241189572571696

الأحد، 7 نوفمبر 2010

تمكين المرأة المغاربية في ظلّ النظم الانتخابية المعتمدة.... الفرص والقيود


الباحث: عصام بن الشيخ
أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية
جامعـة قاصدي مرباح ورقلـة


ملخصّ مداخلة لصالح الملتقى الدولي:
الأنماط الانتخابية في ظلّ التحوّل الديمقراطيّ (03 و04 نوفمبر 2010)
في إطار المحور الثاني:
  قانون الانتخابات وديناميات المجتمع المدني – نماذج مختارة
حول العنصر الأول: دينامية المجتمع المدني والتحول الديمقراطي:
 دور الشباب، المرأة، الجمعيات
     المقدمة
      شهدت الدول المغاربية خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، تبنيّ "التعددية السياسية" التي منحت فرصة للحركات النسوية، لتفعيل نشاطها الجمعويّ العلنيّ، وتنظيم عملها في إطار دساتير الحريات الديمقراطية الجديدة تحت رعاية السلطات في هذه الدول، التي سعت إلى توظيف قضايا المرأة، لاستكمال بناء تجاربها الديمقراطية الناشئة. معتمدة على النظم الانتخابية الجديدة التي أفرزتها الإصلاحات السياسية، سعيا للوصول إلى الآليات التمثيلية "المثلى"، والأكثر حكامة وتمثيلا وعدالة، حيث يعتبر النظام الانتخابي المؤسسة السياسية الأكثر عرضة للتلاعب، نتيجة تنافس القوى السياسية لتحقيق مصالحها الانتخابية، وهو ما يهدّد تطبيق استراتيجيات النهوض بالمرأة وإنجاح تمكينها السياسيّ العادل على أرض الواقع.
     لا يمكن تجاوز حقيقة ضعف تمثيل المرأة المغاربية في السلطة التنفيذية على سبيل المثال بنسب لا تتجاوز 03 بالمائة، مقابل استخدام واسع للنساء ككاتبات ومساعدات في نفس هذه المؤسسات والهيئات، وبنسب تتجاوز 80 بالمائة. يعني ذلك أنّ المرأة في دولنا المغاربية تعامل "معاملة إرضائية"، حين تعترف بحقوقها القوانين والدساتير، لكنها تظلّ تراوح مكانها دون قدرة على وقف التمييز المتواصل ضدّها، في ظلّ تواصل إشراف الرجل عليها، دون تغيير واقعها الذي يكرّس إقصاءها وتهميشها المستمرّ.
    وبالرغم من ذلك، أمام المرأة المغاربية العديد من المداخل للمطالبة بحقوقها السياسية، من خلال مراجعة القوانين الانتخابية ضمن الأطر المؤسساتية المتوفرة، أو طرح رؤيتها ومقاربتها للحلول المؤدّية إلى إصلاح أوضاعها ورفع نسبة تمثيلها، إضافة إلى الدعم الدوليّ الذي تتلقاه من المنظمات الدولية، التي تتبنى مطالبها، لهندسة نظم انتخابية أكثر ملاءمة للتطورات العالمية الخاصة بمفاهيم المشاركة السياسية العادلة، لكلّ الأفراد دون تمييز أو تفرقة.
    يمنح نظام "الكوتا النسائية"، آلية للتدخّل الايجابيّ لزيادة حصص المرأة وتعزيز دورها وضمان مكانتها، عبر اعتمادها كحلّ مؤقّت، إلى أن تزول الفوارق الجندرية بين المرأة والرجل على كافة الأصعدة، ويصبح بإمكان المرأة أن تشارك في العملية الانتخابية وهي تضمن أنها تحضى بقيمة تساوي قيمة الرجل، وأنّ تمكينها يتمّ على أساس العدالة التامة، ونزاهة العملية الانتخابية التي تقوم على أنماط دستورية واضحة وملائمة، تعزّز مكانة المرأة وتعطيها القيمة التي تليق بها باعتبارها شريكا فاعلا في التنمية وعملية التطوير والتحديث المستمرّ لمجتمعاتنا المغاربية.
     لقد لاحظ باحثو علم السياسية أنّ "إقدام حزب الأغلبية على الالتزام بترشيح نسبة من النساء في قوائمه الانتخابية، يدفع الأحزاب الأخرى إلى تقليد حزب الأغلبية في اعتماد نفس السياسة تجاه المرأة"، ما يعني أنّ قناعات الأفراد بتغيير الصور النمطية غير العادلة تجاه المرأة، هو أمر ممكن في حال توفّر الإرادة السياسية، غير أنّ تكريس الأوضاع التمييزية ضدّ المرأة، لم يسمح بعدم تمكين المرأة فحسب، بل أنتج حركات نسائية متطرفة، توصّلت إلى اعتبار: "أنّ المرأة أقلّ فسادا من الرجل، وأكثر حكامة ورشادة منه في السياسة والاقتصاد؟!".
    وبناء على ما تقدّم، ستنطلق هذه المداخلة من التساؤلات التالية للاقتراب من معالجة الظاهرة المدروسة:
    هل يقتضي تحقيق تمكين سياسيّ أمثل للمرأة، تبنّي قوانين انتخابية منصفة لها، على حساب قناعات الأغلبية؟، وهل  يعتبر نجاح تمكينها مؤشرا على تطور وفعالية القوانين والنظم الانتخابية المعتمدة في الدول؟.
    من المسؤول الأول عن دعم حق المشاركة السياسية للمرأة، الأحزاب أم النظام السياسيّ؟، وهل يمكن أن يقود رفع مستويات نفاذ النساء إلى المناصب القيادية والسياسية الرسمية، إلى ترقية المرأة ودعم مكانتها في عالم السياسة؟.  
    هل تناسب النظم الانتخابية المعتمدة في الدول المغاربية طموحات كافة الشرائح والأطياف الراغبة في المشاركة والترشّح دون تمييز على أساس جنس أو لون أو مقام اجتماعيّ أو اقتصاديّ؟. متى ستتمكن المرأة المغاربية من ترشيح نفسها وهي تضمن أن جنسها لن يلعب أيّ دور سلبيّ أو ايجابي في عملية انتخابها، أين يتم اختيارها باعتبارها فردا كفؤا يستحق التمكين السياسي؟.
    أليست "الكوتا النسائية" أنسب الآليات لضمان نصيب للمرأة المغاربية في العملية السياسية؟، أم أنّها مجرّد نظام إرضائيّ للمرأة، يهدف إلى تحييدها وتحجيم دورها، على اعتبار أنّ فوزها بمقعد في البرلمان لا يعني حصولها على موقع مؤثّر في سلطة صنع القرار؟.
   هل تحولت "الكوتا النسائية" إلى هدف للحركات النسوية؟، أم أنّ هذه الحركات تدرك أنّ هذه الآلية مجرّد خطوة مرحلية لتحقيق تمكين سياسيّ حقيقيّ للمرأة مستقبلا؟.
   متى ستعلن المرأة المغاربية نصرها السياسيّ بناء على إقناع الناخبين بقوة برنامجها السياسيّ، وبعيدا عن استخدام نظام الكوتا "كنظام إنقاذيّ"، أو دعم القيادة السياسية عن طريق التزكية والتعيين المباشر؟.
الملخص:
        خاضت الحركات النسوية في دول المغرب العربي نضالا طويلا في ظلّ الديمقراطية بعد تبنّي التعددية السياسية فيها، وأبانت عن نوايا حقيقية لمزاحمة الرجل ومنافسته على القيادة والمشاركة السياسية في عملية اتخاذ القرار والمساهمة في بناء الديمقراطية الناشئة بدولها، بما يساعدها على حفظ حقوقها وزيادة نصيبها من منافع العملية السياسية، التي أصبحت تتيح لها عدّة مكتسبات ومصالح في ظلّ التحول إلى الديمقراطية، على كافة الأصعدة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية... وغيرها. هذه المشاركة التي مكّنت الحركات النسوية من المشاركة في عملية صنع القرار، خصوصا على مستوى المؤسسة التشريعية، التي بدأت تشهد ازديادا لأعداد النساء "النائبات في البرلمان"، اللواتي حضين بفرص كبيرة لاقتراح مشاريع القوانين الخاصة بحقوق المرأة وترقية أوضاعها بما يحسّن مكانتها ويضمن دورها السياسيّ الهامّ الذي أصبح يميّز الحياة السياسية المغاربية. غير أنّ هذه المشاركة لا تزال تصطدم بالعديد من المعوقات التي تمنع المرأة المغاربية من الوصول إلى تحقيق أهدافها، من النظرة الاجتماعية الذكورية إلى المعتقدات الدينية الخاطئة ناهيك عن عدم حصولها على فرص اقتصادية واجتماعية تحفظ حقها في العمل وولوجها مجالات اقتصادية لا تزال حكرا على الرجل، غير أنّ هذه الدراسة ستركّز على مسألة "ملاءمة النظم الانتخابية لأهداف وطموحات المرأة المغاربية".
     قامت عدد من الدول المغاربية باعتماد "نظام الكوتا" كحلّ لمسألة تضاؤل مشاركة المرأة المغاربية في الحياة السياسية، ويشكّل هذا الاعتماد اعترافا صريحا بأنّ هذه النظم المعتمدة، لا تساعد على تجاوز الفوارق الجندرية التي تخدم الحقوق الذكورية على حساب المرأة، خصوصا وأنّ نصيب المرأة المغاربية لم يتجاوز الثلث في المجتمعات المغاربية، التي تجاوز عدد النساء في معظمها "نصف" التعداد الديمغرافي للسكان. لذلك، يتيح نظام الكوتا آلية التدخّل الايجابيّ لزيادة حصص المرأة وتعزيز دورها وضمان مكانتها، كحلّ مؤقّت إلى أن تزول كلّ الفوارق الجندرية بين المرأة والرجل، ويصبح لإمكان المرأة أن تشارك في العملية الانتخابية وهي تضمن أنها تحضى بقيمة تنافسية تساوي قيمة الرجل، وأنّ تمكينها يتمّ على أساس العدالة التامة، ونزاهة العملية الانتخابية التي تقوم على أنماط انتخابية دستورية واضحة وملائمة.
    ستكون المداخلة في إطار المحور الثاني:  قانون الانتخابات وديناميات المجتمع المدني – نماذج مختارة، وحول العنصر الأول: دينامية المجتمع المدني والتحول الديمقراطي: دور الشباب، المرأة، الجمعيات. عنوان المداخلة: تمكين المرأة المغاربية في ظلّ النظم الانتخابية المعتمدة... الفرص والقيود.
     ستحاول دراستي أن تعالج المسائل التالية:
-       مقدمة
-       مفهوم نظام الكوتا ومدى ملاءمته للنظم الانتخابية المغاربية
-       المعوقات القانونية والدستورية التي تمنع تمكين المرأة المغاربية,,,
-       دور ومكانة المرأة المغاربية في بناء التجربة الديمقراطية المغاربية الناشئة
-       تأثير مشكلة الانسداد الديمقراطي في التجارب المغاربية على الأوضاع السياسية للمرأة
-       الضغوط الدولية باتجاه زيادة فرص تمكين المراة المغاربية,,, الأسباب والنتائج
-       مقتضيات إصلاح الأوضاع السياسية للمرأة المغاربية
-       استخلاصات


اقرأ المزيد

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

تجربة الحركة السلفية في الجزائر ومحصلات التضارب بين الفكر والممارسة الباحث: عصام بن الشيخ


 خطة الدراسة:
مقدمة
*- جذور الحركة السلفية في الجزائر
    أ- المرجعية الإسلامية في الثورة الجزائرية
   ب- الإسلاميون في الجزائر بعد نيل الاستقلال
*- أسباب تطور الحركات الإسلامية والحركة السلفية في الجزائر
*- ظهور الحركات الإسلامية في الجزائر
*- مراجع الحركة السلفية ودورها في الجزائر
    1- نشأة الحركة السلفية الجزائرية
    2- نمط حياة أتباع "السلفية العلمية" وانعكاسه على المجتمع الجزائري
*- نماذج الحركات السلفية في الجزائر:
أ- السلفية الحركية "الحزبية"
ب – فكر السلفية العلمية وتطبيقه في الحالة الجزائرية
ج – الحركة السلفية الجهادية وخيار العنف
              - الحركة الإسلامية المسلحة
              - الجماعة الإسلامية المسلحة GIA
              - تحول السلفية الجهادية إلى فرع إقليمي لتنظيم القاعدة في الجزائر
*- المراجعات الدينية مع رموز "السلفية الجهادية"
*- مستقبل السلفية الجهادية في الجزائر
*- خلاصة الدراسة


                                                                           عصام بن الشيخ*
                                                                          أستاذ العلوم السياسية
                                                                     جامعة "قاصدي مرباح"، الجزائر
 Issam_Benchikh@yahoo.com
الدراسة منشورة في مجلة الديمقراطية التابعة لمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية بمصر العدد 38 افريل 2010
#################################################################################

مقدمة:
    سمحت التحولات السياسية في الجزائر بتطوّر حركات الإسلام السياسيّ، وخروجها من حيّز العمل الدعوي والتلقين الديني، لاختبار قدرتها على امتلاك قاعدة شعبية تمكّنها من الوصول إلى السلطة، في ظلّ هامش الحرية السياسية المتاح بعد تحوّل الجزائر إلى التعدّدية الحزبية، واستخدام كافة الوسائل المتاحة أمامها، بما في ذلك "الخطاب الديني"، لإقناع الناخبين بمصداقية برامجها الانتخابية، التي تسعى إلى تغيير أسس النظام السياسيّ "غير الإسلاميّ"، بأدوات الديمقراطية نفسها.  
   وتمكّن الإسلاميون في الجزائر من استغلال ما أصطلح على تسميته بـ: "موجة الصحوة الإسلامية" في ثمانينيات القرن الماضي، وانتشار حركات الإسلام السياسي في أرجاء العالم الإسلامي، لتدخل الساحة السياسية بخطاب ديني ترهيبيّ مفاده: "أنّ التصويت لغير الإسلاميين إثم كفيل بإدخال مرتكبه إلى النار"، في مشهد يدلّ على تمكّن الإسلاميين من تنظيم نشاطهم الحركيّ والحزبيّ، وقوة تأثير الخطاب الدينيّ على الناخبين الذين لم يألفوا منذ نيل الاستقلال، مثل هذا الخطاب الراديكاليّ والفلتان الدينيّ "المدهش" الذي تجاوز حدود العقلانية السياسية.
    عرفت الجزائر ظهور ثلاثة حركات إسلامية أساسية ساهم العمل الجمعويّ في بروزها وسط الجماهير: تنظيم "الإخوان المسلمين الجزائريين"، تنظيم "حركة الجزأرة" أو "تيار البناء الحضاري"، و"الحركة السلفية". انطلقت الأولى من التجربة المصرية وانتقال الفكر السياسي للإخوان المسلمين من مصر إلى الجزائر، والثانية من تجربة ودور جمعية العلماء المسلمين التاريخيّ في الثورة الجزائريّة وما بعد الاستقلال، ثمّ تطوّرها إلى "حركة الجزأرة" التي نبعت من الفضاءات الشبّانية في الجامعات، بقيادة المفكّر الإسلاميّ "مالك بن نبي". و"الحركة السلفية"، التي نهلت من الحركة الوهابية بالمملكة العربية السعودية.
    ويبدو أن إعجاب الناخب الجزائري بالخطاب الإسلامي وانتشاره على الصعيدين والعربي والإسلامي، يدلّ على تسرّع في اختيار البديل السياسيّ الملائم لسلطة الحزب الواحد، حيث ضغطت حركة "الجزأرة" والعلماء المسلمون الجزائريون بقوة ضد التيارات الدينية والفكرية والسياسية الوافدة من مصر والمملكة السعودية، وسعت إلى إطلاق خطاب برسائل مزدوجة، "تحرّم العمل السياسي والحركيّ من جهة"، وتدعو إلى اعتماد المراجع الدينية في الجزائر على مرجع موحد في العمل السياسيّ، والنهل من تجربة العلماء المسلمين الجزائريين في النضال ضد المحتلّ الفرنسيّ، "لفرملة" الطموحات الحزبية الجارفة لأتباع حركتي السلفية والإخوان المسلمين في الجزائر.
    مع ذلك، استطاعت الحركة السلفية البروز في الساحة السياسية الجزائرية البكر، كلاعب هام ومؤثّر، لأنها استطاعت أن تجذب –بواسطة خطابها الديني والحركيّ الحزبيّ المتفرّد- أنظار المواطنين الجزائريين من جهة، والسلطة السياسية من جهة أخرى، ويمكن القول أنّ رصيد السلفية العلمية قد ازداد وسط الجماهير بدرجات مطّردة، بعد منع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى الحكم، نتيجة لارتفاع نسبة التدين بين كافة الفئات والشرائح الاجتماعية في الجزائر. لذلك قدّمت السلفية العلمية نفسها كبديل عن "الإسلام السياسي الحركي" لتتقاطع مع دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حول "الدعوة إلى تجنب الحزبية في الإسلام"، وتتواصل مع رغبة السلطة السياسية في عدم تمكين الإسلاميين المتشدّدين من الوصول إلى الحكم، لحماية "مكسب الديمقراطية" في البلاد.
     وبناء على ما تقدّم بالإمكان طرح الإشكالية التالية لمحاولة تفسير ظاهرة "الحركة السلفية في الجزائر":
     هل نشأت الحركة السلفية لفرض توازن في الخطاب الديني في الجزائر، بين تيارات (الإخوان المسلمين، الجزأرة، الصوفية والطرقية)، ومنع طغيان إحداها على البقية، عبر نشر فكر "السلفية العلمية"، وعدم السماح لأيّ منها بالاستئثار بالعلاقة مع السلطة؟.
     هل تدرك السلطة السياسية دور الحركة السلفية في الجزائر وانعكاسات نشاطاتها الدينية على ميولات المواطنين، لتوجيه خياراتهم السياسية والتأثير عليها؟.
    ما هو مصير الحركة السلفية في ظل انكفاء جمعية المسلمين الجزائرية عن أداء دورها المطلوب، ومساعي حركات الإخوان المسلمين وأحزابهم للوصول إلى السلطة عبر تبنيها للخيار البراغماتي النفعيّ؟.
    ما هو موقف "السلفية العلمية" من مسألة العمل السياسي في ظل ازدياد الخلافات بين "السلفية الحركية" و"السلفية الجهادية"، وتسبّبها في التدهور الأمنيّ في الجزائر؟، وهل بالإمكان تفسير سرعة انتشار فكر "السلفية العلمية" على حساب "السلفية الحركية الحزبية" و"السلفية الجهادية"، على أنّه نتيجة حتمية لانتصار خيار السلم والمصالحة الذي طرحه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟.
    لماذا تعتبر الحركات السلفية "الإرهاب" مسألة دينية محضة، ولا تدرك الأبعاد الخطيرة المهدّدة للدولة والمجتمع في الجزائر، ولماذا ترفض رموز الحركات السلفية التنديد بالإرهاب بكلّ وضوح؟
    تعتمد هذه الدراسة للاقتراب من تفسير الظاهرة المدروسة، على الفرضيات العلمية التالية:
    أولا: كلما دعت الحركة السلفية العلمية إلى عدم التحزب السياسي، ضغطت حركات الإخوان المسلمين في الجزائر لتقديم نفسها كبديل عن السلفية الحركية.
    ثانيا: كلما ضغطت السلفية الحركية للعب دور مؤثر في الساحة السياسية في الجزائر، قامت السلطة بتقسيم الحركة وإضعافها، وتغليب خصومها عليها، ودعم دور "السلفية العلمية" ضدها.
    ثالثا: أثّر افتقاد الحركة السلفية العلمية للخطاب السياسي العصري، واعتمادها الكبير على الخطاب الديني، على دورها ووزنها في الساحة السياسية.
    رابعا: ساهمت ممارسات حركة السلفية الجهادية في تشويه صورة الحركة السلفية في المخيال الشعبي، وتبديل الصورة النمطية الراسخة في ذهنية الجزائريين الراغبين في وصول الإسلام السياسي للحكم في الجزائر.
    خامسا: تتقاطع الحركة السلفية العلمية مع رغبة السلطة السياسية في الدعوة إلى عدم دخول الإسلاميين المتشدّدين للساحة السياسية والمنافسة الحزبية، ودعم خيار السلم والمصالحة الوطنية ضمانا للاستقرار السياسي وحماية الدولة والمجتمع.

    *- جذور الحركة السلفية في الجزائر:
    أ- المرجعية الإسلامية في الثورة الجزائرية:
    فرضت ثورة التحرير الجزائرية "المرجعية الإسلامية" كعنوان بارز جامع لكافة التيارات الفكرية والسياسية المنخرطة في الكفاح المسلح ضدّ المحتل الفرنسيّ، حيث تضمّن بيان ثورة الفاتح من نوفمبر سنة 1954 بوضوح هذه المسألة، وكان رهان نجاحها متوقفا على درجة تماسك جبهة التحرير الوطني ضمن هذا الإطار، وعدم السماح بانقسامها تحت ضغوط بقية التيارات السياسية العلمانية، مادام النضال ضد الاستعمار الفرنسيّ "جهادا مقدسا" في سبيل الله، يهدف إلى تحرير أرض الجزائر وشعبها من الاستعمار الأجنبي.
     قبل الإسلاميون الجهاد ضد المحتل الفرنسي تحت قيادة رموز سياسية علمانية، تولّت تتولى مناصب هامّة ومؤثّرة في تاريخ الثورة الجزائرية، وكان لقب "المجاهد" متفقا عليه من قبل جميع التيارات السياسية والفكرية في الجبهة، لأنّه يحتوي جميع الثوار الإسلاميين وغير الإسلاميين منهم. ونتيجة لهذا الوضع ضغط بعض الثوّار من التيارات العلمانية في مؤتمر الصومام أغسطس 1956، باتجاه إلغاء "المرجعية الدينية"، خصوصا عندما كانت الثورة محاصرة بسبب تشديد القيادة العسكرية الفرنسية الخناق على تحرّكات الثوار شرق الجزائر، في منطقة الأوراس، ونتج عن ذلك المؤتمر الهام طرح مسألة تغيير مسار الثورة بعيدا عن المرجعية الإسلامية، والتركيز على مسألتي "أولوية النضال في الداخل على الخارج، وأولوية الدور السياسي على العسكري"، بعد اتهام مهندسي المؤتمر الجناح العسكري للجبهة بالسيطرة على القرار السياسي فيها. وتسبّب ذلك الجدل في بروز ظاهرتي "التخوين" و"التكفير" اللتان دفعتا الجبهة إلى مرحلة خطرة من صراع "الإخوة الأعداء" لأول مرة، حين أكلت الثورة بعض أبنائها، وبدأت "المرجعية الإسلامية" تظهر كحاجز يمنع الجبهة من التماسك والوحدة لاستكمال الثورة التحريرية.
    ومع ذلك، بقي بيان أول نوفمبر "لوحا مقدّسا" في الخطاب السياسيّ الديماغوجيّ لقادة الجبهة، الذين اعترفوا ضمنا بنجاعة اعتماد الخيار الإسلاميّ في الثورة، فأصبحت المرجعية الإسلامية غير قابلة للنقاش والتغيير، رغم السجال السياسي المحتدم بين النخبة الثورية حولها، في السر والعلن.

اقرأ المزيد