241189572571696

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

دور القيادة في إدارة الأزمات ....قراءة في أداء القيادة المصرية


محمد المهدي شنين
     يعيش وطننا العربي مرحلة دقيقة وحرجة بسبب الأحداث المتوالية ،وموجات التغيير التي جسدتها الثورات والانتفاضات الشعبية في كل من تونس ومصر ،ففي تونس أدت الثورة كما هو معلوم إلى خلع الرئيس ، وبعد بن علي جاء الدور على نظام من اقوي نظم الوطن العربي والشرق الأوسط ، نظام يعتبر رقم صعب في المعادلة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ،نظام يعتمد على مؤسسة أمنية قوية وقاسية على الشعب وزادت من قوتها ثلاثة عقود من الحكم المطلق على مصر .سقط هذا النظام اثر الثورة الشعبية التي كانت أول صدى للثورة التونسية ،سقط مبارك بعد هذه الأزمة التي دامت ثمانية عشر يوما ،وسنحاول في هذه الورقة تناول أداء القيادة المصرية إثناء الأزمة من خلال قراراتها وسلوكاتها ،ونعني بالقيادة أداء الرئيس المخلوع وحاشيته المقربة نظرا للنمط الفردي في القيادة الذي أدار به مبارك وبشكل مطلق الحكم في مصر، وسنتعرض لهذه الأزمة وفق معايير دور القيادة في إدارة الأزمات وإسقاطها على الأزمة المصرية .
1/ اتخاذ قرار سريع رغم الوقت المحدود
  الأزمات لا تتيح وقتا للقائد بالشكل الكافي ليقوم بعملية التشاور مع باقي مؤسسات الدولة خصوصا إذا كانت الأزمة مفاجئة وبشكل متسارع ، مما يدفع القائد إلى ابتكار حلول إبداعية وخلاقة لتجاوز وحل الأزمة .
   وإذا حاولنا إسقاط هذا على القيادة المصرية وجدنا أنها امتلكت كل الوقت ، فمبارك ونظامه لهم ثلاثون سنة في الحكم وبشكل مطلق ، مما جعله وجعل الوقت الذي قضاه جزءا من الأزمة ،بسبب تراكمات سوء الإدارة من فساد وظلم وقمع للحريات ،وفي السنوات الأخيرة توالت الاحتجاجات في الشارع المصري فظهرت حركة كفاية وحركة شباب 6 ابريل ،وازدادت شرائح الشعب الساخطة على النظام ،ورغم ذلك كان النظام دائما يتمادى ويدفع نحو استفزاز الشارع إما بالتوريث أو التزوير أو الاعتقالات ...
   ورغم انفجار الأزمة التونسية ،إلا أن القيادة المصرية لم ترى فيها ما يدفعا لتقديم إصلاحات كي تتفادى أزمة مشابهة ،لا بل صرح النظام أن مصر ليست تونس ، وما هي إلا أيام حتى وصل صدى الاحتجاجات إلى مصر ،وخرجت كلها تهتف الشعب يريد إسقاط النظام ،فالملاحظ أن الوقت كان متوفرا لدى القيادة المصرية ، لكن الرغبة في الإصلاح هي التي كانت غائبة .
     وما دمنا نتحدث عن الوقت فإن أكثر ما يلفت الانتباه لنا كباحثين هو سرعة انهيار هاته الأنظمة رغم تجذرها وسيطرتها على مؤسسات الدولة بقبضة أمنية شديدة ،ثمانية عشرة يوما فقط كانت كافية لسقوط هذه الأنظمة الأمنية رغم ارتباطاتها الدولية القوية مما يدل على حجم التناقضات الداخلية وعلى الهشاشة الكبيرة والاهتراء في بنية النظام .

2 / مواجهة التهديد على المستويين القومي والفردي
       إن فترة الأزمة تضع القائد تحت ضغط كبير ، لما تسببه من تهديد لمصالح الدولة ولأهدافها، وأيضا لما تشكله من تهديد للقائد نفسه ومستقبله ،والسرعة في اتخاذ القرارات تجعله يعتمد على مفاهيمه ومدركاته الشخصية بشكل كبير جدا ، لذلك تعتبر القرارات الحاسمة وقت الأزمات انعكاسا وصدى لشخصية القائد .
    وإذا حاولنا دراسة الحالة المصرية وفق هذه المعايير فنجد أن أول ما استخدمه القائد هو العنف والعصا الأمنية في مواجه الأزمة وحلها ، فتلقى مطالب شعبه الداعية للإصلاح والعدالة الاجتماعية بالقمع ،وانتهاك حقوق الإنسان ، حتى وصل الأمر إلى قتل المتظاهرين ، والعدد الكبير من القتلى والجرحى يدل على حالة التوتر التي يعيشها صانع القرار ، والتي انعكست على أفعاله ، فلنستعرض الخطوات التي اتخذتها القيادة المصرية لحل الأزمة  ، سنجد في الأخير أنها كانت مرتبكة وتدل على التخبط ، فكما أسلفنا قام أولا بممارسة العنف وبقسوة على المتظاهرين من أبناء شعبه ، ثم بعد زيادة حجم المظاهرات خطب في شعبه ووصف المتظاهرين بالمخربين والمشاغبين وأقال الحكومة وعين أخرى ،ثم بعدها عين نائبا له رغم أن هذا المنصب ظل شاغرا منذ توليه الحكم ،واخرج الطائرات الحربية فوق المتظاهرين لتخويفهم بشكل يدعو إلى الدهشة ، وكان آخر ما دل على ارتباك القيادة ،السماح للمساجين بالهروب وحضهم على زرع البلبلة في البلاد ، والاعتداء على المتظاهرين العزل بالخيول والجمال في مشهد غريب يتجلى فيه التناقض ، شباب الفيس بوك والتويتر في مواجهة الجمال والبغال ،والمتأمل يجد أن هذا المظهر هو تصغير للمشهد الأكبر لنمط القيادة الرشيد والواعي الذي يسعى إليه المتظاهرون ، في مواجهة القيادة المتخلفة غير الرشيدة ،وهذا الأسلوب في قمع المتظاهرين بالجمال والخيول وغيرها من أساليب القرون الوسطى ، هو نفسه أسلوب إدارة البلاد ، مما يعكس شخصية قيادية غير سوية ميالة للعنف والعناد ،غير مبالية بالحوار والتشاور ، وهذا نموذج للقيادة الفاشلة .
   ويتجلى لنا بعد الأحداث أن القيادة المصرية المجسدة في الرئيس المخلوع وحاشيته عرفت التهديد على انه تهديد شخصي وليس تهديدا لمؤسسات الدولة ولمستقبل البلاد ،كان يعاند و       يصر على عدم التنحي إلا بعد ضغط الجيش لحماية الدولة ومؤسساتها ، فالجيش رآى في التهديد تهديدا لمصر الدولة ولكيانها المؤسسي ، وهو ما رجح كفة المطالب الشعبية .
3/ التوفيق بين المصالح المتناقضة
القيادة الرشيدة التي تحسن إدارة الأزمات تجدها دائما تدرك وتجيد إدارة الصراعات الداخلية الناتجة عن تعارض المصالح بين أقطاب النظام وهذا ليس على المستوى الداخلي فقط بل أيضا على المستوى الإقليمي والعالمي .
   وقد وضحت الأزمة التونسية والمصرية كمية التناقضات الداخلية بين أقطاب كل نظام ،والصراعات حول السلطة والنفوذ ،فنجد في مصر إقالات متتالية لشخصيات بارزة ومحاولة تحميلها وحدها المشاكل التي ترزح تحتها البلاد ، كما يتم الكشف هذه الأيام عن ملفات فساد تخص مسؤولين كبار ،وهذا كله محاولة من القيادة للبحث عن كبش فداء تنظف به ماضيها مما يعكس تعارض المصالح والمصلحة الأقوى هي التي تفرض نفسها ،وسيكشف الغد القريب عن المزيد من التناقضات .
   فلملفات الفساد المفتوحة عقب انتصار الثورة ضد بعض المسئولين الكبار في النظام السابق  بينت مدى التناقضات داخل بنية النظام ومدى تشابك مؤسسة الفساد في الدولة ورغبة كل طرف في تصفية الحسابات .
   وا يبين تدخل الجيش باعتباره جزء من النظام ، أن سيطرة القيادة أفلتت ولم تستطع التوفيق بين ما تعتبره مصلحة ، وبين تعريف الجيش لهاته المصلحة والتي تجسدت في إبعاد مبارك وتفضيل المصلحة العليا للبلاد .
4/ تقليل الخسائر وتعظيم الفوائد
إن أعظم هدف لأي قائد يواجه أزمة هو التقليل من الخسائر وتعظيم المكاسب قدر الإمكان ،لكن السؤال المطروح ما هو مفهوم المكسب عند القائد الرشيد ؟ الأكيد انه المصلحة العليا للبلاد وليس المصالح الشخصية الضيقة .
   اعتقد أن هذا التوصيف للمكاسب باعتبارها المصلحة العليا للبلاد يكاد يكون منعدما لدى صانع القرار المصري لعدة، أسباب منها انه يعتبر المكسب مكسبا شخصيا والخسارة كذلك ، مما يجعله ينتهج سلوك يصب في هذا الاتجاه ، فالقيادة المصرية هي قلب الأزمة ومسببها الرئيسي نتيجة تراكمات ثلاثة عقود من سوء الإدارة ، إضافة إلى أن عناد الرئيس وإصراره على استفزاز الجماهير الغاضبة وتشبثه بمنصبه يؤدي إلى خسائر بالغة لمصر الدولة ، فعلى المستوى الاقتصادي مصر تخسر يوميا ما قيمته 350مليون دولار نتيجة الأزمة ، وخسائر في الأرواح إذ يوميا يسقط قتلى من المتظاهرين برصاص الأمن ، والخسارة الأكبر هي تجميد مؤسسات الدولة مما يهدد استقرارها وينذر بأزمات داخلية عنيفة .
    الملاحظ أن القائد المصري رغم المظاهرات المليونية المطالبة برحيله ، ورغم الأزمة التي شلت البلاد وجعلتها تتحمل خسائر باهظة إلا انه لم يرغب في التنازل عن عرشه لماذا ؟؟ لأنه يرى في التنازل خسارة شخصية ، ولا يرى فيها مكسبا لمصر وهذا النمط النيروني (نسبة لنيرون إمبراطور روما) من القيادة يصبح عبئا على الدولة ومصدر خطر عليها ،وهذا ما فهمه الجيش فأزاح الرئيس المخلوع .
5/ إعداد وتأهيل الصف الثاني (القيادة البديلة)
  ما يدل على تميز القائد وكفائتة ، قدرته على اختيار قيادة بديلة تحل محله اثر غيابه أو عدم قدرته على أداء مهامه ،وهذا الإعداد للقيادة البديلة يعتبر بحد ذاته فنا من المهم أن يكتسبه القائد .
  وإذا حاولنا تطبيق هذا المعيار على القيادة المصرية نجدها ابعد ما تكون عنه ، فرغم أن الدستور المصري ينص على ضرورة وجود نائب للرئيس إلا انه ومنذ ثلاثين سنة أي منذ تولي حسني مبارك الحكم ظل هذا المنصب شاغرا ، ولم يعين عمر سليمان نائبا إلا بعد تفاقم الأزمة .
  لكن المتابع للوضع المصري يرى أن مبارك كان يعد نجله جمال كخليفة له رغم الرفض الشعبي الواسع لعملية التوريث ،مما يدل على نمط قائم على الفردية في إدارة البلاد دون أي اعتبار للرغبة الشعبية .
  من المهم لأي إدارة على أي مستوى قيادي أن تعي معايير وأسس الإدارة الرشيدة للدول والحكومات  وللازمات كذلك، هذه الأخيرة التي لا تخلو منها أي دولة ، لكن نمط الإدارة هو الذي يمكن أن يحل الأزمة أو يفاقمها مما يؤدي بالبلد للهاوية ، وبعد عرض هذه المعايير نرى أن القيادة المصرية المخلوعة ابعد ما تكون عنها ، وفشلت بشكل لافت في إدارة الأزمة وحلها ، بل شكل تعاملها مع الأزمة سبب في شل البلاد وتدهور الأوضاع على كل المستويات ، ومنه نخلص أننا أمام نمط فاشل من القيادة كان عبئا على مصر وخطرا على مستقبل شعبها .
  سقط مبارك بعد ثلاثة عقود من القيادة التي كانت ابعد ما تكون عن الرشادة وانهار نظامه بسرعة مدهشة مما يدل على ترهل النظام وتسوسه بسبب فقدان الشرعية ، وبسبب الأداء السيئ له في إدارة الأزمة والتي كلفته كرسي الحكم الذي يعتبر اكبر خسارة لهذا النوع من الشخصية المعاندة والمتمسكة بالسلطة على حساب الإرادة الشعبية ،هذه الأخيرة التي أثبتت للشعب وللعالم وللتاريخ أن ارادة الشعوب دائما هي التي تنتصر .

* ملاحظة :
المقال مستوحى في اطاره النظري و مفاهيمه من مقال الباحثة سلوى الملا بعنون دور القيادة في ادارة الازمات المنشور في جريدة الوطن المنشور في 07 فيفري 2011 متوفلا على الرابط التالي : 
http://www.al-watan.com/viewnews.aspx?n=0E2680A5-143F-41FB-91F9-A5A01AECAC2F&d=20120708&writer=1





   

اقرأ المزيد

الأحد، 13 فبراير 2011

الانتفاضة المصرية ...اول صدى للثورة التونسية




قادري سمية                                                        محمد المهدي شنين
قسم العلوم السياسية. جامعة الجزائر 3                          قسم العلوم السياسية. جامعة ورقلة
تخصص: دراسات اقليمية                                         تخصص علاقات دولية

ما تشهده اليوم أقوى الأنظمة العربية تسلطا لم يكن أشد المتشائمين و لا المتفائلين على حد السواء يتوقعه، فقد ترسخت في ذهنية الجميع أن الشعب العربي فقد كل القدرة على تحسين أوضاعه، و الأكثر من ذلك قبوله و رضاه عن حكامه، إلى أن اندلعت الثورة التونسية وخلعت زين العابدين من الحكم. و اليوم يبدو أن الدور على نظام حسني مبارك..فيا ترى هل بالإمكان إسقاط ما حصل في تونس على مصر؟

الحراك السياسي للمعارضة الشعبية قبل الأحداث

هناك اتفاق شبه عام على وجود حراك سياسي معارض نشيط في الحياة السياسية المصرية قبل سنوات عديدة من أحداث اليوم، و قد كان هذا الحراك في كثير من الأحيان يسبب إحراج للنظام. و من أبرز الناشطين السياسيين نجد الإخوان المسلمين المحظورين منذ عهد جمال عبد الناصر، فضلا عن أحزاب تقليدية معارضة أخرى كالتجمع و الوفد و الغد…الخ.
إضافة إلى ما سبق نجد حركة كفاية التي ظهرت سنة 2004 كدليل على عمق السخط الشعبي من ممارسات نظام مبارك رغم أن دورها ضعف مع الوقت نتيجة الخلافات الداخلية.
كما برز إلى الوجود نمط جديد من المعارضة كان له دور في تحريك الشارع المصري و هم المدونون و شباب الفايسبوك و الذي يرجع لهم الفضل في بداية و تنظيم الثورة المصرية الأخيرة. و كان من أبرز الحركات الاحتجاجية الشبابية حركة شباب 6 أبريل التي ظهرت سنة 2008 و أصبحت جد مزعجة للنظام.
و قد تزامن تزايد المعارضة الشعبية لنظام مبارك مع عودة محمد البرادعي لمصر، فنتج عنه ظهور الحركة المصرية للتغيير و التي شكلت دفعا قويا للمعارضة في مصر.
و عقب الانتفاضة التونسية التي ترتب عنها هروب زين العابدين بن على، خرج الشعب المصري إلى الساحة يطالب هو الآخر برحيل محمد حسني مبارك.
صدى الثورة التونسية..في الانتفاضة المصرية
لقد بدأت المظاهرات في مصر و هي ترفع شعار ” تغيير، حرية، عدالة اجتماعية”، بيد أن الأمر لم يتوقف هنا بل تطور إلى شعارات سياسية شأنها شأن الثورة التونسية، حيث انتشرت هتافات تنادي و تطالب بخلع الرئيس حسني مبارك و ترفض توريث الحكم لنجله جمال مبارك و انتهى الأمر إلى المطالبة بإسقاط النظام.
كذلك فما ميز هذه المظاهرات و التي عمت أكبر المدن المصرية أنها لم تكن بدعوة من حزب سياسي و ليس لها قيادة تمثلها بل كانت من غضب الشعب المصري من أوضاعه المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية. و لعل ما ساهم في انتشارها السريع الدور البارز لوسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك،التويتر) و النشاط الكبير الذي بذله الناشطون في الدعوة ليوم غضب ضد النظام (جمعة الغضب).
إدارة النظام المصري للأزمة
شكلت جمعة الغضب و ما تلاها من أيام زلزالا على نظام حسني مبارك، و قد أغفلت الحكومة في البداية المطالب الاجتماعية و فضلت التعامل الأمني معها من خلال أعمال العنف و تطويق المظاهرات برجال الأمن، كما لجأت إلى قطع كل وسائل الاتصال من شبكات الهواتف النقالة و الانترنيت… و رغم كل هذا إلا أن المظاهرات زادت حدتها.
و بعدها حاول مبارك تهدئة الأوضاع من خلال خطاباته لكنها زادت الأوضاع سوءا إذ زاد إصرار الشعب أكثر على ضرورة رحيله، فلجأ بعد ذلك غلى دس مشاغبين لتشويه الاحتجاجات و إخراجها عن سياقها إلا أن هذا الأسلوب فشل هو الآخر . و هذا ما دفع بالنظام إلى إعادة قوات الأمن إلى الساحة بعد أن سحبه بشكل سريع، كل هذا يبين لنا عدم وجود تخطيط محكم و فقدان النظام لزمام إدارته و تعامله مع الأزمة التي يشهدها.
موقف المؤسسة العسكرية من الأزمة
يعتبر حياد الجيش أو خيانته لرأس النظام العامل الحاسم و الرئيس في أية ثورة شعبية، ففي تونس و رغم المظاهرات الشعبية إلا أنها ما كانت لتحقق ما حققته لو لم يقف الجيش لجانب الشعب.
يبدو لنا كمراقبين للشأن المصري أن الجيش يقف في منطقة رمادية مبهمة ،ففي الوقت الذي لا يريد أن يقف فيه ضد الشعب وخصوصا عقب الاحتفاء الشعبي بنزوله للشارع والالتفاف حوله ،فإنه أيضا لا يقف ضد النظام وخصوصا ضد ممارساته ومنها الاعتداءات الأخيرة على المتظاهرين في ميدان التحرير ،إضافة إلى الاعتداء على المتحف الوطني ..،هذا يدفعنا للحديث على أن هناك من يريد توريط الجيش وغير راضي على هذا الموقف ،خصوصا بعد ما صرحت قيادة الأركان أن مطالب المتظاهرين شرعية مما شكل دافعا اكبر للمتظاهرين ،لكن السؤال المطروح إلى أي مدى سيبقى الجيش يلتزم هذا الموقف الغامض ؟ وهل بالفعل هو على الحياد أم أن هذا الموقف سيؤدي إلى انهيار المؤسسات والدولة في ظل عناد الرئيس محمد حسني مبارك ؟)، فالمؤسسة العسكرية لعبت دور في بقاء حسني مبارك إلى يومنا هذا على سدة الحكم و ذلك لوقوفها هذا الموقف. و ربما السبب في عدم تحرك الجيش و إبداء أي موقف هو كما ترى بريطانيا أنه إذا أصبح في الصدارة بسبب غياب القيادة السياسية، فسيكون مرشحا غير مريح و لكن معقول لتولي السلطة.
موقف الأطراف الأجنبية من الانتفاضة المصرية
لقد تحققت مخاوف إسرائيل و الدول الكبرى و الأنظمة العربية من انتقال عدوى الثورة التونسية إلى مصر. و رغم هذا فإن هذه الدول لم تخرج بموقف واضح و محدد من الأزمة، ففرنسا مثلا تعاملت مع الأزمة المصرية بطريقة حاولت فيها تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها من خلال موقفها من الثورة التونسية ،هذا الموقف الذي سبب حرجا للدبلوماسية الفرنسية ،لهذا حاولت إدارة ساركوزي تغطية أخطاءها بمواقف جديدة وغير مترددة على الأقل لكن بمواقف غامضة ومبهمة من خلال المطالبة بعدم ممارسة العنف ضد المتظاهرين ومحاولة إحداث انتقال سلس للسلطة وهذا كله دون ضغط فعلي لأسباب عديدة منها كون فرنسا لا تملك في مصر ذلك النفوذ الذي تملكه في تونس ، إذ أوضح ساركوزي في العديد من المرات على حق الشعب المصري في العيش بحرية و ديمقراطية.
إضافة إلى الموقف الأوربي المشترك عقب الاجتماع الأخير والذي اصدر فيه بيانا يطالب السلطات المصرية بانتقال سلمي للسلطة ،وعدم التغطية على الأحداث بالتضييق على الصحفيين .
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أبدت تمسكها بمصر كحليف استراتيجي إلا أنها بدت أقل حرصا على مصير النظام الحاكم، وهناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذه المواقف المبهمة و أهمها أن هذه الدول لا يهمها الشخص بقدر ما تهمها مصلحتها، فمصر منطقة جد محورية للحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط و حماية أمن إسرائيل لذا نجد إسرائيل عبرت صراحة على رفضها ما يحدث من قبل الشعب المصري و المعارضة ،فالولايات المتحدة لا تريد أن تتفاقم الأحداث بشكل بفسد مصالحها المتشابكة في مصر والتي لها ارتباطات بالإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط كل بملفاته المتشابكة ،لذلك نجدها تخلت عن مبارك سعيا منها للإبقاء لها على حلفاء قادمين لان إدارة اوباما أدركت أن مصر دخلت في مرحلة ما بعد مبارك ،لذلك شرعت الخارجية الأمريكية في إجراء اتصالات مع قيادات من المعارضة وأبعدت الإخوان في سعي لان لا تفرز هذه الثورة نظام معادي للمصالح الأمريكية وأهمها إسرائيل أو على الأقل لا يؤدي بنفس أداء النظام السابق .
أما الدول العربية فقد التزمت الصمت و الحرص على عدم تقديم أي رأي و لعل السبب الرئيسي في ذلك هو خوفها من أن تلحقها تلك الأحداث و ينقلب شعبها ضدها،وكان من صدى هذه الأحداث بعض الإصلاحات هنا وهناك مثل قرار الرئيس اليمني بعم الترشح لولاية جدية إضافة إلى الإصلاحات في سوريا والأردن ..
السيناريوهات المحتملة للانتفاضة المصرية
إن الحديث عن مستقبل الانتفاضة المصرية يبقى سابق لأوانه رغم العديد من الاحتمالات فهناك من يرى بأن مصر على أعتاب تونس ،رغم إصرار مبارك على التمسك بكرسيه إلى أن تنتهي عهدته في كل مرة يلقي فيها خطاب. و الحجة التي قدمها هذا الشق أنه و رغم التنازلات التي قدمها النظام إلا أنه في كل مرة يقوم بتصعيد الاحتجاجات، لذا فباب التفاوض لم يعد يجدي نفعا. من جهة أخرى مصالح الدول الكبرى متضررة من هذه الاحتجاجات و لاسيما مصالحها الاقتصادية و لذا ستتدخل آجلا أم عاجلا لما يرضي الشعب.
في حين يرى آخرون بأن مبارك لن يرحل أو يقال لأن مصر ليست تونس و أن الثورة في تونس سيتم احتوائها مع الوقت و أن النظام سيقوم بجملة من التغييرات التي سيقتنع بها الشعب مع الوقت، ثم إن إسرائيل لن تسمح بكل بساطة أن تتخلى عن أول و أكبر حليف لها و هو مبارك و لذا ستفعل المستحيل بالضغط على الدول الكبرى لإبقاء مبارك على سدة الحكم.
و نحن لكي نقيم جدوى و حدود التغيير ينبغي دائما أن نتذكر بأن ثورة المجتمع المصري قد انفجرت تعبيرا عن الضيق بالنظام القائم الذي احتكر السلطة و حكم البلاد بأجهزة الأمن و الطوارئ، و حاصر الحريات و ألحق البلاد بمعسكر التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل في حين فشلت سياساته في تلبية احتياجات الناس في مجالي الخدمات و الاقتصاد.
ومن خلال ضخامة الاحتجاجات يبدو للجميع إن مصر دخلت مرحلة ما بعد مبارك وانه وصل المحتجون في مطالبهم إلى مرحلة اللاعودة لذلك حتى الولايات المتحدة وأوربا أضحت تتعامل مع مبارك كرئيس سابق وتحاول الاتصال بالخلفاء المحتملين .
لكن عناد الرئيس مبارك وإصراره على البقاء في السلطة ،خلط الكثير من الحسابات ،إذ أن مبارك يعول على عامل الوقت في حسم معركته أمام الشعب ،فالوقت ألان يصبح ضد المتظاهرين الذين لا يستطيعون تحمل الشلل الذي ترزح تحته البلاد والذي شل كل نواحي الحياة المعيشية مما يؤدي إلى تفكك اللحمة وتقلص حجم المظاهرات ،وبالتالي تراجع فاعليتها .
كما يمكن أن يؤدي تعنت النظام وإصرار الجماهير إلى انهيار المؤسسات الدستورية وتعطلها مما يؤدي إلى دخول البلاد إلى اضطرابات داخلية ،قد يكون منها العنف .
ولا يمكن لأي باحث في هذه الظاهرة إغفال دور العامل الخارجي في أي عملية للحسم مستقبلا ،وذكرنا سالفا أن أمريكا والغرب عموما يكاد يكون تخلى عن مبارك الشخص ،في سبيل الإبقاء على المنظومة الحاكمة ،وهذا طبعا غير إسرائيل ،وهي لن تتخلى عنه تماما إلا عندما تجد من يضمن المصالح الإسرائيلية الأمريكية كون مصر رقم صعب في معادلة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ،ومنفذ جيد لأجندتها السياسية .
وقد يدفع هذا التخلي الخارجي مبارك إلى انتهاج سياسة الأرض المحروقة ،لتشويه الاحتجاجات وتخويف الغرب مما يسميه الإرهاب ،واحتمال سيطرة الإخوان على مصر..كآخر ورقة له للمساومة ،ودليل ذلك الاعتداءات الأخيرة على المتظاهرين والمستشفيات والمتاحف واكبر دليل هو تفجير أنبوب الغاز المتجه نحو إسرائيل ..ولقد هدد في خطابه الأخير صراحة إما هو وإما الفوضى ولعل الفوضى التي يقصدها مبارك ليست داخلية فقط بل ربما إقليمية أيضا .
العامل الأخير الذي قد يرجح الكفة لأي سيناريو هو دور الجيش ،فلأي مدى يستطيع الجيش الصمود في هذا الموقف الرمادي ،أم انه سينحاز إلى المطالب الشعبية ،نعتقد أن تواصل الاحتجاجات يؤدي إلى ذلك .
الموضوع معقد والأحداث متشابكة وكثيرة ،لكن الشيء الجلي أن الوضع خطير وله تداعيات وخيمة على مصر والمنطقة ،رغم انه عارض صحي ودليل على حيوية الشعوب ،والسؤال المطروح هو هل سيتنازل مبارك عن عرشه أم انه يصر على أن يكون نيرون ..وتكون مصر روما أخرى .




اقرأ المزيد

التحول في تونس .. أسبابه .. معوقاته .. وتداعياته



        محمد المهدي شنين

      شهدت منطقتنا المغاربية حدثا مدويّا هزها وهز العالم العربي بسبب انهيار نظام من اشد الأنظمة تسلطا  واعتمادا على القبضة الأمنية، فدخلت تونس عملية تحول لم تنتهي بعد ،وسنحاول في هذا المقال معالجة هذه الظاهرة منطلقين من جملة أسئلة :
ما هي أسباب هذا التحول ؟ وما آلياته ؟ ما هي العوائق التي يواجهها ؟؟ وما تداعياته إقليميا وعربيا ؟؟.

1/
أسباب التحول :
    
انطلقت الاحتجاجات التونسية كثورة شعبية ذات مطالب اجتماعية واقتصادية ،فكانت بداية ثورة خبز ضد الفساد والتهميش ،ولعل التاريخ يبين أن اغلب الثورات كانت في بدايتها ثورات خبز ،حتى الثورة الفرنسية في بدايتها كانت كذلك ، إذا فالثورة التونسية مثل كرة الثلج بدأت بالمطالب الاجتماعية ثم كبرت هذه المطالب لتصبح رغبة في تغيير راديكالي لنظام برمته ، واقتلاع حزب له أكثر من نصف قرن في الحياة السياسية ،باعتباره تجسيدا لمنظومة الفساد ، هذه المنظومة التي ترتكز على ثلاثية الاستبداد وهي : الاستبداد السياسي ،الاستبداد الاقتصادي ،والاستبداد الاجتماعي .هذين النمطين الأخيرين من الاستبداد هما نتيجة حتمية لتزاوج المال والسلطة ، ونتيجة لتركز رأس المال عند الفئة الحاكمة والنافذة التي تسيطر على السياسة والاقتصاد ، وهو ما مثلته عائلة الرئيس بن علي وزوجته ، مما خلف نموذج قائم على الرأسمالية المشوهة التي تلغي التنافسية ، وهذا النمط شائع في الكثير من النظم العربية .

2/
آليات التحول :
    
انتهج التونسيون في تحولهم نهج التغيير الجذري الراديكالي من خلال الثورة الشعبية الداعية إلى القطيعة الكاملة مع النظام السابق ومنظومته ، باقتلاع كل ما يمثله من قيادات وأجهزة ومؤسسات أبرزها حزب الرئيس ، ولعل علم اجتماع الثورة يعطينا ثلاثة قوانين سيسيولوجية رئيسية لنجاح أي ثورة كلما توفرت هذه القوانين كلما كانت الثورة اقرب للنجاح وابعد عن الفشل وهي على التوالي :
ا/ راديكالية المطالب ،أي الدعوة للتغيير الجذري والقطيعة التامة مع النظام السابق ومنظومته الفكرية والمؤسسية .
ب/ تفكك النخب الحاكمة وانقسامها على نفسها ،أي الاختلاف داخل أجهزة النظام ،خاصة بين المحافظين والإصلاحيين ،وهذا ما تجسد في تونس من خلال تململ بعض النخب داخل النظام السابق من ممارساته ،وممارسات عائلة الرئيس وزوجته ،إضافة إلى رغبة الجيش في الخروج من حيز الإهمال والتهميش والتي يعاني منها ،وهذا ينقلنا للنقطة الثالثة .
جـ/ حياد الجيش أو وقوفه مع أو ضد النظام ،وهذا هو العامل الحاسم والرئيسي ،ولعله قطب الرحى في نجاح أي ثورة شعبية ضد أي نظام سياسي ،لان الجيش يجسد أقوى أداة قمعية ،فإذا فقد النظام احتكاره المنظم للعنف والقوة فقد سيطرته ، وهذا بدا جليا في المشهد التونسي ،إذ كان دور الجيش أهم عامل في نجاح الثورة الشعبية ،والإطاحة بالرئيس السابق .

3/
عوائق التحول :
    
إن مرحلة التحول الديمقراطي من اخطر المراحل التي تعيشها الدول وأدقها ،كما أنها ليست عملية بسيطة، بسبب تجزر النظام التسلطي في اغلب هياكل وأجهزة الدولة ،والمنتفعين منه من بقايا النظام السابق سيكونون أول من يضعون الفخاخ لهذا التحول محاولين عرقلته للحفاظ على مكتسباتهم ووضعهم ،إضافة إلى إمكانية تطلع النخبة العسكرية للعب دور سياسي مستغلة حالة عدم الاستقرار والاضطراب الداخلي ،مما قد يكون خطر على جهود التحول ،كما أن العامل الخارجي يمكن أن يكون من ابرز العوائق خاصة إذا كان هذا التغيير يمكن أن يهدد مصالح حيوية لأطراف خارجية أو يؤدي إلى صعود نخب معادية لها.كما أن النظم التسلطية تسعى دائما إلى إفشال نماذج التحول كي لا تنتقل لها ،لذلك يمكننا القول أن من اكبر الأخطار على الثورة التونسية هي النظم التسلطية العربية .ويجب التنبيه في نهاية هذا العنصر إلى أن التحول الديمقراطي يمكن أن يفرز من نتائجه اخطار داخلية ،منها الإخطار الناجمة عن عدم تعود الشعوب على وجود الحريات ،وغياب العراقة والرسوخ في الديمقراطية وإدارة نظمها وما تولده من اختلافات ،فتبين التجربة العربية أن النظم التي رفعت سقف الحريات والديمقراطية دخلت في حروب داخلية والمثال الجزائري حاضر .

4/
تداعيات التحول في مغاربيا وعربيا ..
    
إن ابرز ما يميز عالم اليوم ثورة المعلومات ،وسرعة تدفق الأخبار والأحداث مما يعولمها ويسرع انتشارها وينقلها من حدث داخلي إلى قضية عالمية ،وهذا بالضبط ما حدث في الثورة التونسية ،والتي لقيت تجاوبا شعبيا في الوطن العربي بشكل سريع جدا ،وعالميا أيضا من خلال الاحتجاجات في ألبانيا، التي أراد منظموها محاكاة التجربة التونسية .
وقد وجدت الثورة الاجتماعية التونسية صدى واسع ،بداية من الغرب العربي من خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها الجزائر وموريتانيا ،ثم في الوطن العربي في كل من اليمن ومصر ،هذه الأخيرة التي تنحو أحداثها الجارية نفس المنحى التونسي في المطالبة بالإطاحة بالنظام وإحداث قطيعة معه ،مع الإشارة إلى الاختلاف الكبير في موقع وتوازنات كل دولة في النظام الاستقرار الإقليمي والعالمي .
    
فمما لا شك فيه أن للتحول التونسي تداعيات كبيرة جدا إقليميا وعربيا ،وهذا من أهم مميزات الثورات وعمليات التحول ،فتاريخيا الثورة الفرنسية أجهزت تدريجيا على كل النظم الأوربية المجاورة ،مع التحفظ في التشبيه كما أن عمليات التحول الديمقراطي في القرن العشرين كانت في شكل موجات عالمية ،والثورة التونسية أكيد سيكون لها انعكاسات على النظم العربية ،مما يدفعها لتقديم تنازلات سياسية واقتصادية ،ولعل مخرجات القمة الاقتصادية العربية الأخيرة خير دليل على ذلك ،علاوة على حركات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي في الكثير من النظم العربية لعدم استفزاز شعوبها .
    
سقط إذا زين العابدين بن علي من هرم السلطة ،فهل سيسقط نظامه.. ؟ وهل سيستطيع التونسيون الحفاظ على مكتسبات ثورتهم.. ؟؟هذا ما ستوضحه الايام القادمة
.
مدونة طلبة ماستر دراسات اقليمية  جامعة الجزائر
http://www.regionalstudies.tk/

اقرأ المزيد