط، وإنما لأية تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية في الواقع العربي. فدولة المؤسسات والقانون (ونحن هنا لا نتحدث عن شكل النظام السياسي)، هي سابقة على الديمقراطية، فلا يمكن أن تتحدث عن التأسيس لديمقراطية في غياب هكذا دولة بمعنى الكلمة، أو في ظل وجود مجرد سلطة.
تمكين الديمقراطية
الإشكالية الثانية، وتتعلق بمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي، وهو عموما مستوى متدن وضاغط، ويحول دون تمكين الأغلبية المجتمعية من الاستحواذ على وعي سياسي واجتماعي لائق، ويحد من قدرتها على الوصول إلى مصادر المعلومات، ويضعف إمكانية معرفتها لحقوقها ومصالحها، وبالتالي ممارستها حرياتها، بعيدا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أكدت على ذلك تقارير التنمية الإنسانية العربية، التي أشارت إلى أن النقص في المعرفة والنقص في التنمية يؤديان بداهة إلى النقص في الحرية، أو في التمكين من الحرية، وبالتالي النقص في التمكين من الديمقراطية.
ورب قائل بأن ثمة دولا ذات مستوى اقتصادي واجتماعي متدن تمارس عملية الديمقراطية وعملية تداول السلطة (مثلا الباكستان والهند)، إلا أن التجربة تؤكد بأن وجود مستوى لائق من التنمية يبقى على غاية الأهمية بالنسبة لضمان مشاركة سياسية حقيقية، وإرساء ديمقراطية فاعلة، بعيدا عن سلطة أو هيمنة المال والضغوطات المالية. ولا شك هنا بأن الفرد الأكثر تعليما، والذي يحظى بحد مناسب من العيش بحرية وكرامة، هو أكثر قدرة على معرفة مصالحه والذود عن حرياته وعن حقوقه؛ في حين أن الفرد العربي، على الأغلب، يعيش في غربة عن مجتمعه وعن دولته، وهو بالكاد يدرك حقوقه ومعنى مواطنيته، فيما هو غارق في هموم تحصيل لقمة العيش، وتأمين مستلزمات المأكل والملبس والمسكن، فضلا عن تكاليف التعليم والطبابة وغيرها؛ وفي هكذا أحوال فمن البديهي أن الديمقراطية الناشئة بهكذا أوضاع يمكن ان تكون ناقصة أو مقيدة، أو خاضعة للسلطات المهيمنة على احد المجالات أو عليها كلها (السلطة السياسية أو السلطة المالية أو السلطة القبلية).
العامل المجتمعي
الإشكالية الثالثة، وتتعلق بطبيعة البنية الاجتماعية والثقافية السائدة في البلدان العربية، وهي بنية قبلية، عشائرية وعائلية وطائفية ومذهبية وإثنية، وتنتمي لمرجعيات دينية، ومذهبية. وبديهي أن هكذا خلفيات تعيق الاندماج المجتمعي في البلدان العربية، وتحد من الانتقال إلى مسار الحداثة (مسار المواطنة والدولة والعقل)، وتساهم في إبقاء المجتمعات في حال من التفكك والاستنفار، وتحول دون تبلور المجتمع المدني. اللافت أن السلطات السائدة تبدو مرتاحة لهذا الوضع القلق، وتستمرئ العيش على هذه التناقضات، وتنصّب نفسها حكما لكل هذه الأحوال، وتجعل من وجودها الحل الأفضل لضمان الأمن والاستقرار، بدلا من وضع أسس الاندماج المجتمعي عبر المواطنة والدولة والقانون!
التدخلات الخارجية

الإشكالية الرابعة، وهي تتعلق بالاحتلالات والتدخلات والضغوط الخارجية، فلا شك أن قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، والاحتلال الأميركي للعراق، والسياسة الأميركية الرعناء في المنطقة، كلها تسهم في إعاقة الديمقراطية، وتثير الشبهات بشأنها؛ ما يعزّز، ولو بشكل غير مباشر، نزعة السلطة في البلدان العربية، التي جعلت من الصراع العربي الإسرائيلي، الأولوية على قضايا التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولاشك هنا بأن محاولة إدارة بوش المنصرفة تبني مسألة الديمقراطية، في العالم العربي، ورفع شعار "نشر الديمقراطية"، كتغطية لسياساتها الابتزازية والتدخلية، شوّش على عدالة مطلب الديمقراطية في بعض الأوساط الشعبية (كما السلطوية)، وأسهم بخلق نوع من الريبة والبلبلة إزاء كيفية التعاطي مع مطلب الديمقراطية في العالم العربي.
دورة التطور
هكذا تتمثل محنة الديمقراطية في العالم العربي بعدم اكتمال دورة التطور باتجاه الحداثة، أي باتجاه العقلانية والتمدين والدولة والمواطنة والحريات الأساسية (بما فيها حرية الرأي والمعتقد)، فضلا عن التشوهات التي باتت تحيط بهذه الدورة، بشأن ما يتعلق بالتطور الاجتماعي أو الاندماج الاجتماعي، وما يتبع ذلك من تطورات في مجالات الثقافة والتقانة والتنمية الاقتصادية.
والحقيقة فثمة سياق تاريخي (سياسي واجتماعي) لهذه العملية، تبدأ بداية من قيام الدولة، أي دولة المؤسسات والقانون، التي تتأسس على الفصل بين السلطات، مرورا باحترام الحريات الفردية وحقوق الإنسان أو المواطن (أي من مفهوم المواطنة)، والمساواة بين المواطنين، بغض النظر عن مراتبهم الاجتماعية والوظيفية وانتماءاتهم المذهبية والطائفية والإثنية، وصولا إلى ضمان الحق في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، ما يعني الحق في إنشاء الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وأخيرا، أي وبعد كل ذلك لا قبله، احترام مبدأ تداول السلطة، عبر صناديق الانتخاب والاقتراع.
يستنج من كل ما تقدم أنه لا يمكن التعاطي مع الديمقراطية بوصفها شعارا، فهي عملية، وهي نتيجة أو ثمرة لمجمل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبهذا المعنى لا يمكن استنساخ الديمقراطية، ولا استيرادها، كما ولا يمكن اختزالها بمجرد عمليات انتخابية، شكلانية، أو مسيطر عليها.
وبكلمة فمن دون الدولة، ومن دون مواطنين، من الصعب توقع إرساء ديمقراطية في الواقع العربي.
اقرأ المزيد

في أصل الخوف العربي من التغيير




برهان غليون



بالرغم من تفاقم القطيعة بين النخب الحاكمة والشعوب وفقدان هذه الأخيرة الثقة بالنظم التسلطية القائمة، فإن الغالبية العظمى من الرأي العام لا تزال تنظر بصورة سلبية، إن لم تكن بروح الشك، إلى فكرة التغيير.

بل ليس من المؤكد أن للتغيير معنى محددا وواضحا عندها، ربما باستثناء ما يمكن أن يفهم من ذلك من تغير أشخاص الممسكين بالسلطة والقابضين عليها وتبدل أصولهم المذهبية أو الإثنية أو الاجتماعية في أحسن الحالات.
وهذا ما يفسر عزلة حركات المعارضة العربية وضيق القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها، كما يفسر من وراء ذلك مأزق التغيير وانسداد آفاقه في المجتمعات العربية بالرغم من الشعور العميق بالحاجة إليه وضرورته وحتميته عند جميع الأفراد، ليس في المجتمع فقط ولكن في الحكم أيضا.
وبسبب غياب البعد الفكري والأخلاقي للتغيير لا تدفع الضغوط القوية التي يتعرض لها المجتمع إلى التحرك نحو الأمام كما هو الحال في المجتمعات السليمة البناء، وإنما يتجلى عبر توسع دائرة الانفجارات والنزاعات الداخلية الطائفية والمذهبية والقومية، وبالتالي عبر الدوران في حلقة مفرغة، مما يزيد من غرق المجتمع في الأزمة وإحباط فئاته الاجتماعية وغضبها جميعا.
ويرجع هذا الوضع في جزء كبير منه إلى نجاح السلطة الرسمية خلال العقود الماضية في القضاء على أي ثقافة مدنية سياسية دستورية حديثة، كتلك التي نشأت في سياق النهضة والصراع ضد السيطرة الأوروبية الاستعمارية وعلى أرضية مفاهيم الحداثة السياسية.
وقد أسفر ذلك عن عودة أشكال من الوعي ما قبل السياسي ترى في النظام الاجتماعي قدرا محتوما أو تجليا لإرادة عليا لا يمكن التحكم فيها أو السيطرة عليها أو حتى فهم دوافعها وآليات عملها، ولم يعد ثمرة جهود إنسانية واعية وإرادية، وبالتالي نتيجة اختيارات سياسية وأخلاقية لأعضاء المجتمع، يمكن تغييرها أو مراجعتها من قبل المواطنين الذين تبنوها.
ويرجع ذلك في جزء آخر منه إلى انحطاط مفهوم السياسة ومعناها، وتماثلهما مع فكرة تداول نماذج حكم جاهزة وناجزة، اشتراكية أو ليبرالية أو إسلامية على الدولة، لا مجال لتغييرها أو النقاش في أهدافها وغاياتها، يرتبط تحقيقها بنجاح فريق اجتماعي في الوصول إلى السلطة إما بسبب مواقعه المتميزة في المؤسسة العسكرية والأمنية أو تحالفه مع القوى الخارجية أو كليهما. وفي جميع الحالات لا ناقة للمواطن العادي الفقير فيها ولا جمل.
ويخفي هذا التصور كما هو واضح الاستقالة العميقة النظرية والسياسية والأخلاقية معا للرأي العام، سواء جاء ذلك بسبب الإحباط واليأس من القدرة على التأثير، أو بسبب الاقتناع المتنامي بالاستلاب للقوى الكبرى والحاكمة معا.
لكن النتيجة واحدة وهي النظر إلى التغيير على أنه ليس فعل إرادة ذاتية للشعوب، ولكنه ثمرة تضافر عوامل خارجية وداخلية خارجة عن إرادة الناس وقدراتهم.
ويقوض هذا التفكير الأساس العميق لفكرة الديمقراطية القائمة على مشاركة الناس ودفعهم إلى الانخراط في السياسة، ويقضي بالتالي على الفكرة الوحيدة الحاملة لمشروع التغيير اليوم.
فلا تبدو الديمقراطية لهؤلاء أساسا لبناء قاعدة جديدة لممارسة السلطة وتوزيعها، وبالتالي مشروع شراكة وطنية جديدة، تقوم على مساواة الجميع أمام القانون وضمان حقهم المتساوي في التداول على السلطة، وإنما محاولة لإعادة إحياء نماذج الحكم الليبرالية الغربية، التي لا تخدم سوى مصالح فريق من الباحثين الجدد عن السلطة في إطار تبدل السياسات الدولية.

بل تبدو الديمقراطية لكثيرين أخطر من كل ما جاء قبلها من نماذج حكم سياسية. وتكاد تحتل محل الفكرة الشيوعية البائدة في كونها تمثل مصدرا لتهديدات حقيقية تمس الهوية الجماعية والدين والقومية معا. ذلك أن مفهومها يختلط في الثقافة العربية التي اكتسبناها في نصف القرن الماضي، بمفهوم الحرية الفردية.
وبفضل جهود الأصولية الإسلامية والقومية الاستبدادية أصبحت الحرية رديفا في وعي الشعب البسيط للإباحية، أي حق الفرد في عمل كل ما يشاء أو يخطر له، وبالتالي فتح المجال أمام الارتداد عن الدين والخروج على القانون وتحدي الآداب العامة والأخلاقيات السائدة.
لذلك لا تتورع بعض التيارات المحافظة الدينية عن اتهام الديمقراطيين عندما يتحدثون عن الحريات الفردية وحقوق الإنسان العالمية، بأنهم يريدون تحويل الإنسان إلى ما يشبه البهيمة التي تتصرف بدافع غرائزها وترفض إخضاع سلوكها الغريزي لأي قيمة أخلاقية أو دينية.
ليس هناك أمل في تغيير وجهة الحركة الاجتماعية، وتحويلها عن التغريز في النزاعات الأهلية لتنفيس الضغوط الداخلية والخارجية، نحو التوجه إلى الأمام والبحث عن تطوير بنية المؤسسات وتوزيع الصلاحيات وتقسيم العمل العام، وبالتالي التراكم المنتج، من دون إعادة الاعتبار لفكرة الحرية والقيم المرتبطة بها من استقلال الضمير والحق في المبادرة والتنظيم والمشاركة في الحياة العمومية.
وهذا يستدعي مسبقا استرجاع الأفراد لأهليتهم، أي لثقتهم بأنفسهم وإيمانهم بقدرتهم على التفكير الناجع والمساهمة الإيجابية والمشاركة في المسؤولية العمومية واتخاذ القرارات المصيرية، كما يستدعي القضاء على التمييز العنصري ضد الذات الذي يجعل أغلبية الأفراد يعتقدون أنهم غير أهل وغير أكفاء لتقرير مصيرهم، ويقبلون بتسليم زمام أمورهم إلى فئة يضفون عليها سمات التفوق والنبل والقدرة على حمل المسؤولية، ويحوّلونها إلى أرستقراطية يسيرها العقل والقيم الأخلاقية، بينما ينظرون إلى أنفسهم على أنهم رعاع تسيرهم الغريزة.
والحال أن الديمقراطية تعني وتفترض نزوع الجميع إلى التصرف على أنهم أسياد، أي أنهم موطن لوعي أخلاقي قادر على حمل المسؤولية والمشاركة في توجيه الحياة العمومية، والمطالبة بالحرية باعتبارها شرطا لهذه السيادة ومقوما لها.
ففي هذه الحالة لا تظهر الحرية تحررا من القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية كما يفهمها الوعي البسيط الشائع، ولا تبدو بالتالي فكرة خطرة وهدامة، وإنما بالعكس تبدو اعترافا بالفرد أيّ فرد على أنه موطن للسيادة أي للتكوّن على القدرة -مثله مثل الحاكمين الذين لبسوا ثياب الأرستقراطية- على التصرف من وجهة نظر الأخلاق والقانون وتحمل المسؤولية العامة وتجاوز النظرة الأنانية.
فلا يصبح الفرد مواطنا مسؤولا ومساويا لغيره إلا بقدر ما يظهر قدرته على استبطان القيم القانونية والأخلاقية المشتركة وإخضاع سلوكه لها. هكذا تعني المواطنة هنا حق جميع الأفراد في التمتع بصفة الإنسانية الواحدة، التي لا يمكن أن تنفصل عن صفة الحرية والسيادة الشخصية.
لذلك تشكل الديمقراطية -في ما وراء ما تمثله من نظام سياسي قائم على تنظيم الانتخابات الدورية وممارسة الحريات الفردية- مشروع برنامج لتأهيل الأفراد سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، وتربيتهم على السيادة وتحريرهم من شعورهم بالدونية.
وبقدر ما تساعدهم هذه التربية على الارتقاء في نظرتهم وممارستهم فوق المصالح الأنانية، تؤسس لعلاقة تضامن جديدة، أي للوطنية وللوطن باعتبارهما مرجعية رئيسية تتجاوز المرجعيات المذهبية والإثنية والعشائرية والعائلية.
إنها عملية تحرير للإنسان، أي للشعب الذي عومل خلال التاريخ على أنه جمهور غريزي، لا يمكن أن يتصرف حسب العقل والأخلاق، ولا يستطيع أن يدرك المصلحة العامة ويرتفع إلى مستوى المسؤولية العمومية، ولا بد بالتالي من رادع له يفرض عليه الانصياع والانقياد من خارجه.
وهذا هو ما أنتج مفهوم السلطان وجعله قوة متحررة من أي قيد ومستقلة كليا عن أي إرادة شعبية، تخضع المجتمعات بقوة الشوكة والعصبية البدائية أو الدينية، ولا تخضع لها.

ومما لا شك فيه أن عجزنا عن الارتفاع إلى مستوى مفهوم الجماعة الوطنية ونكوصنا إلى نماذج سلطانية يعود في جزء كبير منه إلى تقصير مثقفينا في العقود الماضية، وتمحور تفكيرنا ونقاشنا خلال أكثر من قرن حول مسائل الهوية والقومية ومقارعة الاستعمار الذي ابتلينا به في هذه المنطقة أكثر من أي منطقة أخرى.
لكنّا ندرك الآن أن القضاء على النفوذ الاستعماري غير ممكن من دون الارتقاء بمستوى حياة الفرد ووعيه والتزامه الجمعي وحسه بالمسؤولية تجاه مصير المجتمع بأكمله، وليس فقط تجاه نفسه وأفراد عائلته الصغيرة كما هو سائد اليوم.
ومن هنا لا سبيل إلى بناء مجتمع ديمقراطي حر ومستقل وسيد بعيد عن التسلط والتعسف وانتهاك حرية الآخر، إلا بتربية المجتمع نفسه وتأهيله لاستيعاب معنى الحرية والمساواة والسيادة والاستقلال الشخصي والقانون.
هذه هي الخطوة الأولى الضرورية لتأسيس معنى التغيير، وبناء قوى ديمقراطية قادرة على حمل مشروع التغيير هذا وتزويده بالبرنامج الإنساني الذي لا أمل في تحريك الجمهور من دونه.
وربما كان دور المثقفين أهم في هذا المجال بكثير من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها، لأن نظام الديمقراطية الذي يستند إلى تدخل الشعب ولا يقوم إلا على مشاركته القوية، يفترض أولا وجود شعب.
والشعب ليس مجرد أفراد يعيش بعضهم مع بعض، ولكن علاقة سياسية تجمع بين الأفراد على قاعدة العيش المشترك وأخلاقيات الاحترام والمساواة والتضامن والتكافل. الشعب نظام أخلاقي وثقافي وقانوني، أي وعي وطني يولد إرادة واحدة.
فإذا انعدمت الأخلاقيات التضامنية والمواطنية وتحول الشعب إلى أفراد لا رابطة بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألفة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، زالت الإرادة الموحدة وانقسم الشعب إرادات، وزالت إمكانية بناء نظام سياسي بالفعل.
أما ما نعرفه في بلداننا فلا علاقة له بذلك، وهو ليس نظام سياسة، وإنما نظام تسلط بالقوة، وفرض إرادة مجموعة من الحاكمين المستندين في حكمهم إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا تملك شعوبنا بعد مفاهيم ولا أخلاقيات سياسية حقيقية واعية ولا إرادة وطنية.
إنها تعيش في نظام التبعية المطلقة للسلطة وللدولة "الأجنبيتين"، أي المفروضتين من خارج اجتماعي وسياسي، حتى لو كان أعضاؤهما من أهل البلاد الأصليين.
لكنهم لا يجمعهم جامع مع بقية أبناء جلدتهم، ولا يستطيعون ضمان استمرار سلطتهم إلا بإظهار تفوقهم عن طريق استخدام جميع وسائل القوة والاحتيال، وتعليم الشعوب استبطان دونيتها للنظر إليهم باعتبارهم مبدأ سيادة وسلطة ونظام وأصل كل حياة.


المصدر: الجزيرة
اقرأ المزيد

الأربعاء، 21 أبريل، 2010

قمّة الأمن النووي في واشنطن.. لماذا؟



منير شفيق


لنضع جانبا ما يمكن اعتباره توظيفا لعقد قمّة ضمّت رؤساء ووفودا من 47 دولة، مثّلا حاجة أوباما وإدارته للظهور بمظهر القوّة القادرة على قيادة 47 دولة بعد أن لاحَقَها الفشل طوال عام 2009، وأفقد أوباما صدقيته في ما وعد به من تغيير، وزاد من أزمات أميركا في العراق وأفغانستان وباكستان وفلسطين والعالم الإسلامي عموما، كما هي حال علاقاتها بالصين وروسيا.
هذا الهدف الجانبي تحقق بالتأكيد ولكنه يظل فقاعة ما دام لم يذهب إلى معالجة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أزمات أميركا، وتدهوُر صدقيتها وهيبتها ومكانتها عالميا.

ولنضع جانبا توظيف اللقاءات الثنائية في حلّ إشكالات أميركا مع الصين، في موضوع حشد التأييد لقرار عقوبات جديدة ضدّ إيران، أو لقاءاته الثنائية العربية للخروج من بعض أوجُه الأزمة الأميركية في "عملية السلام". وقد استطاع أن يحصل على وعد صيني ببحث الموضوع ولكن ليس من دون دفع ثمن أميركي مقابل. أما بالنسبة إلى لقاءاته العربية فقد غمس خارج الصحن الحقيقي لأزمته مع اللوبي اليهودي الأميركي ونتنياهو.
البعض اعتبر أن لقاء أوباما مع الرئيس الصيني هو جين تاو أهمّ ما حققه المؤتمر على الصعيد العملي بالنسبة إليه. ولكن هذه القمّة حملت بالضرورة أهدافا أخرى تتعلق بالتمهيد "لخريطة طريق دولية وبرنامج عمل للسيطرة الكاملة على المواد النووية لمنع وصولها إلى أيدي مجموعات إرهابية". وهو ما يحتاج إلى تفكيك وتحليل من أجل وضع اليد على الهدف الحقيقي الأول في موضوع السيطرة على المواد النووية لدى دول أخرى، تحت حجّة منع وصولها إلى أيدي مجموعات إرهابية.
من حيث الظاهر حاول أوباما أن يضع جميع الدول التي تملك المواد النووية على قدم المساواة في ضرورة السيطرة على ضمان عدم تسرّبها للمنظمات الإرهابية. ولكن ذلك مجرّد قنبلة دخان لإخفاء الدول المستهدفة أو المقصودة عمليا. وهي بالتأكيد هنا باكستان التي تنفرد بكونها البلد المسلم الوحيد الذي يمتلك القنبلة النووية.
حاول أوباما أيضا أن يبعد الشبهات عن هذا الهدف بالإعلان أنه مطمئن للإجراءات الباكستانية في ضمان حماية المواد النووية التي لديها. وقد كان هنا في موقع "المريب الذي كاد يقول خذوني". لأن هذا التصريح يتناقض مع عدد من التصريحات الأميركية الرسمية التي سبق أن أبدت قلقها من تسرّب مواد نووية لمنظمات إرهابية من خلال باكستان التي تواجه حربا أهلية. وتتعرّض لمخاطر حقيقية على تماسك الأمن فيها وحتى على وحدة دولتها.
وكذلك نسِي أوباما أن أميركا اتهمّت باكستان بالتعاون مع ليبيا وإيران لا في تهريب مواد نووية فحسب، وإنما في المساعدة أيضا على الوصول إلى القنبلة النووية نفسها.
لا يخطر ببال أحد أن المقصود بإحكام السيطرة بالكامل على المواد النووية يستهدف روسيا أو الصين أو بريطانيا أو فرنسا أو الهند أو الولايات المتحدة نفسها، ناهيك عن الكيان الصهيوني. فها هنا ممنوع الاقتراب من قِبَل أيّة جهة غير دولة البلد المعني.
هذا ولا يشمل المقصود بإحكام السيطرة أيضا ما لدى أوكرانيا أو جنوب أفريقيا أو الأرجنتين فهذه كلها تبرّعت قبل المؤتمر أو في أثنائه بالتخلص مما لديها إما بالبيع، أو الإتلاف، أو نقله إلى مكان آخر. فأوكرانيا مثلاً بالتفاهم مع روسيا، عَرَضت على أميركا مساعدتها للتخلص مما لديها. وذلك من خلال الدفع عدًّا ونقدًا ثمنًا له.
وإن الأمر كذلك حين يُشار إلى بلدان متهمّة بحق أو بلا حق، بوجود منظمات إرهابية فيها تريد الوصول إلى تلك المواد، مثل نيجيريا والصومال واليمن وأفغانستان فهذه البلدان خالية من مثل هذه المواد. ومَنْ تريد أميركا الوصول إليه لا يحتاج إلى هذا المؤتمر وقراراته، لأن الأمر في كل الأحوال تحقق أو يتحقق من دون انتظار خريطة الطريق العتيدة.

ومن هنا فكل هذا اللف والدوران يستهدف باكستان بالدرجة الأولى. وهذا الاستهداف لا يرمي إلى الحيلولة دون وصول مواد نووية لمجموعات إرهابية بقدر ما يرمي إلى وضع القنبلة النووية ومنشآتها ومستتبعاتها من حيث أتت تحت السيطرة الأميركية، أو إبعادها.
وجهة أخرى فما معنى أن يُعاد وضع "المجموعات الإرهابية" على رأس أولويات الإستراتيجية الأميركية بما لا يختلف كثيرا عن شعار جورج دبليو بوش: إعلان "الحرب العالمية على الإرهاب". فكما كانت هنالك مبالغة فاضحة في رفع الخطر الإرهابي إلى هذا المستوى، وعدم وضعه في حدوده، يُراد اليوم القول إن أكبر خطر على الأمن العالمي يمثله سعي مجموعات إرهابية للحصول على مواد نووية.
أي أننا أمام تكرار لإستراتيجية المحافظين الجدد من قِبَل من جاء ليُخلِّص أميركا والعالم من هذا الانحراف في تحديد الأولويات. ومن ثم ما ترتبّ عليه من نتائج وخيمة على شعوب بأسرها. وذلك حين ترجم شعار "الحرب على الإرهاب"، إلى حروب غزو واحتلال للعراق وأفغانستان وحروب عدوان على فلسطين 2002 ولبنان 2006، وعلى قطاع غزة في 2008-2009.
حقًّا إن كانت إستراتيجية بوش مأساة للعالم وحتى لأميركا فإن إستراتيجية أوباما ستكون مأساة وملهاة في آن واحد. وذلك حين تنحرف بوصلة تحديد الأولويات وتسعى لتأخذ دولاً أخرى معها لتبنّي الانحراف نفسه. هذا يعني أن أوباما رمى قرد أميركا، مرّة أخرى، على "طحين العالم الإسلامي": وذلك بإعطاء الأولوية لخطر المجموعات الإرهابية من دون أن يسمّيها "الإسلامية". وهذا هو التغيير الوحيد الذي أحدثه عن سلفه، والمحتوى واحد في الحالتين.
باختصار، إذا أردنا أن نتحدّث عن الدول الأكثر خطرًا على "الأمن العالمي" فهي الدول التي شنّت حروب الاحتلال والعدوان من دون التقليل من أخطار متفرّقة ومحدودة. وإذا أردنا أن نتحدث عن الخطر النووي الأكبر الذي يهدّد الأمن النووي العالمي فيجب أن يُرى في الدول التي تملك القنابل النووية ووسائط نقلها. وقد استخدمتها في ناغازاكي وهيروشيما.
وكانت ذات سوابق، أو هدّدت باستخدامها كما في الحرب الكورّية 1951، وفي حرب الخليج الثانية (في الحالتين أميركا) أو في حرب الفوكلاند (بريطانيا)، أو حكومة غولدا مائير في حرب أكتوبر1973، أو عبور "غوّاصات نووية إسرائيلية" من قناة السويس مؤخرًا، ثم خطاب أوباما نفسه الذي حدّد الإستراتيجية النووية الأميركية إذ أبقى على استعداد أميركا لاستخدام القنبلة النووية حاضرًا، ولو "في الظروف القصوى". أي بما يتعدّى نظرية الردع النووي ضد هجوم نووي.

فأوباما يريد تحويل أنظار العالم إلى خطر افتراضي (حصول منظمات إرهابية على مواد نووية) دونه خرط القتاد، في حين أن الخطر الحقيقي كامن في مكان آخر، والأعجب أنه يريد إقناع العرب والمسلمين بأنه لا خطر عليهم من مئات الرؤوس النووية التي توجد لدى الكيان الصهيوني، إذن لمن هذه الرؤوس النووية؟ وبالمناسبة، رحم الله المتنبي حين قال:
وكن فارقًا بين دعوى أردتُ *** ودعوى فعلتُ بشأوٍ بعيد
وخلاصة: إذا أردنا الإفادة من تجربة جورج دبليو بوش فسنجد أن الخطأ في تحديد أولويات الإستراتيجية من جهة وإخفاء الأهداف الحقيقية من وراء اتخاذ الإرهاب فزّاعة في حين أن العين على دول أخرى لاحتلالها من جهة أخرى، يؤدّي إلى الفشل بل ومسلسل الهزائم.
ولهذا عندما يكرّر أوباما النهج نفسه من حيث رفع خطر حصول منظمات إرهابية على مواد نووية إلى قمّة الخطر على الأمن العالمي فيما عينه الفعلية على دول أخرى ولتحقيق أهداف أخرى، فسوف يؤدّي إلى الفشل ومسلسل الهزائم لا محالة.


المصدر: الجزيرة
اقرأ المزيد

نهر النيل بين الإستراتيجية و"الفهلوة"




فهمي هويدي

فشل المفاوضات مع دول حوض النيل درس جديد لمصر، يذكرها بأنها يجب أن تأخذ متطلبات أمنها القومي على محمل الجد، وأن "الفهلوة" لا يمكن أن تكون بديلا عن الإستراتيجية.
(1)
الأمر ليس هينا ولا يحتمل التراخي أو الهزل، فموضوعه مياه النيل التي تعتمد عليها مصر بنسبة 95% وحين يكون الأمر كذلك، فهو يعني أننا نتحدث عن مصدر الحياة في هذا البلد منذ دبت فيه الحياة. وقد جسدت الآثار المصرية هذه الحقيقة في لوحة صورت مركبا ضم الفرعون متحدا مع رمز النيل "حابي" مع رمز العدالة "ماعت"، واعتبر الباحثون أن هذه اللوحة تمثل خريطة مصر منذ فجر التاريخ، التي تقوم على الأضلاع الثلاثة الحاكم الفرعون وحابي النيل وماعت العدل.

هذا الذي وعاه الفراعنة منذ آلاف السنين صرنا نناضل من أجل تثبيته والحفاظ عليه في القرن الواحد والعشرين. إذ في حين ظننا أن أمر الفرعون وقضية ماعت (العدل) يحتلان رأس شواغلنا الوطنية، فإننا فوجئنا بأن ضلع "حابي" في خطر، صحيح أن الخطر ليس حالا ولا داهما، ولكن مقدماته لا تخطئها عين. ذلك أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل المستقرة منذ عام 1929 وبالاتفاق مع السودان عام 1959 (55 مليار متر مكعب) تتعرض الآن إلى النقد والمراجعة، وفي الوقت الذي أدركت فيه مصر أنها بحاجة إلى أن تضيف إلى حصتها 11 مليارا أخرى بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومعدلات الاستهلاك، إذا بها تفاجأ بأن عليها أن تخوض معركة طويلة لكي تحافظ على حصتها الأصلية.
الموقف بدأ في التغير ابتداء من عام 1995، حين ارتفعت الأصوات في دول المنبع داعية إلى إعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل استنادا إلى ثلاثة عوامل هي: أن دول المنبع اعتبرت أن تلك المياه ملك لها، ومن ثم فلها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود ولكن أيضا في بيعها لمصر والسودان، العامل الثاني أن بعض تلك الدول (كينيا وتنزانيا مثلا) ذكرت أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصا في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة. العامل الثالث أن تلك الدول احتجت بأن اتفاقية عام 1929 وقعتها مصر مع سلطة الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات "مستعمراتها"، وبعدما نالت تلك المستعمرات استقلالها فإن الأمر اختلف، بما يسوغ إعادة النظر في الاتفاقات التي عقدها البريطانيون.
هذه الحجج لم تكن بريئة تماما، فالدعوة إلى إعادة توزيع الحصص بصورة "أكثر عدالة" تثير الانتباه. إذ في حين تعتمد مصر في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة 95%، فإن نسبة اعتماد إثيوبيا التي تقود الحملة حوالي 1%، وكينيا 2% وتنزانيا 3% والكونغو 1% وبوروندي 5% والسودان 15%. ذلك أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها. الأمر الآخر المهم أن اتفاقات المرحلة الاستعمارية التي يراد إعادة النظر فيها، بما فيها اتفاق توزيع حصص المياه، هي ذاتها التي أنشأت تلك الدول، وإعادة النظر فيها من شأنها أن تطلق عنان الفوضى ليس في دول حوض النيل فحسب، وإنما في أفريقيا كلها.
يضاف إلى ما سبق أن ثمة قواعد عامة لإدارة مياه الأنهار العابرة للدول تنص على إقرار مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في الموارد المائية، وتعتبر أن مياه الأنهار مورد طبيعي مشترك لا يخضع لسيادة دولة بذاتها. وهذه القواعد أقرها معهد القانون الدولي عام 1961.
(2)
في الجولة التفاوضية الأخيرة التي عقدت في شرم الشيخ وانتهت يوم الأربعاء الماضي (14/4) كان واضحا أن دول حوض النيل السبع (المنبع) تكتلت ضد مصر والسودان (وهما دولتا المصب). إذ رفضت المقترحات المصرية السودانية لاتفاقية التعاون فيما بينهما. خصوصا ثلاثة بنود أصر عليها البلدان تقضي بما يلي: ضرورة قيام دول منابع النيل بإخطار الدولتين مسبقا قبل تنفيذ مشروعات على أعالي النهر قد تؤثر على حصصهما في المياه. -استمرار العمل بالاتفاقيات السابقة التي توزع حصص المياه باعتبارها حقوقا تاريخية. -في حالة إنشاء مفوضية لدول حوض النيل، فإن التصويت فيها إما أن يتم بالإجماع وإما بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة دولتي المصب.

مؤتمر شرم الشيخ كان بمثابة الجولة الثالثة للمناقشات مع دول حوض النيل، الأولى كانت في كينشاسا بالكونغو (مايو/أيار 2009) والثانية كانت في الإسكندرية (يوليو/تموز 2009)، وحسب البيان الذي أصدرته دول الحوض السبع منفردة فإن لقاء الإسكندرية هو آخر اجتماع لبحث الموضوع، وإذا سارت الأمور على النحو الذي حدده البيان ولم يتدخل الرؤساء لتغيير موقف الوزراء، فإن تلك الدول ستوقع الاتفاقية خلال عام، دون أن تشارك فيها مصر أو السودان، وهذه الخطوة إذا تمت فإنها ستكون بمثابة أول شقاق علني بين دول حوض النيل، منبعه ومصبه، والمرة الأولى التي تتحدى فيها تلك الدول مصر وتتصرف على نحو يفتح الباب لاحتمال المساس مستقبلا بحصتها في المياه، ومن ثم الإضرار بأمنها القومي، كما أن هذا الشقاق سوف يكرس المواجهة بين الدول العربية في القارة والدول الأفريقية غير العربية.
(3)
مصر تدفع الآن ثمن غيابها عن أفريقيا. هذه المقولة لم يختلف عليها أحد من الخبراء الذين حدثتهم في الموضوع. ذلك أن أفريقيا حين كانت إحدى دوائر الانتماء في المرحلة الناصرية، كان لها شأن مختلف تماما، فقد كان هناك مكتب يعنى بأمرها في رئاسة الجمهورية، تولى المسؤولية عنه السيد محمد فايق، إلى جانب المكاتب الأخرى التي خصصت لمتابعة الشؤون العربية والآسيوية والأوروبية، وكانت القاهرة مفتوحة الذراعين لحركات التحرر في مختلف الدول الأفريقية. في حين كانت شركة النصر للتصدير والاستيراد هي غطاء أنشطة المخابرات المصرية في دول القارة إلى جانب أنشطتها الأخرى. كما كانت مدينة البعوث الإسلامية والجامعات المصرية تستقبل باستمرار أعدادا كبيرة من أبناء تلك الدول.
وفي التركيز على دول منابع النيل فإن الرئيس عبد الناصر أقام علاقة خاصة مع الإمبراطور هيلاسلاسي وكان يحضر اجتماعاتهما في القاهرة الأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس، الذي كانت تتبعه كنيسة الحبشة. لكن هذه الصفحة طويت بمضي الوقت بعد رحيل عبد الناصر، وجرى تفكيك كل الجسور التي تم بناؤها مع مختلف دول القارة. حتى الكنيسة الإثيوبية انفصلت عن الكنيسة المصرية.
وتعزز وتعمق التباعد حين جرت محاولة اغتيال الرئيس مبارك أثناء توجهه للمشاركة في القمة الأفريقية بأديس أبابا عام 1995. وهو العام الذي لم تنتكس فيه علاقة مصر بالدول الأفريقية فحسب، ولكن بدا أيضا أن التراجع تحول إلى ما يشبه الخصومة التي سقطت بمقتضاها أفريقيا من أولويات أجندة السياسة الخارجية المصرية.
(4)
حين كانت مصر تخرج بصورة تدريجية من أفريقيا، كانت إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما من الدول صاحبة المصلحة تزحف على القارة وتثبت أقدامها في أرجائها. ومن المفارقات ذات الدلالة أن مطالبة دون المنبع بإعادة النظر في حصص مياه النيل بدأت في عام 1995، كما سبقت الإشارة. وهو ذات العام الذي وقعت فيه محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك، وأحدثت ما يشبه القطيعة في العلاقات المصرية الأفريقية، وهو ما تجلى في غياب مصر عن مؤتمرات القمة الأفريقية، الأمر الذي هيأ الفرصة المواتية للآخرين ليس فقط لكي يتمددوا ويتمكنوا، ولكن أيضا لكي يكيدوا لمصر ويسمموا العلاقات معها.

من الملاحظات المهمة في هذا السياق أن الدول التي تزعمت تلك الدعوة، هي أكثر دول القارة ارتباطا بإسرائيل وانفتاحا عليها (إثيوبيا وكينيا وأوغندا)، وهو ما يعزز الشكوك في دوافع إطلاق ما سمي بالاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض وادي النيل.
هذه الخلفية عبر عنها الدكتور محمد أبو زيد وزير الري والموارد المائية السابق، حين صرح في شهر فبراير/شباط من العام الماضي بأن ثمة مخططا إسرائيليا أميركيا للضغط على مصر، لإمداد تل أبيب بالمياه من خلال إثارة موضوع "تدويل الأنهار".
هذا الكلام صحيح مائة في المائة، كما أنه ليست فيه أية مفاجأة. فالوثائق الإسرائيلية المنشورة تجمع على أن إستراتيجية الدولة العبرية منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي والانقضاض عليه من الخلف، من خلال ما أطلق عليه بن غوريون رئيس الوزراء آنذاك سياسة "شد الأطراف"، التي ركزت على اختراق ثلاث من دول الجوار هي إثيوبيا وتركيا وإيران.
وكان الدخول إلى القارة الأفريقية والتركيز على دول حوض نهر النيل، وعلى رأسها إثيوبيا للضغط على مصر جزءا من تلك الإستراتيجية، وقد فصلت في هذه القصة دراسة عميد الموساد المتقاعد موشيه فرجي "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان" التي قدمت إلى مركز ديان للأبحاث في تل أبيب، (نشرت عام 2003 وسبق أن استشهدت بمضمونها المثير).
لا مفاجأة فيما حدث إذن، ذلك أن الوجود الإسرائيلي المدعوم بالسياسة الأميركية تم تحت أعين الجميع ولم يكن فيه سر. ودراسة العميد فرجي تحدثت عن انتشار خمسة آلاف خبير إسرائيلي في دول القارة في ذلك الوقت المبكر. وهؤلاء نشطوا في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية من تدريب للجيوش والشرطة إلى إقامة المزارع وتصدير الزهور، وما كانت تقوم به شركة النصر للتصدير والاستيراد المصرية في الستينيات والسبعينيات تصدت له وضاعفت من مجالاته الدولة العبرية بهمة لم تعرف الفتور أو الانقطاع.
إزاء ذلك، فبوسعنا أن نقول إن الإسرائيليين زرعوا وحصدوا، أما نحن فقد زرعنا حقا ولكننا إما أننا تركنا الزرع بلا رعاية فجف ومات، وإما أننا اقتلعناه بالإهمال واللامبالاة. صحيح أننا حاولنا أن نعوض الغياب بأشكال مختلفة من الحضور خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك كان من قبيل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوقت الإضافي أو بدل الضائع.

لقد قام بعض المسؤولين المصريين -في مقدمتهم الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء- بزيارات لإثيوبيا وبعض دول الحوض، كما بذلت مصر بعض الجهود التي استهدفت تحقيق التعاون الذي يقنع تلك الدول بأن لها مصلحة في التوافق مع مصر، ودُعي رجال الأعمال المصريون إلى الإسهام في تلك الجهود. وتلك محاولات لا بأس بها لكنها جاءت متأخرة كثيرا، ثم إنها كانت دون ما تحتاجه حقا تلك الدول. وأهم من ذلك أنها لم تكن تعبيرا عن إستراتيجية وإنما كانت من قبيل "الفهلوة المصرية" التي تعول على الصدف السعيدة أكثر مما تراهن على التخطيط البعيد المدى.
لقد قرأت تصريحا لوزير الري المصري تحدث فيه عن مضاعفة اعتماد بند التعاون مع دول حوض النيل في ميزانية العام الجديد لكي تصبح 150 مليون جنيه (حوالي 27 مليون دولار)، وقرأت في اليوم التالي أن النرويج قدمت معونة بقيمة 414.2 مليون دولار إلى إثيوبيا لكي تقيم سدا جديدا عند منابع النيل. ووجدت أن المقارنة تجسد المفارقة، لأنني لاحظت أن ما قدم إلى دولة واحدة يعادل 15 مرة ما تعتزم مصر تقديمه إلى دول حوض النيل كلها في الميزانية الجديدة.
لو أننا وجهنا ميزانية التلفزيون التي يخصصها كل عام لمسلسلات رمضان وفوازيره، لتمويل مساعدات مصر ومشروعاتها في دول حوض النيل لتجنبنا المأزق الذي نواجهه الآن، ولخففنا الكثير من أحزان "حابي" وقلقه على المستقبل.

المصدر: الجزيرة
اقرأ المزيد

سلام فياض ومشروعه بين الهجوم والدفاع


ياسر الزعاترة


خلال الأسابيع الماضية، وعلى خلفية تصريحاته لصحيفة "هآرتس" مطلع الشهر، والتي تحدث فيها من جديد عن مشروعه العظيم لإقامة الدولة، وتنازل من خلالها طوعا عن حق العودة (قال إن اللاجئين سيستوعبون في الدولة العتيدة)، على هذه الخلفية انبرى عدد من كتاب التسوية ومنظريها، تحديدا أولئك المصابون بعقدة الإسلاميين (من شتى الدوافع)، انبروا للدفاع عن رئيس الوزراء في حكومة رام الله (سلام فياض) ومشروعه لإنشاء ما يسميه "دولة الأمر الواقع"، أحيانا بالحديث عن رأي الناس الإيجابي في الضفة الغربية ممن يلمسون تغيرا في واقع حياتهم، وأحيانا بالحديث عن الآفاق الإستراتيجية للمشروع في ظل فشل برنامج المقاومة، بحسب رأيهم.
ما ينبغي قوله هنا، وقبل كل شيء، هو أن الهجوم على سلام فياض لا يبدو محقا من جانب واحد هو أن الرجل لا يعدو أن يكون موظفا لدى جهة هي الأولى بالنقد، فهو ليس قياديا في حركة فتح، ولا هو زعيم فصيل كبير ينافس على تمثيل الشعب وجماهيره، وجل ما يمثله في الواقع السياسي الفلسطيني لا يتعدى كتلته في المجلس التشريعي الفلسطيني (مقعدان من أصل 124 مقعدا).

من هنا، فإن النقد الحقيقي ينبغي أن يستهدف الجهة التي تشغله، أعني مؤسسة الرئاسة، وعلى نحو أكثر وضوحا حركة فتح، ولن نضيف هنا منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت بدورها مؤسسة ملحقة بالمجموعة التي سيطرت عمليا على السلطة وفتح.
نعم، النقد ينبغي أن يوجه لحركة فتح، ولقيادتها بالضرورة، لاسيما أننا إزاء حركة يحدد مسارها من يمسك برئاستها، بدليل أن من ورثوا ياسر عرفات هم أنفسهم الذين سعوا للانقلاب عليه، ليس فقط لاعتبارات الزعامة، بل لاعتبارات البرنامج المغاير أيضا.
صحيح أن فياض قد فُرض من قبل ذات القوى التي منحت الغطاء لقتل ياسر عرفات، وهي ذاتها التي يسرت للمجموعة إياها سبل السيطرة على فتح ومنظمة التحرير، لكن ذلك لا يجعله مسؤولا بشكل مطلق عن سلوكه السياسي، اللهم إلا إذا أعلنت تلك المجموعة أن الرجل لم يعد يمثلها، بقدر ما يمثل القوى التي تدعمه.
لذلك كله، فإن قيادة حركة فتح (هي ذاتها قيادة السلطة)، هي التي تتحمل وزر أي برنامج سياسي يشتغل عليه الرجل، ولا قيمة لأية انتقادات نسمعها من هنا وهناك من بعض الرموز في الحركة، فالشعب الفلسطيني لا يحاسب أفرادا داخل الحركات، وإنما يحاسب الحركات على سلوكها العام وبرنامجها المعتمد.
هكذا يغدو سلام فياض هو الممثل الحقيقي للبرنامج السياسي لحركة فتح، وأي كلام غير هذا هو محض تدليس، والنتيجة أن برنامج "دولة الأمر الواقع" وشطب قضية اللاجئين، ورفض المقاومة هو برنامج الحركة، ولن يقنعنا حملة بطاقات "الفي آي بي" أنهم يمارسون الانتفاضة الشعبية أو المقاومة السلمية لمجرد أن أحدهم قد اعتقل لبضعة أيام، أو أن بعضهم قد شاركوا في مسيرة ضد الاحتلال.
المقاومة السلمية هي اشتباك واسع النطاق مع الاحتلال، الأمر الذي لا يتوفر في الضفة الغربية، بينما نتابع تنسيقا أمنيا مع الأجهزة الإسرائيلية، وانتظارا لبركات المحتلين وامتيازاتهم، إلى جانب فعالية أسبوعية ضد الجدار في بلعين ونعلين يتصدرها المتضامنون الأجانب، مع العلم أن الجدار المذكور قد صدر بحقه قرار من محكمة العدل الدولية في لاهاي ولم يطبق، فلماذا يكون علينا التسليم بأن المؤسسات الدولية ستغدو ضامنة للحقوق الفلسطينية؟!

ما يجري في الضفة ويدافع عنه البعض هو صفقة لا تختلف عن صيغة روابط القرى التي تتلخص في العيش المريح مقابل التحرير الكامل والسيادة الكاملة (طبعا على 22% من فلسطين فقط)، والدولة هنا هي هيكل خارجي يخفي شطب حق العودة والتنازل عن القدس (سيغدو الوضع محض نزاع حدودي بين دولتين)، ومن لديه كلام آخر، فليتفضل ويقنعنا كيف سينتزع القوم من نتنياهو دولة على حدود الرابع من حزيران بما فيها القدس الشرقية، بينما يعجزون عن إقناعه بتجميد الاستيطان لمدة محدودة في القدس؟!
عندما يتحدث أولئك عن التحسن في حياة الناس، وينظّر كبيرهم مستشهدا بآية من كتاب الله "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، عندما يفعلون ذلك، فهم يشوهون صورة الشعب الفلسطيني، ويظهرونه بمظهر من يبيع الأرض والكرامة مقابل لقمة العيش، فضلا عن تجاهلهم لحقيقة أن الشعب الفلسطيني قبل أوسلو لم يكن جائعا، بل كان يعيش على نحو أفضل من حاله بعد قيام السلطة، وبالطبع لأن القوانين الدولية تلقي عبء إدارة حياة السكان الواقعين تحت الاحتلال على عاتق المحتل. والأسوأ أن بعض التحسن الذي طرأ أيام أوسلو إنما صبّ في جيوب رجالات السلطة ورموزها ومن يدورون في فلكهم، بينما ساءت أحوال قطاعات عريضة من الناس.
ليس هذا فحسب، إذ أن مشروع دولة فياض هو ذاته مشروع "الدولة المؤقتة" الذي نظر له قادة الدولة العبرية بمسميات شتى، والذي يقضي بإقامة دولة ضمن حدود الجدار، تغدو ذات نزاع حدودي مع جارتها سيغدو نسيا منسيا مثل سائر النزاعات المشابهة في العالم، ومن يتوقع أن حدود دولة فياض ستتجاوز الجدار واهم أيما وهم، مع التذكير بأن سيادة تلك الدولة ستبقى منقوصة، بحيث لن يكون بوسع صاحبنا إعادة اللاجئين إلى مناطق سلطته حتى لو أراد ذلك ووافقوا هم، فيما يدرك الجميع أن دولة الجدار (مقطعة الأوصال) لن تكون مغرية لأي أحد كي يعود إليها.

أما قول المدافعين عن المشروع بأن برنامج المقاومة قد فشل، ولا حل سوى برنامج فياض (برنامج محمود عباس وفتح الحالية)، فهو محض تدليس، ذلك أن برنامج المقاومة الحقيقية التي توحد الشعب وترفع شعار دحر الاحتلال دون قيد أو شرط لم يختبر بعد، وهو برنامج نجح في لبنان ويمكن أن ينجح هنا بكل تأكيد، لاسيما أن دعمه سيُفرض من قبل جماهير الأمة على الأنظمة، فيما لن يملك العالم سوى التعامل معه كمشروع إجماع للشعب الفلسطيني، من دون أن يعني ذلك التخلي عما تبقى من فلسطين (قلنا دحر الاحتلال من دون قيد أو شرط).
لا حاجة هنا لتكرار طرح حل السلطة، بوصفه القادر على حرمان الاحتلال من الامتيازات التي ترتبت على إنشائها، لأن مسار المقاومة المجدي معروف للمعنيين، لكن من يرفض حتى مجرد وقف التنسيق الأمني، ويريد الاستمتاع بامتيازات الاحتلال لا يمكن أن يقاومه بحال.
هكذا يمكن القول إنه بقليل من المنطق، معطوفا على التخلص من العقلية الحزبية والفئوية المريضة، سيكتشف أولئك أنهم يدافعون عن مشروع بائس لن يرضى عنه الشعب الفلسطيني، حتى لو سكت عليه لبعض الوقت بسبب الظروف القاهرة. وسيكتشفون أيضا أن المصالحة التي يدعون إليها هي في حقيقتها دعوة لاستسلام فلسطيني شامل للمشروع المذكور وليس شيئا آخر.
المصدر الجزيرة نت
اقرأ المزيد

التجربة التركية.. في وعي الإسلاميين


علي عبدالعال

تباينت رؤى الإسلاميين في تقييمهم "التجربة التركية" كنموذج للحكم يصلح الاقتداء به في بلادهم التي يعصف بها الاستبداد من جهة، ويشوب العداء علاقتهم بمؤسسات السلطة فيها من جهة أخرى، فبينما رآها البعض النموذج الأمثل الذي يسعى جاهدا لتطبيقه، دون أن تكون له عليها شائبة تذكر، اعتبرها آخرون محاولة جديدة لاحتواء حركة الإسلام السياسي الصاعد، بينما تحفظ عليها البعض الآخر فلم ينكر إيجابياتها، وإن كان لم يقصر وهو يعدد مآخذه عليها.

وحيث تتطلع شرائح عديدة من الإسلاميين للبحث عن مخرج من المأزق التاريخي بين الحركة الإسلامية والسلطة، الذي تسوده مظاهر: الإقصاء، والمطاردة، وغياب الثقة، وحملات التشويه، يرجع تباين الرؤى بين الحركات الإسلامية بالأساس إلى تباين المدارس الفكرية التي ينتمي إليها الإسلاميون، وهم يتوزعون إلى ثلاث مدارس فكرية كبرى: مدرسة الإخوان المسلمين، وأصحاب المنهج السلفي، والتيار الأيديولوجي الشمولي الذي ينشد المفاصلة مع الأنظمة الحاكمة، سياسياً كحال حزب التحرير أو عسكرياً كالحركات الجهادية.

نسخة مصرية للعدالة والتنمية

وفي إطار الجهود لعملية استنساخ فعلي على الأرض، تنظر أوساط ثقافية وإعلامية إلى (حزب الوسط) باعتباره "النسخة المصرية" من العدالة والتنمية؛ حيث ينطلق الحزب المصري تحت التأسيس من استلهام تجربة الحزب التركي الحاكم، ويربط مراقبون بين شخصية مؤسسه المهندس أبو العلا ماضي -القيادي السابق في الإخوان المسلمين- وبين شخصية رجب طيب أردوغان في الخلفية الإسلامية مع "التطور الفكري الذي يواكب العصر بمفهوم إسلامي"، خاصة وأن ماضي كان قد أشاد بأردوغان وجماعته في مواقف ومناسبات عديدة.

ويرى مؤسس الوسط في العدالة والتنمية "نموذجا ممتازا لظروف تركيا" خاصة في التحول الديمقراطي، وعلاقة الإسلاميين بالسلطة، وحجم الإيجابيات غير المسبوق، مشيرا إلى أنه "قدم نموذجا حقيقيا للإسلام بدون رفع لافتة صارخة.. والعبرة بالمضمون وليست باللافتات". وفي حديثه لـ"الإسلاميون.نت" لم يتذكر ماضي سلبية واحدة يأخذها على قيادات حزب العدالة والتنمية، خاصة أن خصومهم أنفسهم أقروا بنجاحاتهم، وإن أشار إلى أنه "لا توجد تجربة تخلو من الأخطاء".

وحول مدى إمكانية استنساخ التجربة في مصر، يرى أبو العلا ماضي أنها تجربة "تستحق الاحترام، ويستفاد منها"، لكنها في الوقت نفسه تجربة "لها خصوصية، ولا نستطيع التعميم، لو نجح أي حزب له مشروع كهذا واستطاع الوصول إلى السلطة ويحقق نجاحات فما المانع في هذا؟".

بين العدالة والإخوان

وفي تعليقه، ربط علي صدر الدين البيانوني -المراقب العام لإخوان سوريا- بين مشروع العدالة والتنمية ومشروع جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنت "قبولها التعددية والتداولية والتشاركية، وقبولها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع"، في أكثر من قطر عربي قدمت فيه برنامجها السياسي؛ وهو ما يعني -برأيه- أن استنساخ التجربة التركية "بروحيتها ممكن ومفيد، في كل من مصر وسوريا وغيرها من البلدان العربية".

إلا أن هذا المستنسخ بحاجة إلى أن يولد في ظروف مثل الظروف التي وجدها في تركيا، وهو ما يصفه البيانوني بالشروط "الصانعة لإطار التجربة: وهي الثقافة الديمقراطية، والتقاليد الديمقراطية، واحترام سيادة القانون"، فمن مفارقات الأوضاع بين الأقطار العربية وبين تركيا أن الدولة العلمانية هناك "أكثر احتراما لسيادة القانون"، بينما هذه القوانين في الأقطار العربية "لا تلقى أي احترام".

وبالرغم من أن الظروف التي كانت مهيأة في تركيا يوجد أكثر منها في العالم العربي، الذي تحتفظ مجتمعاته "بحالة إسلامية أكثر تقدما" من مثيلتها في تركيا، ويمتلك لاعبين جادين، ويفرض الحجاب نفسه فيه بقوة، وهو ما يشكل رصيدا مهما للحركات الإسلامية، فإن الفرصة لم تسنح لبلد مثل سوريا "حيث لا يوجد قانون للأحزاب أصلا، وحيث يكرس الحزب الحاكم حزبا قائدا للدولة والمجتمع"، ولعل غياب هذه الحقيقة عن أذهان بعض المتابعين يجعله يظن أن مشكلة الحركات الإسلامية في عالمنا العربي هي مشكلة عناوين أو أسماء أو مصطلحات أو برامج، لكن "الحقيقة هي أن أي وجود سياسي مغاير للأنظمة محكوم عليه بالرفض في عالمنا العربي، ليس بسيف القانون -كما هو الحال في تركيا- ولكن بسيف إرادة الحاكم أو مزاج الأجهزة الأمنية".

من جهة أخرى، يبدي البيانوني تفهمه لحاجة اللاعبين الأتراك لـ"المصانعة"؛ نظرا لخصوصية وظروف الدولة التركية والمجتمع التركي، فحين تفهم الإسلاميون الأتراك شروط الحركة في بلدهم تكيفوا معها، ونشطوا من خلالها، ومن ثم حققوا "تجربة ناجحة" لا يجد المراقب العام لإخوان سوريا "سببا" يدعوه لتجريدها من "الوصف الإسلامي".

حركة علمانية برتوش إسلامية

على العكس تماما، يبدي حزب التحرير الإسلامي -وهو حزب عابر للحدود يكرس جهوده لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال إعادة بناء دولة الخلافة- مواقف شديدة المعارضة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في آخر دولة احتضنت الخلافة الإسلامية، وهي مفارقة ربما يتلاشى الغموض حولها بالنظر إلى رؤية التحرير للعدالة والتنمية التي تتلخص في اعتباره "حركة علمانية برتوش إسلامية تساهم في إبعاد الناس عن المشروع الإسلامي الأصيل"؛ حيث يتهم حكومة أنقرة بشن الحملات الأمنية والإعلامية ضد أعضائه، ونعتهم بالتطرف والإرهاب، فضلا عن مداومة إلغاء مؤتمراته وندواته ومهرجاناته في تركيا.

ففي بيان رسمي (بتاريخ 5/3/2010) قال الحزب -الذي ينتشر أعضاؤه في جميع بلدان العالم تقريبا ومن بينها "ولاية تركيا": "إن حكومة العدالة والتنمية جعلت وحداتها الأمنية (زنازين السجون) بيوتا لشباب حزب التحرير"؛ وذلك في أعقاب اعتقال الأجهزة الأمنية (يلماز شيلك الناطق الرسمي باسم حزب التحرير في تركيا) واتهامه بالعضوية في "تنظيم إرهابي والترويج له"، بينما تسمح لحزب الشعب الجمهوري "الذي قام في ذكرى هدم الخلافة بتمزيق الجلابيب الشرعية ووطئها بالأقدام بإظهار ابتهاجهم بذكرى قيام جمهوريتهم العلمانية الكمالية"، وهو ما يؤكد بصورة واضحة "حقيقة ما عليه حزب العدالة والتنمية من عقلية لا تمت إلى الإسلام بصلة"، على حد قول البيان.

إذ يرى حزب التحرير الإسلامي أن العدالة والتنمية "مجرد أداة تستعملها الولايات المتحدة الأمريكية للتخلص من هيمنة الجنرالات المناوئين لها في تركيا، أصحاب الولاء التقليدي الراسخ لأوروبا، والمتنفذين الحقيقيين رسميا في البلاد منذ انهيار الخلافة العثمانية عام 1924م"، حسبما تظهر العديد من نشرات الحزب على موقعه الرسمي على الإنترنت، وهي نفس الرؤية التي يعكسها على زعيم العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، الذي "يتقن صناعة المواقف المفتعلة لإشباع رغبات الناس بانتصارات مزيفة، وشعارات تدغدغ مشاعر الجماهير لتحقيق شعبية له"، بينما تطبق حكومته - التي ارتضت التبعية للكافر المستعمر (أمريكا)- "أنظمة الكفر" في آخر دار للخلافة، حسبما قال المهندس حسن الحسن (أحد كوادر الحزب المعروفين) في تصريح خاص لـ"الإسلاميون.نت".

السلفيون تحفظوا على التجربة

السلفيون اتخذوا موقف وسطا، إذ يرون أنه يجب التفرقة بين "الفرحة لتنامي الصحوة الإسلامية" في تركيا، وبين ما اختلط بذلك من أمور غير شرعية "لا يجوز إلا بغضها والاعتراض عليها"، في إشارة إلى قبول الإسلاميين الأتراك الديمقراطية والعلمانية كأسس ونظريات ثابتة للحكم، فضلا عن وجودهم في الوقت الذي يجري فيه سن قوانين مخالفة لأحكام الشرع الإسلامي كقانون البغاء "لاسيما أن حزب العدالة الإسلامي بأسره وجول (الرئيس التركي) نفسه أقسم على المحافظة على علمانية البلاد"، على حد قول الشيخ عبد المنعم الشحات -أحد رموز الدعوة السلفية في الإسكندرية- في مقالة بعنوان: (السلفيون ودخول الحجاب إلى القصر التركي).

ومدللا على ما قال يضيف : "معلوم أن الحكومات "الإسلامية" المختلفة التي حكمت تركيا بداية من حكومة "أربكان"، ومن جاء بعده التزمت باستخراج تصاريح البغاء للبغايا، بل إن إلغاء تحريم الزنا قد سنه البرلمان الذي يسيطر عليه حزب العدالة"، فهي تجربة بها إيجابيات كثيرة بنظر السلفيين، ولكن ذلك لم يمنعهم من أن يسجلوا تحفظاتهم الشرعية عليها.

سلفيو الإسكندرية -الذين يرفضون دخول العملية السياسية تحت أي مظلة غير مظلة الإسلام- يرون أن المسلم غير مضطر لقبول العلمانية والديمقراطية والتعامل معهما بحجة أن "العلمانية والغرب (...) لن يسمحا مطلقا للإسلاميين بالتواجد إلا تحت مظلتهم"؛ إذ لا يُسمح بالمداهنة في مجال الدعوة، وهنا يتساءل الشحات: "ماذا سيجني الإسلام إذا ما وجه أبناؤه المخلصون كل جهودهم ليصلوا إلى سدة الحكم، ويطبقون هم العلمانية بأيديهم حتى وإن عملوا على كبح جماح غلوها شيئا فشيئا؟ ومن الذي يضمن لنا عدم تشبع الأجيال الشابة من هذه الأحزاب الإسلامية بهذه الأفكار العلمانية التي يرون قادتهم يطبقونها، بل وينسبون الكثير منها إلى الإسلام".

ويخشى السلفيون من أن يفقد الناس الثقة في الدين "لاسيما أن الداخلين في هذه اللعبة يزعمون أن ما يقولونه ويفعلونه هو من الدين"؛ مما يجعل الدين ألعوبة في يد كل متلاعب، ويجعل الناس يتساءلون: "هل هو فيه بالفعل، أم أنها المساومات السياسية؟ وهل يمكن أن يُفتَى في بلد شديد التطرف في العلمانية بجواز استخراج الموظف المسلم لتصريح البغاء للبغايا، بينما يُفتَى في بلد آخر أقل تطرفا في تطبيق العلمانية -كالكويت مثلا- بوجوب سعي النواب الإسلاميين إلى منع الحفلات الماجنة؛ لأن من واجبات ولي الأمر الأخذ على أيدي الفاسقين، وينسب هذا وذاك إلى الشرع".

نجاح باهر

وعلى عكس المتوقع، اعتبر الملا كريكار -مؤسس جماعة (أنصار الإسلام) الكردية العراقية المصنفة في قائمة السلفية الجهادية- أن ما حدث في تركيا على أيدي العدالة والتنمية "كان نجاحا باهرا يستحق الدراسة والمتابعة"، لكن -ومن منطلق أن "لكل بلد ظروفه"- لا يرى كريكار في تجربة العدالة والتنمية نموذجا أمثل للحكم ينبغي على الإسلاميين استنساخه؛ فتركيا شاركت بنسبة 60% في تطور بروز الإسلاميين، والسند القانوني فيها كان قويا "كلما هدم العسكر مسنده رجع بحزبه من جديد ولكن باسم جديد وهذا لا يتوفر في بلد آخر"، وكذلك العوامل الاقتصادية، والسوق الحر، وتكافؤ الفرص للجميع "الذي فسح المجال لسبعة من أكبر تجار تركيا أن يساندوا الأستاذ أربكان ويجعلوه وحزبه غير محتاج إلى معونات الدول المشروطة"، ومن جهة أخرى "لم يتعرض إسلاميو تركيا -والحمد لله- خلال هذه السنين إلى حملات التصفية التي تعرض لها الإسلاميون في كثير من بلاد أخرى".

وحول الجدل بشأن إسلامية التجربة، دفع كريكار بأنه إذا لم يكن الحزب إسلاميا "لكن بالتأكيد المؤسسون والقادة والموجهون مسلمون، ويحبون مناصرة الإسلام بأقوى أسلوب، لكن المتوفر هو ما يسمح به واقعهم"، مشيرا إلى تعقيدات الواقع التركي، والأجواء المحيطة بالإسلاميين التي يعتقد أنها "لا تسمح بأكثر مما كان"، ملمحا إلى بعض مآخذ الإسلاميين على العدالة والتنمية التي تتمثل في "عمق الفهم الشرعي، وصرامة الالتزام الديني، وجرأة البلاغ"، وإن كانت هذه ضوابط ليس شرطا أن تتوفر للجميع "فما يستطيع أن يمارسه الباكستاني لا يستطيع المصري ممارسته، وما يمارسه المصري لا يمارسه غيره".

بداية النهاية لمشروع علمنة تركيا

وفي قراءته للتجربة التركية، يشرح الشيخ راشد الغنوشي -زعيم حركة (النهضة) التونسية- ما حدث بأنه "ثورة بيضاء ضد منتظم سياسي ميت أصلا، فجاءت صناديق الاقتراع لتعلن عن دفنه، إنه من الناحية الرمزية إعلان كذلك عن إفلاس مشروع علمنة تركيا وتغريبها، وبداية النهاية لذلك المشروع".

وفي إطار الجدل حول إسلامية وعلمانية التجربة، يتابع الغنوشي في قراءته التي بعنوان: "العدالة التركي.. تجاوز أم تطور؟" مؤكدا أنها "قاعدة إسلامية" وعت بيقين أن التمادي بنفس السياسات والوجوه "ليس من شأنه غير استمرار اشتباك غير قابل للتسوية، قد غدا معوقا لتحقيق المشروع الإسلامي"، فلا مناص من التغيير في الخطاب والوجوه والتكتيكات "فكان العدالة والتنمية"، "ولو أننا تأملنا في جملة ما أعلنه حتى الآن حزب العدالة والتنمية من سياسات" -يتابع الغنوشي- "لوجدناه امتدادا متطورا لتراث الحركة الإسلامية التركية، مع مرونة أكبر في التنزيل، وحرص أكبر على ترتيب الأوليات بطريقة عقلانية ذكية"، خاصة أنه لم يصدر عن جماعة العدالة والتنمية تصريحات مما يحمل على الظن أن الأمر يتعلق بتحولات فكرية.

وحيث النقد، يوجه للعدالة والتنمية باعتبار ما قدم من تنازلات، يرد الغنوشي أن الإسلاميين الأتراك ليسوا هم وحدهم "من فرض عليهم صياغة أيديولوجيتهم بما يتواءم مع السياج المفروض عليهم، بل إن جملة التيار الإسلامي في العالم ولاسيما في البلاد التي منيت بتحديث فوقي صارم، مثل تونس والجزائر ومصر، قد اضطرت للإقدام على نوع من تلك المواءمة"؛ فقد تخلى الكثير منهم عن مسمى الإسلام في الراية التي يرفعونها للانسجام مع قانون الأحزاب، مع أنه لا أحد قد صرح بأنه قد تنازل عن شي‏ء من إسلامه.

وعلى عكس غيره من المفكرين الإسلاميين، لا يرى الغنوشي في سعي القادة الأتراك للالتحاق بالاتحاد الأوروبي قدحا، بل يعتبر هذا الحرص "نوعا من تجريد الخصم من سلاحه، وتجريد ظهيره الخارجي من أوهامه، وعرض صداقة بديلة عنه"، مشيرا إلى أن عرض الإسلاميين بالذات لهذه الصداقة أو الشراكة ترفع الغطاء عن المتطرفين العلمانيين والاستئصاليين، لا في تركيا فحسب، بل في عدد كبير من بلاد العالم الإسلامي، معتقدا أنه لا يعيب الشعب التركي أن يدخل أوروبا مسلما، بقيادة إسلامية شابة، مدعومة بقوة من شعبها، متصالحة مع تاريخها ومع محيطها العربي والإسلامي.

الإسلاميون.نت
http://islamyoon.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1235340606287&pagename=Islamyoun
اقرأ المزيد

الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء

الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء
African Peer Review Mechanism

دراسة الطالب محمد المهدي شنين والباحث عصام بن الشيخ حول موضوع: "الآلية الأفريقية للتقييم والمراجعة من قبل النظراء"، دراسة للمفهوم وتطبيقه في حالة الجزائر.

مقدمة

تخطو إفريقيا خطوات متسارعة في مجال ترشيد الحكم وتحقيق التنمية الاقتصادية من اجل التغلب على واقعها الأسود من تخلف وصراعات وأمراض فأنشأت المنظمات القارية و الإقليمية كالاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي ومنظمة النيباد هذه الأخيرة التي تضم الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء التي تعتبر آلية طوعية أنشأتها الدول الإفريقية لتقييم التجارب المختلفة والاستفادة من تقييم الأقران وفي بحثنا هذا نطرح التساؤلات التالية :

- مالذي يعنيه خضوع دولة ما للرقابة من قبل النظراء؟

- هل تعتبر الدولة ملزمة بالخضوع لهذه الآلية أم أنها تستخدمها للدلالة على شفافية نظم الحكم فيها ؟.

- ماهي معايير هذه الآلية ؟و هل هي دولية ؟.

- هل تقدم هذه الآلية شهادة حسن سلوك للدول؟.

- هل لمنظمات المجتمع المدني دور في التقييم والمراجعة ؟.

وللإجابة على هذه التساؤلات نفترض الفرضيات التالية :

- الآلية الإفريقية آلية طوعية تستطيع الدولة الانسحاب منها وعدم الخضوع لها.

- معايير الآلية معايير تحظى بالاعتراف الدولي.

- لممثلي المجتمع المدني دور في التقييم والمراجعة.

وللتحقق من هذه الفرضيات نستخدم المنهج التاريخي باعتبار أننا نتعامل مع أحداث تاريخية كما نستدعي المنهج الوصفي لوصف الظاهرة وندعمه بالمنهج التحليلي باعتبار أننا نقوم بعملية تحليل للآلية الإفريقية ،كما نستخدم منهج دراسة الحالة في دراسة تطبيق الآلية على حالة الجزائر وكانت إجابتنا وفق الخطة التالية :

مقدمة

الفصل الأول: ماهية الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.

المبحث الأول: مفهوم الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.

المبحث الثاني: مجلس قمة الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.

المبحث الثالث: الأسس والمعايير التي تعتمد عليها الآلية في التقييم.

الفصل الثاني: تطبيقات الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء على الجزائر(دراسة حالة).

المبـحث الأول: تقرير آلية التقييم والمراجعة عن الجزائر.

المبحث الثاني: تقييم تقرير الآلية عن الجزائر.

الخـاتمة.

———————-

الفصل الأول:

ماهية الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء

المبحث الأول:مفهوم الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.

في إطار الشراكة الجديدة من اجل تنمية إفريقيا والمعروفة اختصارا بالنيباد أنشأت الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء (African peer review mechanism) والمعروفة اختصارا ب(APRM) وذلك بقمة الاتحاد الإفريقي في ديربان في جويلية 2002 تحت قرار رقم 7/57 للجمعية العامة للأمم المتحدة والنيباد ويتم الانضمام لهذه الآلية بشكل طوعي[1]، حيث أنها آلية افريقية لتبادل الخبرات والمعرفة وتطوير مستوى الأداء والارتقاء بمعدلات الإدارة في الدول الإفريقية المختلفة.

وببساطة فالدول الإفريقية تفتح أبوابها طواعية لمراجعة ومراقبة زميلاتها من الدول الأخرى حول مدى تطبيق القانون والشفافية والحكم الرشيد داخل حدودها.[2]

ويعطينا موقع الآلية الأفريقية للتقييم من قبل النظراء نظرة عامة عن الآلية فيرى أنها وسيلة متفق عليها طوعا انضمت إليها الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي باعتبارها آلية افريقية للرصد الذاتي وهي تسعى لتشجيع الدول الأعضاء للمشاركة في ضمان أن تكون سياساتها وممارساتها تتفق مع القيم السياسية والاقتصادية وإدارة الشركات والقواعد والمعايير والأهداف المتفق عليها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية الواردة في عملية الشراكة الجديدة التي تحققت.

فهذه الآلية تعتبر حجر الزاوية في الشراكة الجديدة وتسعى للامتثال لأفضل الممارسات في ما يتعلق بكل من مجالات الحكم والتنمية وتسعى لتشجيع اعتماد السياسات والمعايير والممارسات التي تؤدي إلى الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المرتفع والتنمية المستدامة والفرعية الإقليمية والقارية والتكامل الاقتصادي فالآلية تعزز التعلم من الأقران وبناء القدرات من خلال ممارسة الحوار البناء والإقناع بين الأقران .

ويقاس التقدم وفق هذه الآلية على أساس أربعة معايير هي:

- الديمقراطية والحكم الراشد.

- الإدارة الاقتصادية .

- حوكمة الشركات .

- التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

فهذه الآلية ليس المقصود منها أن تكون جهة رقابة بل الغرض منها تشجيع المشاركة بين الحكومة والمجتمع المدني في البلد المقيم فضلا عن المشاركة مع غيرها من البلدان الإفريقية التي تشاطرها الرأي وتعمل على تحسين المؤسسات والممارسات الإدارية وهذه الآلية لن تنجح إلا إذا كانت طوعية وليست عدائية .[3]

ويتم تمويل هذه المنظمة من تبرعات الدول المشاركة بالدرجة الأولى وكذلك من بعض شركاء التنمية مثل كندا والمملكة المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي كما ذكرت بعض المساهمات من الولايات المتحدة قدرت ب 17.3 مليون دولار عام 207 إذ أن بعض الدول الأعضاء فشلت في تحقيق حتى الحد الأدنى من المساهمة ب 100 ألف دولار ومنذ جويلية 2008 وتضم هذه الآلية 29 دولة.[4]

المبحث الثاني: مجلس قمة الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء.

في التاسع من مارس 2003 أقرت المنظمة وثيقة من 17صفحة وضحت فيها هياكل الآلية:

1/ محفل الآلية: ويتكون من رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء بالآلية ويمثل أعلى سلطة بها ويتولى مهمة تعيين أعضاء ورئيس لجنة الشخصيات البارزة واعتماد القرارات الصادرة عناه وإقرار القواعد الإجرائية.[5]

2/ لجنة الشخصيات البارزة: وتضم سبعة أعضاء بارزين ذوي الأخلاق الرفيعة التي أثبتت التزامها بالمثل العليا للوحدة الإفريقية وعلاوة على ذلك يتمتعون بالخبرة في مجالات الإدارة السياسية وإدارة الاقتصاد الكلي وإدارة الشركات والمالية العامة والأعضاء يجب أن يعكسوا التوازن الثقافي وكذلك التوازن بين الجنسين ،والأعضاء ترشحهم الدول المشاركة ويخدم الأعضاء لمدة 4 سنوات.[6]

3/ الأمانة العامة: ومقرها بريتوريا بجنوب إفريقيا وتعمل كوحدة للدعم الفني لمعونة اللجنة في مهامها كما تقدم خدمات التنسيق والدعم الإداري.[7]



المبحث الثالث: الأسس والمعايير التي تعتمد عليها الآلية في التقييم.

تعتمد الآلية على أربعة معايير في تقييمها للدول الأعضاء وهي المعايير المذكورة سلفا حيث ترسل الآلية باستبيان مفصل إلى البلد المقيم للرد عليه كما تقوم الأمانة العامة بدراسة عن الحكم والتنمية في هذه البلاد ويجب ضمان مشاركة جميع أصحاب المصلحة في التقييم من نقابات ونساء وشباب بالإضافة إلى المجتمع المدني بكل شرائحه زائد القطاع الخاص ، كما يقترح إطار زمني محدد لتنفيذ الإعلان بشأن الديمقراطية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وحوكمة الشركات، وتقدم الدراسة إلى الأمانة العامة وهي التي تقرر إذا ما كان هناك نقاط يجب التعمق فيها أكثر.

وفي المرحلة الثانية ترسل الآلية بفريق استعراض ليزور البلد ويضطلع على أوسع نطاق ممكن من المشاورات مع الحكومة والأحزاب والمسؤولين والبرلمانيين وممثلين لمنظمات المجتمع المدني من وسائل إعلام ونقابات وأكاديميين ورجال أعمال….

وفي المرحلة الثالثة يجمع مشروع التقرير مستندا إلى نتائج لجنة الاستعراض التي زارت البلد ويناقش مع الحكومة المعنية لضمان دقة التقرير ومنح الحكومة فرصة للرد على النتائج التي توصل إليها فريق التقييم وذلك لطرح وجهات نظر خاصة بشأن كيفية تحديد أوجه القصور كي يمكن معالجتها ويضاف إلى للتقييم أداء البلد فيه ومدى أخذه في الحسبان الالتزامات الواردة في برنامج العمل ومدى تطبيقه لأهداف الآلية وسيتم التطرق لنقاط الضعف وتقديم توصيات لبرنامج العمل النهائي .

وفي المرحلة الرابعة يقدم فريق الاستعراض التقرير النهائي وبرنامج العمل الذي أعدته الكومة وترسل إلى الأمانة العامة وبعدها يقدم التقرير إلى المشاركين في المحفل من رؤساء الدول و الكومات للنظر فيه وصياغة الإجراءات التي تراها مناسبة وفي هذه المرحلة يتم تطبيق ما يسمى "ضغط الأقران"حيث تقدم الحكومات المشاركة كل المساعدة التي يستطيعونها وكذلك الجهات المانحة.

وكما أسلفنا فان للآلية أربعة معايير أساسية:

ا/ في مجال الديمقراطية والحكم الراشد:

وفيه يجب التأكد من كل الدساتير الوطنية تعبر عن روح الديمقراطية وتوفير فرص التمثيل السياسي لجميع المواطنين وتوفير مناخ للمسائلة ، ويهدف هذا إلى إبراز الموقف الحازم للاتحاد الإفريقي حول التغييرات غير الدستورية للحكومات كالانقلابات العسكرية ويتجلى ذلك بوضوح في العقوبات التي فرضت على موريتانيا عقب الانقلاب الأخير ،وغير ذلك من القرارات الهادفة إلى تعزي السلم والأمن وترسيخ دعائم الديمقراطية والحكم الراشد وهذا كله يسعى لمجموعة أهداف منها :

- منع الصراعات البينية .

- تدعيم الديمقراطية الدستورية وسيادة القانون والدستور.

- تعزيز وحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في كل البلدان بما يتوافق مع المعايير الدولية .

- تأكيد آلية الفصل بين السلطات لضمان استقلالية القضاء .

- ضمان وجود آليات للمساءلة والرقابة للمسؤولين .

- محاربة الفساد السياسي .

- تعزيز حقوق المرأة .

- حماية حقوق الأطفال .

- حماية حقوق الفئات الضعيفة (لاجئين..مشردين …).[8]

ب/ في مجال الإدارة الاقتصادية :

وذلك بتجسيد الإدارة الاقتصادية الجيدة عن طريق الشفافية في الإدارة المالية والتي تعتبر شرط رئيسي لتعزيز النمو الاقتصادي وتهدف هذه الإدارة الجيدة لبلوغ مجموعة أهداف :

- تعزيز سياسات الاقتصاد الكلي الرامية للتنمية المستدامة.

- شفافية التنمية ومصداقية السياسات الاقتصادية الحكومية .

- تعزيز الإدارة السليمة للمالية العامة.

- مكافحة الفساد الإداري وغسيل الأموال .

- تسريع التكامل الإقليمي .

ج/ في مجال حوكمة الشركات:

حوكمة الشركات تشمل الجوانب التي تحكم علاقات الشركة مع المساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين وتمكن حوكمة الشركات من عقد توازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الفردية والجماعية وذلك ضمن أهداف ومقاييس ومعايير لتحقيق اكبر قدر من مصالح الأفراد والشركات والمجتمع ضمن إطار الحكم السليم والصالح العام وقد وقع رؤساء الدول والحكومات على ثماني معايير لتقييم حوكمة الشركات وتهدف الآلية من حوكمة الشركات إلى:

- توفير بيئة وإطار تنظيمي فعال للأنشطة الاقتصادية .

- التأكد من أن الشركات تعمل كشركات فيما يتعلق بحقوق الإنسان واستدامة البيئة.

- ضمان معاملة جميع الشركات وأصحاب المصلحة بإنصاف وعدالة .

- تقديم مسؤلي الشركات عند الضرورة إلى المساءلة.

د/ في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية :

وذلك يعزز المساواة بين الجنسين وكذلك تمويل القطاع الاجتماعي وإقامة شراكة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني وذلك بهدف :

- تعزيز الاعتماد على الذات في التنمية وبناء القدرات لتحقيق التنمية المستدامة .

- تسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر .

- تعزيز السياسات الاجتماعية (التعليم ،الصحة ،السكن…..).

- المساواة بين الجنسين في السكن والتعليم .

- تشجيع المشاركة الواسعة في عملية التنمية من جانب أصحاب المصلحة.

- تيسير الحصول على المياه والطاقة والتكنولوجيا خاصة في المناطق الريفية .[9]

وبعد استعراضنا لمعايير الآلية نلمس من هذه المعايير عالميتها وتناسقها مع المعايير والبروتوكولات الدولية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية كذلك نلاحظ تناسقها مع مواثيق الأمم المتحدة

كما أن المانحين والممولين لهذه الآلية مثل كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ومجموعة G8 من المؤكد أن يكون لهم دور في عولمة المعايير ومحاولة التأثير على أعضاء الآلية من اجل تطبيق معايير وأسس معينة.



الفصل الثاني:

تطبيقات الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء على الجزائر (دراسة حالة)

المبحث الأول : تقرير آلية التقييم عن الجزائر.

في الفاتح فيفري 2009 استعرضت الآلية الإفريقية لمراجعة الأقران تقرير الجزائر والذي عرضه الوزير الأول احمد أو يحيى الذي مثل الرئيس بوتفليقة.

ا/في مجال الديمقراطية والحكم الراشد:

بالنسبة للمعايير والقوانين الدولية في هذا المجال تواصل الجزائر التوقيع والمصادقة على المعاهدات والأدوات القانونية الدولية الأخرى طبقا للالتزامات التي تعهدت بها ،فالجزائر وقعت على المحكمة الجنائية الدولية .لكن للجزائر تحفظ حول شروط اللجوء الإلزامي إلى المحكمة الدولية.

كما أن الجزائر لم تصدق على بروتوكول حقوق المرأة في إفريقيا بسبب تناقضه مع بعض النصوص القانونية كقانون الأسرة .[10]

وفي سبيل ترشيد الحكم وإعادة إدماج الفئات المتضررة من المأساة الوطنية سعت الجزائر وتسعى إلى المصالحة الوطنية والتكفل بضحايا المأساة الوطنية والذي خصص له غلاف مالي في 31جويلية2008 قدر ب00 000 000 22600 دج وقدرت التعويضات المدفوعة ب663482124700 دج .[11]

كما توصل الجزائر إقامة مشاريع توطد العلاقات مع دول الجوار بالإضافة إلى الزيارات المتبادلة ومعاهدات حسن الجوار كما تساهم الجزائر في الحد من النزاعات خاصة في دول الجوار كالوساطة الجزائرية في شمال مالي كما تدعم الجزائر وتضم المركز الإفريقي للدراسات والبحوث في مجال الإرهاب.

وفي سبيل تعزيز الديمقراطية الدستورية قامت الجزائر بالتعديل الدستور في 15/11/2008 والذي كرس رموز الأمة (نشيد .علم…)،كما وضح العلاقات في السلطة التنفيذية من خلال تعديل المادة 74من الدستور والمتعلقة بالعهدة الرئاسية حيث ألغيت الفقرة الثانية التي تحصر العهدات في اثنين فقط، كما عزز التعديل من الحقوق السياسية للمرأة من خلال زيادة فرص الوصول للتمثيل داخل المجالس المنتخبة .

وفي سبيل تعزيز حقوق الإنسان قامت الجزائر بالتصديق على جميع النصوص المتعلقة بحماية بحقوق الإنسان وهي تقدم تقارير دورية إلى لجان الأمم المتحدة.[12]

كما أن عقوبة الإعدام متوقفة منذ 1993 وقد عطلت بالنسبة للجرائم المتعلقة بالممتلكات وكذلك الحقوق السياسية والحق في المشاركة السياسية والمساواة بين الجنسين.[13]

وفي نفس السياق قامت الجزائر بإصلاحات في ميدان العدالة وإصلاح السجون بحيث تعزز حقوق السجناء، كما أقدمت الجزائر على تعديلات على قانون العقوبات كتجريم جرائم التعذيب والتحرش الجنسي وعدم قابلية بعض الجرائم للتقادم.[14]

ولتعزيز الديمقراطية الدستورية قامت الجزائر بانتخابات تشريعية في 17 ماي 2007 وأخرى محلية في 29 نوفمبر من نفس السنة حيث قامت الجزائر حسب التقرير بتعزيز الشفافية من خلال :

مراقبة القوائم الانتخابية من قبل المرشحين أو ممثليهم ،وتسليم محضر الفرز إلى المرشحين أو ممثليهم هذا ما اعتبره منتدى الآلية من قبيل ممارسة الحكم الراشد بالإضافة إلى دعوة الجزائر لمراقبين دوليين لمراقبة الاستحقاقات الانتخابية.

وتسعى الجزائر إلى تعزيز اللامركزية وذلك بتحقيق الديمقراطية التساهمية من خلال تحسين وضع المنتخب وتوضيح العلاقة بين الجهات المنتخبة والإدارة وترقية العلاقات فيما بين البلديات وتدعم هذه اللجان المحلية في سبيل تحقيق الديمقراطية التساهمية.[15]

بهدف تعزيز وترقية حرية الصحافة في الجزائر تم في 2008 إصدار مرسوم يرمي إلى تكريس الحق في الإعلام كما زادت الجزائر ومنذ فترة من عدد ساعات البث الإذاعي ومن الإذاعات الجهوية كما توضح الأرقام الزيادة المطردة لعدد الصحف وعدد النسخ المسحوبة يوميا لتصل إلى 2401407 نسخة يوميا [16]

وقد قامت الجزائر بإصلاحات في قطاع العدالة في إطار تعزيز الحقوق من خلال المساعدة القضائية وزيادة عدد الموظفين في القطاع وتسهيل وصول الفئات الضعيفة إلى العدالة وتنفيذ الأحكام القضائية ،وتؤكد الجزائر على ضرورة استقلالية القضاء من خلال الفص بين السلطات.

ولتعزيز الثقافة نظمت الدولة قوافل للكتاب كما أنشأت مركز وطني للكتاب ومكتبات جهورية وبلدية ومتاحف .[17]

كما أن للمجتمع المدني مساهمة فعالة حيث بلغ عدد الجمعيات المعتمدة حوالي 78928جمعية محلية و848 جمعية وطنية وهو ما ساعد على تكريس الديمقراطية التساهمية .[18]

كما تسعى الجزائر إلى تعزيز دولة الحق والقانون وتكريس الشفافية وذلك بمحاربة الفساد حيث تم الحكم في 680 قضية فساد على مستوى مختلف المحاكم في سنة 2006 مع وجود 1054 قضية على مستوى المحاكم من بينها 861 قضية حكم فيها سنة 2007، ومما يدل على سعي الجزائر لمكافحة الفساد قامت الدولة في 2006 بالتصديق على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالوقاية من الفساد والجريمة وكذلك الاتفاقية الإفريقية ذات الصلة.[19]

ب/في مجال الحكامة والتسيير الاقتصادي:

شهد النمو الاقتصادي زيادة في الحجم خلال الفترة الممتدة ما بين 1999 إلى 2005 بمعدل سنوي قارب 4% ، كما سجل تحسن ملحوظ لوتيرة النمو في 2003 و2004 و2005 بنسب 6.9%و5.2%و5.1% على التوالي كما تم تخفيض الدين الخارجي من خلال الدفع المسبق وسجل نمو جيد في احتياطي الصرف ، كما قدر الدين الخارجي ب4 مليار دولار أمريكي عام 2008.[20]

وأنشأت الجزائر منذ سنة 2000 صندوق ضبط الإيرادات بهدف تامين التوقعية في مجال الميزانية كما شهد الاقتصاد الجزائري عملية إنعاش مطردة منذ 2000 حيث خصص لذلك ما يقرب من 7 مليارات دولار بين 2000 و2004 ذهبت للقطاعات العامة (زراعة . نقل . هندسة ….).

ولاستدراك التوازن الإقليمي قامت الجزائر بما يسمى برنامج الجنوب من إقامة جامعات وبني تحتية وسكنات اجتماعية [21]

وقد بلغ النمو الاقتصادي 3% بشكل عام و6.3%خارج قطاع المحروقات ، فتراجعت نسبة البطالة ب 3.5 نقطة مقارنة ب2005 و0.5بالنسبة ل2006 ، وقد بلغ احتياطي الصرف أزيد من 110 مليار دولار مستفيدا من ارتفاع أسعار النفط العالمية.[22]

وقد مكنت عمليات الإصلاح الجارية في السنوات الأخيرة الجزائر من موائمة تشريعاتها الداخلية وهياكلها مع المعايير الدولية المتعلقة بالحكامة والتسيير الاقتصادي مثل:

الشفافية في مجال الميزانية والشفافية الجبائية وتدقيق الحسابات والمحاسبة والرقابة والإشراف البنكي سيما إنفاذ التشريعات المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال.

كما قامت الجزائر بصلاح إدارة الجمارك وتحديثها بهدف تكييفها وملاءمتها مع التحولات الوطنية والدولية فاتخذت إجراءات كمكافحة الغش والتقليد والتحويل غير القانوني لرؤوس الأموال.[23]

وأما ما يتعلق بتعزيز إطار الاقتصاد الكلي شهد الاقتصاد نمو ملحوظا عبرت عنه الأرقام المذكورة سلفا والبرامج التي أطلقت كالبرنامج التكميلي لدعم النمو وكذلك برنامجي الجنوب والهضاب العليا بتمويل من الميزانية قدره 200 مليار دولار( تطوير شبكات الطرق ، السكك والموارد المائية….).

في سنة 2006 تم إعداد إستراتيجية للتنمية الريفية عرفت بالتجديد الفلاحي وفي 2008 (تجديد الاقتصاد الزراعي ) من 2009 بالى 2013 كخطة وطنية للتنمية المستدامة للفلاحة وترقية بيئة تحفيزية للمستثمرات الفلاحية كما وضعت 10 برامج لتكثيف الإنتاج إضافة إلى إدخال عنصر الشباب بين مستغلي المستثمرات [24].

ولتطوير القطاع الصناعي أعدت الدولة إستراتيجية قائمة على ثلاثة مراحل:

المرور من مرحلة المصدر للمواد الأولية إلى مرحلة البلد المصنع (الصلب البتروكيمياء..).

تكثيف النسيج الصناعي وترقية صناعات جديدة (السيارات ، الإعلام والاتصال…)

أما عن قطاع الطاقة والمناجم فقد زود بإطار قانوني ومؤسساتي محدد بكل وضوح وشفافية لمهام ومسؤوليات مختلف النشاطات ، كما تم تعزيز القطاع ببرنامج تنمية على المستوى المتوسط (2009/2013) لتحسين كفاءة الحفر وإطلاق برامج للتنقيب لتجديد الاحتياطيات [25]

في سنة 2001 زود قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصناعات التقليدية زود بقانون توجيهي لترقية المؤسسات الصغيرة كما صادقت الحكومة على 46 نصا تنفيذيا وذلك كله بهدف تسهيل حصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على تمويلات وتأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزائرية والرفع من مستواها [26]

وفي إطار الحكامة والتسيير الاقتصادي تم تنفيذ سياسات اقتصادية سليمة وشفافة يمكن للحكومة تقريرها مثل :إصلاح الميزانية حيث تم تنفيذ برنامج لعصرنه الميزانية بتكلفة بلغت 24.5 مليون دولار .ومن هذه السياسات أيضا الإصلاح المالي والبنكي فعلى المستوى البنكي تقوم الدولة بتحسين الحكامة على مستوى البنوك العمومية من خلال وضع عقود الكفاءة وتحسين دور مجالس الإدارة وإدارة البنوك.إضافة إلى زيادة فعالية الوساطة المالية من خلال إعادة الهيكلة البنكية وتحسين قدرة البنوك على تمويل القروض.[27]

وتسعى الجزائر جاهدة كما أسلفنا إلى مكافحة الفساد وتبييض الأموال حيث صادقت على الاتفاقيات الدولية ذات السياق .

وفي إطار تنسيق السياسات النقدية والتجارية وسياسة الاستثمار الهادفة لتحقيق الاندماج الإقليمي تسعى الجزائر إلى تعزيز وتكثيف التعاون القاري والإقليمي

فعلى مستوى المغرب العربي أنشأت منطقة للتبادل الحر بين دول الاتحاد وعلى الصعيد القاري تشارك الجزائر بفعالية في الاجتماعات الاقتصادية في القارة الأفريقية كما تقوم بمشاريع للنهوض باقتصاد القارة كمشروع الطريق العابر للصحراء الذي وضعت له الجزائر غلاف مالي قدر ب 64 مليار دينار ، إضافة لانجاز أنبوب الغاز وخط الألياف البصرية بين ابوجا (نيجيريا) وميناء بني صاف مرورا بالنيجر.[28]

ج/ في مجال حوكمة المؤسسات :

وقد خطت الجزائر خطوات في هذا المجال بهدف:

تسريع وتيرة الخصخصة

تحسين بيئة المؤسسة

تكييف المؤسسات والقوانين التنظيمية مع المتطلبات التنافسية ومقتضيات الشفافية، ورفع الكفاءات إلى مستوى المعايير القياسية الدولية وتتحقق هذه الأهداف ب:

- خلق بيئة مواتية وإطار للتنظيم بالنسبة للأنشطة الاقتصادية: عن طريق تحسين مناخ الأعمال وعوامل جذب الاستثمار حيث قامت الدولة بترتيبات تنظيمية وتعديلات تجسدت بالأمر 06/08 المؤرخ في 15 جويلية 2006وكذا تعديل النصوص القانونية المنظمة للوكالة الوطنية لاستثمار لتتوافق مع المعايير الدولية .

- إقامة سوق للعقار :وذلك عن طريق اتخاذ تدابير تشريعية وتنظيمية لحل مشكل العقار باعتباره العقبة الرئيسية في وجه الاستثمار .

- إجراءات تحسين مناخ الاستثمار : حيث تعهدت وزارة الصناعة وترقية الاستثمار بالتعاون مع الشركة المالية الدولية التابعة للبنك الدولي بتسهيل إجراءات إنشاء المؤسسات .

- تنمية المناطق الصناعية : حيث تعتبر هذه المناطق مساحات لاحتضان الاستثمار حيث توكل مهمات تسيير المناطق الصناعية لهيئات مختصة وتم البدء في تنفيذ برنامج موسع خاص بإعادة تأهيل المساحات المخصصة للمناطق الصناعية ويتم إنشاءها في إطار التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة.[29]

- تحسين شروط تنظيم وتسيير المؤسسة: ومنها برامج وإجراءات تأهيل المؤسسات الصناعية حيث بدأت أولى عمليات رفع مستوى المؤسسات الصناعية ستة1999 بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة لتنمية الصناعة وقد استفادت 20 مؤسسة صناعية منها 15 خاصة و5 عمومية من إجراءات رفع المستوى ( دراسات تشخيصية ومساعدة تقنية وتكوين ) والتي تمولها منظمة الأمم المتحدة لتنمية الصناعة ب 1269000 دولار واستفادت 30مؤسسة اخرى16 منها خاصة و14 عمومية من عمليات رفع المستوى الممولة من ميزانية تجهيزات وزارة الصناعة بمبلغ يقدر ب 120 مليون دينار.[30]

وهذا بالإضافة إلى تسهيلات قانونية ودعم مالي تقدمه الدول لدعم المؤسسات .

- زيادة فعالية النقل البري والهياكل القاعدية : ففي إطار المخطط الوطني لتهيئة الإقليم (snat) في أفق 2025 أعطيت الأولوية للنقل بالسكك الحديدية باعتباره أداة تطوير وتنمية وخصص له غلاف مالي قدر ب 2139 مليار دينار ، وتطوير شبكة الطرق البرية كإنشاء الطريق السيار شرق غرب .[31]

- تحسين الهياكل القاعدية والنقل البحري والملاحة البحرية والجوية : فبالنسبة للهياكل القاعدية للموانئ فقد وضعت خطة إستراتيجية لها لآفاق 2025 تتضمن الحفاظ على الممتلكات المتواجدة عن طريق إجراءات الصيانة

إنشاء هياكل قاعدية للصيد والنزهة وتثمين الساحل عن طريق تأمين الشواطئ .

أما بالنسبة للهياكل القاعدية للمطارات فهناك خطط مبرمجة على المدى المتوسط والقصير مثل إنشاء القطب الجوي بتقرب ، وتوسيع مواقف الطائرات.[32]

لقد أصبح القطاع الخاص يشكل جزءا كبيرا من الاقتصاد الجزائري كما شهد الاقتصاد الجزائري دخول شركات أجنبية كثيرة في عجلة الاقتصاد والاستثمار خاصة بعد الاستقرار السياسي والأمني الذي تشهده البلاد في ميادين عدة كالبناء والمقاولات وميدان الطاقة الصحة وتسعى الجزائر إلى توفير بيئة استثمارية جيدة لجلب رؤوس الأموال الأجنبية لدفع العجلة الاقتصادية وتطوير البنى التحتية .[33]

- تسريع إصلاحات المؤسسة : فقد تم وضع الإطار التنظيمي والتشريعي للخوصصة عن طريق بعض المراسيم والأوامر لتنمية الاستثمارات ومن بين هذه الإصلاحات قانون التجارة حيث تم الموافقة على الأشكال اللبرالية للشركات التجارية (شركات ذات أسهم .شراكة .شركة موحدة ذات مسؤولية محدودة).

وهناك إصلاحات في النظام الجبائي كإدراج أشكال جديدة من الرسوم كالرسم على القيمة المضافة كما شهدت الفترة الممتدة بين 1999 إلى 2008 نسبة تقدم بلغت 86.57% في إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتقدر المساهمة في إجمالي الناتج المحلي باستثناء المحروقات في الفترة الممتدة بين سنة 1999 إلى 2005 نسبة 76.74%.[34]

في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية :

لقد شكلت برامج التنمية المختلفة مثل برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي وبرنامج الهضاب العليا وبرنامج دعم الجنوب والتي كلفت 207 مليار دولار شكلت عوامل مهمة لإحداث النمو الاقتصادي

فعلى مدى الفترة الممتدة بين 1999 و2007 تطور الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي متوسط قدره 4% وقد سجلت مصالح المالية العامة فوائض في ميزانيتها طوال تلك الفترة [35]

بالنسبة لسوق العمل فقد ارتفع عدد العاملين من 6 مليون عام 1999 إلى 9.3 مليون عام 2007، وقد اعتمدت الحكومة في ابريل 2008 إستراتيجية ترقية الشغل ومكافحة البطالة ب:

- تنمية ثقافة المقاولة .

- خفض معدل البطالة .

- تحسين مؤهلات اليد العاملة .

ومنذ الفاتح جوان 2008 شرع في تنفيذ المحور الرابع من الإستراتيجية المكرس لتشغيل الشباب بإطلاق الإجراءات الجديدة للمساعدة على الإدماج المهني الموجه للباحثين عن عمل لأول مرة سواء المؤهلين منهم أو غير المؤهلين والذين دخلوا عالم الشغل والمقدرين ب 102480 حسب الصيغ التالية لعقود التشغيل :

- عقود إدماج حاملي الشهادات cid يستفيد منها حاملوا شهادات التعليم العالي حيث تم إدماج 34506 مستفيد .

- عقود الإدماج المهني cip يستفيد منها الشباب المتخرجون من مؤسسات التعليم المتوسط وجاملوا شهادات التكوين والتعليم المهنيين .

- عقود التكوين والإدماج cfi..

وقد سمح هذا النظام من إدماج 60000 مستفيد .[36]

ومن سياسات التنمية المستدامة تعميم التمدرس للجميع من التعليم الابتدائي إلى العالي ،وفي هذا المجال أكدت الجزائر التزامها بتحقيق الأهداف الستة المقررة في برنامج التعليم للجميع (fpt وكذا أهداف الألفية للتنمية odm) من الآن حتى 2015.[37]

وفي إطار التنمية الاجتماعية والثقافية وضعت الحكومة إستراتيجية وطنية لمحو الأمية والتي تهدف إلى خفض العدد الحالي للاميين بنسبة 50% من 2008 إلى 2012.كما تقوم الدولة بحملات تضامن مدرسية مثل منح إعانة مدرسية لكل طفل محتاج مسجل ، وضمان النقل المدرسي بالنسبة لأطفال المناطق النائية.[38]

كما أطلقت الدولة مشروع تعميم التزويد بالانترنت في كليات ومعاهد الشبكة الجامعية الوطنية لتسهيل الوصول إلى المعلومة.

أما عن قطاع السكان فقد بلغ عدد سكان الجزائر المقيمين بالبلد 34800000 في 16 افريل 2008 حيث زاد عدد السكان بنسبة 4.5مليون عن سنة 1999 وذلك لعدة أسباب منها :

- زيادة نسبة الولادات وانخفاض نسبة الوفيات .

- تحسين الرعاية الصحية .

- زيادة عدد الزيجات .[39]

أما قطاع الصحة فقد استفاد من برنامج تنموي واسع أساسه مبادئ تكثيف التغطية الجوارية لضمان استفادة المواطن من العلاج ومنذ الفاتح جانفي 2008تم تطبيق النظام الصحي الجديد والقوانين الخاصة بالمؤسسات الاستشفائية حيث تم استبدال قطاع الصحة بمؤسستين :

- المؤسسة العمومية الاستشفائية .

- المؤسسة العمومية للصحة الجوارية .

وبالنسبة لمؤشرات التغطية الصحية فقد بلغ عدد السكان لكل طبيب (عام +متخصص) 786 سنة 2008 وكان 830 في 2007.[40]

وفي سبيل الحفاظ على المكاسب الاجتماعية والحد من الفوارق الجهوية ومحاربة الفقر وذلك بتوحيد مساهمات سائر الأطراف ويدل على ذلك العقد الاجتماعي الاقتصادي المبرم بين الحكومة وأرباب العمل والنقابة وكذلك مع المجتمع المني ووسائل الإعلام والتكفل بالشباب وفئة النساء .

وقد شرعت الجزائر في مجال السكن في بناء مليون ونصف المليون وحدة سكنية منذ 2004 سلمت منها 850 ألف وحدة ويجري انجاز 500 ألف وحدة أخرى.

إضافة إلى مؤشرات على وجود تنمية بشرية منها زيادة نسبة التمدرس من 96.5% مقابل 90.6 سنة 2000، والربط بشبكات الكهرباء من 85% في 1998 إلى 98% سنة 2008 وشبكات المياه انتقلت من 78% في 1999 إلى 93% في 2007.

كما أحرزت الجزائر تقدما بارزا في مجال التوازن وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء وقد أحدثت تقدما لصالح النساء في قطاعات كاملة كالتربية والصحة وشهدت قفزة معتبرة في سلك القضاء كما أن التعديلات الدستورية الأخيرة قد عززت من الحقوق السياسية للمرأة [41].

المبحث الثاني :تقييم تقرير الآلية عن الجزائر.

ثمن رئيس مجموعة الشخصيات البارزة للآلية السيد "اديبايو اديديجي" تقرير الجزائر وذك لثلاثة أسباب حسبما يذكر:

أولها أن الجزائر أخذت مسألة التقرير على محمل الجد حيث أوجدت جماعات مختصة على مستوى ك وزارة تتكفل بمتابعة العمل الوطني .

ثانيا: ففي حين تعتمد الكثير من الدول في تمويلها على الدعم الخارجي قامت الجزائر بتمويل شامل لهذا المخطط من مقدراتها .

ثالثا: محاور مخطط العمل الوطني وتعتبر الجزائر من بين الدول القليلة إن لم تكن الوحيدة التي حققت أهداف الألفية للتنمية واعتبر أن تجربة الجزائر هي أحسن مثل يمكن دراسته وأخذه بعين الاعتبار وقد كانت ردة فعل الأعضاء ايجابية على تقرير الجزائر.

كما هنأ جموع المتدخلين كرئيس البنين السيد "بوني يابني" الجزائر على ما أحرزته من تقدم في مجال الحكم الراشد والتنمية الاجتماعية والاقتصادية واعتبرت لجنة الشخصيات البارزة إن الجزائر أحسن من طبقت وأدمجت أهداف الآلية الإفريقية ضمن العمل الحكومي.[42]

لكن في المقابل هناك الكثير من السلبيات يعيشها الحال الجزائري قي مختلف المجالات سواء الاجتماعية الاقتصادية أو في الواقع السياسي ،فسياسيا مازالت ارتدادات ازمة1992 التي عاشها النظام الجزائري قائمة وتلقي بظلالها على المشهد السياسي رغم التقدم الملحوظ امنيا وسياسيا فلازال هناك نوع من فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم حيث تشعر الكثير من فئات الشعب إنها غير ممثلة، إضافة إلى أن الجماعات المسلحة لازالت تنشط وطورت من نشاطاتها ومجال عملها، كما أثارت التعديلات الدستورية الأخيرة الكثير من الشكوك حول مستقبل تداول السلطة في الجزائر.

أما في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية فلازالت البطالة متفشية في فئة الشباب حيث هناك آلاف المتخرجين سنويا يصطدمون بواقع الشغل وانعدام فرص العمل أو قلتها إضافة إلى اعتبار الإدماج المهني وعقود التشغيل حلول مؤقتة ومجرد مسكنات غير فعالة لامتصاص البطالة، كما أن استفحال هذه الظاهرة افرز ظاهرة أخرى وهي ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى أوربا والتي أصبحت تستنزف الطاقة الشبانية في الجزائر بعد اليأس من الواقع المظلم في البلد.

وإذا أردنا معرفة أسباب استمرارية العجز في التوصل إلى التنمية الشاملة في الجزائر علينا التطرق إلى خصائص الحكم السيئ أو غير الصالح منها:

- الحكم الفاشل في الفصل بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة والمال الخاص والعام.

- الحكم الذي ينقصه الإطار القانوني ولا يطبق مفهوم حكم القانون .

- الحكم الذي يتميز بوجود أولويات تتعارض مع التنمية وتهدر الموارد المتاحة ويسيء استخدامها

- الحكم الذي يتميز بوجود الفساد وانتشار آلياته بما في ذلك القيم التي تتسامح مع الفساد.[43]

وإذا كانت هذه الخصائص تشترك فيها اغلب دول العالم خاصة العربية ومن بينها الجزائر التي تعد إدارة الحكم فيها اضعف من كل مناطق العالم الأخرى حسب دراسة البنك الدولي وتقرير التنمية الإنسانية العربية .حيث أن التخلف السياسي والإداري وبطئ عملية المشاركة الديمقراطية أدى إلى الحد من قوة المؤسسات الديمقراطية كالمجالس المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني وبسبب هذا الاختلال البنيوي والوظيفي نمت العديد من مظاهر الفساد والأمراض المكتبية خاصة الفساد الإداري ،وهذا ما صرح به الرئيس بوتفليقة في خطاب له أمام الولاة حيث قال ""إن محاربة ما تفشى من ممارسات مثل الفساد والرشوة والمحاباة والتدخلات أضحى حتمية …فمن الضروري وضع حد للسلوكيات البيروقراطية التي تجمد المبادرات وتلحق وخيم الضرر باقتصاد البلاد والتنمية المحلية وغياب الشفافية والتواصل الذي يتناقض والحاجة إلى إدارة ناجحة في خدمة المواطنين والإصغاء لانشغالاتهم فالكسل والرشوة والآفات الاجتماعية والضياع والتسيب كلها تنتشر يوما بعد يوم وتنتشر بخطورة .""[44]

هذا كله بالإضافة إلى الصورة النمطية التي يتصورها المواطن المدرك بأن الفساد متفشي في الأجهزة الإدارية بسبب غياب الشفافية والمساءلة وبسبب المشاريع الضخمة التي توقفت لأتفه الأسباب فلماذا لا تحاسب القيادة البيروقراطية على نتائج عملهم لهم أو عليهم ؟.

ورغم اعتراف السلطة بوجود الفساد لكن دون جدوى إلا بالتضحية ببعض الرؤوس هنا وهناك لكن ليس بطريقة منهجية وقد جاء في خطاب الرئيس للأمة ""….إن الدولة مريضة معتلة إنها مريضة في إدارتها مريضة بممارسة المحاباة مريضة بالمحسوبية والتعسف وبالنفوذ والسلطة مريضة بالامتيازات التي لا رقيب لها و لا حسيب مريضة بتبديد الموارد العامة ونهبها بلا ناه ولا رادع كلها أعراض أضعفت الروح المدنية لدى الأفراد والجماعات وأبعدت القرارات وهجرت الكفاءات ونفرت أصحاب الضمائر الحية والاستقامة وحالت بينهم وبين الإسهام في تدبير الشؤون العامة وشوهت مفهوم الدولة وغاية الخدمة العمومية ما بعده تشويه…""[45]

ولقد صنفت منظمة الشفافية الدولية الجزائر في المرتبة 92 من أصل 180 دولة التي تنتشر فيها الرشوة، وبحسب تقرير المنظمة ذاته فإن الجزائر لم تبذل جهودا في سبيل التقليل من انتشار الرشوة عكس المغرب وتونس اللتين احتلتا مراتب أفضل، انطلاقا من التقرير ذاته الصادر أمس، فإن الجزائر ما تزال مطالبة بأن تبذل مجهودات أخرى من أجل التقليل من ظاهرة الرشوة، وهي تعد في نظرها تلميذا غير نجيب، ذلك أنها للمرة السادسة على التوالي حققت 3،2 نقطة فقط من مجموع 10 نقاط، وهو المقياس الذي تعتمده منظمة شفافية دولية في تصنيف الدول من حيث درجة انتشار الرشوة.

وصنف التقرير نفسه الدولتين المجاورتين تونس والمغرب في مرتبتين أفضل من الجزائر، فقد جاءت الأولى في المرتبة 62 في حين صنفت الثانية في المرتبة 80، ومع ذلك فإنه أظهر تقدما نسبيا فيما يخص تراجع الرشوة في الجزائر مقارنة بالتقرير الذي أعدته السنة الماضية، حيث كانت الجزائر تحتل المرتبة 99.ومقارنة بـ 18 دولة عربية شملها تقرير شفافية دولية، فإن الجزائر تأتي في المرتبة العاشرة، ما يتطلب بحسب معدي التقرير ضرورة الحرص أكثر من أجل القضاء على كل أشكال الرشوة، خصوصا وأن دولا عربية أخرى منها قطر أحرزت تقدما ملموسا في هذا السياق، وأضحت ضمن البلدان العربية الأقل انتشارا للظاهرة، فقد منحها التقرير علامة 6،5 من عشرة.[46]

كما أن الجو الاقتصادي الجزائري منفر هو الآخر للاستثمارات إضافة إلى تعفن الجهاز الإداري فحسب السيد علي عزوني، مدير مكتب الدراسات "مفترق الطرق" أن الجزائر هي ثالث بلد في العالم من حيث الضرائب المرتفعة، بعد السويد وفرنسا، ويضيف أن "هذا الوضع غريب، لأننا لو فهِـمنا سبب ارتفاع الضرائب في كل من السويد وفرنسا، لكان هذا معقولا، ولكن ماذا عن الجزائر؟ هل نحن قوة اقتصادية مثلهما"؟

غير أن سلوك وزارة المالية لا يمكن أن يفسِّـر قوة السوق السوداء، التي تُـقيِّـم بعض الجهات قوتها بثمانية مليارات دولار، فهناك أسواق هائلة في شرق البلاد ووسطها لا سلطة للدولة عليها وأموالها قلّ أن تعرِف طريق البنوك.

وبالنسبة لازمة العقار فقد بلغت أثمانه أرقاما فلكية، دون تفسير اقتصادي واضح.
وفي هذا الصدد، قال المحلل الاقتصادي عمر أميني في تصريح لسويس أنفو: "لن تتأثر أسعار العقار في الجزائر بالمشاكل الاقتصادية التي يعرفها العالم في الوقت الحالي، حتى لو أخذنا في الحُـسبان تأثر أسعار العقار في المغرب، لأن المغرب ليست مثالا للجزائر، بما أنها مرتبطة بسوق العقار في كل من إسبانيا وفرنسا، أما سوق العقار في الجزائر، فتعيش في عُـزلة تامّـة عن الاقتصاد العالمي ولا تحكمه قوانينه".

ويضيف عمر أميني، الذي يضارب بالأسهم في بورصة لندن: "السوق الموازية في الجزائر، دولة في حد ذاتها واعتقد أنها مُـرتبطة بالشخصية الجزائرية التي ترفض إعطاء مالها تحت أي مسمّـى كان، ولو كان دفع ضرائب، وهذا في حدّ ذاته مشكلة كبيرة"[47]

ومما يزيد من تفاقم هذه ألازمات تجاهل وتهميش دور المجالس المحلية في حل القضايا العالقة.

ولبناء حكم واردة رشيدة ومحاربة الفساد يجب على الدولة ألا تتعاطى مع الفساد بردة فعل وإنما لمعالجة أسبابه وعوامله ووجود إدارة ذات كفاءة تتميز بـ:

- القدرة على استيعاب التنمية وتحدياتها ومعوقاتها المادية والبشرية .

- القدرة على تحديد الأهداف والسياسات بوضوح دون استنزاف للموارد في أوهام.

- القدرة على المبادرة والابتكار والتجديد والقابلية للتغيير والتطوير هذا إلى جانب دعم وتبني القيادة السياسية العليا للإصلاح الإداري في الدولة من اعلي الهرم إلى أسفله بتغيير الحالة الذهنية للموظفين اللامبالين والتخفيف من وطأة المركزية الإدارية وإقرار مبدأ القيادة الجماعية وتشجيع المجالس الشعبية المحلية على محاربة البيروقراطية .[48]

ومن عرض هذه الحقائق عن الواقع الجزائري نلاحظ أن التقرير الجزائري كان ينقصه الكثير من الحقائق التي لم يتطرق إليها رغم ما احتواه من حقائق عن الانجازات المحققة لكن الواقع لا زال يحتاج إلى الأكثر .



الخــاتمة

بعد استعراضنا للإلية ومسارها في هذه الفترة ودراستنا لحالة الجزائر نجد أن هذه الآلية خطوة صحيحة في طريق الديمقراطية وترشيد الحكم إذا طبقت مبادئها على أكمل وجه ولم تكن محفلا للمجاملات وتجميل النظم الشمولية والدكتاتورية لتسويقها عالميا.

كما تأكدنا من الفرضية الأولى حيث أن معايير الآلية تعتبر معايير دولية تحظى باعتراف دولي بدليل الدعم الذي تقدمه بعض الدول المانحة كمجموعة G8 وهيئة الأمم المتحدة.

كما نجد أن لممثلي المجتمع المدني دور في التقييم والمراجعة إذ أن الآلية تجتمع بهم لسماع إفاداتهم وتوجيهاتهم وهذا ما حدث في حالة الجزائر لكن ليس لهم مكان بين النظراء وبالتالي فان فعالية دورهم ضئيلة.

وقد تأكد لنا أن الآلية غير ملزمة إذ أن الكثير من الدول لا تلتزم بمبادئ و معايير الآلية.

وبالنسبة للتقرير الذي قدمته الجزائر فنجد انه احتوى على كثير من الانجازات التي تحققت خاصة في عهد الرئيس بوتفليقة وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها وتجاوزها فقد تحقق نوع من الاستقرار الأمني كما استفاد الاقتصاد من ارتفاع أسعار النفط وكان هناك تقدم ملحوظ في البنية التحتية ، لكن التقرير لم يذكر الجانب الفارغ من الكأس حيث تنتشر الرشوة والفساد في إدارة الدولة بشكل فظيع يناقض كل مبادئ الحكم الراشد كما لاحظنا العراقيل البيروقراطية وسيطرة الثقافة الاشتراكية على المسؤول الجزائري.

وأخيرا فمهما كانت السلبيات فان الآلية تبقى خطوة صحيحة لترشيد الحكم والنهوض بأفريقيا من خلال التقييم الذاتي بطريقة سليمة وليست عدوانية لصالح أجندات دولية.

المراجع:

1/ تقرير حول حالة تنفيذ برنامج العمل الوطني في مجال الحكامة، الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء،نقطة الارتكاز الوطنية : الجزائر ،نوفمبر2008.

2/ الأمم المتحدة الجنة الاقتصادية لأفريقيا ،مكتب شمال أفريقيا ،(شمال أفريقيا والأجندات الإقليمية والدولية للتنمية): الاجتماع الرابع والعشرون للجنة الخبراء الحكومية الدولية ، الرباط (المغرب) من 6 إلى 9 مايو 2009.

3/ بومدين طاشمة، الحكم الراشد ومشكلة بناء قدرات الإدارة المحلية في الجزائر، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر.

4/ موقع الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء:

http://aprm.krazyboyz.co.za/index.php?option=com_aprm_about&Itemid=30&page=aprm-overview&nid=1

5/ احمد حجاج ، أمين عام الجمعية الإفريقية ، مركز الأهرام للدراسات، 13/04/2005:

www.ahram.org.eg/Archive/2005/4/13/OPIN5.HTM.

6/ جريدة المساء، 02/02/2009:

www.el-massa.com/ar/content/view/17381/41/

7/ خطاب الرئيس بوتفليقة في القمة العاشر لرؤساء دول وحكومات الآلية الإفريقية للتقييم من قبل بأديس أبابا:

http://193.194.78.233/ma_ar/stories.php?story=09/02/01/1285028

8/ الهيئة العامة للاستعلامات المصرية :

http://www.sis.gov.eg/Ar/Story.aspx?sid=461

9- Aprm country review report no . African peer review mechanism .contry review report of the peoples democratic republic of Algeria . September 2007.

10/ وكالة سو يس انفو

http://www.swissinfo.ch/ara/front.html?siteSect=105&sid=9783304&rss=true&ty=st

11- http://aintedles.yoo7.com/montada-f79/topic-t8169.htm

12- http://en.wikipedia.org/wiki/African_Peer_Review_Mechanism

13- www.eisa.org.za/aprm/tolkit/aprm/backgrovnd








[1] - اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، مكتب شمال إفريقيا، الأمم المتحدة، (شمال إفريقيا والأجندات الإقليمية والدولية للتنمية).

[2] - احمد حجاج، مركز الأهرام للدراسات، 13/04/2005.

- [3] www.eisa.org.za/aprm/tolkit/aprm/backgrovnd

[4] - http://en.wikipedia.org/wiki/African_Peer_Review_Mechanism

[5] - الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

[6] - http://en.wikipedia.org/wiki/African_Peer_Review_Mechanism

[7] - الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

[8] - http://aprm.krazyboyz.co.za/index.php?option=com_aprm_about&Itemid=30&page=aprm-overview&nid=1

[9] - http://aprm.krazyboyz.co.za/index.php?option=com_aprm_about&Itemid=30&page=aprm-overview&nid=1

[10] - تقرير حول حالة تنفيذ برنامج العمل الوطني في مجال الحكامة، الآلية الافرقية للتقييم من قبل النظراء، نقطة الارتكاز الوطنية : الجزائر، نوفمبر2008 ،ص30.

[11] - نفس المرجع، ص 34.

[12] - نفس المرجع، ص43.

[13] - خطاب الرئيس بوتفليقة في القمة العاشرة لرؤساء دول وكومات الآلية الأفريقية بأديس أبابا.

[14] - التقرير السابق، ص46.

[15] - خطاب الرئيس بوتفليقة في القمة العاشرة لرؤساء دول وكومات الآلية الأفريقية بأديس أبابا.

[16] - التقرير السابق، ص66.

[17] - نفس المرجع، ص77.

[18] - نفس المرجع، ص87.

[19] - نفس المرجع، ص98.

[20] - نفس المرجع، ص120



.- [21] - Aprm country review report no . African peer review mechanism .contry review report of the peoples democratic republic of Algeria . September 2007

[22] - التقرير السابق، ص124.

[23] - نفس المرجع، ص130.

[24] - نفس المرجع، ص140.

[25] - نفس المرجع، ص142.

[26] - نفس المرجع، ص144.

[27] - نفس المرجع، ص147.

[28] - نفس المرجع ،ص163.

[29] - نفس المرجع ، 179.

[30] - نفس المرجع ،ص197.

[31] - نفس المرجع 214.

[32] - نفس المرجع ، ص229.

[33] - contry review report of the peoples democratic republic of Algeria

[34] - التقرير السابق ،ص 240.

[35] - نفس المرجع ،ص 272.

[36] - نفس المرجع، ص 279.

[37] - نفس المرجع ،ص282.

[38] - نفس المرجع ، ص300.

[39] -نفس المرجع ،ص 314.

[40] - نفس المرجع ،ص324.

[41] - خطاب الرئيس في محفل الآلية.

[42] - جريدة المساء ، 02/02/2009 : www.el-massa.com/ar/content/view/17381/41/

[43] - بومدين طاشمة، الحكم الراشد ومشكلة بناء قدرات الإدارة المحلية في الجزائر، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان ، الجزائر، ص9.

[44] - نفس المرجع، ص10.

[45] - نفس المرجع، ص11.

[46] - http://aintedles.yoo7.com/montada-f79/topic-t8169.htm

[47] - http://www.swissinfo.ch/ara/front.html?siteSect=105&sid=9783304&rss=true&ty=st

[48]- بومدين طاشمة، مرجع سابق، ص14.
اقرأ المزيد

دراسة مقارنة بين الدول العربية وإسرائيل في البحث العلمي وبراءة الاختراع


19-04-2010


أصدر الدكتور خالد سعيد ربايعة، باحث فلسطيني من مركز ابحاث المعلوماتية في الجامعة العربية الامريكية في الاراضي الفلسطينية، دراسة حول البحث العلمي وبراءة الاختراع ضمن مقارنة بين إسرائيل وكافة الدول العربية، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن إسرائيل تتفوق بشكل كبير وملحوظ على كافة الدول العربية اضافة الى اعداد العلماء في كلا الجانبين.

نتائج البحث أكدت بما لا يدع مجالا للشك التفوق الإسرائيلي في المجال العلمي والتكنولوجي على جميع الدول العربية، فقد حظيت الجامعات الإسرائيلية بمراكز متقدمة على المستوى العالمي حسب التصنيفات الدولية، وخاصة الجامعة العبرية التي احتلت المركز 64 على مستوى العالم، بينما لم يرد ذكر أي من الجامعات العربية في الخمسمائة جامعة الاولى.

وان هنالك تسعة علماء إسرائيليين حازوا على جوائز نوبل، بينما حاز العرب على 6 جوائز، ثلاثة منها بدوافع سياسية، ومنهم العالم المصري أحمد زويل الذي نال الجائزة على أبحاثه التي أجراها في الجامعات الامريكية.

كما وتنفق إسرائيل على البحث العلمي ضعف ما ينفق في العالم العربي، حيث بلغ مجموع ما أنفق في إسرائيل على البحث العلمي غير العسكري ما يعادل حوالي 9 مليار دولار حسب معطيات 2008.

بالنسبة لعدد العلماء، تذكر مصادر اليونسكو ان هنلك حوالي 124 الف باحث عربي، بينما تم تقدير عدد العلماء والباحثين الإسرائيليين بحوالي 24 الفا، وافادت مصادر أخرى بوجود حوالي 90 الف عالم ومهندس يعملون في البحث العلمي وتصنيع التكنولوجيا المتقدمة خاصة الالكترونيات الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية.

وتنفق إسرائيل ما مقداره 4.7% من انتاجها القومي على البحث العلمي، وهذا يمثل أعلى نسبة انفاق في العالم، بينما تنفق الدول العربية ما مقداره 0.2% من دخلها القومي والدول العربية في آسيا تنفق فقط 0.1% من دخلها القومي على البحث العلمي.

اما بالنسبة لبراءات الاختراع، فهي المؤشر الاكثر تباينا بين العرب وإسرائيل، فقد سجلت إسرائيل ما مقداره 16,805 براءة اختراع، بينما سجل العرب مجتمعين حوالي 836 براءة اختراع في كل تاريخ حياتهم، وهو يمثل 5% من عدد براءات الاختراع المسجلة في إسرائيل.

وتفيد تقارير اليونسكو كذلك ان عدد براءات الاختراع التي سجلت في إسرائيل في العام 2008 والتي تبلغ 1,166 تفوق ما انتجه العرب بتاريخ حياتهم وهو 836 براءة اختراع.

أما بالنسبة للمؤلفات والكتب المنشورة، فقد أفادت أيضا المعطيات المتوفرة الى انه في إسرائيل تم تأليف ونشر 6,866 كتابا بينما يؤلف العرب ما يقدر ب 10,000 كتاب سنوياً. اما بالنسبة للنشر الابحاث العلمية في المجلات المحكمة فقد نشر الباحثون الإسرائيليون 138,881 بحثا محكما، ونشر العرب حوالي 140,000 بحث محكم. على الرغم من أن عدد الابحاث متقارب، الى ان جودة ونوعية الابحاث الإسرائيلية أعلى بكثير من الابحاث العربية، وهذا يمكن الاستدلال عليه من من عدد الاقتباسات لتلك الابحاث ومعامل (H) الذي يعبر عن مدى انتاجية دولة معينة للعلوم ومدى تأثير تلك العلوم على المعرفة الانسانية. بلغ عدد الاقتباسات للابحاث العربية ما مقداره 620,000 اقتباس، بينما بلغ عدد اقتباسات الابحاث الإسرائيلية 1,721,735 اقتباسا، وبلغ معامل الفعالية (H) لإسرائيل 293 وبلغ بالمعدل للدول العربية حوالي 40.

البحث العلمي والانفاق عليه

يعرف البحث العلمي على انه مجموعة من النشاطات والتقنيات والادوات التي تبحث في الظواهر المحيطة والتي تهدف الى زيادة المعرفة وتسخيرها في عمليات التنمية لمختلف جوانب الحياة. ويسمى البحث علمياً اذا اعتمد على تجميع معلومات كافية ناتجة من تجارب علمية يمكن قياسها والتحقق من دقتها عن طريق الملاحظة او التجربة وتصنيف نتائجها ومن ثم يصار الى وضع فرضيات معينة لتفسير تلك الظواهر وتصميم تجارب اخرى لاختبار تلك الفرضيات وتحويلها الى نظريات.

تعاني الجامعات العربية بشكل عام والجامعات الفلسطينية بشكل خاص من أزمة تتمثل في ضعف البنى البحثية في مجالات البحث العلمي وهذا ما ينعكس سلبا على كفاءة وانتاجية تلك الجامعات في ذلك المجال. تشير الدراسات الى ان انتاجية عشرة باحثين عرب توازي انتاجية باحث واحد في المتوسط الدولي. هذا ويبلغ متوسط الباحثين الى عدد السكان من المؤشرات التي تستخدم للاشارة الى اهتمام الدولة بالبحث العلمي. في العالم العربي هنالك حوالي 380 باحث لكل مليون شخص عربي وهذا على اعتبار ان حاملي شهادات الدكتوراه والمدرسين في الجامعات محسوبون كباحثين.

بينما تبلغ تلك النسبة حوالي 4,000 باحث لكل مليون انسان في الولايات المتحدة الامريكية. بيلغ هذا المؤشر حوالي 499 باحث لكل مليون شخص في الدول النامية 3,598 باحث لكل مليون شخص في الدول المتقدمة. أي ان نسبة الباحثين العرب الى عدد السكان هم الادنى في كل دول العالم.

أما من حيث عدد الباحثين فتقرير اليونسكو لم يذكر بالتحديد عدد الباحثين في إسرائيل بشكل صريح ولكنه اشار الى ان نسبتهم بالنسنة لدول العالم هي حوالي 0.4% وعند الاخذ بعين الاعتبار ان عدد الباحثين في العالم يقدر بحوالي 7,093,600 باحث، يتبين ان عدد الباحثين الإسرائيلين يقدر ب 28,374 باحث. الدول العربية مجتمعة حسب تقرير اليونسكو يبلغ عدد الباحثين فيها ما مقداره 124,000 باحث، وهذا يمثل ما مقداره حوالي 1.8% من عدد الباحثين في العالم.

وعند استشارة عدد من المواقع الإسرائيلية اشار بعضها الى ان هذا العدد يمكن ان يكون اكثر بكثير مما هو منشور في تقرير اليونسكو. اشارة بعض المصادر الى ان نسبة العلماء والباحثين الى عدد السكان تبلغ 145 لكل 10,000 شخص اي 14,500 لكل مليون انسان وهذا يساوي تقريبا ثلاثة اضعاف النسبة في الولايات المتحدة او اليابان. اما بالنسبة للعالم العربي فتبلغ هذ نسبة العلماء في إسرائيل الى السكان حوالي 37 ضعف لتلك النسبة في العالم العربي.

وتشير تلك المصادر الى ان هنالك حوالي 90 الف عالم ومهندس يعمل قسم كبير منهم في ابحاث وصناعة التكنولوجيا.

الدولة


الإنفاق على البحث العلمي
(مليون دولار)


مقارنة مع ما ينفق
في إسرائيل
مصر (2007)

927.917


10%
الاردن (2004)

60.403


0.6%
الكويت (2005)

111.357


1.2%
المغرب (2006)

761.726


7.4%
السعودية (2007)

273.072


3.0%
السودان (2005)

179.085


2.0%
تونس (2005)

660.607


7.0%
السلطة الفلسطينية

11.5


0.12%
الدول العربية مجتمعة

4,700.000


53%
إسرائيل (2007)

8,817.635

المصدر: تقرير اليونسكو حول العلوم والتكنولوجيا 2008

تنفق إسرائيل على البحث العلمي ما قيمته 0.8- 1.0% مما ينفق في العالم اجمع بينما تنفق الدول العربية مجتمعة ما قيمته 0.4% مما ينفق في العالم اي ان إسرائيل تنفق أكثر من ضعف ما ينفق في الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي والتطوير. تنفق إسرائيل على البحث العلمي ما قيمته 4.7% من ناتجها القومي، بينما ينفق العالم العربي 0.2% من ناتجه القومي على البحث العلمي. وإسرائيل هي اعلى دولة في العالم قاطبة من حيث نسبة الانفاق على البحث العلمي من الناتج القومي. الولايات المتحدة الامريكية تنفق حوالي 2.7% من ناتجها القومي، بريطانيا 1.8% والمانيا حوالي 2.6%. اقل الدول في العالم انفاقا على البحث العلمي هي الدول العربية خاصة الموجودة في اسيا، فلم يتجاوز انفاقها على البحث العلمي 0.1% من انتاجها القومي، وهذا أقل خمس مرات من نسبة انفاق الدول الافريقية التي بلغت 0.5% من ناتجها القومي، حسب تقرير اليونسكو 2008. وبالمجمل يبلغ انفاق الدول العربية على البحث العلمي والتطوير تقريبا نصف ما تنفقه إسرائيل، على الرغم من ان الناتج القومي العربي يبلغ 11 ضعف الناتج القومي في إسرائيل، والمساحة هي 649 ضعف.

أما بالنسبة لنصيب الفرد من الانفاق على البحث العلمي فقد احتلت إسرائيل المرتبة الاولى عالميا بواقع 1272.8 دولار وجاءت في المرتبة الثانية الولايات المتحدة الامريكية وانفقت حوالي 1205.9 دولار وثالثا جاءت اليابان بواقع 1153.3 دولار. اما الدول العربية فقد جاءت مئة مرة اقل من إسرائيل من حيث نصيب الفرد من الانفاق على البحث العلمي حيث انفقت ما معدله 14.7 دولار سنويا على الفرد، والدول العربية الموجودة في اسيا بما فيها الدول النفطية الغنية كان نصيب الفرد 11.9 دولار وهو ما يساوي ما تنفقه الدول الافريقية التي تصنف بالفقيرة جدا، وقد بلغ نصيب الفرد فيها ما مقداره 9.4 دولار. الجدول ادناه بين نسبة الفدر من الانفاق على البحث العلمي.

الدولة


نسبة الإنفاق من الناتج القومي


نصيب الفرد من الإنفاق
على البحث العلمي (دولار)
إسرائيل

4.7%


1,272.8
اليابان

3.4%


1,153.3
الدول الاوروبية

1.8%


531
أمريكيا الشمالية

2.6%


1,205.9
أمريكيا اللاتنية

0.6%


58.4
الدول المتقدمة

2.3%


710
الدول النامية

1.0%


58.5
الدول العربية

0.2%


14.7
الدول العربية في آسيا

0.1%


11.9
الدول الافريقية

0.5%


9.4
المعدل العالمي

1.7%


170
فلسطين*

0.3%


2.9
المصدر: اليونسكو تقرير العلوم والتكنولوجيا 2008.
* احصائيات الجانب الفلسطيني تم الحصول عليها من الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني.


اما في فلسطين فيبلغ مجموع ما ينفق على البحث العلمي حسب بيانات الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني ما مقداره 11.5 مليون دولار اكثر من 65% من هذا المبلغ هو مساعدات من الجهات المانحة وان مشاركة السلطة الفلسطينية في هذا المبلغ بلغت في العام 2007 ما مقداره 3.9% اي اقل من نصف مليون دولار.

براءت الاختراع المسجلة عالمياً

وفيما يتعلق بحجم الانتاج العلمي في الدول العربية، اشارت دراسة الى ان مجموع براءات الاختراع المسجلة للعالم العربي في 20 عاما ما بين عامي 1980 وعام 2000 ان العرب حصلوا مجتمعين على 370 براءة اختراع بينما سجلت كوريا الجنوبية وحدها 57,968 براءة اختراع، بلغت براءات الاختراع التي حصلت عليها الدول العربية حوالي 500 براءة اختراع بينما حصلت إسرائيل على ما مجموعه 16,805، وحصلت اليابان على 725,866 والمانيا على 313,078.

الدولة


2008


المجموع الكلي


المرتبة العالمية
الولايات المتحدة 157,772 4,380,724

1
اليابان 33,682 725,866

2
المانيا 8,915 313,078

3
المملكة المتحدة 3,094 129,762

4
كوريا الجنوبية 7,549 57,968

8
إسرائيل 1,166 16,805

14
الدول العربية مجتمعة 71 836
لوكسمبورغ 24 974
ماليزيا 152 947
السعودية 30 310

46
مصر 2 113

60
الكويت 15 103

61
لبنان 2 70

65
المغرب 4 70

66
الامارات 9 57

74
تونس 2 23

95
الاردن 0 21

97
سوريا 0 20

99
الجزائر 0 13

104
العراق 1 10

114
عمان 5 2

119
السودان 0 7

120
البحرين 0 4

131
ليبيا 0 4

135
قطر 1 4

138

يبين الجدول اعلاه عدد براءات الاختراع كما هي مسجلة في دائرة تسجيل الاختراعات الامريكية على مدار التاريخ، حسب حنسية المخترع الاول في قائمة المخترعين.

يلاحظ من خلال الاحصائيات ان عدد براءات الاختراع الإسرائيلية المسجلة للإسرائيلين والبالغة حوالي 16,805 هي عشرون ضعفا لبراءات الاختراع المسجلة من قبل كل المخترعين العرب قاطبة. وفي السنة الماضية يبدو ان الوضع لم يشهد اي تحسن حيث سجل المختروعون الإسرائيليون 1,166 اختراعا وسجل المخترعون العرب مجتمعون حوالي 71 اختراعا. اللافت للانتباه ان حوالي 40% من هذه المخترعات قد تم تسجيلها في المملكة العربية السعودية وان اكثر من 20% منها قد تم تسجيلها لمخترعون من دولة الكويت، حيث تشير الاحصائيات الى وجود تحسن نسبي بأعداد براءات الاختراع المسجلة للسعوديين بشكل خاص. للتعبير عن ضآلة حجم المخترعات يكفي ان نشير الى ان عدد المخترعات المسجلة لدولة مثل لوكسمبورغ التي يبلغ عدد سكانها اقل من نصف مليون نسمة ومساحتها اقل من 1,000 ميل مربع قد سجلت ما مجموعه 974 براءة اختراع بينما الدول العربية مجتمعة سجلت 836 اختراع.

هذه الارقام والمعطيات ليست فقط دليلا على ضآلة انتاج البحث العلمي العربي وانما ايضا تدني كفاءة الباحثين العرب بالمقارنة مع الباحثين من الدول المتقدمة وإسرائيل. فقد انفقت إسرائيل حوالي ضعف ما انفق العرب على البحث العلمي ولكنها انتجت في السنة الماضية 20 ضعف ما انتج العلماء العرب مجتمعين من مخترعات. فلو وزعنا عدد المخترعات العربية على عدد الباحثين لكان نصيب كل اختراع ما مقداره 1,759 باحثا, اما في حالة إسرائيل فقد احتاج الاختراع الواحد الى جهود حوالي 24 باحثا بالمتوسط. اي ان كفاءة الباحث الإسرائيلي اكثر من سبعين ضعفا لكفاءة الباحث العربي. اما من حيث التكلفة فقد كلفت براءة الاختراع الواحدة العرب ما مقداره عشرة اضعاف ما كلفتة للإسرائيليين.

عدد المؤلفات والكتب

للتدليل على عمق الماساة التي يعيشها العالم العربي يكفي ان نشير الى ان عدد الكتب التي ترجمت الى العربية في الالف سنة الماضية يقدر بـ 10,000 كتاب وهو يساوي ما تترجمه اسبانيا في سنة واحدة فقط. ويقول العالم المصري أحمد زويل الحائز على جائزه نوبل في الكيمياء ان انتاج العالم العربي من المعارف الانسانية لا يتجاوز 0.0002% من انتاج العالم بينما تنتج إسرائيل 1.0% من المعارف العالمية اي ان إسرائيل تنتج أبحاثاً ومعارف 5,000 مرة اكثر من العالم العربي.

الجدول المبين ادناه يوضح عدد الابحاث التي تم نشرها في الدوريات والمؤتمرات العالمية المحكمة ما بين عامي 1996 وعام 2007. الجدول يبيين عدد الابحاث المنشورة، وعدد الابحاث المقتبسة ومن ثم العدد الاجمالي لاقتباسات لتلك الابحاث. الجدول يبين كذلك معامل (H) الذي يعبر عن مدى فعالية الدولة في الانتاج العلمي، ومدى تأثير تلك العلوم والمعارف المنتجة على العلوم والمعارف الانسانية. احتلت إسرائيل المرتبة 14 بين الدول في الابحاث المشورة ونشرت في العشرة سنوات ما بين 2007 و 1996، 138,881 بحثا، وكان هنالك 1,721,735 اقتباسا لتلك الابحاث مما يعني انها ابحاث نوعية من الدرجة الاولى. وقد حصلت إسرائيل على 293 نقطة على سلم معامل (H) وهي نتيجة تضعها في مصافي الدول المتقدمة كبريطانيا، وفرنسا والمانيا.

الدولة


عدد الأبحاث
المنشورة


عدد الأبحاث
المقتبسة


عدد الاقتباسات

الولايات المتحدة 3,916,572 3,731,237 63,589,350 959
اليابان 1,117,198 1,097,676 10,495,122 453
المملكة المتحدة 1,114,601 1,032,672 14,946,918 578
كوريا الجنوبية 272,646 272,646 1,721,735 204
تركيا 146,970 140,069 674,441 126
إسرائيل 138,881 134,055 1,773,976 293
مصر 41,614 41,129 188,598 85
السعودية 23,810 22,870 109,497 81
تونس 14,418 14,084 49,929 56
المغرب 14,209 13,881 65,974 63
الجزائر 9,371 9,305 31,831 53
الاردن 9,072 8,978 35,768 47
الكويت 7,735 7,592 39,035 55
الامارات العربية 7,462 7,188 31,980 51
لبنان 6,357 5,955 35,200 58
عمان 3,687 3,516 15,092 39
سوريا 1,845 1,814 10,890 37
فلسطين 1,042 1,025 4,016 24
اليمن 642 625 2,688 23

اما الدول العربية فقد بلغ مجموع ابحاثها المنشوره حوالي 140,00 اي تقريبا نفس العدد المشور في إسرائيل، ولكن مع فارق النوعية التي يحددها عدد الاقتباسات لتلك الابحاث. فقد بلغ مجموع الاقتباسات للابحاث العربية حوالي 620,000 اقتباس مقابل 1,773,735 اقتباس أي تقريبا حوالي ثلاثة اضعاف الاقتباسات لكل الابحاث العربية المشورة.

اما بالنسبة للكتب والعناوين المؤلفة فعند الاخذ بعين الاعتبار حجم التأليف في كل المواضيع بما فيها من علمية، وتكنولوجية، وحسب الاحصائيات المتوفرة من منظمة اليونسكو، كان حجم الانتاج من تلك المؤلفات حوالي 6,866 عنوانا. بينما كان حجم الانتاج العربي مجتمعا للسنوات المتوفرة لليونسكو:

قائمة بأعداد الكتب التي تم تأليفها في السنة المبينة في الجدول:

المملكة المتحدة (2005) 206,000
الولايات المتحدة (2005) 172,000
الصين (2007) 136,226
المانيا (2007) 96,000
اسبانيا (2008) 86,300
كوريا الجنوبية (1996) 30,487
إسرائيل (2006) 6,866
لبنان 3,686
مصر (1995) 2,215
سوريا 1,800
الجزائر 670
المغرب 918
الاردن 511
فلسطين 114

يشير الجدول اعلاه الى ان حجم انتاج المؤلفات في العالم العربي يزيد قليلا عن حجم انتاج الكتب او التأليف في إسرائيل. وهنا يجب الاشارة الى ان لبنان يتصدر قائمة الدول العربية التي انتجت مؤلفات تليها مصر ثم سوريا. وهنا تجدر الاشارة الى ان هنلك بعض الدول العربية غير مدرجة في بيانات اليونسكو مثل السعودية.


المصدر: وكالة معاً، 13/1/2010
منقول من مركز الزيتونة للدراسات
اقرأ المزيد