241189572571696

الاثنين، 12 يناير، 2015

ما بعد الوفرة ... مآلات السلم الاجتماعي في الجزائر بعد انهيار أسعار النفط



محمد المهدي شنين 
انهارت أسعار النفط ، و ارتفعت معها المخاوف من التحديات الاقتصادية ، و ضغوط المطالب الاجتماعية ، بعد فترة الوفرة المالية التي عاشتها الجزائر ، و التي تعرف داخليا "بالبحبوحة" ، حيث جنت خلالها عوائد مالية بقيمة 800 مليار دولار ، لكن هذه الوفرة لم توظف لإخراج البلاد من التبعية الكاملة لقطاع المحروقات الذي يمثل 98% من الصادرات ، و يساهم بـ 60% من الدخل الوطني ، مما جعل الجبهة الاجتماعية رهينة لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية .
1-/ رهانات الجبهة الاجتماعية :
ارتبطت السياسات الحكومية تجاه المطالب الاجتماعية بأسعار النفط ، بحكم ارتهان الدولة للعوائد النفطية منذ الاستقلال ، و تعيش الجزائر على وقع تحديات اجتماعية ، عكستها الاحتجاجات في قطاعات مختلفة ، إضافة إلى الأزمات المزمنة التي تعانيها البلاد كأزمتي البطالة و السكن ، و التي زادت من الأعباء على الميزانية .
و قد شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة إضرابات عمالية في قطاعات مختلفة ، مطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي ورفع الأجور كان أبرزها قطاع التربية ،والذي شهد إضرابات متواصلة ،و جولات من المفاوضات مع الوزارة ساهمت في احتواء الوضع بشكل كبير،كذلك نظمت جملة احتجاجات و إضرابات عمالية في قطاعات الصحة و التضامن الوطني ، علاوة على احتجاجات الشباب العاملين في إطار عقود ما قبل التشغيل ، و المطالبين بفرص عمل قارة ، و أخيرا عاشت البلاد على وقع الاحتجاجات التي نظمتها الشرطة في أكثر من ولاية ، و المطالبة بتحسين ظروف العمل و زيادة الأجور، خاصة بعد أحداث العنف التي شهدتها ولاية غرداية جنوبي البلاد.

لم تقتصر الرهانات الاجتماعية على المطالب العمالية فقط ، فالدولة أمام التزامات داخلية تحتاج إلى أغلفة مالية ضخمة ، أبرزها أزمة السكن ، و التي تعتبر من أكبر التحديات التي تعرفها الجزائر ، و تسعى للقضاء عليها آفاق 2019 ، نظرا لما يرافقها من احتجاجات و اضطرابات ،كما شهدت الولايات الجنوبية احتجاجات شبابية متواصلة منذ سنوات ، مطالبة بفرص التشغيل في الحقول البترولية القريبة ، إضافة إلى دفع عجلة التنمية و النهوض بالمناطق الجنوبية التي تعيش عجز من حيث المرافق و البنى التحتية .
تواجه الجزائر هذه التحديات في ظل محيط إقليمي مضطرب و غير مستقر، يفرض أعباء أمنية على البلاد ، كما يجعلها وجهة للاجئين من الدول المجاورة ، مما يفاقم من تأزم الوضع الداخلي ، إذ يشهد شمال مالي حربا داخلية ، و حالة انفلات أمني جعلها مصدر تهديد دائم ، كما تستنفر الجزائر قواتها على الحدود الشرقية مع ليبيا ، من أجل احتواء التهديدات الناجمة عن الاقتتال الداخلي و انهيار الدولة .
و قد حاول النظام احتواء التحديات الداخلية ، و التي كانت ذروتها في 2011 بما عرف حينها "باحتجاجات الزيت و السكر" ، وذلك من خلال ضخ الأموال عن طريق زيادة الأجور ، و دعم المواد الاستهلاكية ، خاصة و أن الفترة ذاتها شهدت بدايات الحراك العربي ، و الذي مست تداعياته المحيط الجزائري .
اعتمدت السياسات الحكومية في احتواء المطالب الاجتماعية على البحبوحة المالية ، لكن يبدو أن الوضع تغير بتهاوي أسعار النفط ، و قد حذرت الأحزاب السياسية من التداعيات الوخيمة لهذا الانهيار على الوضع الاجتماعي و الاقتصادي للجزائر ، و اعتبرت أن تهرب الحكومة من مواجهة هذه التداعيات ، و استنادها على الريع النفطي لشراء السلم الاجتماعي ، سيزيد من حجم هذه التأثيرات ، و يستدعي مناخ الأزمة الاقتصادية الحادة التي هزت البلاد عام 1986 ،  و التي ترتب عنها انفجار اجتماعي .­)[1](   
2-/ الاستجابة الحكومية :
سعت الحكومة منذ بداية انهيار أسعار النفط إلى التطمين أن هذا الانهيار لن يؤثر على البلاد بشكل كبير ، معتمدة في ذلك على الفوائض المالية التي حققتها خلال سنوات الوفرة ، لكن هذه التطمينات سرعان ما تغيرات بعد استمرار تهاوي النفط و وصوله إلى ما دون 55 دولار ، حيث أعلن الوزير الأول عن سياسة التقشف .
و قد أوردت صحيفة البلاد أن رئيس الجمهورية عقد اجتماعا وزاريا مصغرا وجه فيه إنذارات إلى الوزراء ، و خرج بقرارات أهمها انتهاج سياسة تقشفية ، باعتماد إجراءات للحد من نزيف الخزينة العمومية ، على غرار تجميد كل مسابقات التوظيف ،و المناصب المالية المتوفرة تخضع لموافقة الوزير الأول شخصيا ، إضافة إلى تجميد المشاريع الكبرى خلال الفترة الحالية ، و تقليص ميزانيات تسيير و تجهيز الوزارات ، و حمل البنوك العمومية و الخاصة على تمويل المشاريع الاستثمارية بدل الخزينة ، دون المساس بسياسة الدعم الحكومي للمواد الاستهلاكية .([2])
و قد اعتبر العديد من الخبراء أن سياسة التقشف التي اعتمدتها الحكومة لا تمثل حلا للمشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ، وإن حاولت شراء السلم الاجتماعي من خلال الحفاظ على دعم المواد الاستهلاكية ، إلا أنها ستعمق من أزمة البطالة في ظل تجميد مسابقات التوظيف ، و إمكانية تجميد المشاريع الكبرى ، و التي تستوعب الكثير من العمال .
و للمفارقة أقرت الحكومة ميزانية لسنة 2015 هي الأضخم في تاريخ البلاد ، إذ تزيد عن 100 مليار دولار ، و قد توقع نص مشروع المالية لسنة 2015 أن تبلغ مداخيل الميزانية 4.684.6 مليار دينار ، على أن تبلغ قيمة النفقات 8.858.1 مليار دينار ، مما يعني تحقيق عجز يقدر بـ 4.173.3 مليار دينار ، أي 22.1% من الناتج المحلي ، و ستزيد النفقات العمومية في ميزانية 2015 بنسبة 15.7 % ، وقدرت مخصصات الدعم على المواد الاستهلاكية (الزيت ، السكر ، الحليب ، الدقيق ) بحوالي 2.8 مليار دولار ، بينما تجاوز دعم المواد الطاقوية 20 مليار دولار.([3]) ،ّ و قد بنت الحكومة الجزائرية موازنتها لسنة 2015 على أساس 37 دولار للبرميل ، بحيث يرجع الفائض المالي  لصندوق ضبط الإيرادات الذي يمول العجز ، إذ أن الميزانية بحاجة إلى سعر 110 دولار للبرميل على الأقل لتحقيق التوازن .
ما يلاحظ على موازنة 2015 أنها آثرت التخفيف من التبعات المباشرة لانهيار أسعار النفط على المواطن نظرا للفائض المالي ، لكن المؤكد أن هذا الانهيار سيكون له أثر كبير على الواقع الاقتصادي في الجزائر و الذي يعتمد بشكل كبير على القطاع العام و دعم الدولة ، كما أن الاستمرار في السياسات الاقتصادية الراهنة سيسرع من استنزاف الاحتياطي المالي ، مما سيخلف تداعيات على السلم الاجتماعي مستقبلا .
3-/ آفاق السلم الاجتماعي في ظل الركود الاقتصادي .
تعتمد الجزائر على مداخيلها النفطية بصفة مطلقة مما يجعلها من أكثر البلدان تأثرا بالتغيرات في أسعار الطاقة ، إذ أن انهيار الأسعار يجعل الدولة عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها الداخلية ، كما ينعكس سلبا على البنية الاقتصادية الهشة، هذه الأخيرة التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمار الحكومي من خلال المشاريع التي تطلقها الحكومة عبر المخططات المتتالية .
و قد أكد الخبير الاقتصادي عبد الحق لعميري أن الاقتصاد الجزائري ينفق 3.5 دولار لإنتاج دولار واحد ، الأمر الذي يؤكد على ضعف المردودية الاقتصادية لمختلف القطاعات الاقتصادية ، في ظل مواصلة السلطات العمومية الاعتماد على مداخيل الموارد الطاقوية على مستوى السوق العالمية.([4])
فهشاشة البنية الاقتصادية للبلاد لا تستطيع الصمود طويلا أمام تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية ، و في هذا السياق يقول فاروق طيفور المتحدث باسم حركة حمس ليومية الخبر أن تقديرات وزارة المالية للجزائر تستدعي بقاء سعر النفط في حدود 120 دولار للبرميل ، مشيرا إلى أن المؤشرات الحالية قد تدفع الجزائر إلى حالة عجز عن الدفع شبيهة بأزمة 1986.([5])
و مما يمكن أن يعمق من حدة الأزمة مستقبلا السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة ، إضافة إلى الفساد الذي يستنزف مقدرات البلاد ، يقول النائب البرلماني عن جبهة العدالة و التنمية لخضر بن خلاف  أن الصناديق الخاصة تستنزف ميزانية الدولة ، حيث أضاعت في السنوات الأخيرة ما يقارب 175 مليار دولار بسبب الفساد و غياب الشفافية ، و أورد لصحيفة البلاد أن 68 صندوقا خاصا في الجزائر على غرار صندوق التنمية الاقتصادية كانت محل انتقاد كبير من قبل هيئات اقتصادية عالمية على غرار صندوق النقد الدولي ، إضافة إلى الهيئات المحلية مثل مجلس المحاسبة .([6])
و قد تراجعت الجزائر في مؤشر الفساد الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية من المرتبة 94 في مؤشر العام 2013 لتتراجع إلى المرتبة 100 من 175 في مؤشر 2014 بدرجة ضعيفة قدرها 3.6% ([7]) ، و في السنوات الأخيرة برزت العديد من قضايا الفساد في مؤسسات الدولة ، حيث قوبلت باستياء شعبي كبير ، كان أبرزها قضية سوناطراك و المتهم فيها وزير الطاقة السابق شكيب خليل الفار من العدالة .
هذا العجز المتأصل في البنية الاقتصادية الجزائرية ، و الذي يتفاقم بفعل فشل السياسات الحكومية و استشراء الفساد في هياكل الدولة سيتسبب بتداعيات سلبية جدا على السلم الاجتماعي مستقبلا ، خاصة إذا حاولت الحكومة القيام بأي إصلاحات من شأنها المساس مباشرة بالمواطن سواء من خلال رفع الدعم أو تخفيض الأجور أو تسريح العمال ، خاصة و أن هذه الإجراءات ستكون حتمية في حالة استمرار انهيار أسعار النفط و استنزاف الاحتياطات النقدية ، هذه الأخيرة التي ستفيد تخفيف حدة الأزمة و تأخير الانفجار .
هذه التحديات ستضيف أعباء على الدولة في ظل التحديات الداخلية الناجمة عن ارتفاع نسب البطالة ، و تزايد المطالب الفئوية و العمالية ، و انتشار الاحتجاجات الشبابية المطالبة بتوفير فرص للعمل ، كما أن أي إجراءات تقشفية ستكون فاقدة للمصداقية في ظل فضائح الفساد المالي التي مست شخصيات نافذة في الدولة و استنزفت مقدرات مالية ضخمة ، علاوة على السياسات الاقتصادية الفاشلة ، و التي أخفقت في توظيف البحبوحة المالية في دفع العجلة الاقتصادية بعيدا عن الارتهان لقطاع المحروقات .

الهوامش و الإحالات :


([1])- عثمان لحياني ، انهيار أسعار النفط استدعاء لمناخ أزمة عام 1986 في الجزائر ، موقع جريدة الخبر ، متوفر على الرابط : http://www.elkhabar.com/ar/politique/436907.html
([2]) - صحيفة البلاد ، انخفاض أسـعار النفط .. اجتماعات أوبك .. حلف الجزائر ـ كراكاس والتعنت السعودي وسياسة التقشف ، متوفر على الرابط : http://www.elbilad.net/article/detail?id=28054

([3])- وكالة الأنباء الجزائرية ، رئيس الجمهورية يوقع على قانون المالية لسنة 2015، متوفر على الرابط التالي :

([4] )- يومية الخبر ، منتدى الخبر يناقش انعكاسات انهيار اسعار النفط على الاقتصاد الجزائري ، متوفر على الرابط التالي : http://www.elkhabar.com/ar/autres/nadwa/429269.html
([5]) - عثمان لحياني ، المقال السابق .
([6]) - يومية البلاد ، خسائر الجزائر السنوية تعادل ميزانيات ثلاثة دول افريقية ، متوفر على الرابط التالي : http://www.djazairess.com/elbilad/222917
([7]) - خالد بودية ، الجزائر تلميذ غير نجيب في مكافحة الفساد ، يومية الخبر ، متوفر على الرابط التالي :


مصدر المقال : 


اقرأ المزيد

الأربعاء، 7 يناير، 2015

جورج سورس.. رجل بوزن "مجموعة دول"؟؟




أ/ عصام بن الشيخ 
أ/ محمد المهدي شنين 

    "إنّني أتمتع ببعض الصفات التي تسمح لي بأن أخطط لمصير العالم في المستقبل، فأنا أعرف ماذا تعني العولمة الرأسمالية والأسواق المصرفية الدولية، لأنّني جربت نفسي فيها ونجحت، كما أسّست بعدئذ شبكة دولية من المؤسسات والجمعيات الهادفة إلى تشكيل المجتمع المفتوح على مستوى العالم كلّه".([1])
    إنّه جورج سورس من أقوى الشخصيات النافذة في العالم بفضل الثروة المالية الضخمة، التي عززتها شبكات العولمة، ولعله من أبرز ملامح النظام العالمي الجديد، حيث لا يخفى تراجع الدولة ومركزيتها كفاعل وحيد في العلاقات الدولية، لصالح الفواعل الجديدة من منظمات وأفراد كجورج سورس، هذا الأخير الذي كان له تأثيرات قوية على العديد من دول العالم اقتصاديا وسياسيا، من خلال ثروته الضخمة، وشبكة المؤسسات التي يديرها ويموّلها عبر أكثر من 50 دولة تحت ما يسمى "المجتمع المفتوح"، يقول في كتابه "جورج سورس والعولمة"، "إنّني انخرطت بنشاط في محاولة جعل العالم مكانا أفضل، فقد أوجدت شبكة من المؤسسات المكرسة لمفهوم المجتمع المفتوح". ([2])

1-/ من هو ...جورج سورس ؟؟.
     ولد سورس بالمجر في (11 أغسطس 1930)، وكان اسمه جورج شوارتز، كان والده يهوديا غير اسم العائلة سنة 1936 من شوارتز إلى سورس خوفا من النازيين، هاجر جورج إلى انجلترا في 1947، وفيها تخرج من مدرسة لندن للاقتصاد، وفي سنة 1956 توجه إلى الولايات المتحدة، حيث تنقل بين أكثر من وظيفة، حتى أنشأ عام 1973 شركته الاستثمارية الخاصة، بعدها تضاعفت ثروته وأصبح يعرف بالمضارب الأكبر في الاقتصاد العالمي، وقد وضعته مجلة فوربس الأمريكية في المرتبة 24 على قائمة أغنى رجل في الولايات المتحدة.([3])
    يقول جورج سورس في مقدمة كتابه عصر اللاعصمة عواقب الحرب على الإرهاب: "حالفني الحظ في تحقيق أحلامي أكثر من معظم الناس، ومع ذلك فقد تعرض التأثير الذي مارسته للمبالغة والتهويل، إذ قيل أنني الرجل الذي دفع بنك انجلترا إلى حافة الإفلاس، حين أجبرت بريطانيا على الخروج من آلية الصرف الأوربية، أما مهاتير محمد فقد اتهمني بالتسبب بالأزمة المالية الأسيوية سنة 1997، بينما حملني الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مسؤولية ما سمي بالثورة الملونة في كل جورجيا وأوكرانيا، كما اتهمت بمحاولة شراء الانتخابات، بعد أن اتخذت موقفا معارضا لإعادة انتخاب الرئيس بوش عام 2004 ". ([4])
     اقترن اسم جورج سورس منذ بداية التسعينات بالعديد من الأزمات المالية والمضاربات الاقتصادية، كما اقترن اسمه بالجمعيات التي يدعمها ويمولها، والتي تنشط حول العالم، ولها تأثيرها الكبير، وعلى رأسها مجموعة الأزمات الدولية، مما أهله لامتلاك نفوذ مركب اقتصاديا وسياسيا ودعائيا.

2-/ بنية القوة.
     في إجابته عن السؤال كيف بلغت هذا الموقع المتميز؟، يقول سوروس: "جمعت توليفة من ثلاث مؤهلات، أولا: استطعت تطوير إطار نظري زودني بفهم معين للتاريخ، ثانيا: آمنت بمجموعة من المعتقدات الأخلاقية والسياسية، ثالثا: جمعت ثروة ضخمة من المال، هذا بالإضافة إلى شبكة المؤسسات غير الربحية التي أنشأتها، والتي زودتني بركيزة صلبة من المعارف المحلية، يمكنني المطالبة على أساسها بحقي في أن يؤخذ برأيي في تشكيلة منوعة من القضايا، كما أن للأشخاص الذين يديرون هذه المؤسسات الحق بالمشاركة في الحياة السياسية لبلدانهم، وهو حق ربما لا أتمتع به أنا الأجنبي". ([5])
     يرتكز سوروس على قوة مركبة من المال والصناعة الفكر والتأثير السياسي في شكل متتالية، تنطلق من الاقتصاد والقوة المالية التي تستغل في تشكيل الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني عبر العالم، وهذه الأخيرة تسمح سوروس بنفوذ عابر للقارات وتتيح له إمكانية التأثير في سياسات الدول وأوضاعها الداخلية، و ربما حتى في توجهاتها الخارجية.
     ارتكز نفوذ جورج سوروس على مكانته الاقتصادية في أسواق العملات، والتي كانت وراء ثروته، وكانت أيضا نافذة تأثيره على اقتصاديات الدول، من خلال المضاربات في أسواق العملات، حيث كانت وراء الانهيار الاقتصادي لأكثر من دولة.
     ففي سنة 1997 اتهم الصندوق التحوطي لسورس بالتسبب في انهيار العملة التايلندية "البات"، مما تسبب في هزة مالية سرت في الأسواق الآسيوية كلها، وبعد الأزمة اتهم مهاتير محمد جورج سوروس بالتسبب في تخفيض العملات الآسيوية للانتقام من الدول الأعضاء في منظمة الآسيان لقبولها عضوية حكومة ميانمار العسكرية. ([6])
     اتهم سورس قبلها بخمسة سنوات، بالمضاربة على الجنيه الإسترليني في بريطانيا، وكسب من وراءها أكثر من مليار دولار، مما أجبر بريطانيا على رفض الانضمام للعملة الأوربية، وتثبيت الجنيه الإسترليني، وقد أوصلت الأزمة بنك انجلترا إلى حافة الإفلاس.
     لا تعتمد قوة سوروس على المال فقط، إذ وظّف هذا الأخير أمواله في اتجاهات عدّة أبرزها دعم منظمات المجتمع المدني وتمويلها وتكوينها عبر العالم، واتّهم في أكثر من منطقة بتأجيج الثورات والاضطرابات، خاصة في أوربا الشرقية التي نشطت فيها جمعياته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث يقول: "حين انهيار النظام السوفييتي تمكنت مؤسساتي من انجاز الكثير بشكل مستقل، وظلت مؤسساتي مدة طويلة عمليا دون منافسين، الأمر الذي جعلها بالغة التأثير واسعة النفوذ ". ([7])
     أنشأ سوروس منظمة "المجتمع المفتوح" ولها فروع في معظم دول العالم، للاتصال المباشر وإدارة الشبكات التي تم تجنيدها، والعمل على استقطاب المزيد، لم يكتف سوروس بذلك وإنما يمول ما يسمى بـ "الصندوق الوطني للديمقراطية"، الذي يمول أنشطة تجنيد الشباب في 90 بلدا، ويمول سوروس أيضا "مجموعة الأزمات الدولية"، وهناك أيضا منظمة باسمه "مؤسسة سوروس" تعمل في معظم دول العالم، ومعلومات أخرى معلنة عن وجود 20 مؤسسة تابعة لسوروس تعمل في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، و30 فرعا في دول أخرى. ([8])

3-/ ملامح الفكر السياسي ..لسورس .
    طوّر جورج سورس فكره السياسي من خلال جملة الأفكار التي يسعى إلى تحقيقها على مستوى عالمي، مستغلا العولمة وما توفره من شبكات وتواصل، حيث يقول: "أستطيع تحديد هدفي باعتباره مجتمعا عالميا مفتوحا، وأنا أسعى إليه على مستويين: أحدهما يتصل بالنظام العالمي، والأخر يتعلق بالنظام السائد في بلدان العالم كله على حدة". ([9])
    استفاد سوروس من العولمة وطور إمكاناته التأثيرية، عبر توسيع استثماراته إلى أسواق جديدة، ومن خلال نفوذ مؤسساته في دول كثيرة، ورغم ذلك ينتقد سوروس العولمة في شكل انفصامي متقمصا الإنسانية وكأنّه لم يستفد من قوى العولمة وتقلبات الأسواق المالية من خلال المضاربات، ويرى أنها قد تسببت بضرر كبير للدول الأقل تطورا، بدون أن يتوفر لها شبكة أمان اجتماعية، في حين همشت كثيرا من الدول الأخرى من قبل الأسواق العالمية، كما تسببت العولمة في سوء توزيع للموارد. ([10])
     كما يعتقد أن المؤسسات الدولية تحتاج إلى بعض الإصلاحات، نظرا لأنها تحت هيمنة الدول الغنية، ويرى سوروس أنّ الأمم المتحدة رغم أهدافها النبيلة إلا أنها عاجزة عن ترجمة مقاصدها، لذلك يرى أنّ مؤسسات المجتمع الدولي لم تواكب تطور الأسواق الدولية، وتغيرات العولمة، فأضحت بنى عاجزة، لأنها تحمي مصالح الدول والأنظمة لا مصالح الشعوب حسب اعتقاده.
    كما يتخذ سوروس موقفا من سياسة الولايات المتحدة، وخصوصا المحافظين، حيث يرى أنّها أكبر مهدد للاستقرار العالمي، ويقول: "العقبة الرئيسية أمام إقامة نظام عالمي مستقر وعادل هي الولايات المتحدة، فهي قومانية إذا جاز التعبير، تشدد على استخدام القوة، وتجاهل المشكلات العالمية التي يتطلب حلها تعاونا دوليا. ([11])
     يؤكد جورج سوروس على أهمية المال وتأثير رجال الثروة في سياسة الولايات المتحدة، إذ يقول في كتابه أزمة الرأسمالية العالمية" في الولايات المتحدة لا يستطيع الفوز بالانتخابات إلا الذين يعقدون الصفقات مع مراكز القوى، للحصول على ما يكفيهم من المال لنجاح حملتهم الانتخابية. ([12])
    ويعتبر مفهوم المجتمع المفتوح Open Society من أهم المفاهيم التي اقترن ذكرها باسم جورج سوروس، وسخر ثروته لتجسيدها، من خلال إنشاءه لمؤسسة المجتمع المفتوحOpen Society Foundations، والتي تعرف نفسها بأنّها "تعمل على بناء مجتمعات متسامحة، تتأسس على مساءلة حكوماتها ، و تكون منفتحة لمشاركة الجميع". ([13])
     هذه المؤسسة هي مجموعة من المكاتب والمنظمات عبر أنحاء العالم، تعرف نفسها بأنّها تموّل برامج التعليم والصحة وتطوير الأعمال، كما تقوم بتدريب النشطاء والعاملين ضمن فعاليات المجتمع المدني، يقول سوروس: "ينبغي أن أفسر ما أعنيه بالمجتمع  العالمي المفتوح، أشدد على أنه لا يعني إنشاء حكومة عالمية، أقصد بالتحديد سيادة القانون الدولي، فالنظام الدولي السائد غير مرض و غير كاف". ([14])
     ورغم محاولة إضفاء الطابع الإنساني على هذه المؤسسة، إلاّ أنّها واجهت اتهامات بتأجيج الاضطرابات في مناطق عدة، آخرها مصر وأوكرانيا، ففي مصر وجه وزير العدل المصري في فترة حكم المجلس العسكري عادل عبد الحميد تهما لنحو 300 منظمة غير حكومية، وغير مصرح بها، حيث اتهمت هذه المؤسسات بالنشاط لتأجيج الاضطرابات والحرب الأهلية في البلاد، بغرض فرض نظام جديد، وكانت هذه المنظمات تتلقى دعما في التدريب والتمويل من طرف منظمة المجتمع المفتوح. ([15])
     ويتأسس عمل هذه المنظمات على رؤية سوروس للسيادة، حيث يرى أنّ الأخيرة تنطوي على مفارقة تاريخية، فهي موروثة مع العصر الذي كان فيه الملوك يحكمون، وبعد الثورة الفرنسية انتقلت السيادة على الدولة إلى الشعب، لذلك فالسيادة لا تكفي لعالم اليوم، المعتمد على بعضه باضطراد، وفي ظل تفاقم الأزمات الدولية تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية التدخل، هذه الحالة التي دعاها كارل بوبر: "الهندسة الاجتماعية التدريجية"، ويقرّ سوروس: "أنا على استعداد للانخراط فيها شخصيا من خلال المؤسسات التي أمتلكها". ([16])

4-/ تفكيك المجتمعات ..و تركيبها:
    يقود البحث حول جورج سوروس إلى مجموعة من المحطات، إذ يتأسس نفوذ الرجل على القوة المالية والثروة القائمة على المضاربة في أسواق المال، ويسخر سوروس هذه القوة المادية في تمويل برامج مؤسساته وجمعياته عبر العالم، من خلال تأهيل وتكوين كوادر من دول مختلفة، تؤمن بجملة المبادئ والتصورات التي يعتقدها، تؤهله هذه الفعاليات المجتمعية للتأثير في الدول والمجتمعات، من خلال تحريك الجماهير وتوجيهها، والتأثير في سياسات الحكومات، من خلال المنظمات المترابطة والعابرة للحدود.
     ما يلاحظ كذلك هو استهداف سوروس للمراحل الانتقالية، أو محاولة استحداثها عن طريق إدخال الدول في اضطرابات تدفع نحو هذه المراحل، وهي فترة خطيرة وتأسيسية لما بعدها، يكون فيها النظام معولم، كما تكون فيها الأهداف ضبابية غير واضحة بسبب شيوع الفوضى وحالة اللااستقرار.
    تتيح المراحل الانتقالية مساحات للمنظمات والفعاليات المدعومة من الخارج، دون حساب أو مراقبة، بسبب الفوضى وتشتت التركيز الأمني، مما يمكن هذه المنظمات، ومن وراءها من نفاذين من أمثال سوروس من إعادة تشكيل المجتمعات والكيانات على أسس جديدة، وهذا تجسيدا لفكرة الهندسة الاجتماعية التدريجية التي آمن بها سوروس، هذا البرنامج المترابط والتكامل الأجزاء هو الذي أهل جورج سوروس ليكون من أقوى النافذين والمؤثرين في السياسة العالمية.

الهوامش والإحالات:



([1])- عبد الجليل زيد المرهون، جورج سورس وعالم السياسة الأمريكي، متوفر على الرابط :
([2])- جورج سورس، جورج سورس والعولمة (ترجمة : هشام الدجاني ) (الرياض: مكتبة العبيكان، 2003)، ص. 16.
([3])- موقع ألف باء الأخبار، جورج سورس، متوفر على الرابط التالي:
([4])- جورج سورس، عصر اللاعصمة عواقب الحرب على الإرهاب (ترجمة: معين الإمام) (الرياض: مكتبة العبيكان، 2007)، ص. 10.
([5])نفس المرجع، ص. 10.
([6])- ليندا اس هيرد، من يخشى جورج سوروس؟، مجلة الشندغة، العدد: 75 (أبريل 2007).
([7])- جورج سوروس، عصر اللاعصمة، ص. 11.
([8])- عامر عبد المنعم، مخطط سوروس الذي يدافع عنه البرادعي لاختطاف الثورة، متوفر على الرابط:
([9])- جورج سورس، المرجع السابق، ص. 13.
([10])- جورج سوروس، جورج سوروس والعولمة، المرجع السابق، ص. 29.
([11])- جورج سوروس، عصر اللاعصمة، ص. 17.
([12])- أسماء حسن ملكاوي، عرض كتاب جورج سوروس: وهم التفوق الأمريكي... سوء استخدام القوة الأمريكية،مجلة إسلامية المعرفة، العدد: 43 (2003)، ص. 291.
- ([13]) The Open Society Foundations,  Mission &  values, the link:
([14])- جورج سوروس، المرجع السابق، ص. 15.
- ([15]) Aaron klein, Soros fingered in Egypt  unrest, the link:
([16])جورج سوروس، المرجع السابق، ص 16.

المقال منشور في موقع أهلا العربية
  

اقرأ المزيد