241189572571696

الخميس، 25 ديسمبر 2008

السبت,أيار 10, 2008
"التداول السلمي للسلطة" بين القبول والرفض


موقع" المسلم"
د/أسامة عبدالمالك عثمان.
التدوال السلمي للسلطة, والتعددية السياسية والحريات وغيرها من مفاهيم الديمقراطية الغربية هي جزء من المقترح الغربي, ومن منظومتهم الفكرية الخاصة, وهي على ذلك محل نظر الناس قبولا ونبذا؛ بحسب ما تمليه عليهم عقولهم وإراداتهم, أو بحسب ما تحدده لهم أديانهم, أو أفكارهم التي ارتضوها. ولا يتصور بحال أن تُصادِر تلك الديمقراطية على الناس خصوصياتهم؛ فيُستلبوا لها؛ فتغدو مقياسا ومرجعية "يهذبون" بها ما خرج, أو يفرغون لها دينهم, إذا ناقض.

والواقع, ومنه السياسي, هو كذلك محل نظر المسلم بالقبول أو الرفض, ومرجعيته في ذلك ما ثبت من النصوص الشرعية وصح؛ بفهم السلف من الصحابة الكرام,رضوان الله عليهم, والتابعين , وبما تحتمله الأدلة الشرعية من فهم العلماء المجتهدين.

والعاملون للإسلام من العلماء والدعاة؛ إنما يحدوهم رضوان الله؛ تعبدا لله, وتأثما من إقرار المنكر, أو السكوت على أوضاع تخالف شريعة الله. ولا يطلبون الحكم بأي ثمن, أو بأي وجه, وهم يعلمون أن الملك لله يؤتيه من يشاء, وينزعه ممن يشاء وفق حكمته وسننه وتوقيته.

والداعون إلى تطبيق الشريعة لا يستهدفون وصول شخوصهم إلى السلطة بقدر ما يبتغون وصول الشريعة؛ فإن وصلوا عنها منفكين, أو معلقين بشروط تنزع السيادة عن الشريعة والدين, وتجعلها في رتبة الأحكام الوضعية؛ فليس هذا بالوصول.

التداول السلمي للسلطة البيئة والدواعي:

ترزح كثير من الشعوب العربية تحت حكم مستبد, يُؤبِّد الحاكم, فيحتكر السلطة, بالتضليل والتزوير, ويورثها, كما التركة, دون ثمثيل من الشعب حر, مباشر, أو غير مباشر؛ ما ينشىء الظلم الاقتصادي والسياسي, والاحتقان الاجتماعي, ويوهن في أبناء الشعب كثيرا من معاني الانتماء للدولة والوطن؛ حين يستشعرون التهميش, والاستهانة؛ فيولد ذلك في الأغلب طباعا في العامة غير طيبة ولا محمودة, وتنشط الممارسات الخاطئة من قبيل المحسوبية والرشوة والنفاق, وقد يقود الاستئثار بالسلطة إلى الغلو والخروج عن الحاكم خروجا عنيفا...أو يفضي إلى السلبية, وقلة الفاعلية.

فيستغل هذا الوضع الشاذ دعاة التغريب والمنبهرون بالنموذج الغربي لتسويق بضاعتهم الكاسدة التي منها مبدأ التداول السلمي للسلطة. وهي أيضا مطلب أميركي صريح تشترطه على من يريد الشراكة في اللعبة الديمقراطية والتعددية؛ ما يعني دخولا سياسيا ودستوريا كاملا تحت سقف الديمقراطية, فالحركة, أو الحزب الذي يخوض الانتخابات ويحظى بأكثرية تمكنه من الحكم سيكون هو والقوى السياسية الأخرى من علمانية واشتراكية مُقِرَّا بالدستور, معترفا بشرعية تلك القوى وحقوقها, وسيخضع معها إلى آليات الديمقراطية...

إذن هي فكرة مطلوبة لما وراءها من توفير ضمانات الحكم الصالح, وعدم اختطاف السلطة, أو اغتصابها من الشعب بالاستبداد وتضييع حقوقه.
فما موقف الإسلام من التداول السلمي على السلطة؟ وما الموقف الحقيقي للديمقراطية منها, وما هي شروطها؟

الإسلام لا يقر غصب السلطة, إنما تتوقف شرعية الحاكم على رضا الأمة واختيارها, وحتى القول بشرعية السلطان المتغلب إنما يستند إلى هذا الرضا, وإن لم يكن صريحا.

وهو شرع أحكاما؛ لتكون ضمانات لالتزام الحاكم بالدستور, وما عاهد عليه الله والناس, فإن لم يف بها؛ يحاسب ويُقَوَّم في الدنيا, وحساب الله أشد .
وهو لم يجعل صلاحيات الحاكم مطلقة؛ فليس الإسلام بالحكم الثيوقراطي, ولا الإمام ظل الله في الأرض.
فالإسلام وأحكامه قاضية على الرعية, أو المواطنين, والراعي أو الحاكم:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [ النساء: 59] وهي واضحة الدلالة في أن مرجعية الحاكم والمحكوم, وهما معا إلى الكتاب والسنة, قال الطبري في تفسيرها: " فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم, أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه , { فردوه إلى الله } يعني بذلك : فارتادوا معرفة حكم الذي اشتجرتم أنتم بينكم, أو أنتم وأولو أمركم من عند الله , يعني بذلك : من كتاب الله , فاتبعوا ما وجدتم . وأما قوله : { والرسول } فإنه يقول : فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا , فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا , وإن كان ميتا فمن سنته"
والحكم الإسلامي في عصر دولة الراشدين واضح القسمات, في الوقوف على رأي الأمة, وإن اختلفت أشكال هذا الوقوف, وما كان يتولى الحاكم الخلافة, أو الإمامة, إلا بالرضى والاختيار...

لكن الإسلام لا يسمح بأن تصل إلى سلطانه أحزاب لا تؤمن بفكره ولا تعترف بدستوره. وهذا بدهي في فكر الإسلاميين جميعا, وثمثيلا: قول الشيخ القرضاوي في بحث له بعنوان: "الدين والسياسة.. تأصيل وردّ شبهات"، إذ حدد فيه الشيخ المفاهيم المتصلة, ومنها: مفهوم الدين، ومفهوم السياسة، ثم عرض مشكلة العلاقة بين الدين والسياسة, كما هي متداولة بين الإسلاميين الذين يسعون إلى عدم الفصل بينهما بعقيدة الشمول في الإسلام، وبين العلمانيين الذين يسعون إلى الفصل بينهما، ثم بيّن انبناء الدولة في الإسلام على الدين، محتجا بالنصوص القطعية، وبالسيرة التاريخية، وبالمصلحة الناشئة من ذلك عمليا متمثلة في حشد قوى الأمة، ودفعها إلى الإنجاز الحضاري... فموقف الإسلام الرافض من القبول بمرجعية للدولة غير الدين, ولو مرة, محسومة واضحة.

تداول السلطة ديمقراطيا:
أما في الديمقراطية فيعرف التداول على السلطة بكونه" مبدأ ديمقراطي لا يمكن وفقه لأي حزب سياسي أن يبقى في السلطة إلى ما لا نهاية , و يجب أن يعوض بتيار سياسي آخر".
كما أنه و ضمن احترام النظام السياسي القائم يدخل التداول تغييرا في الأدوار بين قوى سياسية في المعارضة أدخلها الاقتراع العام إلى السلطة و قوى سياسية أخرى تخلت بشكل ظرفي عن السلطة لكي تدخل المعارضة.
و يشترط التداول: التعددية الحزبية, و إجراء انتخابات حرة و نزيهة, و اتفاق الأحزاب حول مؤسسات الدولة و حكم الأغلبية في ظل احترام الأقلية.

فالديمقراطية تسمح بالتداول على السلطة بضوابط أيضا تنسجم وفكرتها عن الحياة, ووجهة نظرها, وقيمه, ولا تسمح للأحزاب التي لا تؤمن بها وبدساتيرها وقيمها أن تتداول على الحكم.


فهل يريدون من الإسلام أن يغدو فارغا من مضمونه, ومن المسلمين أن يستلبوا في بلادهم وينسلخوا من دينهم؟! وهم الذين, ولله الحمد والمنة, ما زالوا يعظِّمون الدين وأحكامه, ولم يرتدوا على أعقابهم, أو ينهزموا أمام القيم المتخبطة ... فهل يقبلون بكل حزب ملحد, أو فاجر يشهر فساده, و يبث سمومه أن يفتح له الباب واسعا في مجتمع بني من أول يوم على الإسلام؛ ليقوضه, ويحل محله؟!


إننا, وإن كنا على يقين, من تعطش الأمة إلى دينها, وتشبثها به, تطبيقا وممارسة, ومرجعية للقوانين والتشريعات؛ فإننا لا نتصور القبول بالتداول للسلطة ضمن الإطار الديمقراطي الغربي؛ لأن ذلك يعني إقرارا ضمنيا بتحييد دين الأمة عنها, وتعويم هويتها؛ لتصبح بلا مرجعية الدين, تحكمها مرجعية الأغلبية المستندة إلى الآليات الديمقراطية, والقواعد الدستورية والقانونية الغربية.

ولا يُتوَهم, بالمغالطة والتضليل, أن رفض التداول للسلطة بالمفهوم الغربي يعني الرضا باحتكار السلطة, والاستبداد بها؛ إذ الإسلام يحقق تلك الأهداف العليا التي يتوهمون أنهم القادرون عليها, بأحكامه الذاتية, وبطريقته الخاصة, بالبيعة, أو باستشعار رضا المسلمين بوسائط غير مباشرة, كأهل الحل والعقد, مثلا. وليس بالضرورة_ كما أسلفت أن يتطابق الإسلام في معالجته لاحتكار السلطة, ونفي مضارها مع الديمقراطية في الحلول والإجراءات, ومن ذلك أنه لا يلتزم بمدتهم التي تواضعوا عليها لنهاية ولاية الرئيس وحزبه؛ بل إن استمرار النخب الحاكمة لفترة أطول قد يكون دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه جميع الدول والحكومات؛ ما يخلق مناخا ملائما للتنمية والاستثمار. وهذا سليم ما دام وجود الحاكم واقعا بمسار طبيعي واستشارة شعبية واضحة.


والأمر بعد ذلك تداول, ولكن مخصوص, ومشروط من الطرفين؛ فكما أن الديمقراطية, مع الفارق, لا تقبل بنقيضها أن يدخل في إطارها, إلا وقد أفرغته من مضمونه؛ فإن الإسلام, وهو الحق, لا يقبل أن يدخل ما يناقضه في إطاره, ويبقى الجمع بينهما, مع احتفاظ كل منهما بخصائصه ومقتضياته غير ممكن, ولا يتصور.

وفي الأخير, إنه لأكثر طبيعية وواقعية أن تُرَدَ أمة إلى دين لم يشغل مكانَه فيها شيء, من أن تُرد جموعها إلى فكر غريب لم يشغل منها شيئا؛ فلا أسهل من رد الأمة إلى وضعها الطبيعي؛ برتق تلك الفجوة المصطنعة بين الدين والواقع؟! وإذا كان العالم بأوساطه السياسية, بما فيه الولايات المتحدة وكيان يهود ينزع نحو معتقداته المحرفة؛ فهل يحسن بالمسلمين أن يغدوا بلا بوصلة, ولا هوية ولا صبغة, وفيهم : " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة"

اقرأ المزيد

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2008

تداول السلطة في الوطن العربي

تداول السلطة في الوطن العربي
اجتماع لمجلس الأمة في الكويتأين يقع تداول السلطة وفق المعايير والضمانات المعتبرة لتداول السلطة على أساس تنافس سلمي؟ علام يؤشر المسار التاريخي لانتقال السلطة في الوطن العربي؟هل يعطي واقع الحكم وآليات عمله فرصة لتداول السلطة وإتاحتها للمواطنين على نحو عادل قائم على تساوي الفرص؟ أم ماذا؟ ما دور البرلمان في تحقيق تداول السلطة وما مدى مرجعيته وتأثيره في اختيار الحكومات وتغييرها؟ كيف تنظم الدساتير العربية – إن وجدت – انتقال السلطة وتداولها وما مدى الالتزام بالدستور وتطبيقه؟ ما الذي تقدمه الأحزاب العربية القائمة علنا والتي تعمل سرا لتفعيل الحياة السياسية على أساس التداول والتنافس السلمي؟ وما قيمة التعددية الحزبية والسياسية القائمة في بعض الأقطار العربية؟ ما هو حال فصل السلطات في الدستور والتطبيق باعتبار ذلك ضمانة للانتصاف من السلطة التنفيذية ومنع تغولها على السلطات الأخرى والحقوق العامة؟
تمثل السلطة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الناس والجماعات والنخب والقادة باعتبارها أحد مداخل الإصلاح والتغيير، وكان الوصول إلى السلطة وسيلة معلنة للإصلاح والعدل ومبرر النزاع والحروب والصراعات بين الدول والأسر والجماعات، ويبدو أن العمل السياسي والإصلاحي العربي لم يشتغل كثيرا بآليات تنظيم انتقال السلطة وتداولها على أساس سلمي وعادل ويعطي الفرصة لجميع الناس بالتساوي في التنافس على السلطة واختيار الحاكم.
ويقدم تاريخ انتقال السلطة في الوطن العربي مجموعة من المؤشرات، أهمها:
”هناك انفصال مبكر في التاريخ الإسلامي بين الفكرة والواقع في ما يخص مسألة تداول السلطة، فبقدر صفاء وشفافية الفكرة في جانبها النظري، نجد أن التطبيقات قد اختلفت عنها وكررت نماذج إنسانية سابقة من انحصار السلطة في يد عوائل لا تمثل سواد الأمة”أولاً: غلبة حكم الأسر والعائلات التي كانت تتولى السلطة وينتقل الحكم فيها إلى الأبناء والأخوة والأقارب، والملفت أن الدولة الإسلامية بدأت بنموذج متقدم في اختيار الحاكم قائم على الشورى ولا يأخذ بالوراثة، وكان يمكن لهذا النموذج أن يغني التجربة الإنسانية في الحكم ويطورها لو أنه استمر، ولكنه توقف بعد ثلاثين سنة وتطبيقه على أربعة خلفاء (الخلفاء الراشدون) ثم دخلت الدولة الإسلامية في مرحلة من حكم العائلات لم تتوقف، والواقع أن النظام الوراثي في الحكم هو المتبع في المجتمعات الإنسانية كلها تقريبا، ولكن الدول الأوروبية طورت أنظمة الحكم فيها في القرنين الأخيرين تقريبا إلى أنظمة يقوم اختيار الحاكم فيها على أساس الانتخاب، وفي الدول التي اختارت الاستمرار في أنظمة الحكم الملكية تم الفصل بين الملك والحكم، فالملك يترأس السلطات ويشرف عليها ولكن الناس ينتخبون النواب الذين يحددون الحكومة حسب نتائج الانتخابات التي تتنافس فيها قوائم وأحزاب سياسية.
ثانياً: خريطة السلطة القائمة في الوطن العربي منذ قيام الدول الحديثة تشير إلى استمرار الوضع في الوطن العربي كما هو دون تغيير، وفي الدول التي استبدلت النظام الجمهوري بالملكي لم يتغير الوضع فيها كثيرا، وتحولت من حكم العائلات إلى حكم الأفراد الذين ربما يؤسسون لحكم عائلي.
ثالثاً: ومن أهم ملامح خريطة السلطة العربية الانقلابات العسكرية التي اجتاحت الوطن العربي في أواخر الأربعينات ولازمته في الخمسينات والستينات، ولكنها بدأت تتراجع منذ السبعينات حتى كادت تنتهي أو انتهت بالفعل، وقد غيرت هذه الانقلابات من طبيعة وتركيبة الحكم والسلطة في كثير من البلاد العربية مثل سورية ومصر والعراق وليبيا والسودان وأدت إلى تغييرات عميقة اجتماعية وسياسية واقتصادية.
رابعاًً: وبالرغم من أن مفهوم تداول السلطة في التشريعات العربية قد نص عليه في غالبها وحُددت لمؤسسات الحكم مدد قانونية تنتهي بانقضائها إلا أن التطبيقات استمرت تنقص من قيمة تلك التشريعات، إذا غيرت أغلب الدول العربية دساتيرها أو علقتها أو عدلت مواد الحكم فيها بما يخدم توجهات القوى المسيطرة على الحكم. كما توجد دول عربية أخرى لم تضع لها دساتيرا حتى الآن.
”لا تتفق التشريعات العربية التي تنص غالبيتها على مبدأ التداول السلمي للسلطة مع تطبيقات أكثر الأنظمة العربية التي تسعى بوسائل كثيرة للبقاء في الحكم من أبرزها التعديلات الدستورية والتلاعب بنتائج الانتخابات”خامساً: وبرغم أنه تجري انتخابات نيابية في كثير من الدول العربية أو معظمها فإن الحياة النيابية العربية لم ترق إلى التأثير في تداول السلطة، ومازال دورها يقتصر على الرقابة والتشريع وتقديم المشورة والرأي، وهي وإن كانت بوضعها الحالي تساهم في تطوير الحياة السياسية وحفظ الحقوق العامة، والرقابة على الحكومات، فإنها لم تكن مرجعية لتداول السلطة كما يفترض أن يكون، والغريب أن التجارب القليلة التي كانت الانتخابات البرلمانية فيها هي المرجعية في اختيار الحكومة هي حالات تاريخية قديمة، وتبدو الانتخابات النيابية تتطور باتجاه احتكار السلطة والنفوذ وتعزيز الفردية والعسكرية بزينة برلمانية، وكان المسار البرلماني عكس ما يفترض إذ بدلا من أن تتطور الحياة السياسية نحو التعددية والتداول السلمي فإنها اتجهت إلى الفردية، ولكن المغرب قدم حالة استثنائية عندما كلف الملك المغربي الراحل الحسن الثاني رئيس الحرب الاشتراكي (المعارض تاريخيا) عبد الرحمن يوسفي تشكيل الحكومة المغربية، وذلك بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت وحقق فيها الحزب أغلبية نسبية.
سادساً: والأحزاب السياسية تؤشر في قيامها ونشاطها وتنافسها على تداول السلطة والتأثير فيها ويمكن الحديث عن تعددية سياسية في الوطن العربي في كثير من أقطاره، وهي تعددية وإن كانت لم تقدم للحياة السياسية فرص التنافس والتداول سوى حالات قليلة في السودان في فترة من الوقت والمغرب في تجربة واحدة هي الحكومة القائمة حاليا، وفي الأردن عام 1956 لمرة واحدة فقط ومدة زمنية لا تتجاوز السنة الواحدة، وفي مصر قبل عام 1952.
ولكن في عدة دول عربية الأحزاب السياسية قائمة، وتعمل بشكل علني وتشارك في الانتخابات العامة، وهي وإن كانت محدودة التأثير تؤشر على حياة سياسية تملك قدرا من التنافس لا يكفي للتداول ولا تملك هذه الأحزاب الحرية والشروط العادلة التي تتيح الحصول على الأغلبية لأي منافس، والأحزاب القادرة على المنافسة والتأثير وإحراز أغلبية لا يتاح لها العمل أو يحال بينها وبين الحصول على حصتها العادلة في الانتخابات.
”تمت في السنوات الأخيرة عمليات توريث للسلطة في أكثر من دولة وراثية، ولكن المستغرب ما تم في دول تتبنى النظام الجمهوري من توريث الحكم للأبناء وهو ما بات حديثا مشاعا في مجموعة من الدول الأخرى”سابعاً: وعند الحديث عن مستقبل تداول السلطة في الوطن العربي والمشكلات والمعوقات التي تمنع قيام ديمقراطية حقيقية تفسح المجال للمواطنين اختيار حكامهم وممثليهم ومحاسبتهم أسوة بمعظم شعوب العالم ومجتمعاته حتى تلك الفقيرة والحديثة التكوين فإن تساؤلا بديهيا يثار عن موقف الإسلام من التعددية السياسية والحريات وتداول السلطة وتنظيم انتقالها على أساس عادل وسلمي، ويبدو الأمر كما في دراسة المفكر الإسلامي راشد الغنوشي حول مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام أن الإسلام يفعّل التعددية السياسية ويدعو إلى المشاركة والعدل والمساواة بما يعني ذلك من حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم، فالإسلام ليس سببا أو أحد الأسباب الثقافية والفكرية لتكريس الاستبداد واحتكار السلطة والنفوذ، فأين الخلل؟ وهل تفتقر الثقافة السياسية العربية إلى القيم والمبادئ الديمقراطية فتكون المشاركة والتعددية مطلبا غير ضروري أو ملح لدى الجماهير العربية، أو هي مجرد هواية تشبه تربية الطيور وجمع الطوابع والتحف الجميلة، أو هي أولوية بمرتبة حماية الزهور والطيور النادرة التي يخشى عليها من الانقراض، أو ما سوى ذلك من الهوايات والمشروعات الأنيقة والمعزولة، أم أن الواقع العربي الذي كونته قرون طويلة من التسلط والاستبداد أفرز تنشئة سياسية واجتماعية تكرس لدى العرب السلبية والامتثال للواقع؟
وحتى لا نظلم الخريطة السياسية العربية فيجب ملاحظة أن قدرا من الانفتاح والهوامش الديمقراطية تحققت منذ التسعينيات، فقد جرت انتخابات نيابية وأطلقت الحياة السياسية في معظم الدول العربية، وهي تحولات وإن كانت إيجابية فإنها لا تعد شيئا بالنسبة لما تحق في أوروبا الشرقية وروسيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أفريقيا.
المصدر:
الجزيرة

اقرأ المزيد

التداول على السلطة مفهومه واشكاله



التداول على السلطة
بقلم عماد بن محمد

vendredi 14 mars 2003.

مع خروج مصطلح التداول على السلطة من دائرة المحرم السياسي العربي اطرد الحديث عن امكانات الانتقال الديمقراطي للحكم في البلاد العربية, و عن أهم معوقاته, و طبيعة كيفياته. لكن في خضم هذا و ذاك, بقي مفهوم التداول أو على الأقل شق منه مبهما يتمنع عن التعريف و الحصر, و ذلك لاشكالات تتعلق بمفارقات في علاقة السياسيLe Politique بالسياسة La Politique من جهة, و من جهة أخرى لتنوع أشكال تطبيقات التداول في الديمقراطيات الحديثة.
I ـ في مفهوم التداول على السلطة :
ان محاولة تعريف مفهوم التداول على السلطة لا تخلو من صعوبات و استشكالات ترتبط بتعدد وجوه التداول, و تنوع لوازم امكانه مما يعرقل عملية حصره في اطار مفهومي واحد, و لكن فقط الجانب التقني لعملية التداول من حيث هو آلية لصعود قوى سياسية من المعارضة الى السلطة و نزول أخرى من السلطة الى المعارضة القادر على تحقيق أقدار من الاجماع و الاتفاق على عملية التعريف.
يعرف شارل دباش التداول على السلطة بكونه ’’مبدأ ديمقراطي لا يمكن ـ وفقه ـ لأي حزب سياسي أن يبقى في السلطة الى ما لا نهاية له, و يجب أن يعوض بتيار سياسي آخر’’. أما جان لوي كرمون فيعتبر أنه’’ و ضمن احترام النظام السياسي القائم يدخل التداول تغييرا في الأدوار بين قوى سياسية في المعارضة أدخلها الاقتراع العام الى السلطة و قوى سياسية أخرى تخلت بشكل ظرفي عن السلطة لكي تدخل الى المعارضة’’.
و لعل المتأمل في هذين التعريفين يتجلى له بوضوح التركيز على الجانب الوظيفي للتداول من حيث كونه آلية لادارة الدخول و الخروج الى السلطة والى المعارضة بين تيارات سياسية مختلفة. لكن في حقيقة الأمر ان اشكالية التداول على السلطة هي أعمق من ذلك بكثير فهي تكشف عن طبيعة الحالة الاجتماعية برمتها في صراعات أطرافها و تحالفاتهم و في درجة الوعي السياسي العام لذلك كان التحقق الفعلي لمبدأ التداول مرهونا بشروط مسبقة هي شرط امكانه.
IIـ في شروط التداول على السلطة :
ـ التعددية الحزبية : في حمأة الصراع على السلطة تتجلى التعددية الحزبية كظاهرة طبيعية لاختلافات سياسية تتضمن تمايزات فكرية, ايديولوجية...الخ بين مكونات المجتمع السياسي. و تمثل ظاهرة ـ الاختلاف ـ هذه, عمق حراك المجتمع و هدف النظام السياسي الذي يتوجه اليها بالتنظيم لحفظ الدولة و المجتمع من التفكك و التحلل.
و لئن كان النظام الاستبدادي و من أجل الحفاظ على وحدة الدولة و المجتمع, التجأ الى قمع قيمة الاختلاف بين المكونات السياسية للمجتمع و تعويضها بنمطية و اتجاه في الغالب يمر عبر محق جميع ضمائر الجمع و تعويضها ما أمكن بضمير المفرد فان النظام الديمقراطي سعى جاهدا الابقاء على مبدأ الاختلاف قائما و لكن مع تنظيمه و تقنينه لكي لا يتحول الى خلاف.
ان التعدد في الأحزاب و الفئات السياسية هو في حقيقة الأمر من أهم شروط التداول على السلطة اذ تنعدم في نظام الحزب الواحد حرية الاختيار بين تيارات سياسية مختلفة و ينحصر الانتخاب في حزب السلطة الذي يهيمن عادة على كل الوظائف السياسية في الدولة وبذلك يفقد الانتخاب كل مضامينه الأساسية ليتحول الى أشكال أقرب الى الاستفتاء أو التزكية أو غيرها من المصطلحات المعبرة عن ابداء الرأى ازاء طرف واحد.
و أدنى أشكال التعددية الحزبية هو و جود حزبين سياسين متنافسين ينحصر التداول على السلطة بينهما في فترات تحددها القوانين المنظمة للانتخابات.
ب ـ الانتخابات : يشترط التداول الديمقراطي على السلطة أيضا الاجراء الدوري لانتخابات حرة و نزيهة. و اذا كان لفظ التداول يطلق على عملية الدخول و الخروج من السلطة فان الانتخابات هي الاداة التي تتم بها هذه العملية. و دون الدخول في في تفاصيل عملية الاقتراع فيكفي القول بضرورة أن يجرى الاقتراع بشكل حر و عام و مباشر و سري, و يبقى اختيار أحد طريقتي الاقتراع المطبقتان حتى الآن في الديمقراطيات الحديثة, الاقتراع بأغلبية الأصوات و الاقتراع بمبدأ النسبية, أمرا موكول الى كل بلد حسب ما يرتضيه.
كما يجب التأكيد على ضرورة دورية اجراء الانتخابات فهي الضامن لعدم بقاء أحد الأطراف السياسية في السلطة الى ما لا نهاية له, و هي الكاشف للتغيرات الحاصلة في اتجاهات الناخبين للتصويت لهذا الطرف أو ذاك.
أخيرا, ان الانتخابات هي الضامن الأساس لعودة تيار سياسي الى السلطة بعد الخروج منها, وهي تمثل احدى أهم المحطات التي يمارس فيها الشعب سيادته و دوره كفيصل و حكم بين التيارات السياسية المتنافسة في البلاد.
ج ـ الاتفاق حول مؤسسات الدولة و حكم الأغلبية في ظل احترام الأقلية : يفترض التداول على السلطة اتفاقا أوليا على مؤسسات الدولة. ان التداول هو ليس تغيير للدولة و انما هو تغيير في الدولة, وهو ليس تبديلا لنظام الدولة بقدر ما هو تغيير للنخبة الحاكمة فقط.
كذلك فان التداول هو تداول على تسلم أجهزة الدولة من أجل تطبيق قناعات و خيارات و برامج الفئات و الأحزاب السياسية الصاعدة الى السلطة, و ذلك من خلال المؤسسات القائمة ( مؤسسة الرئاسة, مؤسسة القضاء, مؤسسة الجيش...الخ). هذه المؤسسات التي لا يمكن تحويرها في الغالب الا بعد استشارة شعبية موسعة و تنقيحات دستورية عميقة بعد الحصول على اجماع داخل الطبقة السياسية. و يجدر الذكر بان دساتير بعض البلدان تحضر أي تعديل على بعض موادها كالنظام الجمهوري في فرنسا أو فيما يتعلق بالحقوق الأساسية للمواطن في كثير من الدساتير الأخرى.
و من نافل القول بأن صعود نخبة سياسية الى سدة الحكم لا يعفيها من الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة التي سبقتها خصوصا في مستوى الاتفاقات الدولية و لكن هذا لا يمنعها طبعا من اعادة النظر في تلك القرارات و الاتفاقات المبرمة سلفا.
و هكذا تترائى لنا بعض أهم حدود التداول و المجالات التي يختص بها, و يبقى حكم الأغلبية ضمن احترام الأقلية, و ضمان حق العودةللفئات المغادرةللسلطةالى المعارضة آخر المبادئ التي يفترضها التداول, فطغيان الفئة الحاكمة و هيمنتها على المجتمع هو الممهد الأساس للدكتاتورية و الاستبداد و المعطل تعريفا لمبدأ التداول.
IIفي أشكال التداول على السلطة
يتم تقسيم التداول عادة بالنظر الى حجم سيطرة النخبة السياسية الصاعدة الى الحكم على السلطتين التنفيذيتين و التشريعية و الذي يتعلق عادة بتوقيت و نتائج الانتخابات الرئاسية و البرلمانية.
أ ـ التداول المطلق : هو التداول الذي تدخل على اثره السلطة بكاملها الى المعارضة. و يتأتى هذا النوع من التداول عادة في النظام البرلماني اثر فوز حزب أو تكتل حزبي متجانس من المعارضة بالأغلبية المطلقة من الأصوات في الاقتراع العام مما يؤهله الى تشكيل الحكومة بمفرده.
أيضا, يمكن أن يحصل تداول مطلق على السلطة في النظامين الرئاسي و نصف الرئاسي اذا ما كان عقد الانتخابات الرئاسية و البرلمانية في فترة زمنية واحدة مما يتيح للرئيس و الأغلبية البرلمانية أن يكونا من تكتل أو حزب واحد قادر على أن يشكل الحكومة بمفرده.
و يتواجد التداول المطلق خصوصا في نظام الحزبينLe Bipartisme . فكان تداول المحافظين و اليبرالين من سنة 1832 الى سنة 1914 في بريطانيا تداولا مطلقا تدخل على اثره السلطة بأسرها الى المعارضة في حين يتسلم الحزب أو الكتلة الفائزة بالأغلبية المطلقة في الانتخابات زمام السلطة.
و حقيقة, يعتبر التداول المطلق على السلطة أعظم و أهم تغيير يمكن أن يحصل في نظام سياسي ما بشكل سلمي و ديمقراطي.
ب ـ التداول النسبي : هو التداول الذي يدخل فيه قسم فقط من السلطة الى صف المعارضة. و يوجد هذا النوع من التداول في النظامين الرئاسي و نصف الرئاسي حيث يتم انتخاب الرئيس و البرلمان في فترات زمنية متباعدة. اذ و على نقيض التداول المطلق حيث تنتمي السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية الى كتلة أو حزب سياسي واحد حاصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات فان التداول النسبي يتيح سيطرة طرف من المعارضة على قسم فقط من السلطة و الحزب الحاكم على القسم الآخر, أي بصورة أخرى أن تنتمي أغلبية البرلمان الى حزب أو كتلة سياسية في الوقت الذي ينتمي فيه الرئيس الى حزب أو كتلة سياسية أخرى.
و يوجد هذا النوع من التداول خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية, اذ عادة ما لا يكون الرئيس من الأغلبية المسيطرة على الكنغرس. ففي الفترة الفاصلة بين سنة 1944 و سنة 1988 لم يحصل تداول مطلق على السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الاّ مرة واحدة و ذلك في سنة 1952 في عهد الرئيس ازنهاور.
ج ـ التداول عبر وسيط : يوجد هذا النوع من التداول على السلطة خصوصا في ألمانيا, اذ بحكم عدم حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة في البرلمان يتم التداول عبر ترجيح حزب ثالث كفة أحد الحزبين الرئيسين ( الحزب الديمقراطي المسيحي و الحزب الحزب الاجتماعي الديمقراطي) من أجل تشكيل الحكومة. و قد لعب الحزب الليبرالي لفترات طويلة دور المرجح لكفة أحد هذين الحزبين من أجل السيطرة على السلطة.
و كثيرا ما يأخذ الحزب الثالث بالبرلمان في هذا النوع من التداول حجما أكبر مما هو عليه في حقيقة الأمر, و غالبا ما يفرض على الحزب الذي اختار ترجيحه من أجل تشكيل الحكومة تنازلات سياسية.
و جدير بالذكر, ان الحكومة في هذا النوع من التداول كثير ما تكون غير قوية و ذلك لظلال الشك التي تعتريها من أن ينفرط عقد التحالف بين الحزبين الذين يؤلفانها على عكس ما هو موجود عادة في نظام الحزبين حيث يكون للحزب الفائز في الانتخابات القدرة على تشكيل الحكومة بمفرده و دون الحاجة الى الاستعانة بأقلية أخرى في البرلمان.
و في النهاية, يمكن لنا من دون عناء ملاحظة الاجماع الحاصل لدى الأنظمة السياسية على اعتبار التداول على السلطة كونه آلية منظمة للحياة السياسية. هذا بالاضافة الى اعتبار التداول كونه اتفاقا على حل المشاكل السياسية و الاجتماعية بطرق سلمية و تعاقدية, وهو عين ما تصبو الى تحقيقه الديمقراطية.
كما يعكس تنوع أشكال التداول على السلطة درجة الاجماع الحاصل ازاء النخبة السياسية الحاكمة. اذ يعبر التداول المطلق على رغبة الى تغيير جذري في السلطة لدى الناخب في حين يعكس التداول النسبي رغبة في تغييرات جزئية و أكثر بطئا, أما التداول عبر وسيط فيعبر عن رفض الناخبين لنظام الحزبين وهيمنة حزب أو اثنين فقط على الحياة السياسية.
أخيرا, يعبر تعدد أشكال التداول على السلطة عن تنوع وجوه النظام الديمقراطي من حيث هو نظام توافق و تعاقد سياسي و اجتماعي وليد تجربة تاريخية و فضاء ثقافي معينين.
عماد بن محمد باحث في العلوم السياسية
Source : http://www.kalimatunisie.com/num12/index12.htm

اقرأ المزيد