241189572571696

الأحد، 20 يونيو، 2010

العولمة وتغيرات أحدثتها!

نادية أبو زاهر

ما كُتب عن العولمة ربما يكون أكثر مما بات نستطيع أن نحصيه، وما قيل عنها فهو أكثر، فقد أثار هذا المصطلح جدلا كبيرا بين الكتّاب والباحثين، فاختلفوا حول كل شيء فيما يتعلق بالعولمة، فبالنسبة لظهورها اختلفوا إن كانت ظاهرة قديمة أم جديدة فتم ربطها باختراع كل شيء يقرّب من الدول ويقلل المسافات، واختلف هذا الرأي بين من رأى أن ظهورها ارتبط بالجانب التكنولوجي مع اختراع الإنترنت. ومن ربط ظهورها مع جانب الاتصالات، مع ظهور التلفون. ومن ربط ظهورها بالجانب المواصلاتي، منذ اختراع العربة. وهناك من ربط ظهورها منذ الكشوف الجغرافية التي قربت العالم بعضه ببعض منذ اكتشاف العالم مثل اكتشاف رأس الرجاء الصالح. فيما وجد من اعتبر أن ظهورها مرتبط بالرأسمالية. والغالبية العظمى ربطت ظهورها مع انهيار الاتحاد السوفيتي وما تمخض عنها بانهيار ثنائية القطبية في النظام الدولي وظهور أحادية القطبية وظهور الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى أولى وفرض هيمنتها على العالم.

كما اختلفوا حول تعريفها ويصعب معرفة عدد التعريفات التي تناولتها، لدرجة أنه يصح لنا القول أن كل كاتب استخدم تعريفه الخاص للمفهوم، وقد ميّز السيد ياسين بين من يعرّف العولمة على اعتبارها مرحلة تاريخية، وباعتبارها تجليات لبعض الظواهر الاقتصادية، وباعتبارها انتصار للقيم الأمريكية (الأمركة)، وباعتبارها تعبير عن الثورات التقنية والاتصالية. وميز علي الدين هلال بين العولمة كعملية Globalization وبين العولمة كمذهبية أو أيديولوجية Globalism. فعملية العولمة كما يرى "هي مجموعة تطورات تاريخية حادثة مستمرة وفاعلة سواء قبلناها أم لم نقبلها. وهي قد تبطئ أحيانا وقد تسرع أحيانا أخرى وهي ليست مجرد قرار يُتخذ، وبالتالي العولمة ليست مؤامرة أو مشروع". كما يعتقد أن العولمة كعملية هي ازدياد الترابط والتداخل بين اقتصاديات ومجتمعات وسياسيات الدول ووحدات النظام الدولي. وكانت ليزا سكيلير أول من ركزت على جوهر عملية العولمة. وقد طرح سليم العوا مفهوم العالمية مقابل العولمة، مميزا بين عولمة الهيمنة وعالمية التعددية.

أيا كانت المواقف منها فلقد تم رصد ثلاثة مواقف تمخضت عن الجدل حولها، الموقف الأول المؤيد لها والمعظم لإيجابياتها. والثاني الرافض لها والمعظم لسلبياتها. وموقف ثالث توفيقي بين هذين الموقفين الداعي إلى القبول الجزئي والتأييد الانتقائي من إيجابياتها، وعدم رفضها بكليتها. لكن سواء أقبلناها أم رفضناها؟ هل بات أحد ينكر، رغم كل هذا الجدل، ما أحدثته العولمة من تغيرات كثيرة في جميع مناحي حياتنا، سواء من تحويل المجتمعات من مجتمعات صناعية إلى مجتمعات معلوماتية؟ أو تحويل الدولة القومية إلى دولة شبكية، وتحويل المجتمعات من صناعية إلى مجتمع المعلومات الكوني، والتحول من النظم السياسية البسيطة إلى النظم السياسية المعقدة؟ هناك العديد من التغيرات التي أحدثتها العولمة والتي ربما بات من المهم أن نتنبه لها وقد يصعب حصرها في مقالة واحدة، إنما هي محاولة لإلقاء الضوء على بعضها لا سيما التي تهم حقل النظم السياسية المقارنة:



مستويات التحليل:
أبرزت العولمة ثلاثة مستويات للتحليل كما يرى بعض الكتّاب، تحت القومية والقومية وفوق القومية، حيث كان يتم التركيز على مستوى الدولة، وقد أدت العولمة إلى تغير مستوى التحليل من (مستوى القومية) الدولة القومية إلى الاهتمام بـ (مستوى فوق القومية) أي الكيانات الجديدة الفاعلة مثل الشركات متعددة الجنسية. واعتبرت الدولة مجرد دائرة من دوائر مستويات التحليل.

تغير بؤرة التحليل:
أدت العولمة كذلك إلى أن يصبح العالم وحدة من وحدات التحليل حسبما يعتقد هلال، بعد أن كانت بؤرة التحليل مقتصرة على الدولة وما تحتويها. ففي علم السياسية كانت وحدات التحليل متركزة على مستوى الدولة القومية بحيث يكون اهتمام بؤرة التحليل الدولة أو الحزب أو القبيلة أو المجتمع أو المجتمع المدني العالمي، أو الحكومة الخ، وقد أدت العولمة إلى تغيير بؤرة التحليل من الدولة (وما تحتويها من مجتمع ومجتمع مدني حكومة الخ) إلى العالم (أي بؤرة التحليل أصبح على مستوى عالمي وليست محصورا فقط بمستوى الدولة القومية، فأصبح من بؤر التحليل العالم، أو المجتمع المدني العالمي، أو الحكومة العالمية الخ).

تغيير المنهج ومراحل علم السياسة:
أحدثت العولمة تغيرا في المنهج البحثي، بحيث يتم الانتقال من المدخلات إلى الاهتمام بالمخرجات، أي الاهتمام بنتائج العملية. وقد أثرت العولمة على علم السياسة حيث أدت إلى ظهور اقترابات جديدة وتراجع اقتراب أخرى، وإن كان يتم تصنيف حقل النظم السياسية بأنه مر بثلاث مراحل: مرحلة ما قبل السلوكية ومرحلة السلوكية، ومرحلة ما بعد السلوكية فإن العولمة كما يرى إبراهيم عرفات يمكن تصنيفها بالنسبة لعلم السياسية بأنها مرحلة ما بعد بعد السلوكية.

تداخل فروع علم السياسية:
أدت العولمة إلى مزيد من التداخل بين فروع علم السياسة مثل السياسة المقارنة والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية، بحيث ربما أن التخصيص بين هذه الفروع لن يصبح له معنى في السنوات القادمة، كما يرى هلال، حيث يرى بأن ما قاله كيسنجر بأن السياسة الخارجية تبدأ عندما تنتهي السياسة الداخلية لم تعد هذه المقولة صحيحة لأن هناك تداخل بين السياسة الخارجية والداخلية.

بروز مصطلحات جديدة وإعادة تعريف مصطلحات أخرى:
العولمة عملت على إعادة تعريف بعض المفاهيم السائدة في حقل العلوم السياسية وظهور مفاهيم جديدة فرضت استخدامها في علم السياسية، فمن المفاهيم الجديدة التي برزت في ظل العولمة على سبيل المثال لا الحصر، التشبيك، الاعتماد المتبادل، المجتمع المدني العالمي، والحكومة العالمية، الحُكم العالمي، الحجم الطبيعي للحكومة، السيادة المقيدة: أي الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد على الساحة الدولية مع بروز فاعلين جدد. ومن المفاهيم التي أعادت تعريفها، الدولة والسيادة.


إعادة هيكلية النظم السياسية لواقع جديد
طرحت العولمة إشكاليات بنائية على النظم السياسية تتمثل الإشكاليات البنائية التي تطرحها العولمة بإعادة هيكيلية النظم السياسية والتمثيل السياسي والتغيير السياسي. فهيكيلية النظم السياسية إي ما تفرضه العولمة من إعادة هيكلة النظم لواقع جديد، والتمثيل السياسي أي ظهور قوى جيدة تحتاج إلى تمثيل، والتغيير السياسي أي أن العولمة تفرض على النظم السياسية سرعة الاستجابة للمتغيرات التي تحدثها حتى تستطيع الاستمرار. وقد أثرت العولمة على السلطات المكونة للنظام السياسي وهي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. حيث أدت العولمة إلى، ازدياد أهمية السلطة التنفيذية التي تطبق السياسات السياسات الاقتصادية لصالح الشركات المتعددة الجنسيات على حساب السلطة التشريعية التي تمثل إرادة الشعب. وتزايد أهمية وزارتي المالية والاقتصاد على حساب الأجهزة الإدارية بسبب سياسات الإصلاح الاقتصادي.

زيادة الارتباط بين السوق والسياسة:
عملت العولمة على زيادة الربط بين السياسة والسوق بشكل ملحوظ حيث زاد الاهتمام بمؤشر السوق والبورصة باعتباره مؤشرا سياسيا، فارتفاع مؤشر البورصة يعتبر مؤشرا على استقرار الوضع السياسي وانخفاضه يعتبر مؤشرا على حدوث أزمات سياسية وعدم استقرار الوضع السياسي. وبالمقابل يمكن اعتبار السياسة مؤشرا على السوق أي استقرار الوضع السياسي يؤدي إلى ارتفاع مؤشر السوق وحدوث الأزمات السياسية يؤدي إلى انخفاضه.

تغيير جدول أعمال المجتمع الدولي:
أحدثت العولمة تغييرا على جدول أعمال المجتمع الدولي حيث حلت قضايا جديدة على أجندة المجتمع الدولي مثل الإرهاب والدفاع عن البيئة والتصحر محل موضوعات مثل قضايا الصراع ما بين الجنوب والشمال.

إعادة ترتيب موازين القوى:
أعادت العولمة ترتيب موازين القوى، حيث تقدمت القوى الاقتصادية والعلمية على حساب تراجع القوى العسكرية والديمغرافية.

شرعية النظام:
غيّرت العولمة من شرعية النظام، فبعد أن كانت شرعية النظام السياسي لدى المواطنين تقاس بمدى قدرة النظام على تحقيق الإنجاز السياسي، أصبحت شرعيته تقاس بمدى قدرته على الإنجاز الاقتصادي أكثر من الإنجاز السياسي.

تداخل بين ما هو خارجي وداخلي:
أدت العولمة إلى زيادة التداخل بين ما هو خارجي وداخلي، فظهر مفهوم "الخارج الداخلي" ليدل على وجود عوامل خارجية في قلب العوامل الداخلية المشكلة للتطور السياسي الداخلي.

إعادة تقسيم العالم:
أعادت العولمة تقسيم العالم، فبعد أن كان العالم قبل العولمة يقسم إلى معسكر شرقي وإلى معسكر غربي، أبرزت العولمة تقسيمات جديدة للعالم، مثل تقسيم العالم بين "من يعلم" وبين "من لايعلم".

التغيرات التي أحدثتها العولمة على "الدولة"
أحدثت العولمة تغييرات كثيرة لا سيما المتعلقة بالدولة وفيما يلي يمكن تلخيصها بأبرز النقاط:

1. اهتمام الحقول المعرفية المختلفة بدراسة الدولة:
أدت العولمة إلى زيادة اهتمام العلوم المختلفة بدراسة الدولة، مثل القانون الدولي وغيره من العلوم الأخرى فبعد أن كانت الدولة دراسة الدولة مركزية بالنسبة لعلم السياسة، حيث كان علم السياسة يعرّف على أنه علم الدولة، أصبحت الدولة محل اهتمام الكثير من العلوم.

2. تحول سلطة الدولة من سلطة إخضاع إلى سلطة حوار:
أثرت العولمة في سلطة الدولة في كيفية إنفاذ سياساتها، فكانت سلطة الدولة مبنية على إنفاذ سياساتها بالإخضاع. وفي ظل العولمة أصبحت مقولة ماكس فيبر عن الدولة بأنها "احتكار الدولة للعنف المشروع" بحاجة إلى مراجعة، حيث لم تعد الدولة تستطيع إنفاذ سياساتها باستخدام العنف فقط، وإنما أصبح يتم بالحوار معهم، فلا بد من مشاركة المواطنين وموافقتهم على سياسات الدولة. فتحولت سلطة الدولة من سلطة إخضاع إلى سلطة حوار. وقد أدت العولمة بذلك إلى إعادة النظر في تعريف الدولة التقليدي المقترن بصفات لم تعد فيها كالاحتكار الشرعي لوسائل الإكراه مع ظهور فاعلين جدد.

3. إعادة أوزان فاعلين جدد على حساب الدولة
أعادت العولمة توزيع أوزان الفاعلين في النظام الدولي لصالح مؤسسات المجتمع المدني والشركات متعددة الجنسية على حساب الدولة. وأدت الشركات متعددة الجنسية إلى احتواء دور الدولة وتسخيرها لخدمتها وتحول دورها إلى مدبرة منزل.

4. إعادة تعريف الدولة:
عملت العولمة على إعادة تعريف الدولة بحيث أصبحت الدولة كسوق للجماعات: تراجع فيها دور الدولة في بؤرة التحليل واقتصر دورها على التوفيق بين الجماعات حيث تكون الدولة مجرد سوق للجماعات، التي يكون دورها رئيسي في عملية التحول السياسي والاجتماعي، كما يرى كلاوس أوف.

5. مسميات جديدة "للدولة":
بسبب العولمة ظهرت مسميات جديدة للدولة مثل الدولة الشبكية، والدولة المحددة والدولة المنظمة وغيرها من المسميات، وتوجد آراء من ظهور هذه المسميات الجديدة للدولة تراوحت بين ثلاثة مواقف:
الموقف الأول يرى أن هذه المسميات مختلفة لكنها تعني نفس المفهوم وهو الدولة.
الموقف الثاني يشكك في حداثة هذه المفاهيم ويرى أن لها جذورا تاريخية مستمدة من كتابات الأولين.
الموقف الثالث يرى ظهورها ينعكس على تغير في مفهوم الدولة ودورها ويساند ظهور مسميات جديدة لها.

6. وظائف الدولة:
أثرت العولمة على وظائف الدولة، وهذا التأثير قد يطال إيجاد وظائف جديدة لها أو تقليص وظائف وربما سحب وظائف أخرى منها وتغيير محتوى وظائف أخرى. ومن الوظائف الجديدة التي طرحتها العولمة للدولة وظيفة تسهيل الاندماج في السوق العالمي، ووظيفة مكافحة أضرار البيئة، ووظيفتها في محاربة الإرهاب. كما أصبح للدولة شركاء في بعض وظائفها مثل وظيفة التعليم المشروع والتوجيه، حيث أصبح هناك شركاء للدولة في هذه الوظيفة مثل الإعلام وومنظمات المجتمع المدني، كما عملت العولمة على ظهور منافس للدولة في مجال التقنين والقضاء مثل ظهور القانون الدولي لتنظيم حركة التجارة الدولية وكذلك فصل المنازعات التجارية الدولية بعيدا عن الفضاء الدولي. ويمكن تلخيص أبرز الوظائف للدولة كما يرى البعض وما أحدثته العولمة من تغيير لهذه الوظائف بالتالي:

أ- الوظيفة الاتصالية: أي قدرة الدولة على الربط بين مكونات النظام السياسي اللازم لصنع القرار السياسي وتنفيذه والتعرف على ردود الأفعال، وما أحدثته العولمة على الوظيفة الاتصالية أنها جعلتها تتقدم على غيرها من الوظائف، وإنها لم تعد مقصورة على دائرة الدولة القومية. بل أصبح لها دور في المجال الخارجي.

ب- وظيفة تجميع المصالح: وهي وظيفة كانت تضطلع بها الأحزاب السياسية وجماعات المصالح، واليوم يضاف إليها المنظمات غير الحكومية، ونتيجة العولمة أصبحت الدولة بحاجة إلى مؤسسات متخصصة أخرى في هذا المجال.

ت- الوظيفة التنفيذية: تتلخص في نقل السياسيات والقرارات إلى الواقع المادي وإلى حيز التنفيذ وكانت هذه الوظيفة تعتمد في أدائها على استخدام القوة والعنف إلا أن العولمة فرضت الآن المشاركة الشعبية في تنفيذ القرارات.

ث- الوظيفة التشريعية: وظيفة التشريع أي سن القوانين كانت عملية التشريع تخضع للمؤثرات الداخلية واليوم تخضع للمؤثرات الداخلية والخارجية.

ج- الوظيفة القضائية: كان النظام القضائي للدولة لا يخضع لمؤثرات وضغوط سياسية خارجية داخلية وكان لديه القدرة على الفصل السريع في المنازعات وسرعة تنفيذ الأحكام. وأصبح القضاء الداخلي مع العولمة يخضع لتأثيرات خارجية، كما أن المنازعات أصبحت ذات طبيعة معقدة. كما أن الفض في المنازعات المتعلقة بالتجارة الدولية أصبحت تتم خارج القضاء الدولي.

ح- الوظيفة التوزيعية: كانت الوظيفة التوزيعية للدولة والمتمثلة بتوزيع الموارد والحاجات على مواطنيها تقتصر على توزيع الموارد المادية، ومع العولمة أصبحت تمتد إلى الموارد المعنوية مثل توزيع موارد كالمعلومات والتنكنلوجيا، وتنمية المهارات. ولم تعد الدولة المصدر الوحيد للمعلومة ولم تعد قادرة على إخفاء أي معلومة وأصبحت تعبئة الشعوب وتوجهيها أكثر صعوبة.

خ- وظيفة سياسية للدولة: توصف الوظيفة السياسية للدولة إدارتها لشؤونها بنفسها، تغيرت هذه الوظيفة حيث لم تعد الدولة تدير شؤونها بمفردها فهناك تأثيرات خارجية تؤثر على إدارتها لشؤونها.

7. التأثير على عناصر أو مكونات الدولة:
الدولة تتكون من عدد من العناصر وهي الشعب والإقليم والحكومة، وقد أدت العولمة إلى إحداث تغيرات على هذه العناصر، فبالنسبة للإقليم أصبح مخترقا لم تعد الدولة متحكمة بإقليمها، كما أدت العولمة إلى إمكانية تقليص حجمها من خلال تقسيم الدولة أو ادماجها مع كيانات أخرى. وأصبح الشعب يتلقى معلوماته من الخارج، والحكومة لم تعد تنفرد بإدارة شؤونها السياسية بمفردها.

8. التغيرات التي أحدثتها العولمة على السيادة:
لطتها هي. فمن خصائص السيادة أنها لا تسقط بالتقادم وهي مستمرة ما بقيت الدولة ولا تزول إلا إذا فقدت الدولة شخصيتها القانونية، وترتبط السيادة بدرجة وحدود الاستقلال السياسي للدولة. وأنها كلا واحدا لا يقبل الانقسام أو التجزأ باستثناء وجود سيادة مشتركة في بعض الحالات النادرة مثل سيادة الكويت والسعودية المشتركة على المنطقة المحايدة ينبغي التنبه إلى أن تأثير العولمة على الدول تختلف من دولة لأخرى باختلاف قدرتها على التأثير في العولمة وموقعها في المجتمع الدولي، ويميز فقهاء القانون كما يرى أحمد الرشيدي وآخرون بين السيادة بمعناها القانوني أي سلطة الدولة العليا التي لا تعلوها سلطة في إدارة شؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، أي وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدني تمييز، والسيادة كمفهوم سياسي بمعني القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة علي رفض الخضوع لأية سلطة أخرى غير س بينهما.

ويمكن رصد أهم التغيرات التي أحدثتها العولمة على السيادة بما يلي:
1. الدراسات المختلفة التي تناولت الدولة لم تنجح في تفسير أزمة الدولة ولا التناقضات حولها الدولة وحول المجتمع، وظهرت اقترابات سياسية عديدة تحاول تفسير الدولة إلا أن الاقترابات التي تناولتها يوجد فيها تشويش كبير. وقد أدت العولمة إلى زيادة هذا التشويش لا سيما بالنسبة لسيادة الدولة، حيث عملت العولمة إلى إحداث تغيير على مفهوم السيادة وأصبح هذا المفهوم متغيرا بعد أن كان ثابتا عبر التاريخ.
2. السيادة كما عرّفها بودان تشير إلى السلطة التي لا تحدها حدود، وهذه المقولة أصبحت بحاجة إلى مراجعة بسبب الانتقاص من سلطة الدولة في ظل العولمة.
3. زيادة الاعتماد المتبادل بين الدول الكبرى وزيادة التبعية للدول النامية يؤدي إلى جعل السيادة غير متساوية.


ويرى الدكتور صلاح زرنوقة أن هناك سيادة دولة بمعنى سلطة الدولة على إقليم محدد وسيادة أمة بمعنى سلطة الدولة على مجموعة من البشر لديهم شعور مشترك. ويعتقد أن المجتمع الدولي ينتفض لسيادة الدولة أكثر منه لسيادة الأمة. وأصبح الكتّاب يتداولون عدة سيناريوهات متعلقة بالسيادة يمكن تلخيصها بالآتي:
1. سيناريو اختفاء السيادة (أي العولمة أثرت في السيادة للدولة وستضعف شيئا فشيئا إلى أن تختفي).
2. سيناريو استمرار السيادة (أي السيادة لم تتغير أو تتأثر وستستمر حتى في ظل العولمة وتأثيراتها).
3. سيناريو إعادة تعريف السيادة (أي السيادة للدولة لن تختفي نهائيا ولن تبقى كما كان متعارفا عليها سابقا وإنما سيطرأ تغيرات عليها بفعل العولمة وبالتالي ستكون هناك حاجة لإعادة تعريفها).
4. سيناريو حكومة عالمية بأشكال عدة فعلى سبيل المثال يرى مارتن ألبرو أن الدولة ستتنازل عن سيادتها لصالح حكومة عالمية. وهناك من يرى أن الدولة لم تعد سيادتها مطلقة وإنما هناك من يحد من هذه السيادة لأنها ضمن حكومة منبثقة عن نظام عالمي وتخضع سيادتها لهذا النظام. ويرى البعض أن هناك أشكال مختلفة لهذا النظام، فهناك من يعتقد أن له شكل حكومة خفية من شبكات متعددة الجنسيات، فيما هناك من يرى أن له شكل حكومة معلنة ممثلة بالولايات المتحدة، وهناك من يعتقد بوجود حكومة عالمية سلطتها القضائية ممثلة بمحكمة العدل، وسلطتها التنفيذية ممثلة بمجلس الأمن وسلطتها التشريعية ممثلة بالجمعية العامة.
5. سيناريو تناقص سيادة الدولة بفعل تفكيك الدولة الواحدة إلى عدة دول بسبب الثورات والمطالبة بالانفصال عنها من جانب بعض أقاليمها الذي يُعتقد أن العولمة السياسية تحديدا كانت سببا فيها.

نتيجة هذه السيناريوهات المتداولة برز موقفين من تأثير العولمة على السيادة يمكن إيجازهما بالتالي:
الموقف الأول الذي يرى أن العولمة تقوي السيادة ويستند هذا الرأي غالبا إلى أن:
1. الدولة لا زالت أهم الفاعلين من الناحية العسكرية.
2. العولمة أثارت انفجار معرفي تنقل للفقراء نمط حياة الأغنياء وولدت توترات تحتاج إلى تدخل جهاز دولة قوية.
3. صحوة الإثنيات بفعل العولمة تحتاج إلى دولة قوية لإخضاعها وفض الصراعات الناشئة عنها.
4. توليد تيارات محلية متمسكة بثقافاتها الوطنية يقوي الشعور بالانتماء للدولة القومية.

الموقف الثاني الذي يرى أن العولمة تضعف السيادة ويستند هذا الرأي إلى أن:
1. إطلاق أقمار صناعية التي تطلقها الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة دليل على إضعاف سيادة الدول.
2. أصبحت السيادة عليها قيود بفعل العولمة، فجماعات المصالح والرأي العام باتت تعتبر قيدا على السيادة. ويعتبر هارولد لارسلي من الأشخاص الذين تحدثوا عن تقييد السيادة.
3. إذا كانت العولمة تؤدي إلى إنشاء كيانات كبيرة مثل الشركات متعددة الجنسيات فإنها تعمل على تفتيت الدول من خلال ما تقوم بها بالمساعدة على صحوة الإثنيات التي أدت إلى مطالبتها بحق تقرير المصير وهو ما يهدد سيادة الدولة ويفككها.
4. التدخل الدولي الإنساني يؤدي إلى إضعاف سيادة الدول.
5. انخفاض حجم الوظائف التي تقوم بها الدولة بفعل العولمة دليل على إضعاف سيادتها.
6. سياسات التحرير الاقتصادي التي تدعمها العولمة أدت إلى ارتخاء قبضة الدولة على أصولها فلم يعد المالك يتحكم بما يملك.
7. ظهور مؤسسات أمنية ذات مجال حركة عالمي مثل حلف الناتو له الحق في العمل في أي مكان في العالم يضر بسيادة الدول.
8. صحوة الإثنيات ما هي إلا دليل على ضعف الدولة وقوة العولمة.

التغيرات التي أحدثتها العولمة على المجتمع المدني.
أما بالنسبة للتغيرات التي أحدثتها العولمة على المجتمع المدني فيمكن أن نلخصها بالتالي:
1. أدت العولمة إلى التمييز بين مستويات المجتمع المدني على صعيد وطني وصعيد عالمي، حيث بتنا نلحظ من يميّز بين مصطلح "المجتمع المدني الوطني" National Civil Society وبين مصطلح "المجتمع المدني العالمي".
2. أدت العولمة إلى اعتبار المجتمع المدني أحد سمات النظام السياسي الديمقراطي المقبول عالميا، حيث أصبحت الديمقراطيات تقاس بمدى وفرة المجتمعات المدنية فيها.
3. في المجتمع المدني التقليدي لم تعتبر التكنلوجيا شرطا لوجوده أو استمراره لكن العولمة ومع ما أفرزته من مصطلح مجتمع مدني عالمي، أصبحت التكنلوجيا شرطا يفترضه بعض الكتّاب لوجود مجتمع مدني عالمي. وهذا الاشتراط يقوي من عدم المساواة بين الدول والمجتمعات التي تمتلك التكنلوجيا وتلك التي لا تمتلكها.
4. أبرز تأثيرات العولمة علي المجتمع المدني هو امتداد أنشطة قطاع المجتمع المدني من المستوي القومي إلي المستوي العالمي مما أدى إلى بروز مفاهيم جديدة لم تكن مطروحة من قبل مثل مفهوم المجتمع المدني الكوني أو العالمي أو عبر القومي أو متعدد الجنسيات أو الشبكات.
5. العولمة، كان لها الأثر الأكبر على تطور استخدامات جديدة للمجتمع المدني بحيث لم تعد استخدامات المجتمع المدني مقتصرة داخل حدود الدولة القومية وإنما بدأت تظهر استخدامات جديدة له تتعدى الحدود.
6. فرضت التغييرات التي أحدثتها العولمة ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل العالمية خاصةً في ظل طرح أفكار الشراكة، وهو ما يشكل ممارسة جديدة تؤثر على أوزان وأدوار القوى الفاعلية.
7. أدت العولمة إلى إعادة أوزان الفاعلين في النظام الدولي لصالح المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية على حساب الدولة. فظهرت الاجتماعات غير حكومية للمنظمات غير الحكومية موازية للاجتماعات الحكومية.

نتيجة لظهور مصطلح المجتمع المدني العالمي أو المجتمع المدني العابر فقد ظهرت مواقف للكتاب لهذه المصطلحات ويمكن أن نوجزها بالتالي:
الفريق الأول من الكتّاب الذين يفضلون استخدام مصطلح "المجتمع المدني العالمي" غالبا ما يكونون أكثر تفاؤلا في نظرتهم للمجتمع المدني العالمي ودوره وسعة انتشاره ومدى تأثيره.
الفريق الثاني يرفض استخدام مصطلح "المجتمع المدني العالمي، ويفضل استخدام مصطلح "المجتمع المدني العابر"، حيث غالبا تساور هذا الفريق من الكتّاب بعض الشكوك حول قوة تأثير "المجتمع المدني العابر" وسعة انتشاره ودوره.

أما بالنسبة لمواقف الكتّاب من علاقة العولمة وظهور المجتمع المدني العالمي فتنقسم إلى فريقين:
الفريق الأول: الذي يرى ارتباط ظهور المجتمع المدني العالمي بالمظاهر الإيجابية من العولمة كما يشيرون إليها عادة متمثلة بثورة الاتصالات الكبرى، وما أعقبها من انتشار البث الفضائي بالأقمار الاصطناعية، وظهور شبكة الإنترنت التي باتت تربط العالم كله، شعوبه، وبلاده، وثقافاته، وأفراده، بحيث أصبح إمكانية التواصل أسهل وأسرع دون حدود أو قيود وهو ما أدى إلى استفادة المجتمع المدني منها.
الفريق الثاني: الذي يربط ظهور المجتمع المدني العالمي بالمظاهر السلبية من العولمة بهدف مناهضتها لا سيما الجانب الاقتصادي منها وما ساهم في زيادة الهوة بين الدول الفقيرة والغنية.

التغيرات التي أحدثتها العولمة على الديمقراطية:
يوجد من يرى أن العولمة أحدثت تغيرات على مفهوم الديمقراطية لا سيما المتعلق بالتحولات الديمقراطية، فالذين يربطون العولمة مع الديمقراطية عادة ما يعتبرون أن العولمة ظهرت بسقوط الاتحاد السوفيتي من 1985-1992، وأدت إلى تحولات ديمقراطية في عدد من الدول لا سيما دول شرق أوروبا التي انتقلت للديمقراطية بفعل المحاكاة أو العدوى أو ما أطلق عليها البعض أحجار الدومينو، أي مع انتقال أول دولة بشرق أوروبا للديمقراطية حاكتها أو قلدتها باقي الدول في شرق أوروبا. فيما يرفض البعض أن يكون للعولمة دور في التحولات الديمقراطية التي حدثت، ويعتبرونها وجدت لأسباب أخرى متعلقة بالنظم الداخلية السياسية لتلك الدول، فعلى سبيل المثال يرى مصطفى كامل السيد أنه ينبغي التنبه إلى أن التحولات الديمقراطية مرتبطة بأوضاع خاصة بالنظم السياسية الداخلية بينما العولمة مرتبطة بتأثيرات خارجية. وقد أدت العولمة إلى التمييز بين الديمقراطية الوطنية، أي تلك الموجودة داخل حدود الدولة، وبين الديمقراطية العالمية أي التي تتجاوز حدود الدولة. وحول ارتباط العولمة بالديمقراطية يمكن أن نلخص مواقف الكتّاب إلى موقفين:
أ- الموقف الأول يرى أن العولمة كان لها دور إيجابي بالنسبة للديمقراطية ويستند عادة إلى أن:
1- التكنولوجيا فرضت تدفق معلومات جعلت من السهل أن تساهم في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعولمة تساهم في نشر ثقافة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان عن طريق التكنلوجيا ووسائل الإعلام. ومثال على هذا الرأي ما طرحته آن فلوروني في كتابها "الديمقراطية القادمة" إطارا جديدا للحكم الديمقراطي العالمي.
2- توسيع شفافية الحكم والمساءلة لأن وسائل الإعلام والتكنولوجيا أنهت احتكار الدولة (النظم التسلطية) للمعلومة فأدى إلى زيادة الوعي السياسي والمشاركة السياسية للمواطنين.
3- أدت ثورة المعلومات إلى إنهاء احتكار النظم الحاكمة للمعلومات ونشر الوعي السياسي للمواطنين الأمر الذي من شأنه أن يعمل على زيادة الوعي بالديمقراطية للمواطنين والمطالبة بها.
4- تؤدي العولمة بشقها الإيجابي منها والمتمثل بالتكنولوجيا إلى تعزيز دور الأحزاب المعارضة لا سيما المطالبة بالديمقراطية، وذلك بسبب استفادة تلك الأحزاب من التكنولوجيا في نشر أفكارها ومبادئها واستقطاب أعضاء جدد.
5- سمحت العولمة من خلال وسائل الإعلام للمواطنين بإمكانية إجراء مقارنة بين دولهم ودول أخرى من حيث الحريات والديمقراطيات والفساد والشفافية وهو ما يجعلهم يطالبون بالديمقراطية.
6- أدت العولمة إلى تعزيز دور المجتمع المدني وكذلك إلى ظهور أطراف فاعلين خارجين يساهموا في محاصرة النظم الدكتاتورية من الخارج والداخل فتساهم في تحولات ديمقراطية.
7- ساهمت العولمة بفضل جانبها التكنولوجي بانتقال الديمقراطية بفعل ما بات يعرف بمفهوم العدوى أو المحاكاة أو أحجار الدومينو أو كرة الثلج التي تحدث عنها هنتنجتون كما حصل في شرق أوروبا، فأي حدث يحصل في بقعة يكون صداه في بقعة أخرى دونما اعتبار للحدود بين الدول.
8- أدت العولمة إلى إعادة توزيع القوة على الصعيد الداخلي وولدت ضغوط من أجل تقييد دور الدولة في الاقتصاد لصالح رجال الأعمال، وفي هذا الجانب هناك من يربط بين التحرر الاقتصادي ورجال الأعمال بالتحول الديمقراطي، التحرر الاقتصادي يؤدي لمطالبة رجال الأعمال بالديمقراطية.


ب- الموقف الثاني يرى أن العولمة تعمل ضد الديمقراطية، حيث يستند هذا الرأي عادة إلى أن:
1. العولمة سمحت بتقويض المساءلة والشفافية لأنها حولت السلطة من الدولة للشركات متعدية الجنسية وهي لا تتميز بالشفافية وغير قابلة للمساءلة.
2. العولمة ساهمت في عدم المساواة بين البشر والدول حيث ساهمت في تركيز ثروة كبيرة جدا لدى فئة قليلة من الناس والدول.
3. عملت العولمة ضد الديمقراطية عندما ساهمت في تقديم السلطة التنفيذية التي تعمل لصالح الشركات متعدية الجنسية لصالح السلطة التشريعية التي تمثل الناس.
4. العولمة قد تعمل ضد الديمقراطية لأنها عملت على تقوية أجهزة دولية عضويتها مقتصرة على بعض الدول على حساب أجهزة أخرى تمثل جميع الدول، ففي ظل العولمة توارى دور الأمم المتحدة أجهزة معينة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وحلف الأطلنطي. ففي ظل عصر العولمة (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) يوجد ديمقراطية في ظل نظام ثنائي القطبية أكثر منه في ظل أحادي القطبية والهيمنة الأمريكية، لأن الأجهزة الدولية الممثلة لجميع الدول كان لها دور أكبر من غيرها من الأجهزة الأخرى، وقد فقدت الجمعية العامة أهميتها مقابل مجلس الأمن.
5. العولمة تعمل ضد الديمقراطية لأنها ساعدت على تقوية شركات متعددة الجنسية وغيرها من الأجهزة التي تعتمد عليها العولمة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهي غير قابلة للمساءلة.
6. عملت العولمة على تلاشي الطبقة الوسطى الاجتماعية وأدت إلى اتساع الفجوات بين الطبقات، وهو ما يؤثر على الديمقراطية.
7. التحرر الاقتصادي وما قد يفرضه نشاط جماعات رجال الأعمال يفسد الديمقراطية إذا كان نشاطهم مرتبطا بالفساد عندها لا يهمهم وجود معايير ومساءلة وشفافية. كما أن جماعات رجال الأعمال لا تهتم بالديمقراطية فيه كمطلب، طالما أن النظام يساند سياسات التحرر فلا يهمها وجود دكتاتوري أم ديمقراطي في الحكم.

التغيرات التي أحدتها العولمة على مفهوم المواطنة:
أحدثت العولمة تغيرات على مفهوم المواطنة يمكن إيجازها بالتالي:
1. أدت العولمة إلى التمييز بين "المواطنة القومية" و"المواطنة العالمية"، فبعد أن كان يقتصر مفهوم المواطنة داخل حدود الدولة الوطنية بحيث يفهم منها على أنها الحقوق التي تمنحها الدولة لمواطنيها وواجباتهم تجاهها أو ما يفهم منها على أنها حقوق المواطن وواجباته داخل وطنه، فقد أدت العولمة إلى ظهور مفهوم المواطنة العالمية، أي المواطنة خارج حدود الدولة القومية والتي يفهم منها الحقوق التي تمنح لمواطني العالم دون تمييز وواجباتهم نحو العالم. وقد رفض بعض الكتّاب مفهوم المواطنة العالمية لاعتقادهم باستحالة وجودها بسبب استحالة وجود حكومة عالمية، إضافة إلى عدم وجود دائرة انتخابية عالمية.
2. أدت العولمة إلى تغير مؤشرات قياس الديمقراطية حيث باتت الديمقراطيات تقاس بمدى وجود مجتمعات مدنية بعد أن كانت تقاس بمدى وجود مفهوم المواطنة والحريات واحترام القانون وسيادته والتعددية.
3. العولمة أثرت على مفهوم المواطنة بحيث أن الاهتمام أصبح بالحقوق وليس بالواجبات.

التغيرات التي أحدثتها العولمة على مفهوم النخبة:
أحدثت العولمة تغيرات على مفهوم النخبة يمكن إيجازها بالتالي:
1. أدت العولمة إلى بروز نخب عالمية على مستوى العالم ولم تعد النخب مقصورة على النخب المحلية داخل حدود الدولة الوطنية.
2. أفرزت العولمة ظاهرة جديدة متعلقة بالنخب وهي احتمالية أن تكون نخب محلية معروفة داخل حدود وطنها وغير معروفة عالميا، ونخب معروفة عالميا وغير معروفة على مستوى وطنها.
3. أفرزت العولمة نخبا جديدة لا سيما الاقتصادية تمتلك قدرات هائلة تفوق أحيانا قدرة النظام السياسي.
4. أدت العولمة إلى تحول ولاء النخب من ولاء داخل وطني إلى ولاء لصالح الشركات متعدية الجنسية فساهمت العولمة في بروز نخب منزوعة القومية.
5. ساهمت العولمة في تراجع نخب لصالح نخب، مثل تراجع النخب العسكرية لصالح النخب الاقتصادية.
6. ساهمت العولمة في اختلاف خصائص النخب ومواصفاتها، حيث بات يشترط في النخب امتلاك اللغة الإنجليزية ومعرفة بالكمبيوتر.
7. أعادت العولمة توزيع أوزان النخب السياسية داخل النظام السياسي فأصبح وزير المالية من أهم الوزراء.
8. تغير علاقات القوة في المجتمع حيث عملت العولمة على تقدم رجال الأعمال على حساب تراجع نقابات العمال.
9. أعادت العولمة تقسيم الطبقات في المجتمع بين من يعرفون ومن لا يعرفون وبين من يملكون ومن لا يملكون: من يعرفون: (وهي الطبقة العمالية حديثة عددها قليل، تمتلك معرفة واسعة بالتكنلوجيا وتعتمد على الجهد الفردي) ومن لا يعرفون (وهي طبقة عمالية تقليدية عددها كبير تعتمد على الجهد العضلي ولا تمتلك معرفة عالية بالتكنولوجيا. "من يملكون" وهم مالكي رؤوس الأموال التقليدية و"من لا يملكون" مالكي رؤوس الأموال الحديثة.
10. تغير خطاب النخب السياسية ورجال الدولة والأحزاب السياسبة في ظل العولمة لا سيما في الوطن العربي، وتحول خطابهم من مجابهة الاستعمار إلى خطابات حول الإصلاح الاقتصادي والإصلاح والتنمية.
11. ساهمت العولمة في إبراز النخب الاقتصادية وتقدمها على حساب غيرها من النخب، حيث يلحظ بروز نخب اقتصادية قد يفوق قوتهم وتأثيرهم النخب السياسية بكثير.
12. أدت العولمة إلى تأثر النخب السياسية بالإعلام والتكنلوجيا وزيادة اهتمامها به، وكل ذلك أثر على اختلاف تنشئتها السياسية.
13. بروز النخب المؤمنة بالعولمة التي يهمها الربح والمصلحة وتراجع النخب المعادية للعولمة (التقليدية).

التغيرات التي أحدثتها العولمة على مفهوم الثقافة:
أدت العولمة إلى التمييز بين مفهوم "الثقافة القومية" أو الثقافة المحلية و"الثقافة العالمية"، فبعد أن كان يقتصر مفهوم الثقافة داخل حدود الدولة الوطنية، فقد أدت العولمة إلى ظهور مفهوم الثقافة العالمية، أي الثقافة خارج حدود الدولة القومية. وقد ظهر موقفين من إمكانية تكوين ثقافة عالمية يمكن تلخيصهما بالتالي:

الموقف الأول يرى إمكانية تكوين ثقافة عالمية وتتلخص حجج من يرى بذلك في:
1. إمكانية تنفيذ ثقافة عالمية ممكنة لأنه أمكن تحقيق الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان وغيره من المواثيق الدولية.
2. التكنلوجيا ستؤدي إلى وجود عالم اقتصادي واحد وعالم ثقافي واحد .
3. لوجود إرث إنساني مشترك، فما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم.
4. المشكلات التي تواجه الإنسانية واحدة تؤثر على الجميع ولا يستطيع أحد الهروب منها وينبغي مواجهتها بشكل جماعي مثل الإرهاب ومشاكل البيئة وغيرها فلا بد من خلق ثقافة مشتركة حولها.
5. تهديد الثقافة المحلية لصالح ثقافة عالمية ونمط معين من الأفكار.

الموقف الثاني يرى صعوبة تكوين ثقافة عالمية وتتلخص حجج من يرى بذلك في:
1. أدت العولمة إلى صحوة الإثنيات وتمسكها بثقافاتها الخاصة وهو دليل على عدم إمكانية تكوين ثقافة عالمية.
2. وجود فجوة حضارية كبيرة بين الدول المتقدمة حضاريا والدول النامية، تجعل صعوبة خلق ثقافة حضارية عالمية واحدة.
3. صعوبة تشكيل حكومة عالمية يحول دون إمكانية تحقيق ثقافة عالمية.
4. تعبر الثقافة عن ذكريات مشتركة بين فئة من الناس أو مجتمع معين وتاريخ مشترك ولا يوجد ذكريات مشتركة عالمية، وأكثر الذكريات العالمية تذكر بالانقسامات أكثر مما تذكر بالتوحد مثل الحرب العالمية الأولى والثانية والاستعمار.
5. صعوبة تكوين ثقافة عالمية واحدة بسبب اختلاف مكونات الثقافة لمختلف الشعوب.

وقد ميز بعض الكتّاب كما كان الأمر بالنسبة لبرهان غليون وسمير أمين بين "ثقافة العولمة" و"عولمة الثقافة"، وحول الإستراتيجيات المطروحة للتعامل مع العولمة الثقافية برزت ثلاثة مواقف من الكتّاب:
الموقف الأول يرى بضرورة الانعزال الكامل عن العولمة الثقافية من أجل حماية الثقافة المحلية.
الموقف الثاني يرى بضرورة التفاعل الإيجابي معها أي الأخذ منها الجيد وعدم نبذها كليا.
الموقف الثالث يرى بضرورة الاندماج الكلي معها، حيث يرى هذا الرأي أن الثقافة المحلية لا تستطيع مقاومة ثقافة العولمة التي باتت تؤثر على كل مناحي الحياة من ثقافتنا وعاداتنا في المأكل والملبس فأصبحت العولمة تنمط كل شيء في حياتنا.

نتيجة جدل الكتّاب حول العولمة والثقافة، برز نوع آخر بينهم من الجدل حول أثر العولمة على الهوية، ويمكن تمييز ثلاثة مواقف للكتاب من أثر العولمة على الهوية نلخصها بالتالي:
الموقف الأول: العولمة تهدد الهوية وستختفي الهوية وتهدد نمط الحياة وتحوله إلى نمط غربي.
الموقف الثاني: الهوية لن تختفي وستبقى الدولة القومية عنوانا للهوية، والعولمة تعمل على التمسك بالهوية والدليل على ذلك صعود الإثنيات، وتواصل الإثنيات المتشابهة ضمن الدول المختلفة.
الموقف الثالث: الهوية لن تختفي لكن سيقل تأثيرها على المدى البعيد.

استغرق الجدل حول العولمة وقتا طويلا، ولا زال مستمرا حتى اللحظة، فظهر المؤيد لها والمعارض ومن اتخذ موقفا وسطا داعيا للآخذ من فوائدها وتجنب سيئاتها، وبغض النظر عن الموقف منها، فإنه لا يمكن إنكار ما أدت إليه من إحداث تغييرات كبيرة على كثير من مناحي الحياة وتحديدا بالنسبة لحقل النظم السياسية، وهو ما يستدعي لفت الانتباه إلى التغيرات التي أحدثتها أو التي من الممكن أن تحدثها والاستعداد لها، بدل الاستمرار في الجدل الدائر حول الدفاع عن الرأي المؤيد أم المعارض لها.
اقرأ المزيد