241189572571696

الاثنين، 27 سبتمبر، 2010

العلاقات الجزائرية-الفرنسية، ومسألة "التوبة الكولونيالية" فرص الاعتراف والاعتذار... وقيود المصالحة التاريخية




عصام بن الشيخ[1]
أستاذ العلوم السياسية
بجامعة "قاصدي مرباح" الجزائر
خطة المقال:
-       تمهيد
-       الخلافات التاريخية والسياسية
     استرجاع الأرشيف الجزائريّ
     تعويض ضحايا الاستعمار والتفجيرات النووية
-       الخلافات الاقتصادية
-       الخلافات العسكرية والأمنية
            محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية
            محاربة الإرهاب في الساحل الإفريقي
      حضر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قمة نيس "فرنسا-أفريقيا" مطلع شهر جوان 2010، بعد أن ألحّ عليه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتلبية الدعوة، وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الرئيس المغاربيّ الوحيد الذي حضر القمة، بعد أن قرّرت بقية الدول المغاربية تخفيض سقف تمثيلها، في الوقت الذي انتظر فيه المراقبون رفض الرئيس الجزائري المساومة الفرنسية على قضية الاعتذار الفرنسيّ للجزائر عن الحقبة الاستعمارية. والمدهش أنّ القمة كانت فرصة لتذليل فداحة الصورة العالمية للانقسام العربي بوساطة فرنسية، بعد أن قام الرئيس بوتفليقة بتحية الرئيس المصريّ محمد حسني مبارك العائد من رحلة علاجية بألمانيا.[2]
    ينظر الفرنسيون للجزائر باعتبارها بلدا عربيا مؤثرا في السياسة الفرنسية، لامتلاك الجزائر جالية كبيرة في فرنسا، أصبح تأثيرها جليّا وخطيرا في الداخل الفرنسيّ، الذي يشهد تجاذبات ونقاشات حادة حول قضايا الدين الإسلاميّ والإرهاب والحجاب والنقاب والمآذن وقانون تمجيد الاستعمار...، إضافة لسجالات القوانين اليمينية المتطرفة، المعبّرة عن صراع الهوية الفرنسية مع الهوية الجزائرية العربية، والصراع بين الديانة الجزائرية الاسلامية والديانة المسيحية، رغم أنّ فرنسا "دولة علمانية". وتمثّل هذه الخلافات جوهر الصورة النمطية الذهنية المتشكّلة لدى النخب الفرنسية عن الجزائر، وجوهر الصورة الذهنية المتشكلة عن فرنسا لدى الجزائريين.
    تربط الجزائر علاقة ملتبسة بفرنسا، جعلتها لا تقبل المضي قدما نحو تطوير العلاقات مع باريس، دون مناقشة مسألة اعتذار الفرنسيين عن استعمار الجزائر، وإقرار تعويضات مالية لضحايا التفجيرات النووية في مدينة رقان الجزائرية مطلع ستينيات القرن الماضي، ومناقشة انعكاسات إقرار الفرنسيين قانون 23 فبراير 2005 لتمجيد الاستعمار، وهي المسائل التي يرفض اليمين الفرنسي مناقشتها مع الجزائريين، خصوصا اللوبي الفرنسيّ المؤمن بأطروحة "الجزائر فرنسية".  
    ورغم ارتباط الجزائر بالسوق الدولية والرأسمالية العالمية منذ تولّي الرئيس بوتفليقة الحكم سنة 1999، فهي لم تقبل طيّ مسألة الاعتذار الفرنسيّ للجزائر عن حقبة الاستعمار، وهي تسعى لوظيف هامش المناورة المتاح أمامها رغم الضغوط الدولية المركّزة، لتحقيق مكاسب ومصالح جديدة في الساحة العالمية، ونصرة القضايا الدولية العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين المحتلة والصحراء الغربية. وتعتبر هذه المطالب جزءا من الحركة الدولية للمطالبة بعالم متعدّد الأقطاب، أكثر استقرار وعدالة من النظام أحادي القطبية، الذي كرّس حالة اللاتوازن بين دول الجنوب الفقيرة ودول الشمال المتقدمة. وهو ما يعني أنّ الجزائر تعتمد وبشكل استراتيجيّ على هذا الانتماء السياسيّ الدوليّ "المتضارب"، للاقتصاد الرأسمالي الاستغلاليّ من جهة، والحركة الدولية المناهضة لظاهرة الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية من جهة أخرى، لتحقيق مكاسب متزامنة، تجعلها تستفيد من انخراطها العالمي، في دعم مقاربتها في تعريف علاقتها بالقوى الدولية الكبرى، والتفاوض من موقع القوة أمامها، خصوصا الفرنسيون، الذين يرفضون بناء علاقة متوازنة مع الجزائر، تمكنها من تحقيق مصالحها وأهدافها، وهو ما عبّر عنه الرئيس بوتفليقة في قمة 5+5 بتونس، حين قال: "تريدون منّا الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، ونريد منكم دعم مشاريعنا التنموية".
   وبناء على ما تقدّم بالإمكان الانطلاق من التساؤلات التالية للاقتراب من الإجابة على أسباب تأزم العلاقات الجزائرية الفرنسية، وانعكاسات الخلافات بين الجانبين على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بينهما، ولماذا لم تنجح الجزائر في جعل فرنسا تنخرط في حركة الاعتذار العالمية لطيّ صفحة الماضي الاستعماري والمضيّ قدما نحو توقيع اتفاق الصداقة بينهما:
    لماذا ترفض فرنسا الاعتذار للجزائر عن حقبة الاستعمار؟، ولماذا ترفض فرنسا الاستفادة من الميزة التفضيلية التي يمنحها الاقتصاد الجزائري، مقابل التنازل عن المطالب السياسية للجزائر بحلّ المسألة التاريخية بينهما؟. هل تعتبر النخبة الوطنية الجزائرية حركة مناهضة للتطبيع مع فرنسا، لأنها تشهر سلاح التاريخ ضد توقيع "معاهدة الصداقة" مع فرنسا؟.
    هل تخضع مسألة الاعتذار الفرنسيّ للجزائر لارتباطات الجزائر بشبكة الرأسمالية العالمية التي تسبّبت في تحريف مسار القضايا العالمثالثية العادلة ومنها القضية الجزائرية ؟، أم أنّ الجزائر غير منخرطة بالأساس في دائرة الهيمنة العالمية، وهي قادرة على تخليص نفسها من أية ارتباطات قد تفرض تنازلها عن طلب الاعتذار الفرنسيّ عن حقبة الاستعمار؟. لماذا اعتذرت ايطاليا لليبيا واعتذرت فرنسا لمدغشقر، وترفض فرنسا الاعتذار للجزائر؟، ما الفرق بين احتلال يعتذر وآخر يفتخر بأنّ للاستعمار محاسن وايجابيات؟، ما السبيل لجعل العلاقات الجزائرية الفرنسية متوازنة أكثر، لإرضاء للجانبين، وبعث شراكة حقيقية تجعل الجزائر تستفيد من ارتباطها التاريخي بفرنسا، خصوصا عبر ورقة الجالية الجزائرية في فرنسا؟.
    الخلافات التاريخية والسياسية
        شبّه السفير الفرنسيّ بالجزائر العلاقات بين فرنسا والجزائر بلعبة المكعّب الدوار التي ترفض أن تكتمل، حيث يكون الطرفان في ارتباط وثيق، يجعل الحلّ موجودا، لكنه مغيّب تماما عندما يرفض الطرفان إعطاء فرصة للبديل العقلاني، والبحث عن التقاطعات الموجودة بينهما، لترقية علاقتهما إلى معاهدة أبدية للصداقة الإستراتيجية، كما كان مقررا في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك.
    يعتبر الباحث الجزائري والنائب السابق في مجلس الأمة الدكتور محمد القورصو أنّ إدانة الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي للاستعمار في خطابه بجامعة قسنطينية سنة 2007، يشبه "إعطاء حبة حلوى لبطن جائع"،[3] واعتبر القورصو أنّ خطاب "مراوغة سياسية" تؤكّد الإصرار الفرنسي على عدم الاعتراف وعدم الاعتذار، لأنّ الاعتذار الحقيقي الذي تطالب به الجزائر، يعني المصالحة الفعلية وإعادة محاكمة الذاكرة الفرنسية وكشف حقيقة الممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، والتي قال فيها فرحات عباس: "إنها لمعجزة أننا لم نلق نفس مصير الهنود الحمر؟".[4]
    تريد باريس اعتذارا من الجانبين، من فرنسا ومن الجزائر، اعتذار فرنسي على أحداث 08 ماي 1945، مقابل اعتذار جيش التحرير الجزائري ALN على الاغتيالات التي طالت المدنيين الفرنسيين أثناء الثورة الجزائرية بين 1954-1962، مع ذلك يرفض هذا الاعتذار اليمين المتطرف في فرنسا، وعلى رأسه واحد من بين أشهر الكتاب الفرنسيين الذين يقودون النخب ضدّ الاعتراف الفرنسيّ، الكاتب باسكال بوركينز، الذي أعلن أنّه يدين كل فرنسي يدعم خيار الاعتذار الفرنسي للجزائر، إضافة إلى دانيال لوفيير صحاب كتاب ""حتى نقضي على فكرة التوبة الكولونيالية". والملاحظ أنّ هذا الخطاب الفرنسيّ الراديكاليّ قد أصبح يلقى شعبية واسعة في فرنسا بعد أن علا نجم المعارض اليميني المتطرف جون ماري لوان مرشح الرئاسة السابق ضدّ الرئيس الأسبق جاك شيراك.
   استرجاع الأرشيف الجزائريّ
    لم تسمح الحكومة الفرنسية بحصول الجزائر على الأرشيف الوطنيّ التاريخي للجزائر، خصوصا والأرشيف الفرنسيّ عن الفترة الاستعمارية للجزائر، إضافة إلى خرائط الألغام المنتشرة على المناطق الحدودية، حيث لم تكن الألغام المسلمة من قائد أركان القوات الفرنسية لقائد أركان القوات الجزائرية، لم تكن مفيدة كثيرا في كشف الألغام الفرنسية في منطقة الحدود، رغم تركيز الفرنسيين على إعطاء تسليم خرائط الألغام طابعا رسميا، رافقه تغطية إعلامية فرنسية مكثفة، تغطي تبادل الخرائط مع ساعات مسجلة من الأرشيف السينمائي عن الفترة الاستعمارية.
    قال وزير المجاهدين الجزائري الشريف عباس أنّ الأرشيف الذي استلمته الجزائر عن فرنسا يمجّد الفترة الاستعمارية، ولا يعكس الاعتراف الفرنسيّ بحقيقة المذابح والمجازر المقترفة في حقّ الشعب الجزائري، وقال أنّ الفرنسيين لا يريدون تسليم الوثائق السرية التي تفضح الأوامر العسكرية الفرنسية ضدّ الأبرياء والعزل، منذ أحداث 08 ماي 1945 إلى سنة 1962، واعتبر أنّ أحداث 08 ماي 1945 كانت المنعرج الحاسم لتوضيح حقيقة الاستعمار الفرنسيّ الهمجي في الجزائر[5]، وأنّ الجزائر تقترب من اختطاف الاعتراف الفرنسيّ بجريمة الاستعمار في تلك الأحداث التاريخية المعروفة للعامل بأسره.
    وكتب السيد محمد السعيد مرشّح الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في أبريل 2009 في مقاله الموسوم بـ: "الاعتذار في العلاقات الدولية... وسيلة للتقارب والمصالحة"[6]، كتب عن حركة الاعتذار العالمية التي ظهرت أواخر القرن الماضي بناء على ضرورات القيم الإنسانية، التي تجعل الجلاّد والسجّان يكفّر عن خطئه بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية، ثم التكفير عن ذنبه بمنح التعويض عن مآسي الفترة الاستدمارية، ويدلّ الاعتراف على تأنيب الضمير، كمرحلة أولى للتكفير عن الذنب، باعتذار رسميّ موثّق، يؤكّد للأجيال المتعاقبة أخطاء المستعمر وتضحيات الدول والشعوب المستدمرة، بدء بممارسة التمييز ضدّ الأفراد أو ما أصطلح على تسميته بالعقلية الاستعمارية المفرّق بين المواطنين الفرنسيين و"الأهالي" (الأنديجان). وأفرد الدكتور محمد السعيد نماذج الاعتذارات الدولية الشهيرة كما حصل في الاعتذار الايطاليّ الرسميّ للشعب الليبيّ وتعويضه بما قيمته 05 مليارات دولار، بمقدار ربع مليار دولار لمدة عشرين عاما إضافة إلى تعويض ضحايا الألغام بانجاز مستشفى لعلاج وزرع الأعضاء للمتضررين من الألغام، واعتذار ألمانيا لإسرائيل عن ضحايا المحرقة، والتعويضات المالية عن فترة النازية، والتي تجاوزت إلى حدّ الآن أكثر من 60 مليار دولار، إضافة إلى اعتذار ألمانيا للتشيك سنة 1997 عن احتلالها إقليم السوديت، واعتذار رئيس دولة غواتيمالا للحكومية الكوبية عن دور بلاده في دعم المخابرات المركزية الأمريكية عام 1961 في محاولة قلب نظام الحكم. اعتذار اليابان لكوريا الجنوبية وتعويضها عن استغلال عشرات النساء في كوريا الجنوبية للترفيه عن الجنود اليابانيين، اعتذار أستراليا لسكان الأصليين سنة 2009، اعتراف البيض واعتذارهم بقيادة فريديرك دوكلارك على ممارسات نظام التمييز العنصري ضدّ السود في جنوب أفريقيا، واعتذار الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن عن الاغتيالات السياسية أثناء الثورة البلشفية من قبل الثوار البلاشفة ضدّ معارضيهم، اعتذار الحكومة الكندية عن التمييز الممارس لعشرات السنين ضدّ أبناء الهنود الحمر في مجال التعليم….، وغيرها من النماذج التي أثبتت إمكانية تجاوز الذاكرة المجروحة وبناء علاقات أكثر نضجا وثباتا من نمط العلاقات الخلافية السابقة.   
     تعويض ضحايا الاستعمار والتفجيرات النووية
    تمسك الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين، السيد سعيد عبادو بمطلب الجزائر الاعتذار الفرنسيّ عن الجرائم الاستعمارية[7]، ودافع عبادو عن وزير المجاهدين الذي تعرّض لحملة فرنسية كبيرة خصوصا من قبل وزير المجاهدين الذي رفض اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية، وقال السيد عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني في الذكرى الـ: 65 لأحداث 08 ماي 1945، أنّه سيظلّ يطالب الفرنسيين بالاعتذار دون توقّف، ردّا على حملة من أسماهم "ممجّدي الاستعمار في فرنسا"، مجدّدا الطلب الجزائري بتعويض المتضررين من التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر[8] ، وتوضّح الحملة الفرنسية لتمجيد الاستعمار، مدى تمسّك الفرنسيين بعدم الاعتراف بجرائم الحقبة الاستعمارية، واستمرار أكذوبة "الجزائر فرنسية" لدى جزء كبير من النخبة المثقفة في فرنسا، التي ترفض انخراط فرنسا في حركة الاعتذار العالمية عن الاستعمار، والفرق الواضح بين استعمار يعتذر عن أخطائه كما حدث بالنسبة لاعتذار ايطاليا لليبيا، وآخر مفتخر باحتلاله لأراضي الآخرين كما فعل ويفعل الفرنسيون اليوم[9]، حيث قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "أنّه لا يمكن للأبناء الاعتذار عمّا فعل الآباء"[10]، ما يعني أنّ فرنسا لا تشعر بتأنيب الضمير، ولا تأبه للذاكرة المجروحة للجزائريين، ليس الجزائريين فقط، بل كل الشعوب المغاربية، حيث تطالب الحكومة التونسية باريس بالاعتذار عن الحقبة الاستعمارية لتونس أيضا، خصوصا الأحداث الإجرامية للاستعمار الفرنسيّ ضدّ الشعبين الجزائري والتونسيّ في آن واحد، حين قصفت الطائرات الفرنسية المدارس والبيوت في ساقية سيدي يوسف سنة 1956، واختلط الدم الجزائريّ والتونسيّ، الذي يفضح الجرائم الفرنسيّة ضدّ الشعبين.
    وقد تحدّث الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي في خطابه سنة 2007 عن حلم "الإمبراطورية الفرنسية التي ضاعت"، حلم نابليون بونابرت الذي غزا مصر، ونابليون الثالث الذي حلم بمملكة عربية في الجزائر، وهذا أكبر دليل حسب الباحث الجزائريّ محمد القورصو للحكم على الثقافة الكولونيالية المتأصلة لدى الرئيس الفرنسيّ، الذي دعا حزبه "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، إلى محاكمة جيش التحرير الجزائريّ على قتل المدنيين الفرنسيين أثناء حرب الجزائر 1954-1962.[11]
   الخلافات القانونية
    صدرت بفرنسا ما بين سنة 1965 و2005 عشرات المراسيم والقوانين التي أعادت الاعتبار لقيادات O.A.S منظمة الجيش السري والحركى والأقدام السوداء، ومكّنتهم عبر ترسانة من النصوص القانونية من إمكانية دعم مطالبهم باسترجاع ممتلكاتهم في الجزائر، من خلال رفع قضايا أمام المحاكم الدولية والأمم المتحدة ضدّ الحكومة الجزائرية، وقد شكلت تلك المطالب مادة لكسب مئات الآلاف من أصوات الناخبين المناصرين لمطالب اليمين الفرنسيّ المتطرف.
    ويصرّ النواب الجزائريون على تمرير قانون تجريم الاستعمار، ردّا على إقرار الفرنسيين قانون 23 فبراير 2005  لتمجيد الاستعمار، وتدريسه في المدارس الفرنسية، ويصرّ الرئيس بوتفليقة على اعتراف الفرنسيين بجريمة الاستعمار، كشرط لاستعادة الفرنسيين الميزة التفضيلية في الاقتصاد الجزائري، خصوصا المجال الطاقويّ، الذي لم يعد للفرنسيين فيه نصيب كبير أمام الأمريكيين، الذين أثبتوا قدرتهم على التكيف مع كافة الأوضاع السياسية والأمنية التي مرت بها الجزائر.
    أما طلب التعويضات للمتضرّرين من التفجيرات النووية الفرنسية في مدينة رقان بالصحراء الجزائرية مطلع ستينيات القرن الماضي، فهي تنبع بالأساس من الداخل الفرنسيّ، بعد أن قام نواب فرنسيّون بتقديم مشروع قانون للبرلمان الفرنسيّ بتعويض المتضريين، حيث لم يعد بالإمكان إخفاء حقيقة تلك الجريمة التي راح ضحيتها عشرات الجنود الفرنسيين، إضافة إلى الوزير الفرنسيّ للتعليم العالي الذي حضر تلك التفجيرات، وتوفيّ بمرض السرطان. وتعتبر التعويضات نصرا قانونيا إضافيا للجزائر، التي لا تزال تستخدم فرنسا جبهة دعم لمواقفها السياسية كما كانت تفعل أثناء حرب التحرير، وهو ما كان يشيد به كثيرا الراحل ادوارد سعيد، حين دعا الفلسطينيين إلى استخدام عرب 1948، قادة جبهة إضافية ضدّ إسرائيل، كما فعل الجزائريون في فرنسا.
    الخلافات الاقتصادية
     اتخذت الحكومة الجزائرية تدابيرا اقتصادية أحدثت غليانا كبيرا في فرنسا وسط أرباب العمل، قضية ميناء مرسيليا الذي تسبب في خسارة بلدية مرسيليا لمداخيل هامة، حيث أمر الرئيس الفرنسيّ بتوقيف استخدام الجزائريين لميناء مرسيليا كميناء مؤقت للبضائع الجزائرية، وهو ما يعني خسارة الميناء الفرنسيّ لمداخيل هامة، وخسارة بلدية مارسيليا أيضا لميزانية ضخمة، ولم تنفع زيارة نواب فرنسيين وعن المجلس البلديّ لمدينة مرسيليا للجزائر في تحلّ القضية، التي اتخذ فيها قرار رئاسيّ نهائي، غير قابل للمفاوضة، نتيجة للإصرار الفرنسيّ على عدم الاعتذار عن الاستعمار الفرنسيّ للجزائر، ومن هنا يتأكد للجزائر أنّها قادرة على استخدام أوراق الضغط الاقتصادي على باريس، خصوصا وأنّ الجزائر تتمتع بوضع اقتصاديّ مريح بعد تحقيقها لاحتياطيّ تجاوز 150 مليار دولار في الصندوق الوطنيّ لضبط الإيرادات، ومديونية خارجية معدومة، والإعلان عن خطة تنموية خمسية بـ: 286 مليار دولار بين سنتي 2010 و2014، ربما لن يكون لفرنسيين فيها نصيب كبير بعد التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الجزائرية مع كلّ من أميركا والصيت وروسيا وكوريا الجنوبية.  وإجابة على السؤال حول أولوية المصالح الاقتصادية مع فرنسا "بمنطق البراغماتية النفعية، على المطالبة "بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية صراحة وعلنا أمام العالم"، فالجواب يتعلق بالموقف الفرنسيّ من الإجابة عن ذا التساؤل، وليس الموقف الجزائري، بعد أن أصبحت الجزائر في وضع اقتصاديّ جدّ مريح.
    أبدى الرئيس الجزائريّ امتعاضه من النتيجة المخيبة للآمال بعد الانخراط الجزائريّ في مشروع برشلونة للشراكة الأورومتوسطية سنة 2002 ثم الاتحاد من أجل المتوسط سنة 2007، حيث أكّد وزير المالية الجزائريّ أنّ الجزائر تخسر جرّاء هذه الشراكة أكثر مما تربحه من مشاريع تفرض على الجزائر القيام بإصلاحات اقتصادية هيكلية، كما أنّ إعلان الرئيس ساركوزي سنة 2007 نية الحكومة الفرنسية استثمار 05 مليارات أورو في الجزائر، ارتبط بدعوة الرئيس ساركوزي بناء علاقة مستقبلية تتجاوز الخلافات التاريخية، وردّ الرئيس الجزائريّ بأنّ الجزائر تريد مستقبلا على قاعدة الماضي.[12]
    عندما قام الرئيس هواري بومدين بتأميم النفط الجزائري في 24 فبراير سنة 1971، قال الفرنسيون أنّ النفط الجزائريّ رديء وملوث باللون الأحمر"، فردّ الرئيس هواري بومدين بأنّ النفط الجزائريّ متخلط بدماء الشهداء الجزائريين، حينها قمت الحكومة الفرنسية برفع قضية في محكمة العدل الدولية تلزم الجزائر بالتراجع عن تأميم النفط الجزائري، والالتزام باتفاقية ايفيان سنة 1961 التي تنصّ على أنّ كلّ ما هو فوق الأرض ملك لجزائر، وكلّ ما هو تحت الأرض ملك للفرنسيين.

    الخلافات العسكرية والأمنية
     تحاول باريس بشكل مستمر استدعاء الخلافات السياسية الناجمة عن الأزمة الأمنية الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي لممارسة ضغوط سياسية على الجزائر، خصوصا قضية الرهبان المغتالين في رهبان دير تيبحرين بالجزائر، في حين ترفض الجزائر هذه المسألة وترى أنّ باريس تسعى لإغراق مطلب الاعتذار عن الاستعمار في مستنقع في ملفات معقدة ومثيرة للجدل، لتشتغل على ظروف تسير عكس الطرح الجزائريّ لتفريغه من محتواه.
    محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية
   يتهم الفرنسيون الجزائر بالتواطؤ حيال عدم التشدّد في مكافحة ظاهرة غير الشرعية، ويرى الجزائريون أنّ القضية معقدة ومتعددة الأبعاد، وتتطلب تنسيقا من جميع الدول المتوسطية لحلها، ويتضح من هذه المسألة أنّ الفرنسيين يشكّون في أنّ الجزائر تتعمّد عدم التشدّد حيال المهاجرين غير الشرعيين، لأنهم أصبحوا يشكّلون ورقة ضغط إضافية على الحكومة الفرنسية إلى جانب الجالية الجزائرية في فرنسا، وقد سبق للرئيس نيكولا ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك وأنّ قام بوصف الشبان الجزائريين والمغاربة المنتفضين في الضواحي الفرنسية "بالنفايات البشرية"، لكونهم يلجؤون إلى العنف للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية، وكان ساركوزي نفسه قد أعلن من قبل فسح فرنسا المجال أمام الشباب المتعلّم للتجنيس الاختياري، حسب احتياجات الدولة الفرنسية، خصوصا فئة المهندسين والتقنيين، وهو ما اعتبر استغلالا واضحا للطاقات والعقول والأدمغة الجزائرية، التي ترفضها الجزائر.
     كارثة ظاهرة الهجرة غير الشرعية تصيب الأمة العربية بأكملها، لكن الدول المغاربية تجد نفسها وحيدة في مواجهة الدول الأوروبية حول هذه القضية، العواصم الأوروبية التي كانت معظم عواصمها ولا تزال مقرا للعديد من الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة للنظم السياسية العربية، وقد أثبت العرب جميعهم سوء إدارة لهذه القضية، التي تؤشّر إلى ضعف الموقف العربي المجمل تجاه القضايا التي تهمّ العرب والجاليات العربية في أوروبا. خصوصا وأنّ أعداد ضحايا الزوارق الشراعية الذين ماتوا في عرض البحر الأبيض المتوسط، والمهاجرون غير الشرعيين في الدول الأوروبية، يتجاوز الكلفة البشرية لضحايا الحروب العربية الإسرائيلية جميعها.
    الجزائر تعتبر حالة عربية نموذجا بهذا الخصوص، بلد لا يستطيع توفير ما يوفره الأوروبيون من نمط الرفاه الاجتماعيّ للشباب، لكنه يحاول أن يستخدم ورقة المهاجرين للضغط على الدول الأوروبية، لأنّ الجزائريين في الدول الأوروبية لم تسقط عنهم الجنسية الأوروبية التي تمكنهم من المساهمة في بناء الجزائر، سواء من ناحية التحويلات المالية بالعملة الصعبة إلى داخل الجزائر، أو من ناحية الاستفادة من الكفاءات المهاجرة، ما يعني أنّ الاقتصاد الجزائريّ مستفيد من الاقتصاديات الأوروبية بهذا الخصوص، وخصوصا الاقتصاد الفرنسيّ، ويجب على الفرنسيين أن يدركوا أنهم يخسرون الكثير بتراجع استثماراتهم في الجزائر، خصوصا بعد الإجراءات الحكومية الجديدة التي منعت هروب العملة الصعبة للخارج، عن طريق وقف القروض الاستهلاكية عبر منع البنوك الأجنبية من الاستمرار في تقديمها.
    محاربة الإرهاب في الساحل الإفريقي
   تمارس فرنسا سياسة مناقضة للسياسة الأمنية الجزائرية في منطقة الساحل الأفريقي، سعيا نحو حماية مواردها لليورانيوم، وهي تضغط لإفشال كافة الأدوار الجزائرية الساعية لمكافحة ظاهرة الإرهاب في منطقة الساحل من خلال الجهود الذاتية لجيوش دول المنطقة، وعدم السماح لقوات الأمريكية أفريكوم[13]، أو القوات الفرنسية بالتحكم والسيطرة على الخطة الأمنية لدول الساحل.
    وقد قامت الجزائر برفض قيام الحكومة الفرنسية بدفع فدية لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل بوساطة الحكومة المالية، لتحرير رهينة فرسي لدى التنظيم، وبذلت الجزائر جهودا دولية لتجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، وأبدت امتعاضها من بالسلوكات الفرنسية المنافية للقانون الدولي، بحجة الدواعي الانسانية.[14] كما تشتكي الجزائر من السياسات الفرنسية في دول الساحل، والتي تسعى لحماية مصادر الموارد في هذه الدول، دون الاكتراث لجهود هذه الدول لمحاصرة ظاهرة الإرهاب، وهو ما يؤكّد أنّ فرنسا ترفض التنسيق مع الدول المغاربية ودول الساحل الإفريقي باعتبارها مجموعات اقليمية، وتسعى للتفريق بينها لتحقيق مصلحتها المنفردة.


[1] -  أستاذ العلوم السياسية بجامعة "قاصدي مرباح" ورقلة، الجزائر
[2] - كان للفرنسيين دور في ذلك اللقاء، الذي أكّد أنّ الخلاف الجزائريّ المصريّ عيّنة تمثّل مدى الانقسام العربي على الثوابت، وأنّ العالم العربي ضعيف تماما أمام القوى الدولية الكبرى، بسبب تركيز عدد من الدول العربية الكبرى على ما أصبح  يطلق عليه "محور الممانعة العربي"، والجزائر تعبّر عن قربها من خيار المقاومة العربي ضدّ الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على العالم العربيّ.
[3] - حميد يس، "الخبر السياسي: محمد القورصو يقول إنّ فرنسا تشعر بالذنب إزاء الحركى والأقدام السوداء... إدانة ساركوزي للاستعمار حبّة حلوى في بطن جائع،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[4] - محمد السعيد، "الاعتذار في العلاقات الدولية: وسيلة للتقارب والمصالحة،" جريدة الشروق اليومي، الجزائر، العدد: 2950، (الاثنين 31 مايو 2010)، ص.06.
[5] - ـــ، "شدّد على ضرورة أخذ العبر من تلك الأحداث... وزير المجاهدين يؤكّد: مجازر الـ: 08 من ماي أكثر الحلقات دموية في مسيرة الكفاح،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3720، (الأحد 09 مايو 2010)، ص.04
[6] - المرجع نفسه.
[7] - ـــ، "تمسّك بمطلب الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية... عبادو يؤكد: قانون تجريم الاستعمار حق للشعب الجزائري،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3718، (الخميس 06 مايو 2010)، ص.02.
[8] - محمد سعيدي، "جدّد إدانته للحملة المسعورة التي يقودها ممجّدوا الاستعمار.. الأفلان يطالب فرنسا بالاعتراف بحقيقة الجريمة الاستعمارية،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3719، (السبت 08 مايو 2010)، ص.02.
[9] - جلال بوعاتي، ""الخبر السياسي: تركة فرنسا ثقيلة جدا وخبايا التاريخ شبح مخيف... لماذا نجحت ليبيا مع روما وفشلت الجزائر مع باريس؟،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[10] - حميد يس، مرجع سابق، ص.02.
[11] - المرجع نفسه.
[12] - محمد شراق، ""الجزائر تريد مستقلا على قاعدة الماضي وفرنسا تضغط لمستقبل بلا ماضي،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[13] - بوعلام غمراسة، "لسنا معنيين بمشروع قيادة القوات الأمريكية في الساحل الأفريقي: وزير الخارجية الجزائري ينفي وجود قواعد عسكرية لواشنطن في بلاده،" الشرق الأوسط، الرياض، في الموقع:
[14] - ـــــــ، "محمد كمال بارة: دفع الفدية من وسائل تمويل الإرهاب،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، عدد: 15072، (الثلاثاء 29 ديسمبر 2009)، ص.03.

اقرأ المزيد

الخميس، 23 سبتمبر، 2010

القاعدة في المغرب العربي : وهم أم حقيقة ؟





المغرب الموحد /المحرر السياسي
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كثر الحديث في كل أركان المعمورة عن مجوعات تتخذ من العنف والإرهاب وسيلة لتحقيق أهداف يختلط فيها الديني بالسياسي، ويجمع بين أعضائها أمران اثنان، أولهما قاسم أعظم فكري يطلق عليه البعض عـــــــنوان " السلفية الجهادية "، وثانيها مظلة متحركة تحمل عنوان " تنظيم القاعدة ".
في بداية الأمر ظن البعض أن منطقة المغرب العربي ستكون في منأى عن تداعيات هذه الظاهرة الخطيرة، بحكم خصوصياتها التاريخية والدينية والثقافية والسياسية، لكن بعد تراجع رقعة العنف في الجزائر لعدة أسباب من بينها سياسة الاحتواء التي انتهجها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي مرت بعدة مراحل وصولا إلى إصدار قانون المصالحـة الوطنية ( 2006 )، قرر الفصيل الذي يطلق على نفسه اسم ( الجماعة السلفية للدعوة والقتال ) الانضواء تحت لواء ( القاعدة )، والذي أصبح يتحرك تحت يافطة " القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ".
في هذا السياق، تعددت العمليات الإرهابية والعنيفة التي استهدفت كل دول المنطقة من موريتانيا إلى ليبيا مرورا بالمغرب والجزائر وتونس، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود رابط تنظيمي بين منفذيها. وتكفي الإشارة إلى بعض العمليات التي قامت بها هذه المجموعات، من ذلك أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء التي فاجأت الرأي العام المغربي، والهجوم على ثكنة عسكرية موريتانية ( منطقة المغيطي ) على الحدود مع الجزائر ذهب ضحيته 15 شخصا موريتانيا ( جوان 2005 )، وكان آخر هذه العمليات اختطاف ثلاث سياح إسبان وسائح إيطالي مع زوجته في شمال موريتانيا، وذلك بعد مقتل مواطن أمريكي .
كما تبنى تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي عدة عمليات خطف غربيين بمن فيهم موظفين في الوكالات الإنسانية خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2009 . كذلك أشارت بعض التقارير إلى أن تنظيم القاعدة تمكن من استقطاب عناصر صحراوية بدأت تنشط في الفترة الأخيرة في مخيمات اللاجئين بتندوف، وهو ما بدأ يثير قلق السلطات الجزائرية وحركة البوليزاريو.
هذه العمليات الخاطفة التي تتم من حين لآخر، كشفت عن حصول تحول خطير في إستراتجية هؤلاء الذين يتخذون من ( القاعدة ) ورموزها القيادية مرجعية لهم، وذلك بنقل جزء هام من مجالهم الحيوي إلى جنوب الصحراء، حيث " أصبحت الفضاءات الواسعة لمنطقة لصحراء الكبرى وساحل غربي إفريقيا، هي المناطق المفضلة لنشاط تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بعد أن تعرض لضربات موجعة في المواجهات الدامية مع الجيش الجزائري والأجهزة الأمنية " 1. إذ سرعان ما اكتشفت هذه الجماعات أن هذه المنطقة تشكو من فراغ أمني واسع، مما وفر لها إمكانيات واسعة للتحرك في مساحة جغرافية تمتد " من موريتانيا حتى منطقة دارفور بالسودان مارة بستة أقطار إفريقية هي بوركينا فاسو ومالي والنيجر والجزائر وتشاد وليبيا وصولاً إلى السودان، وتقدّر هذه المساحة الصحراوية التي توظفها تلك العصابات مسرحا لحركتها بـ 4 ملايين كيلومتر مربع "2
كما أن نشاط هذه الجماعات قد امتد في اتجاهات متعددة ، حيث نجحت في إقامة معسكرات تدريب في مالي التي أقامت بها معسكرات تدريب، وهو ما خلق حالة من التوتر الأمني تجاوزت تداعياته الأطر المحلية بدول المغرب العربي، ونقل ملف الإرهاب إلى صعيد إقليمي يشغل كل دول النصف الشمالي من القارة الإفريقية.
هذا الامتداد العملياتي والجغرافي أدى إلى ثلاث نتائج ستكون لها تداعيات خطيرة على أكثر من صعيد :
أولا : ازداد اهتمام الدول الغربية بشمال إفريقيا نظرا لأهميتها الإستراتيجية، وعلاقة ذلك بمصالحها الحيوية. وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تعتقد حسبما ورد بمجلة " ذي أمريكان سبيكتاتر " أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي " يشكل "تهديدا آنيا لأمن الولايات المتحدة وأوروبا "3
وهو ما دفعها إلى بذل مزيد الجهود لتثبيت وجودها الأمني والسياسي والعسكري في هذه المنطقة. فعلى سبيل المثال أقامت واشنطن مؤخرا معسكرات لتدريب الجيش المالي في شمال البلاد بهدف تطوير قدراته على صد عمليات إرهابية. كما عملت واشنطن ولا تزال على إقناع بعض حكومات المنطقة بالسماح لها ببناء قاعدة أو قواعد عسكرية تحت غطاء مقاومة تنظيم القاعدة وتأمين الأمن والاستقرار بالمغرب العربي، وهو الطلب الذي تكرر عديد المرات لكنه جوبه بالرفض.
كذلك الشأن بالنسبة للطرف الأوروبي، حيث ذكرت تقارير عديدة أن حكومات أوروبية تحاول إقناع السلطات الموريتانية بضرورة السماح لوجود عسكري غربي للحيلولة دون توسع القاعدة في منطقة الصحراء الكبرى. والمعلوم أن الدول الأوروبية في إطار تنفسها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية حول منطقة المغرب العربي، قد وجدت نفسها مضطرة لتعميق تعاونها مع واشنطن، بل والقبول بوجود أمني وعسكري أمريكي في منطقة شمال إفريقيا.
هذا يعني أن تنظيم القاعدة وأنصاره قد وفروا الأسباب التي من شأنها أن تغذي المزيد من التدخل الدولي في شؤون منطقة العربي.
ثانيا : أدخل تنظيم القاعدة قراءة غريبة للإسلام تختلف في أصولها وأدواتها ومفرداتها عن القراءة التي تشكلت وسادت في منطقة المغرب العربي عبر التاريخ. قراءة تحاول أن تنسف تلك العلاقة المتسامحة التي قامت بين سكان المنطقة بمختلف مكوناتهم واختلافاتهم الاجتماعية والعرقية وحتى الدينية. قراءة مبنية على تكفير المخالف، وتجريم الاختلاف، وتبرير قتل الأبرياء والمدنيين دون موجب شرعي أو قانوني.
هذه التطورات الخطيرة التي أصابت القيم الإسلامية والاجتماعية في مقتل، وجعلت من الجريمة " جهادا " ومن خطف الأجانب سلاحا للابتزاز المالي والسياسي، من شأنها أن تدفع بالضرورة نحو البحث والتساؤل عن الأسباب الفكرية والسياسية والاجتماعية التي ساعدت على تحويل منطقة المغرب العربي إلى فضاء يمكن أن يسمح بانتشار مثل هذه الأفكار والجماعات. وبالرغم من أن الحديث لا يزال محدودا في جماعات ضيقة، إلا أن عنفها، وقدرتها على التنظيم والتدريب والتمويل والتنسيق والتوسع قد جعل منها مشكلة معقدة وقابلة للتوسع.
ثالثا : لا شك في أن الإرهاب يفرض بالضرورة مواجهته بقوة رادعة تحمي الأرواح والمصالح، وتعمل على أن تشل حركة هذه الجماعات لتجعلها غير قادرة على الفعل وارتكاب مزيد من العنف. وهو ما تحاول حكومات المغرب العربي القيام به منذ أن نشأت هذه الظاهرة.
ونظرا لخطورة الظاهرة وامتداداتها فقد تعزز التعاون الأمني بين دول المنطقة التي وجدت نفسها في هذا السياق مدعوة أحيانا لتجاوز خلافاتها. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى الرسالة التي بعث بها العاهل المغربي الملك محمد السادس بتاريخ 13 جويلية 2007 إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ودعاه فيها إلى "تعزيز التعاون الثنائي بينهما" لمكافحة خطر الإرهاب في المنطقة، معتبرا أن "أمان واستقرار الجارة الجزائر التي نحرص على أن تجمعنا معها علاقات حسن الجوار الدائم، يمثلان جزءا لا يتجزأ من استقرار المغرب".
مع أهمية ذلك، إلا أن التجارب الحديثة أكدت أن السياسات الأمنية وحدها لم تكن كافية للقضاء على ظواهر العنف في المجتمعات الحديثة. فهذه الجماعات تستمد قوتها بالدرجة الأولى من المفاهيم التي تضفي عليها طابعا من القداسة الدينية، وما لم تخضع هذه المفاهيم للنقد لإثبات زيفها وكشف المغالطات التي ترتكز عليها، فإنها ستبقى تفعل فعلها في بعض الأوساط.
وإذا أدركنا بأن هذه الأوساط التي يتم استقطابها هي بالأساس أوساط شبابية، وأن جزء واسعا من الذين يتم استقطابهم يشعرون بالتهميش الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في مجتمعاتهم، أصبح من الضروري التفكير في وضع سياسات متكاملة، ترمي إلى تغيير الخطاب الموجه إلى شباب المنطقة، وتعمل على إدماجه في الدورة السياسية والاقتصادية والثقافية عبر الحوار المستمر، والتقليل من الفجوة القائمة بينه وبين الشأن العام ومختلف الفاعلين من منظمات وأحزاب سياسية ودوائر فكرية.
هذا هو الإطار العام الذي يتنزل فيه ملف العدد الجديد من " المغرب الموحد "، والذي شارك فيه عدد من خبراء المنطقة، كل من زاويته، وذلك للإجابة عن السؤال المركزي التالي
: كيف أصبحت منطقة المغرب العربي مجالا قابــــلا للاختراق من قبـــل " القاعدة " ؟.

الهوامش:
1- توفيق المديني / تحول نشاط القاعدة إلى الصحراء / العربية نت 15 ديسمبر 2009.
2- أحميدة النيفر / الإرهاب وكيمياء التصحر إضاءة لنموذج إفريقي / صحيفة العرب القطرية 24 / 12 / 2009
3- أنظر صحراء ميديا 4 / 12 / 2009

مجلة المغرب الموحد :العدد الخامس 17فيفري 2010
http://www.maghrebuni.org/n5/mag5.pdf
اقرأ المزيد

الجمعة، 10 سبتمبر، 2010

السياسة الأمريكية تجاه منطقة المغرب العربي في عهد الرئيس باراك أوباما إهمال مقصود أم إرجاء هادف؟






عصام بن الشيخ
31 يوليو 2010



تمهيد:
لم تحضى منطقة المغرب العربي بالأولوية في سياسات الرئيس باراك حسين أوباما منذ بداية عهدته الرئاسية الأولى مطلع السنة 2010، إذ سيطرت فكرة الترويج لصورة "أميركا المسالمة" وسط الشعوب العربية والإسلامية، على توجّه الرئيس أوباما، الذي قدّم الكثير من الوعود لإنهاء حالة سوء الفهم الحاصلة بين شعوب العالم الإسلاميّ والشعب الأمريكيّ، والوعد بإنهاء الاحتلال الأميركيّ للعراق وأفغانستان، وإطلاق حقيقيّ لعملية السلم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإغلاق معتقل غوانتانامو الذي يضمّ عشرات المسلمين المتهمين بالتطرّف، والسعي لتصحيح سياسات سلفه الجمهوريّ جورج والكر بوش، دون التخلّي عن المكاسب العسكرية والأمنية المحقّقة في عهد الرئيس بوش، حيث أبقى الرئيس أوباما على روبرت غايتس وزيرا للدفاع الأمريكيّ.
وبما أنّ منطقة المغرب العربي تدخل –حسب المنظور الأمريكيّ- تقع ضمن دائرة الأزمات الدولية المصدّرة لظاهرة الإرهاب، فقد استمرّ الرئيس أوباما في تكليف قائد القوات الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، بمواصلة الدور الأمريكيّ في منطقتي شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، لمكافحة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ، ومواصلة التعاون العسكريّ والأمنيّ مع جميع دول المغرب العربيّ، التي أعلن معظمها الانخراط الفعليّ في "الحرب العالمية على الإرهاب".
وبناء على ما تقدّم بالإمكان طرح التساؤلات التالية للاقتراب من تفسير الظاهرة المدروسة:
هل تملك واشنطن تصوّرا دقيقا ورؤية واضحة تجاه المنطقة المغاربية، خصوصا وأنّ البعد الأمنيّ أصبح مسيطرا على هذه الرؤية؟، وهل تخضع هذه الرؤية للمراجعة، أم أنّها دائمة وغير قابلة للتغيير؟، وهل هناك تقاطعات في الرؤية الأمريكية والأوروبية تجاه المنطقة المغاربيّة، أم أنّ هنالك اختلافات جوهرية حولها؟
هل تقوم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة المغاربية على المشروطية فقط، أم أنّها تتيح فرصا للتعاون وتطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين على قدم المساواة؟، ما هو موقف واشنطن تجاه التجربة التكاملية المغاربية؟، وهل بإمكانها لعب دور واضح في النزاع الإقليميّ حول قضية الصحراء الغربية؟
هل تدرك إدارة الرئيس أوباما التنافس الكبير القائم بين القوى الدولية الكبرى لزيادة نفوذها في المنطقة المغاربية، أم أنّ الولايات المتحدة تحضى بمصالح هامة ووضع استثنائي ومعاملة تفضيلية تجعلها تتموقع بشكل أفضل من بقية المنافسين في المنطقة المغاربية؟.
للاقتراب من الإجابة على هذه التساؤلات بالإمكان اختبار الفرضيات العلمية التالية:
الفرضية الأولى: يتوقف تحوّل وتحسّن نمط العلاقات الأمريكية مع دول المغرب العربيّ على اعتماد الحوار الدائم بشكل استراتيجيّ بين الجانبين، لتقريب وجهات النظر بينهما.
الفرضية الثانية: يعتبر فشل التجربة التكاملية المغاربية سببا مباشرا في عدم تحسن العلاقات الأمريكية المغاربية وتطوّرها، لأنّ واشنطن تدعم خيار التكتّل الإقليميّ المغاربيّ.
الفرضية الثالثة: لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تملأ وحدها الفراغ الذي تركته قوى الاستعمار القديم في المنطقة المغاربية، دون الاتفاق مع الدول الأوروبية الاستعمارية السابقة حول تقاسم النفوذ والسيطرة على موارد دولها.
الفرضية الرابعة: كلما تدهورت العلاقات الفرنسية الجزائرية، تسبّب ذلك في خلق فرص تعاون أمريكي جزائريّ أكبر، ما يجعل الدول المغاربية تتسابق للاستفادة من التواجد الأمريكيّ في المنطقة.
الفرضية الخامسة: يشكّل ازدياد النفوذ الصينيّ في دول المغرب العربي السبب الرئيس للتدخل الأمريكيّ العاجل، وزيادة التعاون الأمريكيّ المغاربيّ، في الوقت الذي عجز فيه الروس والأوروبيون في استنفار التدخّل الأمريكيّ في المنطقة المغاربية.
الفرضية السادسة: تعدّ مسألة التعاون العسكريّ والتنسيق الأمنيّ لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي فرصة للتقارب الأمريكيّ المغاربيّ، رغم أنّ مشكلة التسلح لا تزال قائمة بين الدول المغاربية، وعلى رأسها الجزائر والمغرب. ومع ذلك، لم تسح دول المنطقة بقيام قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها.
هل هناك كيان مغاربيّ موحد يسترعي الاهتمام العالميّ؟
حذّر الرئيس التونسيّ زين العابدين بن علي مما أسماه زيادة فداحة "كلفة اللاّمغرب"، وتأجيل بناء الصرح المغاربيّ، مؤكّدا أنّ الاندماج الإقليميّ حتمية تفرضها الظروف العالمية، تجعل من القطرية انتحارا مقابل التكتّل، الذي تعرفه العديد من التجمعات الجغرافية الإقليمية عبر العالم. ويتضمّن الخطاب الديماغوجيّ لغالبية النخب المغاربية الحاكمة نفس درجة الاهتمام بمصير التكتّل المغاربيّ الإقليميّ على أساسي الأخوة والجوار، غير أنّ تجسيد هذا الحلم تعرقله على أرض الواقع العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تفضح تضارب سياسات الدول المغاربية، وتؤكّد عدم تنسيق جهودها لفرض أولوية بناء سياسة مغاربية مشتركة، تجعل التجمعات الإقليمية الأخرى تنظر إليها ككتلة جغرافية حقيقية موحدة الأهداف والسياسات.
حدّد الباحث المغربيّ محمد العربي المساري أسباب تعثّر التجربة التكاملية المغاربية في ثلاثة أسباب رئيسية هي: اللاّثقة – اللاّيقين – اللاّتواصل، فهذه اللاءات الثلاث تطرح العديد من التساؤلات الصريحة داخل الكتلة المغاربية: "ظاهرة اللايقين" من جدوى المشروع المغاربيّ ومصير مؤسساته، "مسألة اللاتواصل" الذي تفرضه ظواهر غلق الحدود والخلافات الشكلية وتراجع التعاون الاقتصاديّ البينيّ، و"حقيقة اللاّثقة" التي تجعل كلّ قطر يرى أنّ ما هو نافع لجاره غير مفيد بالنسبة له.1
أما أمين عام جامعة الدول العربية السابق، السيد الشاذلي القليبي، فقد اعتبر أنّ أفكارا خاطئة متجذّرة وسط النخب المغاربية الحاكمة تحول دون بناء المغرب العربي، فالمكاشفة التاريخية تبيّن أنّ كثرة تعلّق القيادات في الدول المغاربية بأوطانها، كانت سببا في ظهور التنافس البينيّ، وتغذية الاعتقاد بأنّ انفصال وابتعاد الدول المغاربية عن بعضها البعض، يعني تحقيق مكاسب أكبر، وأنّ قيم الأخوة والجوار تحولت إلى لغة خشب وخطاب ديماغوجيّ رسميّ خادع، حوّل حقيقة المغرب العربيّ من كيان فعليّ إلى وجود لفظيّ، حيث تعلو قيم التنافس والصراع على قيم الإيثار والتشارك، وقال القليبي: "آن الأوان كي نطوّر نظرتنا إلى وظيفة الحدود بين أقطارنا، فنتخلص من ربقة مفاهيم عتيقة، مدعاة للنزاع، ومجلبة لأنواع المشاكل مع الأجوار"2.
كما اعتبر الباحث رشيد الإدريسي أنّ ظواهر خطيرة كالإرهاب والهجرة السريّة والمطالب الإثنية وعلى رأسها مطالب القومية الأمازيغية…وغيرها، تسبّبت في التشويش على فكرة الوحدة المغاربية وتعقيدها وتعميق الخلافات بين أقطارها.3
لم تنجح إذن أفكار "مغرب الحكومات" و"مغرب الشعوب"، ولا حتى "مغرب رجال الأعمال"، في إخراج هذا الكيان الإقليمي من سباته العميق، فكلّ ما تطرحه النخب في المنطقة المغاربية، لا يخرج من حلقة نقد الذات وتشخيص الأمراض، وإعلان الطموحات دون تجسيدها، والتوجه نحو مستقبل معروف النتائج سلفا، فهل يعتبر اختلاف النظم السياسيّة في الدول المغاربية هو السبب الرئيس لفشل وجمود التجربة الوحدوية المغاربية، وهل تعتبر التبعية للاقتصاد الرأسماليّ العالميّ والقوى الاقتصادية المهيمنة عبر العالم، سببا مباشرا في فشل أيّة مبادرات تكاملية بين الأقطار المغاربية.4
لكن، وبالرغم من تعثّر التجربة التكاملية المغاربية، فهي لا تزال تعتبر بالنسبة للقوى الدولية منطقة ذات أهمية استراتيجية، ما جعل الأوروبيين –على سبيل المثال لا الحصر-يفكّرون في طرح فكرة الشراكة الأورو-متوسطية لدفع الدول المغاربية المجاورة للانخراط في تجربة تنموية حديثة برعاية الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من أنّ دول أوروبا الشرقية وإسرائيل وتركيا قد لقيت دعما من الاتحاد الأوربيّ أكبر من الدول المغاربية، إلاّ أنّ ازدياد نسب المواطنين الأوروبيين من أصول مغاربية في دول الإتحاد، فرض تضاعف الاهتمام الأوروبيّ بالمنطقة المغاربية، رغم أنّ الأوروبيين قد قرّروا مفاوضة الدول المغاربية في مفاوضات الشراكة الأورو-متوسطية مسار (برشلونة 1995) كلّ دولة على حدى.5
فهل ساهمت تلك السياسة في تغيّر المنظور الأمريكيّ للمنطقة المغاربية، والتعامل مع دول المنطقة بنفس سياسة الاتحاد الأوروبيّ؟، وهل فرض التعاون الثنائيّ بين واشنطن والدول المغاربية اعتماد هذا النمط من الفصل القطريّ لدول المنطقة بشكل استراتيجيّ لتحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية على حساب المصالح الإجمالية لشعوب المنطقة؟، وهل انخرطت الدول المغاربية في ارتباطات الرأسمالية العالمية على حساب شعوبها، نتيجة لعقدها علاقات مع الأمريكيين دون إعطاء الأولوية لعلاقاتها البينية؟، وهل تتسابق الدول المغاربية لنيل رضا القوة الدولية المهيمنة، والحصول على مقام يليق بها كدولة محورية وارتكازية هامة في المنطقة –حسب المنظور الأمريكيّ-؟
تحرص واشنطن على ضمان تأمين وصول خامات الطاقة الأحفورية من النفط والغاز الطبيعي الجزائري والليبيّ لها ولحلفائها، عبر اتفاقات تعاون طويلة الأمد، واعتمدت واشنطن على تغليب الملفات ذات الطابع الاقتصاديّ على الملفات الأمنية التي حققت توافقا كبيرا مع الدول المغاربية، باستثناء، الاختلاف حول بعض القضايا التي من المفروض أن تصنّف في خانة الثوابت أو المنوعات، مثل أطروحة الصراع مع الحضارات، مشكلة الإرهاب والتطرف الدينيّ، وصول الإسلاميين للحكم… إلى غير ذلك من القضايا الشائكة، وتحدّد واشنطن عناوين عريضة تشكّل الإطار العام لبناء علاقة مستمرة ومتطورة مع الدول المغاربية: "تحرير الاقتصاد، ضمان استمرارية التعددية السياسية، دعم المؤسسات النيابية وحكم القانون، احترام حقوق الإنسان".
منطلقات الاهتمام الأمريكي بالمنطقة المغاربية
…. بين فرض المشروطية والحوار غير الاستراتيجيّ
ظهر اهتمام الإدارة الأمريكية بمنطقة المغرب العربي منذ نيل هذه الدول استقلالها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتنافس بين موسكو وواشنطن في فترة الحرب الباردة لاستمالة العواصم المغاربية لأحد المحورين الشرقيّ الشيوعيّ أو الغربيّ الرأسماليّ، وتوّجت هذه السياسة بنجاح واشنطن في استمالة كل من تونس والمغرب مقابل استعداء كلّ من ليبيا والجزائر بسبب سياساتهما التقدّمية. ثم تطوّر هذا الاهتمام بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتيّ السابق، من خلال المقترح الأمريكيّ لمشروع الشراكة مع منطقة المغرب العربي والذي أطلق عليه اسم مشروع "ايزنشتات"، المنافس للمشروع الأوروبيّ للشراكة، رغم أنّ سياسة واشنطن تجاه كلّ من الجزائر وليبيا كانت تتصف بالعدائية في إطار ما يسمى بسياسة التأديب الأمريكيّ للدول الاشتراكية السابقة.
كانت السياسة الأمريكية واضحة بعد نهاية الحرب الباردة في دعوة الدول المغاربية إلى الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، والانخراط في حركة الاقتصاد العالميّ، وركزت واشنطن على ضمان استمرار تطور العلاقات السياسية والاقتصادية مع المملكة المغربية، إلى أن توجت هذه العلاقات بتوقيع اتفاقية التجارة الحرّة بين البلدين. كما دخل الأمريكيون السوق النفطية الجزائرية منذ بداية التسعينيات وهم يدركون أنّ النظام السياسيّ الجزائريّ في مرحلة تحوّل سياسيّ واقتصاديّ هامّ، قد يفضي إلى زيادة نصيب الأمريكيين من النفط الجزائريّ، خصوصا إذا ما خضع الجزائريون للمشروطية الاقتصادية الدولية، وأفضت تلك الضغوط إلى خصخصة شركة سوناطراك البترولية الوطنية الجزائرية العملاقة، وسمحت بزيادة نصيب الأمريكيين في حقل حاسي بركين الذي يضمّ الاحتياطيّ الجزائريّ للنفط.
في حين كانت ليبيا تخضع لحصار دوليّ بسبب قضية لوكربي، والعديد من القضايا الأخرى التي استهدفت ضحايا أمريكيين، جعلت واشنطن والاتحاد الأوروبي تستثنيان نظام العقيد معمر القذافي من الشراكة الاقتصادية. أما بالنسبة تونس وموريتانيا، فقد كانت العلاقات التونسية الأمريكية جيدة، وفي تحسّن مستمرّ منذ عهد الرئيس التونسيّ الراحل الحبيب بورقيبة، الذي احتفظ لبلده بعلاقات جيدة مع العواصم الغربية، تاركا وضعا مريحا لخلفه الرئيس زين العابدين بن عليّ. في حين لم يكن نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي الطايع في موريتانيا يمتلك الكثير من الأوراق المغرية لمفاوضة الأمريكيين من أجل بناء علاقات ومصالح متطورة بين البلدين.
كانت العلاقات بين واشنطن وعواصم الدول المغاربية في فترة الرئيس السابق بيل كلينتون مرتبطة بمدى استجابة الدول المغاربية للمشروطية الأمريكية بالانخراط في السوق العالميّة، واثبات الحكومات المغاربية مدى انفتاحها السياسيّ والاقتصاديّ الذي يمكّنها من تطوير علاقاتها مع الدول الرأسمالية الغربية. ومع حلول سنة 1999 حدث تغيير هام في كلّ من الجزائر والمملكة المغربية، بمجيء الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة للحكم، واعتلاء وليّ العهد محمد السادس العرش في المملكة المغربية خلفا لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، وكانت واشنطن تضغط منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي على العواصم المغاربية بخصوص الانفتاح السياسيّ والتعددية الحزبية، لكن عدم تدخّل الأمريكيين –عكس الاتحاد الأوروبيّ- في الأزمة الجزائرية، إضافة إلى العلاقات الجيدة بين واشنطن والرباط، جعل الولايات المتحدة تحضى بثقة كبيرة لدى الإدارة الجزائرية والمغربية والتونسية أيضا، وهي أهمّ الدول التي ركّزت عليها واشنطن في تجربتها للتعاون مع دول المغرب العربيّ.
أما ليبيا، فقد استغلت المفاوضات مع واشنطن حول تقديم تعويضات لضحايا تفجيرات لوكربي واستغلالها لتحسين العلاقات الأمريكية الليبية بفضل جهود سيف الإسلام القذافي، حيث تقدّمت طرابلس بمبادرة مفاجئة بإعلانها التخلّي الطوعيّ عن برنامجها للتسلح النووي سنة 2003، توجّت بعدها العلاقات الثنائية بزيارة رسمية قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس إلى طرابلس.
قضية أخرى تتعلّق بموقف واشنطن من ظاهرة العنف الدينيّ والإسلام السياسيّ في دول المغرب العربيّ، فليس بإمكان الأمريكيين إنكار استغلالهم للجهاديين الأفغان في محاربة الخطر الشيوعيّ أثناء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان بين سنتي 1979-1989، ثم غضّ واشنطن الطرف عن ممارسات السلط السياسية في الدول المغاربية حيال منع الإسلاميين من النشاط السياسيّ والمشاركة في الانتخابات للوصول إلى الحكم، خشية سيطرة الإسلاميين على السلطة واحتفاظهم بها إلى الأبد، ومحاكاة تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية، التي تسبّبت في خسارة حليف استراتيجيّ لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، في عهد شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي.
وقد عادت مسألة مشاركة الإسلاميين في الحكم في جميع الدول المغاربية إلى الظهور من جديد، عبر ظاهرة الإسلام السياسيّ الحركيّ، التي أفضت إلى مشاركتهم في الحكم في الجزائر ووصولهم إلى البرلمان في المغرب، وتأثيرهم الخطير على الجماهير في موريتانيا خصوصا بعد إعلان نظام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع تطبيع العلاقات مع تل أبيب وفتح سفارة إسرائيلية بنواكشوط، إضافة إلى منعهم النهائيّ في كلّ من تونس وليبيا.
وشكّلت ظاهرة الإرهاب –الإسلام السياسيّ الثالث- أحد أهمّ التهديدات الخطيرة على المصالح الأمريكية في منطقة المغرب العربي والساحل الأفريقي أيضا، خصوصا بعد ثبوت انخراط العديد من المقاتلين الإسلاميين من جميع الدول المغاربية في ما يسمى: "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ"، الذي أعلن عن ظهوره سنة 2007 بع تحول "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" في الجزائر إلى هذا التنظيم الإقليميّ ذو الارتباطات العالمية. وتسيطر هذه التهديدات الخطيرة على تفكير النخب الأمريكية في واشنطن، التي تخشى استخدام تنظيم القاعدة للعنف المسلح ضدّ المصالح الأمريكية في المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل الأفريقي أيضا.

صورة المغرب العربي لدى النخب الأمريكية
… تقدير سيء أم إدراك واقعيّ صحيح؟
لازالت إدارة الرئيس باراك أوباما تعمل الخبرة الطويلة للإدارات السابقة في تحديد نمط السياسات الموجّهة نحو منطقة المغرب العربي، وربما تعتبر الإدارات الديمقراطية السابقة أكثر الإدارات التي فكّرت في بناء علاقات متطورة مع الدول المغاربية، غير أنّ سياسات الإدارات الجمهورية أثبتت قدرة أكبر على تنفيذ ما توصلت إليه النخب الأمريكية من أساليب لزيادة نفوذها والحفاظ على مصالحها في هذه الدول. فإذا كانت واشنطن تخشى من تأثير تنامي موجة اليسار في باحتها الخلفية في دول أمريكا اللاتينية، فهي تخشى من تنامي اليمين في الدول العربية والإسلامية، مع ذلك، يظلّ خطر صعود الأحزاب الإسلامية للحكم في الدول المغاربية، أقلّ خطورة على المصالح الأمريكية من تحركات الإسلاميين في منطقة الشرق الأوسط.
أولا: رؤية هنري كيسنجر القديمة… تصوّر استراتيجيّ دائم
تخضع التصوّرات الأمريكية لمنطقة المغرب العربيّ بشكل مرجعيّ لرؤية وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، الذي وضع تقسيما ادريا لمناطق العالم، ألحق بموجبه المنطقة المغاربية لمنطقة الشرق الأوسط، وبقيت على إثره نفس درجة الاهتمام بمنطقة المغرب العربي سارية المفعول إلى عهد الرئيس الحاليّ باراك حسين أوباما6. ويتأكد هذا التقسيم من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقدّمت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس في إطار سياسة الرئيس الأسبق جورج والكر بوش لفرض الإصلاح السياسيّ على دول العالم الإسلاميّ، حيث شملت تلك الخطة دول شمال أفريقيا، والتي لم تجد مهربا من الانخراط الفعليّ في الحرب العالمية على الإرهاب، من أجل كسب ودّ الإدارة الأمريكية، واستغلال التعاون الأمنيّ لتحسين مستوى العلاقات مع واشنطن.
إلحاق منطقة المغرب العربيّ بمنطقة الشرق الأوسط يهدف بالأساس إلى جعل التحولات السياسية والإستراتيجية الحادثة في منطقة الشرق الأوسط سببا مباشرا في التأثير على المنطقة المغاربية، التي تشترك في الكثير من خصائصها السوسيولوجية والدينية مع الدول العربية الشرق أوسطية، حيث تتأثر الشعوب المغاربية بالسياسات الأمريكية حيال فلسطين المحتلة من جهة، والحرب الأمريكية على الإرهاب والتي أفضت إلى احتلال كلّ من العراق وأفغانستان من جهة ثانية، لذلك قام الرئيس جورج والكر بوش بتوجيه رسالة ضرورة الإصلاح إلى الدول المغاربية أيضا، ويسعى خلفه الرئيس براك حسين أوباما إلى تبييض صورة أميركا مع دول العالم الإسلاميّ، وإعادة صورة أميركا المسالمة عبر استرجاع القوة الأمريكيّة الناعمة، التي تجعل الدول الإسلامية مقتنعة بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأولى والأقوى في العالم، وأنها تستحق هذه المكانة العالمية عن جدارة كما قال زبيغينيو بريزنسكي. بمعنى تقديم توصيف يليق بها من قبل هذه الدول، بما يجعلها ترتدع عن مواجهة أميركا من جهة، وتسلّم بأنّها تقبل الأوامر الأمريكية وأنّها غير قادرة على التأثير في سياسات واشنطن من جهة أخرى.
ثانيا: الفائدة العسكرية والأمنية من التعاون مع الدول المغربية
اقتراب منطقة المغرب العربيّ من أوروبا وامتلاكها موقعا استراتيجيا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط جعل المنطقة محلّ تنافس دوليّ وعالميّ كبير للسيطرة على موارد هذه الدول، التي تعتبر من جهة أخرى بوابة على القارة الأفريقية الغنية بالموارد، ومعبرا هاما لهذه الموارد التي تحتاجها الدول الصناعية الكبرى، وبما أنّ الحفاظ على المصالح الأمريكية يستوجب منع القوى الدولية المنافسة وعلى رأسها الصين وروسيا وبدرجة أقلّ الاتحاد الأوروبيّ، فقد دخلت موارد الدول المغاربية ضمن دائرة النفوذ الأمريكيّ، التي تستوجب تواجدا أمريكيا كبيرا لحمايتها والمحافظة عليها، ويظهر ذلك خصوصا في لقاء الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة مع الرئيس جورج والكر بوش في واشنطن، حيث لم يثر الرئيس بوش مطلقا الملفات الداخلية الأمنية أما الرئيس الجزائريّ، وفضّل التحادث حول الملفات الاقتصادية، حيث تتحدّد السياسة الأمريكية تجاه الجزائر في مجالس الأمن القوميّ باعتبارها من صلاحيات مجالس إدارات الشركات الأمريكية، ويأتي ذلك بعد أن زاد التعاون الجزائريّ الأمريكيّ في مكافحة الإرهاب من تحسين صورة الجزائر من المنظور الأمريكي والأوروبي أيضا.
كما يجني حلف "الناتو" شمال الأطلسيّ فائدة ثمينة من التعاون العسكريّ و الأمنيّ من قبل حكومات الدول المغاربية، التي ساهمت بشكل كبير في محاصرة الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة، وذلك عبر التطوير المستمرّ لآليات التنسيق الأمنيّ واللوجستيّ، التي تدعّمت من خلال المناورات العسكرية المتكررة لقوات هذه الدول، وأهمها مناورات "أكتيف أنديفر" سنتي 2004 و2005، والتي أكّدت أهمية ودور التشارك الأمنيّ والعسكريّ مع قوات هذه الدول في تقريب الصورة الأمريكية عنها بأنها غير موجهة ضدّ الإرادة الأمريكية في العالم.
أشكال التعاون الأمريكيّ مع الدول المغاربية
يقسّم التعاون الأمريكي مع دول منطقة المغرب العربي إلى ثلاثة مستويات هامة، يمكن تصنيفها كما يلي:
أولا: التعاون الطاقوي:
يرى الباحث الجزائريّ الدكتور سالم برقوق أنّ التعاون الطاقويّ مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تعزّز بمجيء الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة للحكم سنة 1999، وبعد تخلي ليبيا عن برنامجها للتسلح النووي سنة 2003، وتسوية الخلاف حول قضية لوكاربي، واعتبر برقوق أنّ الأمن الطاقوي الأمريكيّ يستند إلى "مبدأ كارتر" حول جعل الطاقة كإحدى أهم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا، قبل أن يرتبط بالأمن الأمريكيّ الشامل.
وكانت واشنطن تأمل في انفتاح جزائريّ وليبيّ كليّ في مجال الطاقة الأحفورية لزيادة نفوذها نتيجة التنافس الدوليّ على ثروات البلدين خصوصا الصين والاتحاد الأوروبيّ، غير أنّ الجزائر شهدت سنة 2005 تراجعا عن المشروع الذي تقدّم به وزير الطاقة والمناجم الجزائري الذي أنهيت مهامه في التعديل الوزاريّ الأخير، وكان ينوي من خلاله خصخصة شركة سوناطراك البترولية الجزائرية وفتح السوق النفطية أمام التنافس الدوليّ الحرّ، كما يمنع النظام السياسيّ الليبيّ الذي يمزج بين السياستين الاقتصادية الاشتراكية على الصعيد الشعبيّ والرأسمالية العالمية على الصعيد العالميّ، من زيادة النفوذ الاقتصاديّ الأمريكيّ في المجال الطاقويّ، أكثر مما هو متاح الآن من استثمارات بحسب ما تقتضيه القوانين الليبية والجزائرية للاستثمار.
ثانيا: التعاون في إطار الحرب العالمية على الإرهاب
يعتبر التعاون في مكافحة الإرهاب نقطة اتفاق شديدة الأهمية من المنظار الأمريكيّ لقياس درجة تعاون الدول المغاربية مع واشنطن، التي تدرك أنّ تكامل أدوار الدول في مكافحة الإرهاب يساهم في تحقيق أهداف السياسية الأمنية للولايات المتحدة من خلال تقاسم المهام وتشارك الأدوار مع الدول المغاربية. وهنا يرى الباحث الجزائري سالم برقوق أنّ التعاون الجزائريّ في مكافحة الإرهاب –على سبيل المثال لا الحصر-، عمل على تحسين صورة الجزائر من المنظور الأمريكي والأوروبي7. ويعتبر التعاون الأمنيّ والعسكريّ أحد أهمّ نقاط التوافق بين الدول المغاربية وحلف الناتو NATO، لكن دون نقطة خلافية وحيدة، تتعلق بأهداف الحلف من دعوة إسرائيل للمشاركة في المناورات العسكرية في البحر المتوسط، رغم إدراك واشنطن والاتحاد الأوروبي لهواجس الدول المغاربية حيال هذه المشاركة. إضافة إلى مسألة تراجع الجزائر عن المشاركة في أسطول حلف الناتو "أكتيف أنديفر" على اثر اعتراض البحرية الإسرائيلية سفينة جزائرية متوجهة إلى سوريا، حيث هدّدت الجزائر بتخفيض سقف تعاونها وتبادل المعلومات مع الحلف، وذلك لاعتقادها بأنها نالت الضوء الأخضر من الحلف لمراقبة الملاحة البحرية، غرب المتوسط.
ويمكن ملاحظة نجاح التعاون العسكريّ الأمريكيّ المغاربيّ بدرجة أكبر من التعاون مع الاتحاد الأوروبيّ، ويعود ذلك لاختلاف المنظورين الأمريكيّ والأوروبيّ للتعاون العسكريّ والأمنيّ مع الدول المغاربية، حيث يحتفظ الأوروبيون بدور الإشراف، ويمنح الأمريكيون الفرصة للتشارك والتنسيق والتعاون الأمنيّ بشكل أفضل مع الدول المغاربية، ويعود ذلك لدرجة التفاهمات المتوصل إليها بين الجانبين8. ومع ذلك، تظل هذه التفاهمات بعيدة عن سماح الدول المغاربية باستضافة قواعد عسكرية على أراضيها، ولو كانت قيادة القوات العسكرية أفريكوم AFRICOM، وكانت الجزائر آخر دولة مغاربية أعلن فيها قائد قوات أفريوكم الجنرال وليام وارد أنّ بلاده لا تسعى لإقامة قواعد عسكرية في الجزائر، أو في أيّ من دول الساحل، وليس لها أية نوايا و مخططات لتحويل مقر "أفريكوم" إلى إفريقيا".
كما ظهرت في الآونة الأخيرة مسألة خلافية أخرى مع واشنطن، تتعلق إدراج الرعايا الليبيين والجزائريين من الدول التي تحمل مخاطر على المطارات الأمريكية، وتخضع لإجراءات مشددة من الرقابة في المطارات الأمريكية والأوروبية، فدفعت هذه السياسية الأمنية بالإدارة الجزائرية والليبية إلى الاحتجاج رسميّا لدى واشنطن والاتحاد الأوروبيّ في بروكسل بسبب هذه الإجراءات، والتوعّد بالمعاملة بالمثل، سعيا من الجزائر وطرابلس للدفاع عن صورتهما كبلدين يمتلكان مطارات من أأمن المطارات العالمية حسبما تؤكّده الإحصاءات الغربية لأمن المطارات الدولية نفسها.
ثالثا: التعاون الاقتصاديّ والتجاريّ مع الأقطار الخمس للاتحاد
ويتمثّل في تطوير التعاون الاقتصادي والتجاريّ بناء على ما تمّ توقيعه من اتفاقات اقتصادية وتجارية بين الجانبين، الذي وصل إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين أميركا والمملكة المغربية، والشراكة التجارية مع تونس والجزائر، والتعاون الطاقويّ والتجاريّ مع ليبيا. غير أنّ الميزان التجاريّ ظلّ يميل وباستمرار لصالح الأمريكيين، نتيجة اللاتوازن الذي كرّسه الفارق الكبير بين أسعار المواد الأولية القادمة من دول المنطقة، مقابل الأسعار الباهظة للمواد الأمريكية المصنعة.
أهم المسائل الخلافية بين الجانبين
هناك مسائل خلافية عديدة بين دول المغرب العربي والولايات المتحدة الأمريكية، وهي تتراوح بين الخلافات الحادة المتعلقة بثوابت هذه الدول، وأخرى سطحية تتعلق بقضايا هامشية لكنّ كلّ طرف يسعى لضمانها على حساب الآخر، أخرى تسبّبت في خلقها الخلافات المغاربية-المغاربية في حدّ ذاتها،ما خلق فرصا للتدخّل الأمريكيّ في شؤون دول المنطقة:
أولا: تشويه صورة الدين الإسلاميّ الحنيف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من قبل جهات غربية متطرّفة تقوم بالترويج لأطروحة "صراع الحضارات"، ومحاولة الخلط بين المقاومة والإرهاب لتبرير الاحتلال الأمريكيّ للعراق،
ثانيا: اتخاذ مسألة محاربة الإرهاب حجة للضغط على الحكومات عبر فرض الإصلاح السياسيّ عليها، خصوصا وأنّ المنطقة المغاربية كانت مشمولة ضمن خطة الشرق الأوسط الكبير للإصلاح الأمريكيّ المفروض على دول العالم الإسلاميّ.
ثالثا: قضية الصحراء الغربية، والقضية الفلسطينية، وقضية العراق المحتلّ، ولولا ضعف الجامعة العربية من جهة، وضعف مكانة الدول المغاربية في الجامعة العربية من جهة أخرى، لأمكن لهذه الدول أن تحصّل المزيد من محدّدات القوة والأدوات لضغط على واشنطن، لاتخاذ موقف حاسم حول هذه القضايا الحساسة، دون السماح بالمتاجرة السياسية بها على أساس المعايير الثنائية، فبخصوص قضية الصحراء الغربية الموقف الأمريكيّ يتصف بالغموض وعدم الثبات، مثلما هو حال الانقسام الأوروبيّ وسياسة المحاور التي ساهمت في تعميق الخلاف الجزائريّ المغربيّ، بدور فرنسيّ اسبانيّ يساهم في تأجيل الحلّ وتعميق الخلاف.
رابعا: إدراج الجزائر وليبيا ضمن القائمة السوداء للدول التي تتضمن خطرا إرهابيا على المطارات الأمريكية، والتي وجب إخضاعها لإجراءات تفتيش خاصة، وهو ما أثار امتعاض البلدين اللذين ردّا بحزم مع هذه الإجراءات، بعد أنّ تأكد أنّ المطارات الجزائرية والليبية أكثر أمانا من المطارات الغربية، لذلك احتجت كلّ من ليبيا والجزائر لدى البرلمان الأوربي والكونغرس الأمريكي حول هذه السياسية، وضغطت عن طريق تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، ولم تجد حرجا في المطالبة بإلغائها عن طريق الضغط على واشنطن من خلال مصالحها الاقتصادية9، وقد توضّح الأمر حين اعتذرت الخارجية الأمريكية عن تصريحات الناطق الرسميّ باسم الوزارة الذي سخر فيه من دعوة العقيد القذافي المسلمين إلى الجهد ضدّ سويسرا بسبب قضية المآذن، وبدا أنّ واشنطن غير مستعدّة للتضحية بمصالحها النفطية في ليبيا والجزائر، وقد أثبتت قدرة كبيرة على التكيف مع سياسات البلدين.
خامسا: مسائل حقوق الإنسان: حيث تطالب الدول المغاربية بإطلاق سراح السجناء من أصول مغاربية في سجن غوانتانامو، واحترام حقوق المسلمين من أصول مغاربية في أميركا. لكن في المقابل، تمارس واشنطن ضغوطا متزايدة حيال المطالبة باحترام حقوق الإنسان في الدول المغاربية، ووقف الخروقات المسجلة عليها، كما تبيّن التقارير الأمريكية والدولية، التي توفر لواشنطن ورقة ضغط إضافية على هذه الدول. وكانت الجزائر قد رفضت قبول زيارة السيدة هيلاري كلينتون عضوة الكونغرس الأمريكيّ لعائلات المفقودين جرّاء الأزمة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي، وفي المقابل سمح المغرب بزيارة السيدة كلينتون للمغرب. لكنّ الجزائر استطاعت أن تقطع أشواطا هامة بخصوص استرجاع السلم المدنيّ بفضل سياسة الرئيس بوتفليقة ومبادراته للوئام المدني سنة 2000 والمصالحة الوطنية سنة 2005، في انتظار إطلاقه لمبادرة جديدة لعفو الشامل10. في حين كان التركيز على دفع ليبيا التعويضات الماضية لضحايا قضية لوكربي، كأهمّ قضية تفصل في مسار بناء العلاقات الأمريكية الليبية، وتقتصر الانتقادات الموجهة لتونس وموريتانيا على ما تتضمنه التقارير الدولية من انتقادات لنظامي البلدين.
سادسا: أسرار البرامج النووية لكلّ من الجزائر وليبيا، سواء كانت تسلحية أو غير تسلحية، فبالنسبة للبرنامج النووي الجزائري، فقد شيّدت الجزائر مفاعلين نوويين للأغراض السلمية بدرارية وعين وسارة بالاتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنّ الأمريكيين يروّجون لمخاوف دولية من استيلاء تنظيم القاعدة على هذه المفاعلات، وتستخدم واشنطن هذه الحجة للضغط على الجزائر لتشديد إجراءات أمانها ضدّ تنظيم القاعدة حيال المفاعلين النوويين. وقد رافعت الجزائر في المنابر الدولية وآخرها قمة واشنطن النووية بدعوة من الرئيس باراك أوباما، لجعل امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية "مسألة سيادية"، معتبرة أنّ لكلّ الدول الحرية والاستقلالية في تطوير قدراتها النووية السلمية دون العودة إلى استشارة أيّ طرف دوليّ11، كما يثير غموض الدور الجزائريّ حيال البرنامج النووي الإيرانيّ تحفّظ واشنطن، التي لمست اقتراب الموقف الجزائريّ من الموقف الإيرانيّ.
أمّا ليبيا، فقد أظهرت تعاونا فاجأ العالم بأسره عند تخليها عن برنامج التسلح النووي بعد الاحتلال الأمريكيّ للعراق، وساعد تراجع العقيد الليبيّ عن برنامج ليبيا للتسلح النووي في كشف شبكة دولية إسلامية لبيع التكنولوجيا النووية للدول الإسلامية بقيادة العالم النووي الباكستانيّ عبد القدير خان، وأعتبر ذلك نصرا دبلوماسيّا مجانيّا جعل الرئيس جورج والكر بوش يستخدمه للترويج لحملته الانتخابيّة للفوز بعهدة رئاسية ثانية سنة 2004. مع ذلك، لا يمكن إنكار قدرة القيادة الليبية في تفادي الاختلاف مع واشنطن، ونجاحها في التفاوض مع العواصم الغربية، لتصفية الملفات العالقة مع طرابلس، التي أثبتت قدرة كبيرة في استخدام الريع النفطيّ بالبترودولار، لإغراء العواصم الغربية بمنحها امتيازات اقتصادية في ليبيا.
أما مخاوف واشنطن من تحوّلات الساحة الداخلية في الدول المغاربية فتكمن في:
أولا: الخشية من أن يؤدّي ضعف الأداء الديمقراطي في هذه الدول إلى حدوث تقلبات سياسية، قد تنتج نظما سياسية متطرفة بقيادة متشدّدين إسلاميين.
ثانيا: الخشية من تقلبات أسعار الطاقة وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكيّ، فرغم طرح مسألة البحث عن البديل الطاقويّ، غير أنّ واشنطن غير مستعدة بعد للتخلي عن النفط القادم من دول المغرب العربي.
ثالثا: ضعف التنشئة السياسية وعدم ترسيخ روح المواطنة العصرية، فالمطالب الأمازيغية في الجزائر والمغرب، وازدياد نسب الفقر وتهميش الأفراد خصوصا فئة الشباب، كلها أسباب تهدّد بحدوث انفجاريات اجتماعية في البلدين قد تؤدّي إلى الإضرار بالمصالح الأمريكية فيهما.
رابعا: الخشية من أن يؤدّي استمرار الخلافات المغاربية-المغاربية إلى ازدياد نشاط الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات وجماعات تهريب البشر وخلايا الهجرة السريّة…، التي قد تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة أيضا.
خامسا: الخشية من حرب بين الجزائر والمغرب حول تعثّر تسوية قضية الصحراء الغربية، حيث لا تزال حركة البوليزاريو تضع في عين الاعتبار الخيار العسكريّ لدعم حقّها في تقرير المصير.
المطلوب أمريكيا من الدول المغاربية هو:
1- إرساء الديمقراطية المشاركاتية والحكم الراشد، واحترام حقوق الإنسان.
2- وضع آليات استباقية للتعامل مع الأزمات السياسية والاجتماعية، لتفادي تنامي الظواهر المهدّدة لأمن هذه الدول والمهدّدة للمصالح الأمريكية أيضا، ومكافحة الجريمة المنظمة وظواهر الإرهاب والهجرة السريّة.
3- وضع استراتيجيات وطنية لترقية المواطنة العصرية عبر التنشئة السياسية التي تستند إلى طرق حداثية في التلقين للقيم المواطنية، وتجنب الانقسام الاجتماعي، وعدم التواصل بين السلطة والأفراد.
4- تجنّب أية حروب بسبب القضية الصحراوية، وضرورة دفع مسار الاندماج المغاربي إلى التجسيد الفعليّ.
إدارة الرئيس أوباما والمنطقة المغاربية
إهمال تمليه الضرورات العسكريّة
اعتبر الباحث الأمريكيّ ادوارد موتيمر من جامعة "هاذر فورد" الأمريكية أنّه لا توجد ملامح واضحة عن سياسة الرئيس أوباما تجاه المنطقة المغاربية، كما أنّ إدارة الرئيس أوباما لا تعتبر منطقة المغرب العربي ضمن دائرة إفريقيا من الناحية الجيو- إستراتيجية، رغم أنّ هذه الدول تقع ضمن دائرة دول شمال إفريقيا. وقد انطلقت سياسة الرئيس أوباما من اعتبار منطقة المغرب العربي –بالمفهوم الجغرافي- مرآة لمنطقة الشرق الأوسط، لذلك فهي لا تحبّذ الفصل بين المشرق العربي والمغرب العربي. 12
كما أكّد مورتيمر أنّ أساس ومرجعية المنظور الأمريكيّ لمنطقة المغرب العربي يعود لرؤية وزير الخارجية الأمريكيّ الأسبق هنري كيسنجر، الذي قام بإلحاق المنطقة المغاربية لمنطقة الشرق الأوسط، ويرى مورتيمر أنّ هنالك خللا في اختيار المسؤولين عن صياغة السياسة الخارجية الخاصة بمنطقة المغرب العربي، لأنّ تعيين الدبلوماسيّ جفري فرانوان –السفير السابق لدى لبنان- من قبل الرئيس أوباما، مسؤولا عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان الهدف منه هو بعث حوار مع سوريا الأسد، وتسبّب ذلك في مزيد من الإهمال للمنطقة المغاربية، إضافة إلى أنّ فرانوان لا يعرف منطقة المغرب العربي، على عكس الخبير روبرت مالي الذي شغل منصب مستشار لدى الرئيس السابق بيل كلينتون، وهو على دراية كبيرة بالمنطقة المغاربية ومتطلباتها.13
يرى ادوارد مورتيمر أنّ ورؤية واشنطن غير مكتملة عن المنطقة المغاربية، معتبرا أنّه من غير المعقول أن يظلّ تقسيم كيسنجر معتمدا إلى يومنا هذا بخصوص هذه المنطقة، ويرى مورتيمر أنّ التقصير الذي تتعمده إدارة الرئيس أوباما تجاه منطقة المغرب العربي سببه انشغالها بتسوية قضية الاحتلال الأمريكيّ للعراق وأفغانستان. لكن ما الذي يجعل إدارة الرئيس أوباما لا تتقدّم بمواقف واضحة حيال الانقلابات في موريتانيا مثلا؟، ولماذا لم تتقدّم إدارة الرئيس أوباما بموقف واضح حيال قضية الصحراء الغربية، وما الذي يبرّر تردّدها في قبول الموقف الأممي حول تقرير المصير في الصحراء الغربية،أو حتى إبداء موقف محدّد حيال الاقتراح المغربيّ بمنح الحكم الذاتي للصحراويين؟، هل بالإمكان اعتبار الغياب الأمريكيّ عن متابعة قضايا المنطقة بأنّه تراجع في الدور الأمريكيّ المهيمن، والمسيطر في العديد من الدوائر الإقليمية الدولية؟، أم أنّه يؤشّر إلى توصيف واضح بنفوذ الاتحاد الأوروبيّ على المنطقة المغاربية مقابل النفوذ الأمريكيّ المحدود، بحكم العلاقات التاريخية بين الجانبين، وعلاقة الجوار بينهما أيضا؟.
شهدت إدارة الرئيس أوباما حسب الباحث الأمريكيّ ادوارد مورتيمر -ولأول مرّة- طرح فكرة إيجاد طاقة بديلة في خليج المكسيك وآلاسكا، قد تدفع واشنطن إلى الاستغناء عن النفط الجزائري والليبي، وهو ما قد يتسبب في تدهور علاقات البلدين مع واشنطن، ناهيك عن تأثير مثل هذا القرار على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذين البلدين جراء تراجع صادراتها للنفط. لكن الأزمة المالية العالمية نسفت أسس هذه الخطة الجريئة، حيث يدرك الخبراء استعداد القوى الدولية الكبرى لملأ الفراغ الأمريكيّ في المنطقة في حال تخلّي الأمريكيين عن الاستثمار فيها.
موقف واشنطن من تسلّح الدول المغاربية
… تساؤلات طبيعية أم تدخّل غير مشروع؟
تتسابق الدول المغاربية لعقد صفقات ببلايين الدولارات لدعم قدراتها العسكرية وزيادة ترسانتها الحربية، ويثير هذا الطموح "السياديّ" توجّس الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبيّ، لأنّ الدول المغاربية تمتلك جيوشا عسكرية كلاسيكية قوية وتعاني من ظاهرة انتشار العنف الإسلاميّ المسلح، خصوصا التهديدات العلنيّة التي لا يخفيها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ ضدّ المصالح الغربية، لذلك تحتاج واشنطن إلى قراءة صحيحة للعقيدة العسكرية للدول المغاربية، التي انخرط معظمها في اتفاقات تعاون وتنسيق عسكريّ ثنائيّ ومتعدّد الأطراف مع حلف الناتو NATO، أو مع دول الاتحاد الأوروبيّ، وتثير هذه الاتفاقات مسألة تبادل المعلومات العسكرية السرّية الحساسة عن الدول المغاربية، مقابل تكتّم حلف الناتو عن قدرات إسرائيل العسكرية، التي شاركت في العديد من المناورات العسكرية في إطار مكافحة الإرهاب في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
يحقّ للدول المغاربية أن تتسلح لضمان سلامة سيادتها الإقليمية، غير أنّه لا يمكن إنكار حالة "عدم الثقة" بين الدول المغاربية نفسها، حيال صفقات التسلّح، التي أفضت إلى ظاهرة التسابق نحو التسلّح بين أقطار المنطقة المغاربية.
فبالنسبة للجزائر، كانت مسألة التسلّح بمثابة مشكلة حقيقية تهدّد سيادة البلد، الذي عانى من حصار دوليّ كبير في تسعينيات القرن الماضي، بسبب أزمته الداخليّة الأمنية المعقّدة، ما دعا الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة وزير الدفاع الوطنيّ، إلى سنّ مبدأ " تنويع وتعديد مصادر التسلّح" لحلّ مشكلة امتناع الدول الغربية عن بيع الأسلحة للجزائر، فالجزائر مستعدّة لشراء السلاح - بكلّ شفافية وبطريقة شرعية- من أيّة دولة تتقدّم بفرص بيع هذه السلع حسبما تقتضيه قوانين التجارة الدولية، ولم تجد الجزائر تعاونا في تسعينيات القرن الماضي من قبل باريس وواشنطن –عكس ما حدث مع بعض الدول المجاورة- لشراء أسلحة تساعدها على إنجاح خططها الأمنية في محاصرة ظاهرة الإرهاب والعنف لإنهاء الفتنة الداخلية المعقّدة.
كما تقدّم الرئيس الجزائريّ على الصعيد الداخليّ "بخطة تحديث تهدف إلى تحقيق طموح إنشاء جيش احترافيّ"، وسعت إلى اقتناء طائرات حربية روسية في إطار اتفاق ثنائيّ مع موسكو توّجت بدفع ديون جزائرية لروسيا، مقابل شراء طائرات عسكرية روسية حديثة، لكنّ الرئيس بوتفليقة كان حازما في رفض إتمام الصفقة، حين تبيّن له أنّ الطائرات الحربية التي استلمتها الجزائر لا تحمل المواصفات المتفق عليها بين الجانبين، وكانت زيارة الرئيس بوتفليقة إلى موسكو للتحادث حول مصير الصفقة بعد إخلال موسكو بالاتفاق، وردّ الرئيس الروسيّ الأسبق فلاديمير بوتين، بقبول استرجاع الطائرات وإصلاح الخلل، تفاديا لأية أزمة مع الجزائر.
وعلى إثر عقدها صفقات كبرى للتسلح، قام الرئيس الجزائريّ بإعلان منع الاستعراضات العسكرية بمناسبة ذكرى الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر من كلّ عام، لإرسال رسائل بأنّ الجزائر لا تريد تهديد سيادة أيّ من جيرانها بأسلحتها العسكرية والحربية، بل تريد حماية حدودها وسيادتها الإقليمية، وضبط جبهتها الداخلية الضاغطة من جهة ثانية، خصوصا وأنّ الجزائر تتمتع بمساحة جغرافية تتجاوز المليوني متر مربع، وتتضمن العديد من مناطق التوتّر خصوصا في منطقة الأقليات، كمنطقة القبائل شمالا و منطقة الطوارق جنوبا.
وتوظّف الجزائر قدراتها العسكرية والمالية في قيادة دول الساحل الإفريقي لمكافحة تهديدات تنظيم القاعدة في منطقة الساحل، والتواجد بقوة في المنطقة التي تشهد حربا خفية بين القوى الدولية الكبرى على منابع النفط واليورانيوم، وتعرف تواجدا فرنسيا وأمريكيا مقلقا في إطار تعاون البلدين الثنائيّ مع حكومات دول الساحل.14
وتؤكّد الجزائر من جهة أخرى أنّها لا تتدخل بأيّ شكل من أشكال الدعم العسكريّ في قضية الصحراء الغربية، لكون جبهة البوليساريو المعنيّ الوحيد بهذه المسألة.
كما قامت ليبيا باستغلال عودتها القوية للساحة الدولية بعد تسوية كافة القضايا العالقة بينها وبين الدول الغربية، وهي تشارك بقوة في مكافحة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ، خصوصا بعد أن تأكّد أمن ليبيا الداخليّ الذي يسعى العقيد الليبيّ إلى ضمان استمراره، عبر استخدام الريع النفطيّ لليبيا لشراء أسلحة تضمن عصرنة الجيش الليبيّ، واستمرار أدائه لمهامه الاعتيادية في حماية سامة الأقاليم الليبية من التهديدات الأمنية، خصوصا بعد أن تأكّد تورّط بعض العناصر الليبية في الانضمام لتنظيم القاعدة، ما استدعى إطلاق حملة مراجعات رسمية مع المتشدّدين السلفيين لثنيهم عن أفكارهم العنفيّة المتطرفة.
بالنسبة للملكة المغربية، فيعتبر الجيش الملكيّ الوحيد الذي يمتلك طائرات عسكرية أمريكية من نوع أف 16 في المنطقة، كما شهد التعاون العسكريّ المغربيّ الفرنسيّ تطورا كبيرا، أدى إلى زيادة السباق نحو التسلح مع الدول المجاورة.

استخلاصات
تقدّم الرئيس أوباما بالكثير من الوعود لإنهاء حالة سوء الفهم الحاصلة بين شعوب العالم الإسلاميّ والشعب الأمريكيّ، وهو في طريقه لتنفيذ وعده بإنهاء الاحتلال الأميركيّ للعراق، وتفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط، رغم أنّه لم ينجح بعد في إغلاق معتقل غوانتانامو الذي يضمّ بين جدرانه عشرات المسلمين المتهمين بالتطرّف. وتفرض هذه الانشغالات نفسها على الرئيس أوباما بطريقة تجعله يحيل منطقة المغرب العربيّ على الإهمال الذي تفرضه الظروف العسكرية الضاغطة.
توصلت الدراسة إلى أنّ واشنطن لا تقدّم توصيفا دقيقا ورؤية واضحة تجاه الدول المغاربية، خصوصا وأنّ البعد الأمنيّ أصبح مسيطرا على هذه الرؤية، ويعود سوء تقدير السياسات تجاه المنطقة المغاربية إلى رؤية هنري كيسنجر تجاه المنطقة، والتي سيطرت على المنظور الأميركيّ، الذي يراعي تماما بناء العلاقات بين الاتحاد الأوروبيّ والمنطقة المغاربية، ويسعى لمنافسة القوى الدولية المنافسة في هذه المنطقة التي تضم أكثر من 80 مليون مستهلك، وتعدّ سوقا دوليّة هامة، تتمتع بقدرات مالية ضخمة، خصوصا في ليبيا والجزائر.
يعود غياب الدور الأمريكيّ في قضيتي الانقلابات العسكرية في موريتانيا وقضية الصحراء الغربي، إلى خضوع القضية الأولى إلى تنامي دور الاتحاد الإفريقي الذي يراقب مدى "حكامة ورشادة النظم السياسية في المنطقة"، تطبيقا للائحة رقم 107، التي ترفض أيّة تحولات راديكالية قد تؤدّي إلى انهيار نظم سياسية شرعية منتخبة. في حين ينبع التردّد الأمريكيّ حيال تقديم رأين هائيّ حول قضية الصحراء الغربية، من تضارب مواقف النخب الأمريكية من القضية، مع الطرح الأمميّ الذي يشترط تقرير مصير الشعب الصحراوي عن طريق الاستفتاء.
تدرك إدارة الرئيس أوباما التنافس الكبير القائم بين القوى الدولية الكبرى لزيادة نفوذها في المنطقة المغاربية، مع ذلك، تحضى الولايات المتحدة الأمريكية بوضع استثنائي وبمعاملة تفضيلية تجعلها تتموقع بشكل أفضل من بقية المنافسين في المنطقة المغاربية، لأنّها أثبتت قدرتها على التكيف مع كافة الأوضاع الأمنية التي تمرّ بها دول المنطقة، عكس بقية القوى الدولية المنافسة، خصوصا على الصعيدين العسكريّ والاقتصاديّ.
يمكن القول أن تحسّن العلاقات الأمريكية مع دول المغرب العربيّ يتوقف على مدى اعتماد الحوار الدائم بين الجانبين، ما يعني أنّ الفرضية الأولى في هذه الدراسة صحيحة، كما يمكن اعتبار فشل التجربة التكاملية المغاربية نابعا من داخل هذا التجمع الإقليميّ، والولايات المتحدة الأمريكية تفضل التعامل مع كتلة إقليمية موحدة، لذلك يمكن اعتبار فشل التجربة الوحدوية المغاربية سببا في عدم تطور العلاقات بين الجانبين.
وبالرغم من أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قوى عظمي مهيمنة، إلاّ أنّها لا يمكن لها أن تملأ وحدها الفراغ الذي تركته قوى الاستعمار القديم في المنطقة المغاربية، دون الاتفاق مع الدول الأوروبية الاستعمارية السابقة حول تقاسم النفوذ والسيطرة على موارد دولها، ما يعني أنّ الفرضية الثانية والثالثة صحيحة أيضا. مع ذلك، تحصد واشنطن فرصا أكب عند تدهور العلاقات بين الدول الأوروبية والدول المغاربية، فمثل كلما تدهورت العلاقات الفرنسية الجزائرية، تسبّب ذلك في خلق فرص تعاون أمريكي جزائريّ أكبر، تجعل الدول المغاربية تتسابق للاستفادة من التعاون الأمريكيّ مع الجزائر، والملاحظ أنّ ازدياد النفوذ الصينيّ في دول المغرب العربي، يشكّل السبب الرئيس للتدخل الأمريكيّ العاجل، وزيادة التعاون الأمريكيّ المغاربيّ، في الوقت الذي عجز فيه الروس والأوروبيون في استنفار التدخّل الأمريكيّ في المنطقة المغاربية. ما يعني أنّ ّالفرضية الرابعة والخامسة صحيحة أيضا.
توصلت هذه الدراسة أيضا، إلى اعتبار التعاون العسكريّ والتنسيق الأمنيّ لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي فرصة للتقارب الأمريكيّ المغاربيّ، رغم أنّ مشكلة التسلح لا تزال قائمة بين الدول المغاربية، وعلى رأسها الجزائر والمغرب. ما يعني صحّة الفرضية السادسة أيضا.
هل هناك كيان مغاربيّ موحد يسترعي الانتباه الدوليّ، التساؤل الأول الذي طرح في هذه الإشكالية، يجعلنا نتساءل عن حقيقة هذا الكيان الذي يعاني من حالة اللاتواصل واللاثقة واللاتعاون و اللاتواصل بين دوله الخمس، لذلك تتحمل الدول المغاربية المسؤولية في عدم تحقيق مصالحها مع دول العالم المختلفة، لأنّها ليست قادرة على حسم خياراتها الجماعية التكاملية الوحدوية.
تهمل إدارة الرئيس أوباما المنطقة المغاربية لأنّها لم تجد من دول المنطقة فرصا حقيقية للتعاون المتطور، ولا تتحمّل واشنطن ذنب عجز الدول المغاربية عن النهوض باقتصادياتها الناشئة، التي لم تنجح في تحقيق التكامل الاقتصاديّ الحقيقيّ، الذي تحقّق به وهي مجتمعة ما تعجز عن تحقيقه وهي منفردة.
الهوامش:
1- محمد العربي المساري، "لاءات ثلاث تعوق المغرب العربيّ،" مجلة المغرب الموحد، تونس، العدد: 01، (يناير 2009)، ص ص.38-39.
2- الشاذلي القليبي، "تفعيل الاتحاد المغاربيّ مسؤولية تاريخية،" مجلة المغرب الموحد، تونس، العدد: 02، (مايو 2009)، ص. 10.
3 - الشاذلي القليبي، "تفعيل الاتحاد المغاربيّ مسؤولية تاريخية،" مجلة المغرب الموحد، تونس، العدد: 02، (مايو 2009)، ص. 10.
4- خلف محمّد الجراد، مُعضلات التجزئة والتأخّر وآفاق التكامل والتطـوّر (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998)، ص ص. 123-127.
5- كمال بن يونس، "أوروبا والمنطقة المغاربية: مصالح قوية تدعم المشروع المغاربيّ،" مجلة المغرب الموحد، تونس، العدد: 01، (يناير 2009)، ص.36.
6- جمال أوكليلي، " دكتور ادوارد مورتيمر: الاهتمام الأمريكي بمنطقة المغرب العربي مرجعيته رؤية كيسنجر،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 14850، (الخميس 09 أبريل2009)، ص.07.
7- سلوى روابحية ، "دكتور سالم برقوق: اعتراف أمريكيّ بالدور الجزائريّ في منطقة الساحل الإفريقي،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 15050، (الأربعاء 02 ديسمبر 2009)، ص.02.
8- فريال. ب، " دكتور لويس مارتيناز: اختلاف أهداف دول ضفتي المتوسط يعرقل بلورة سياسة أمنية مشتركة،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 15128، (الخميس 04 مارس 2010)، ص.02.
9- فضيلة. ب، " دكتور لويس مارتيناز: إدراج الجزائر ضمن القائمة السوداء إجراء غير شرعي،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 15128، (الخميس 04 مارس 2010)، ص.03.
10 - عصام بن الشيخ، "الجزائر: ترقية المصالحة الوطنية إلى "عفو شامل"… الفرص والقيود،" العرب الأسبوعي، لندن، عدد: 223، (من 03 إلى 09-10-2009)، ص ص. 10-11:
http://www.alarab.co.uk/Previouspages/Alarab%20Weekly/2009/10/03-10/p10.pdf
http://www.alarab.co.uk/Previouspages/Alarab%20Weekly/2009/10/03-10/p11.pdf
11- فنيدس بن بلة، "السفير الجزائري حسين مغلاوي: الجزائر ترفض وصاية النادي النووي… وامتلاك التكنولوجيا النووية "قرار سياديّ،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 15192، (الأربعاء 19 مايو 2010)، ص.05.
12- سلوى روابحية، " دكتور مورتيمر: المغرب العربي ليس من أولويات سياسة أوباما الخارجية،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 14850، (الخميس 09 أبريل2009)، ص.07.
13 - المرجع نفسه.
14- بوغرارة عبد الحكيم، دكتور صالح سعود، سالم برقوق: ماذا يجري بمنطقة الساحل؟: الإرهاب… الاختطافات… الطاقة والحرب الخفية،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، العدد: 15050، (الأربعاء 02 ديسمبر 2009)، ص.04.
الباحث: عصام بن الشيخ
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
بجامعة "قاصدي مرباح" ورقلة، الجزائر

نص الدراسة منشور لصالح المركز العربي للدراسات المستقبلية على الموقع التالي:
http://mostakbaliat.blogspot.com/
اقرأ المزيد