241189572571696

الأحد، 10 يوليو 2011

تحولات مفهوم الأمن الإنساني


  
محمد المهدي شنين 
                          
شكل الأمن ولا يزال محور تفكير الإنسان سواء كان فردا أم جماعة ، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأولى والمصلحة العليا للدولة ، فلا يستقيم نظام ولا يقوم اقتصاد دون ترسيخ وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار ، وقد ترك التطور التاريخي وتركب وتعقد الحياة الإنسانية بصمات كبيرة وعديدة على مفهوم الأمن والذي أصبح بدوره أيضا مركبا ومعقدا كما أصبح مرآة عاكسة للتطور المفاهيمي والفكري ، والتغير المتسارع الذي تشهده الإنسانية عبر مراحلها التاريخية وخصوصا مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، وهذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال التعرض لمفهوم الأمن الإنساني محاولين استجلاء ابرز التغيرات التي دخلت عليه وموضحين لأبرز مهدداته
*      مفهوم الأمن الإنساني
الأمن لغة يعني الاطمئنان الناتج عن الوثوق بالغير ، وبالله ومنه جاء الإيمان ، وقد تغير مفهوم الأمن وتعقد بسبب التراكم التاريخي وتعقد الظاهرة الإنسانية ، فيعتبر التحول في مفهوم الأمن نتيجة منطقية لتغير المشهد الدولي حيث تعددت الفواعل على الساحة العالمية كما تنوعت مصادر التهديد داخل وخارج الدولة مما يستلزم مفهوم جديد للأمن يحاول أن يشمل كل هذه الظواهر الجديدة فظهر الأمن الإنساني .
   نجد له تعريف انه " امن الإنسان من الخوف (القهر، العنف، التهميش) والحاجة (الحرمان وعدم التمكين الاجتماعي ) أي محاولة خلق ديناميكية تدمج الإنسان في الأولويات التنموية والسياسية بدل التركيز على استقرار النظام السياسي وبيئته .(1)
كما تعرفه لجنة الأمن الإنساني على انه "حماية أساسيات البقاء بطريقة ترقي من حقوق وحريات الإنسان "(2)
فالفرد جوهر الأمن الإنساني ، إذ يعنى بالتخلص من كافة ما يهدد امن الأفراد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال التركيز على الإصلاح المؤسسي وذلك بإصلاح المؤسسات الأمنية القائمة وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية مع البحث عن سبل تنفيذ ما هو قائم من تعهدات دولية تهدف إلى تحقيق امن الأفراد وهو ما لا يمكن تحقيقه بمعزل عن امن الدول .(3)
أما كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في تقريره للأمم المتحدة عام 2000 والمعنون بـ "نحن البشر" أعطى توصيف للأمن الإنساني كالآتي :
يتضمن امن الإنسان بأوسع معانيه ما هو أكثر بمراحل من انعدام الصراعات العنيفة فهو يشمل حقوق الإنسان ، الحكم الرشيد وإمكانية الحصول على التعليم وعلى الرعاية الصحية وكفالة إتاحة الفرص والخيارات لكل فرد لتحقيق إمكاناته، وكل خطوة في هذا الاتجاه هي أيضا خطوة نحو الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي ومنع الصراعات والتحرر من الفاقة وحرية الأجيال المقبلة في أن ترث بيئة طبيعية صحية هي اللبنات المترابطة التي يتكون منها امن الإنسان وبالتالي الأمن القومي .(4)
وقد حدد محرري تقرير الأمم المتحدة عن الأمن الإنساني في 1994 وهما الباكستاني محبوب الحق والهندي امارتيا سان amartiya sen أبعاد للأمن الإنساني حسب فلسفة الحاجات الإنسانية :
1/ الأمن الاقتصادي : أي ضمان الحد الأدنى من المدخول لكل فرد .
2/ الأمن الغذائي : أي ضمان الحد الأدنى من الغذاء لكل فرد .
3/ الأمن الصحي :أي ضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لكل فرد
4/ الأمن البيئي: أي حماية الإنسان من الكوارث الطبيعية والحفاظ على البيئة من استدمار الإنسان .
5/ الأمن الفردي : ويعني حماية الإنسان من العنف المادي من طرف الدولة /الدول/الفواعل غبر الدولية .
6/ الأمن المجتمعي : الذي يقوم على ضمان الاستمرار في العلاقات الاجتماعية التقليدية والحماية من العنف العرقي/الطائفي .
7/ الأمن السياسي : الذي يضمن للبشر العيش في كنف مجتمع يضمن ويرقي حقوق الإنسان .(5)
فأصبح الأمن الإنساني إطارا موسعا للأمن الوطني مكون من (امن الدولة + امن المجتمع +امن الإنسان)، وقد أنتج مفهوم الأمن الإنساني مجموعة من المبادرات الدولية مثل المبادرات اليابانية ، النرويجية ، الكندية ..والتي جعلته أولوية من أولويات سياستها الخارجية
*      الأمن الإنساني وعلاقته بالمفاهيم الأخرى .
أ/ امن الإنسان وأمن الدولة :
يكمل امن الإنسان امن الدولة في أربعة جوانب:
-       اهتمامه هو الفرد والمجتمع لا الدولة .
-       تشمل التهديدات لأمن الناس ، التهديدات والأوضاع التي لم تكن تصنف دائما على أنها تهديدات لأمن الدولة .
-       نطاق الجهات الفاعلة أوسع من مجرد الدولة وحدها .
-       تحقيق امن الإنسان لا يتضمن مجرد حماية الناس بل يتضمن أيضا تمكين الناس من أن يدافعوا عن أنفسهم .
-       يركز امن الدولة على الدولة على الدول الأخرى التي لديها مخططات عدوانية أو عدائية ، أما امن الإنسان فهو يحول التركيز على العدوان إلى حماية الناس من مجموع تهديدات مختلفة
ب/ امن الإنسان وحقوق الإنسان :
يمثل احترام حقوق الإنسان لب حماية امن الإنسان ويشدد إعلان فيينا لحقوق الإنسان الصادر في 1993 على عالمية وترابط حقوق الإنسان لجميع الناس ، لذلك فحقوق الإنسان وامن الإنسان يعزز كل منهما الآخر ، فأمن الإنسان يساعد على تحديد الحقوق المعرضة للخطر في حالة بعينها ، وحقوق الإنسان تجيب على السؤال التالي : لماذا ينبغي تعزيز امن الإنسان ؟(6)
ج/ امن الإنسان والتدخل الإنساني :
مصطلح التدخل الإنساني مركب من كلمتين التدخل والإنساني فالتدخل يعني التدخل العسكري أي استعمال القوة ، والإنساني يتعلق بالإنسان و خاصة المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي تم في حقها خرق أو انتهاك فادح ، أي استعمال القوة لوضع حد لانتهاك حقوق الإنسان .(7)
من الملاحظ الاختلاف بين التدخل الإنساني والأمن الإنساني لان الأول يكون في حالة انتهاك الفادح للحقوق البشرية بشكل تعسفي أي انه يكون كحل أخير بعد حدوث الخطر ، أما الأمن الإنساني فهو اشمل يحاول عدم الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من خلال ضمان كل احتياجات البشر لتحقيق السلم العالمي .كما أن التدخل الإنساني قد يكون غطاء ووسيلة للتدخل في شؤون الدول .
*      جذور مفهوم الأمن الإنساني
شهدت فترة الحرب الباردة بعض المحاولات المحدودة لدراسة المشاكل والقضايا الإنسانية وفي سنة 1966 طرح بلاتز رؤيته حول الأمن الفردي individual security   في كتاب له بعنوان" الأمن الإنساني بعض التأملات "، وترتكز فرضيته على أن مفهوم الأمن شامل يضم العلاقات الاجتماعية كافة التي تربط الجماعات والمجتمعات ، وأكد أن الدولة الآمنة لا تعني بالضرورة الأفراد الآمنين ، فاعتبرت أفكاره تحدي المستوى النظري للفكر التقليدي المرتكز على امن الدولة ، ولم تثر أفكار بلاتز آنذاك صدى واسع بسبب البيئة الدولية وظروف الحرب الباردة .(8)
كما أثير موضوع الأمن الإنساني في مناقشات لمنظمات ولجان مستقلة وفي بعض المؤتمرات الدولية منها اللجنة المستقلة حول قضايا التنمية الدولية برئاسة فيلي براند ، وعرفت اللجنة بلجنة براند       Brandt comission وتشكلت في 1977بناء على اقتراح روبرت مكنمار رئيس البنك الدولي ، وقد ركزت اللجنة عملها على قضايا الشمال – جنوب وأصدرت تقرير في 1980 أكدت فيه أن المشاكل التي تواجهها البشرية لم تعد مقصورة على المشاكل التقليدية من سلم وحرب إذ توجد أنماط أخرى أكثر خطورة من جوع وفقر ، وأكد التقرير على ضرورة التغلب على الفجوات المتزايدة بين الأفراد والدول لتحقيق الأمن الإنساني ومن ثم السلم العالمي .
كما قدمت اللجنة تقريرا ثان بعنوان " الأزمات المشتركة : تعاون الشمال – جنوب للتعافي العالمي سنة 1983 " تحدثت فيه عن الأمن الغذائي والزراعي والأمن الطاقوي .
ساهمت أيضا بعض لجان الأمم المتحدة في بلورة المفهوم منها لجنة برونتلاند التي عرفت بلجنة الحكم الرشيد العالمي المنبثقة عن مبادرة ستوكهولم للأمن العالمي والحكم الرشيد لعام 1991 والتي دعت إلى مفهوم واسع للأمن يتعامل مع تحديات التنمية والبيئة والزيادة السكانية .(9)
وقد أعدت الأمم المتحدة دراسة سنة 1987 ساهم فيها 23 باحثا خلصت إلى ضرورة إنشاء مجلس مراقبة عالمي تحت رعاية الأمم المتحدة لمراقبة قضايا تهديد الأمن الإنساني .(10)
    ما نستخلصه في هذا الباب أن التطرق لمفهوم الأمن الإنساني قبل نهاية الحرب الباردة لم يسعى لتوسيع مفهوم الأمن بقدر تركيزه على مصادر تهديد امن الأفراد ، فنجد أن الأمن الإنساني لم يطرح في سياق علاقته بمفهوم الأمن القومي والى أي مدى يكمل كل منهما الأخر .
*      تطور مفهوم الأمن في فترة ما بعد الحرب الباردة
شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة بروز مفاهيم أمنية مغايرة للمفاهيم التقليدية للأمن والتي عكست تحولات البيئة الأمنية ، مما افرز جدل حول طبيعة ومكونات مفهوم الأمن وضرورة إضافة متغيرات جديدة له كالأفراد والإقليم والنظام الدولي بدلا من الدولة فقط إضافة إلى توسيع المفهوم ليمتد إلى القضايا الاقتصادية والبيئية والمجتمعية ، كما يعتبر هذا الجدل امتداد للتساؤلات التي طرحت حتى قبل نهاية الحرب الباردة حول المفهوم التقليدي للأمن والمرتكز على امن الدولة القومية باعتبارها الفاعل الرئيسي والوحيد المؤثر في الساحة العالمية ، فقد برزت المنظمات الحكومية وغير الحكومية والجماعات المسلحة ، والتي بدأت تتموضع بشكل بارز في العلاقات الدولية وأضحت تهدد حتى الدولة القومية ، ومن جهة ثانية لم يعد مصدر تهديد امن الدول ينبع من خارج الحدود فقط بل برزت تهديدات داخلية لا تستطيع الأداة العسكرية التعامل معها في كثير من الأحيان .
فجاءت الدراسات لمفهوم الأمن الإنساني محاولة لإدماج البعد الإنساني في الدراسات الأمنية إذ أن جوهر مفهوم الأمن الإنساني هو التركيز على امن الأفراد داخل وعبر الحدود بدل من التركيز على امن الحدود وعليه فقد شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة مجموعة مفاهيم للأمن مغايرة للمفهوم التقليدي ، برزت في سياق مجموعة تحولات مثل الأمن التعاوني Cooperative Security ، والأمن المعقد complex security والأمن الإنساني human security (11)
*     مهددات الأمن الإنساني
هناك العديد من المشاكل والمهددات التي تواجه الأمن الإنساني سواء كانت بشرية أو طبيعية .
1/ ندرة المياه :
إذ يفتقر واحد بين كل خمسة أشخاص إلى الحصول على مياه مأمونة ويفتقر نصف سكان العالم إلى الصرف الصحي ، ويموت 1.7 مليون شخص سنويا بأمراض مرتبطة بسوء إمدادات المياه ، وندرة المياه الشروبة تهدد ثلثين من سكان العالم ، ولعل ندرة المياه أصبحت عامل أساسي ومهم في الحروب بين الدول والقبائل حول مصادر المياه وربما سيتطور الأمر أكثر في المستقبل .(12)
2/ الأمن الغذائي :
وهو ناتج أساسا عن ندرة المياه والكوارث الطبيعية والجفاف مما يؤدي إلى النزوح والحروب والمجاعات التي ازدادت بشكل ملحوظ .
3/ الأمن الإنساني والحروب :
إذ تعد الحروب أكثر مهددات الإنساني و أفتكها بسبب ما تخلفه على مختلف الصعد ومن أسبابها سباق التسلح والذي يستنزف موارد الدول على حساب التنمية البشرية .
     في الأخير نجد أن مفهوم الأمن قد تأثر أيضا بالتطور الكبير الذي حققته حقوق الإنسان على مختلف الصعد ،مما أضفى صفة الشمول عليه من خلال ارتباطه بالإنسان وشموله لمختلف جوانب حياته ،على حساب الدولة التي لم تصبح الفاعل الوحيد في الساحة العالمية ، هذا و نلاحظ أن اخطر التهديدات على الدولة و الفرد ليست تهديدات مسلحة بل لها بعد مرتبط بعلاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي و الطبيعي (البيئي)  .

الهوامش :
1/ برقوق محند ، الأمن الإنساني ومفارقات العولمة عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../الأمن%20الإنساني%20و%20مفارقات%20العولمة.doc
2/ نفس المرجع.
3/ خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين ، عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../مفهوم%20و%20قضايا%20الأمن%20الإنساني.doc
4/ منى حسن علي ، مفهوم الأمن الإنساني ، عنوان الوثيقة :
sudanpolice.gov.sd/pdf/55555.pdf
5/ برقوق محند ، المرجع السابق.
6/ منى حسن علي ، المرجع السابق .
7/ مرابط رابح ، اثر المجموعة العرقية على استقرار الدول دراسة حالة كوسوفو .أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في العلوم السياسية فرع العلاقات الدولية .جامعة الحاج لخضر .باتنة .الجزائر.ص 143.
8/ خديجة عرفة محمد أمين ، الأمن الإنساني المفهوم والتطبيق في الواقع العربي والدولي .الرياض .ط1 ،2009.ص21.
9/ نفس المرجع ، ص 24.
10/ نفس المرجع ، ص 27.
11/ برقوق محند ، المرجع السابق.
12/  خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ المزيد

السبت، 2 يوليو 2011

محاولة لفهم قرار انضمام المغرب لمجلس دول التعاون الخليجي


د .محمد عصام لعروسي


باحث في العلاقات الدولية

               كيف يمكن فهم سياق انضمام المغرب لمجلس دول التعاون الخليجي، داخل نسق دولي متحول لأنظمة عربية على صفيح ساخن، مؤهلة للخوض في مسارات إصلاحية و ثورية عميقة، هل يفهم من هذا القرار محاولة لدعم التيار المحافظ في الوطن العربي و بالخصوص الأنظمة الملكية؟ مقابل الحركات الثورية التي أدخلت العالم العربي مرحلة غير مسبوقة من الاحتجاجات السياسية التي لم تحسم بعد في إمكانية استنبات ديمقراطية حقيقية قائمة على قوة المؤسسات و الإرادة الحرة للشعوب ،خصوصا في مصر و تونس- حيث يقدم الأعلام بشيء زائد من التفاؤل و الايجابية نجاح الثورات في هذين البلدين، في حين أن الوقت لم يحن بعد للحكم على هاتين التجربتين- هل مسألة انضمام المغرب لهذا المنتدى يتعارض مع وضعه المتقدم مع الاتحاد الأوربي؟ و هل مسألة الانضمام ذات بعد مناسباتي فرضتها طبيعة الظرفية السياسية في الوطن العربي؟ و هل كان بالإمكان التفكير في هذا النوع من التكتلات قبل هذه المرحلة الحساسة في حياة الشعوب العربية؟  و خاصة أن المغرب تربطه علاقات تاريخية قوية مع أهم الدول الخليجية دون أن تصل إلى التفكير في عضوية المغرب داخل مجلس التعاون الخليجي و هل هناك بعدا استراتيجيا في هذا القرار؟ و ما هي المصالح المحتملة وراء هذا الانضمام؟.                                                                     
      يمكن فهم دوافع المبادرة المغربية من خلال إدراج الملاحظات التالية:                             
      - يعتبر المغرب بلدا رائدا من ناحية الاستقرار السياسي و الأمني، كما أن مرحلة التحول الديمقراطي التي دشنها المغرب راكمت لديه قدرة و تجربة على مواجهة الاحتجاجات المدنية بسماح النظام السياسي بالمزيد من الحريات و الحقوق و الإصلاحات السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية، فهذه الفورة لمكونات المجتمع المدني شملت العديد من القطاعات الحيوية و المجالات و انتقلت إلى تطوير الحراك الاجتماعي باستعمال أساليب مدنية سلمية، كما أن الخطاب الملكي تاسع مارس2011 رفع من سقف التطلعات بالدعوة إلى العديد من الإصلاحات السياسية و الدستورية الجوهرية بداية من المراجعة الدستورية الشاملة التي من شأنها تغيير آليات اشتغال النظام السياسي، من خلال دعم اختصاصات الوزير الأول و فصل السلطات و دعم استقلالية القضاء، إلى غير ذلك من الإصلاحات ، التي تمثل ثورة سياسية هادئة، تشكل حسب البنيويين تغيير في شكل البنيات و أسلوب عملها دون تغيير جدري في شكل و جوهر النظام السياسي، أو ما يمكن تفسيره مع الاتجاه النسقي دور العوامل الخارجية أيضا في التسريع بوتيرة الإصلاح التي كانت قد بدأت قبل ذلك، مع ارتفاع منسوب المطالبة بالإصلاحات و الثورات في العالم العربي.                               
        و لهذا فان المبادرة الخليجية، حسب بعض المحللين، تهدف لدعم الاستقرار في المغرب و الأردن، للمساهمة في وقف نزيف الثورات الشعبية التي أسقطت العديد من الأنظمة العربية.                                           
         - يبدو أن المغرب تعامل مع دعوة دول مجلس التعاون الخليجي بعقلانية و موضوعية و من زاوية براغماتية صرفة بالتركيز على المصالح الاقتصادية، و خاصة أن هناك مشكل أساسي يتمثل في البعد الجغرافي و غياب الانسجام مع منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس قيل ذلك كرد فعل طبيعي لانتشار التيار القومي- الاشتراكي في الوطن العربي في الستينات و السبعينات من القرن الماضي، فالمغرب مدعو لإدراك حدود هذه الشراكة و التعاطي معها بنوع من النفعية، و الاستفادة مما قد توفره له من فرص اقتصادية و دعم من الطاقة و الاستثمارات المالية الهامة، و كذا حرية تنقل الأشخاص بالبطاقات الشخصية الذكية كما ورد في نص الاتفاقية                            ( شريطة التوقيع على اتفاقيات تنائية بهذا الخصوص، و هذا ما يشكل  عائق كبير في حالة رفض و تحفظ بعض الدول الخليجية كقطر ، الكويت و عمان) و حرية تنقل السلع و البضائع والتسهيلات الجمركية.                                                                   
      غير أن  بعض المحللين، يرون أن دعوة أنظمة الخليج المغرب للالتحاق بها في حمأة الحراك الذي يعرفه الشارع العربي، هدفه أمني بالأساس لحماية لأنظمة الملكية بالمنطقة، وأنه بوابة لخارطة طريق جديدة، ترعاها أمريكا، لإعادة النظر في التجمعات الإقليمية في المنطقة العربية، اعتبر آخرون أن المغرب غير معني ب «درع الخليج» العسكرية، وأن البعد الجغرافي يجعل انضمام المغرب إلى هذه القوة العسكرية أمرا صعبا، كما أن تأسيس سوق خليجية مشتركة وعملة موحدة، لا يعني المغرب في شيء، وبالتالي فالاستفادة الممكنة للمغرب من دول الخليج لا تتعدى سقف الحصول على البترول بثمن امتيازي، إضافة إلى الاستثمارات الخليجية في المغرب التي أنقذته سابقا، حسب محللين اقتصاديين، من شبح تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصاده الذي يعول أكثر على عائدات السياحة.                                                                                   
       -  وجود تناقضات حقيقية بين الدول الأعضاء لمجلس التعاون الخليجي، تتجلى في عدم وجود إستراتيجية موحدة و إتباع سياسيات خارجية مختلفة، و توقيعها للعديد من الاتفاقيات الأمنية و الإستراتيجية مع الدول الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا حيث  تحولت منطقة الشرق الأوسط و الخليج العربي إلى مركز ثقل حقيقي نظرا لأهميتها الجيوسياسية و احتياطاتها النفطية، فاستقبال المزيد من الأعضاء كالمغرب و الأردن، قد لا يساهم في دعم الإستراتيجية الأمنية لهذا التجمع.                                                
كما أن تركيز بيان مجلس التعاون الخليجي على مبدأ التشابه في الأنظمة بين دول الخليج والمغرب والأردن، يجعل هذا القرار المفاجئ، حسب متتبعين، يأخذ مسارا غير طبيعي منذ بدايته، لأن أسسه ودواعيه ظرفية وأمنية بالأساس، وقد تكون عائقا أمام نجاح فرضية أي «تكامل ممكن» بين المغرب وأنظمة الخليج، و خاصة آن القواسم المشتركة موجودة، لكن المكانة و الأدوار داخل النظام الدولي مختلفة و متنافرة.   
       - إن دعوة  المغرب إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، يجسد إرادة حقيقية لمواجهة النفوذ الشيعي الذي ما فتئ ينتشر في شتى أنحاء الوطن العربي بداية بدول الخليج ،بلاد الرافدين والشام، و لمواجهة التفاهم الأمريكي الإيراني باستخدام الورقة الشيعية في العالم العربي.                                                                                    
 حينما طرحت حكومة الثورة الإسلامية في إيران، في وقت سابق، مبادرة لدعم سياسة التقارب مع أمريكا، فيما أسماه البعض بالصفقة، تضمنت مساعدة الأمريكيين في العراق لضبط الأمن، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية تحكمها سلطة علمانية، والضغط علي حكومة حماس في فلسطين لوقف العمليات ضد إسرائيل، وقبول ودعم المبادرة العربية حول قيام دولتين متجاورتين، وطمأنة الأمريكيين على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، مقابل أن تدعم أمريكا النشاط النووي السلمي أو تسمح به، وترفع العقوبات، وتوقف النشاط العدائي تجاهها، وتعترف بدورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، رفض المحافظون الجدد هذه المبادرة الإيرانية، لأنها تحتوي على مفهوم الندية، ولا تراعي التفاوت في حجم القوة بين الدولتين، إلى جانب أنها تصطدم بسقف النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي المرتبط بهم في الشرق الأوسط.
و رغم الخلاف الغربي الإيراني حول الملف النووي، يبدو أن هناك تفاهما أمريكيا إيرانيا يهدف إلى تقسيم الوطن العربي إلى أقليات دينية مشكلة من الشيعة ،السنة ، الدروز الموارنة، الأكراد و غيرهم من الاثنيات و الطوائف كما هو الشأن بالنسبة للعراق اليمن سوريا، البحرين و أزمة الطائفية في لبنان و السودان و مشكل الأمازيغية في المغرب العربي.
و من أهم مشاريع الإستراتيجية الأمريكية، مشروع الشرق الأوسط الكبير الهادف لتشتيت دول المنطقة العربية إلى قطع دومينو؛ يتلاعب بها المحافظون الجدد و إسرائيل؛ لتشكيل بناء هرمي جديد؛ يستجيب لنزعاتهم الاستعمارية، و هذا هو السياق الذي جاء فيه مقال رالف بيترز حدود الدم : ما هو شكل شرق أوسط أفضل؟ " (1)  Blood borders: How a better  Middle East would look و الذي نشر بمجلة القوات المسلحة الأمريكية في عدد يونيو/حزيران 2006  حيث وضع مخططا لإعادة تقسيم الشرق الأوسط ،
ينطلق من مقدمة أساسية تتمثل في  أن الحدود التي تفصل بين الدول في العالم ليست عادلة، و الحدود الأكثر اعتباطية في العالم –في نظر بيترز- هي تلك التي تفصل الدول الإفريقية و دول الشرق الأوسط؛ تلك الحدود التي رسمها الأوربيون لحماية مصالحهم، و يستعير بيترز مصطلح الحدود غير العادلة من" تشرشل"؛ ليعبر عن الوضع القائم في الشرق الأوسط؛ و هذا الوضع في اعتباره؛ سيكون السبب الرئيسي في اندلاع الكثير من المشاكل؛ بين الدول و الشعوب في المنطقة.
و يتوقف بيترز عند مشكل الأقليات؛ في منطقة الشرق الأوسط و ما لحقها من ظلم فادح،  و ذلك حين تم تقسيم الشرق الأوسط في أوائل القرن العشرين (يقصد اتفاقية سايكس بيكو)، مشيرا إلى هذه الأقليات "بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت؛ حين تم التقسيم الأول" ويذكر أهمها: الأكراد، والشيعة العرب و مسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين. ويرى بيترز أن ثمة كراهية شديدة؛ بين الجماعات الدينية و الإثنية بالمنطقة تجاه بعضها البعض، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط؛ انطلاقا من تركيبته السكانية غير المتجانسة؛ القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات.
و من خلال إثارة بيترز لمشكل الأقليات في المنطقة؛ و التي عانت في اعتباره من التقسيم الفرنسي –البريطاني السابق؛ من خلال إثارة هذا المشكل؛ ينتقل بيترز ليصوغ الحل المناسب لهذا المشكل؛ و يقوم هذا الحل على إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط؛ على أساس عرقي ديني.
بناء على هذه الأفكار و التوجهات الاستراتيجية، تهدف الإدارة الأمريكية إلى تحقيق تقارب مرحلي تكتيكي مع إيران لتحقيق استرتيجيتها في الشرق الأوسط الكبير من خلال خلق دويلات صغيرة في المنطقة و استخدام الشيعة لتحقيق هذه الأهداف كما هو الشأن في العراق، البحرين و اليمن.
على هذا الأساس، فان توسيع دائرة العضوية في مجلس التعاون الخليجي لتشمل المغرب و الأردن تندرج ضمن هذا المنظور الوقائي الأمني و الاستباقي الهادف من جهة إلى استقرار الأنظمة السياسية العربية المحافظة، و الحيلولة دون تغيير الحدود الجيوسياسية للدول العربية و الإسلامية على أساس طائفي أو ديني.
   - إن انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي، قد لا تكون له تبعات سلبية على أي انفراج ممكن في العلاقات المغربية الجزائرية، في وقت ينتظر فيه الجميع أن يتحقق حلم إعادة فتح الحدود بين البلدين في وقت قريب، و إعادة اتحاد المغرب العربي لسكته الصحيحة.
 في الحقيقة يعيش اتحاد المغرب العربي و ضعا صعبا يتميز بالشلل التام على مختلف المستويات، وقد وجد المغرب خلال العقدين الأخيرين صعوبات كبيرة في تفعيل الاتحاد وجعله نموذجا للتكامل والرفاهة الاقتصاديين، لأنه كان يواجه دائما بعوائق كثيرة وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية التي تعتبر عقبة أعاقت أي تقدم في مسار هذا المشروع الاندماجي الكبير، و لهذا فإن انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي لن يكون له أي تأثير يذكر خلال السنوات القادمة على الأقل، أولا بسبب حالة الشلل المطلق التي يعيشها الاتحاد، وثانيا للحركية السياسية والاجتماعية التي تشهدها بلدان المغرب العربي لاسيما في تونس وليبيا والجزائر، الأمر الذي يجعل هذه البلدان تعطي الأولية الكبرى للشؤون الداخلية ولإعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويتوقع أن لا تستعيد عافيتها إلا في القادم من  السنوات.
       - القرار الدبلوماسي في المغرب كان دائما موضوع نقاش حول طبيعته ومرتكزاته التي ينبغي أن تكون «شعبية»، و هو ما يجري به العمل في دول ديمقراطية أخرى، كانت وما تزال تستفتي شعوبها في قرارات خارجية مصيرية، من قبيل الانضمام إلى عملة موحدة أو سوق مشترك كما حدث في دول أوربا الشمالية، لما رفضت الدنمارك وبريطانيا الانضمام إلى العملة الموحدة داخل الاتحاد الأوربي.
الدبلوماسية المغربية لا تلجأ إلى عادة إلى استشارة أي جهة أو مؤسسة دستورية  كانت في مثل هذه القرارات،  كالبرلمان الذي لا يلجأ إليه إلا من أجل الحصول على غطاء للشرعية  «بروبغندا الإجماع» الموجه للاستهلاك الخارجي، مع غياب أي شكل من أشكال  الدبلوماسية الموازية و دبلوماسية الخط الرابع، وهو ما قد لا يستقيم والفترة الحرجة التي تمر منها البلاد، خاصة أن القرار الدبلوماسي له تبعات داخلية أكيدة، اقتصادية كانت أم سياسية، و مع ذلك نجد أن وزارة الخارجية اتخذت قرارين هامين ومصيريين دون الرجوع إلى الداخل انطلاقا من انخراط  المغرب «المفاجئ» في حلف باريس المناهض لنظام معمر القذافي وثانيا بالعضوية في مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعني أن «الحراك» الدبلوماسي لا  يساير دينامية  حراك الشارع المغربي، و أن القرارات الخارجية ما زالت لا يتم تدوالها من طرف المنظمات الغير الحكومية كالأحزاب و هيئات المجتمع المدني.
      لا  شك إن التكتلات الإقليمية تساهم في دعم الدبلوماسية الجماعية و مواجهة المخاطر الدولية المحدقة بالمجتمع الدولي و التدبير الجماعي لقضايا ذات الاهتمام المشترك، و تحسين القدرات التفاوضية لدى دول التكتلات و الأحلاف للدفاع عن مصالحها الحيوية في واقع دولي متحول، و الاستفادة من فرص الاعتماد المتبادل على الصعيد الاقتصادي و المالي، لكن يخشى أن تتحول هذه التكتلات و من بينها مجلس التعاون الخليجي إلى مجرد منتديات و نواد الهدف من إنشاءها يكون ضرفيا و مناسباتيا و تختفي الجدوى و الفعالية منها بمجرد انتفاء الهدف الحقيقي الذي كان وراء خلقها.
و على هذا الأساس، فان عملية انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، قد تعتبر مبادرة عقلانية و قراءة واعية لدبلوماسية المصالح و الأهداف شريطة تحديد سقف المساهمة المغربية في هذا المجلس مع عدم المساس بالحياد و عدم التدخل في الشؤون الخليجية أمنيا و عسكريا ، و البحث عن فرص اقتصادية جديدة و الاستفادة من حرية التنقل بتشغيل اليد العاملة المغربية في هذه البلدان.

اقرأ المزيد

الأحد، 10 أبريل 2011

سيسيولوجيا الثورة


        
قادري سمية                  شنين محمد المهدي                                             

        نعيش هذه الأيام على وقع مرحلة جديدة في الوطن العربي الذي تجتاحه موجة ثورات شعبية من غربه إلى شرقه ، مست بصداها كل النظم العربية وحتى غير العربية وان بأشكال مختلفة ، ثورات تحمل مطالب متعددة بدءا بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية وصولا إلى الإصلاحات السياسية ، هذه الثورات التي كسرت حاجز الخوف ورسخت ثقافة سياسية جديدة ،كما قادت إلى التغيير الاجتماعي والسياسي في دول عربية مهمة ، فسقطت أنظمة واهتزت عروش لوقعها ، نظم لم يكن اشد المتفائلين يتوقع لوقت قريب أن تقدم أدنى تنازلات لصالح شعوبها ، وباعتبارنا شباب في قلب هذه الموجات الثورية ،ونعيش المرحلة بأدق تفاصيلها ، فان هذه الاحتجاجات والتحولات تستفزنا للبحث في مكنون ظاهرة الثورة ، والبحث عن أسبابها ومحاولة فهمها من خلال النظريات والمداخل المفسرة لها ، وهذا ما سنحاول التعرض له في معرض بحثنا عن سيسيولوجيا الثورة ، والذي نسعى من خلاله إلى الاقتراب من الظاهرة الثورية .
I-                        مفهوم الثورة
إن ضبط مفهوم للثورة أمر صعب جدا ، بسبب تنوع الفهم للمصطلح وتنوع إقترابات المفكرين منه ، كل حسب إيديولوجيته وحسب اختصاصه وسنسعى في هذا الاتجاه إلى عرض أغلب وجهات النظر .
فنجد من يستخدمه للدلالة على تغييرات فجائية وجذرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية، أي عندما يتم تغيير حكم قائم وتغيير النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية ، وأحيانا  بصورة عنيفة (1).
        كما يستخدم المصطلح للتعبير عن تغييرات جذرية في مجالات غير سياسية كالعلم والفن والثقافة لأن الثورة تعني التغيير ، واستخدم مفهوم الثورة بالمعنى السياسي في أواخر القرون الوسطى ، كما يستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة للتغييرات الجذرية والمفاجئة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية .(2)
وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها:"التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريا وجوهريا من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية .(3)
ويعرف كرين برنتون الثورة في كتابه الموسوم "تشريح الثورة" بقوله "إنها عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيان اجتماعي إلى بنيان اجتماعي آخر"(4).
   وعرفها البروفسور "هاري ايكشتاين" في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها "محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة " .
  ويراها برنتون أنها تغيير في الحكومة القائمة يتجاوز الحد القانوني ويكون عنيف عادة.
ونجد "بيتر أمان" يقترب من المفهوم اقترابا آخر إذ يرى أنها " انكسار مؤقت أو طويل الأمد لاحتكار الدولة للسلطة يكون مصحوبا بانخفاض الطاعة ".(5)
أما "يوري كرازين" فينظر لها بمنظار الأدبيات الماركسية في تحليل التطور الاجتماعي ويقول "إن معنى الثورة الاجتماعية ووظيفتها لا يمكن فهمها إلا حينما ننظر إلى تاريخ المجتمع على حقيقته كسلسلة متصلة من التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية  ، والثورة شكل من أشكال الانتقال من تشكيل إلى آخر ،كما أنها قفزة من التشكيل الاقتصادي والاجتماعي البالي إلى تشكيل أكثر تقدما ، تكون الخاصية المميزة السائدة له ومضمونه السياسي هو انتقال السلطة إلى الطبقات الثورية (6).
إذن كل التعريفات التي حاولت الاقتراب من مفهوم الثورة اتفقت على أنها نوع من التغيير الجذري والعميق يستهدف اكتشاف الأخطاء وبناء علاقات سليمة مكانها، تشيع العدل وتصنع التقدم.(7)
وأما سبب الاختلاف في فهم المصطلح فيكون إما للاختلاف العقائدي أو لتباين التخصص العلمي ، وبعد أن سقنا مجموعة من التعاريف نرى " أن الثورة أداة تطور تاريخي للمجتمعات الإنسانية ، فهي حد فاصل بين النظام القديم والجديد ، تحدث تغييرا جذريا للبناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي ، ويستهدف هذا التغيير إفراز منظومة تجسد مطالب الثوار وتحققها".
الفرق بين الثورة والانقلاب
لإيضاح المفهوم أكثر علينا توضيح الفرق بين الثورة والانقلاب لان الكثير من النخب المتصارعة والتي تنقلب على بعضها ، تحاول إعطاء الشرعية لحركتها من خلال القول أنها ثورة نابعة من الإرادة الشعبية وتسعى لتحقيقها ، فالانقلاب هو انتقال السلطة من يد فئة قليلة إلى فئة قليلة أخرى تنتمي إلى نفس الفئة الأولى التي كانت تسيطر على الحكم أو على الأقل تشبهها، ويكون باستخدام وسائل العنف الرسمية دون إحداث تغيير في وضع القوة السياسية في المجتمع أو في توزيع عوائد النظام السياسي أي انه تغيير في أوجه حال الحكام دون تغيير في أحوال المحكومين والانقلاب نوع من أنواع التمرد .(8)
وغالبا ما يكون الانقلاب باستيلاء العسكر على السلطة الشرعية بواسطة القوة المسلحة وتغيير نظام الحكم بالقوة دون الرجوع للناخبين والسلطة هنا هي الحكومة.
الفرق بين الثورة والحركة الاجتماعية :
عرفها لورانز فون شتاين في مؤلفه "تاريخ الحركة الاجتماعية في فرنسا من 1789 إلى 1850" بأنها محاولات البروليتاريا اكتساب القوة الاقتصادية و السياسية. (09)
و قال رودولف هيبرل بأن الحركة الاجتماعية تهدف على إحداث تغييرات راديكالية في النظام الاجتماعي العام و بخاصة في مجالات توزيع الثورة و علاقات العمل، و بالتالي فقد وسع المفهوم الذي قدمه شتاين لتشمل حركات الفلاحين و الحركات الوطنية و الفاشية.
كما يمكن تعريفها: ذلك الجهد الموحد و المتصل الذي يقوم به مجموعة من الأفراد لتحقيق هدف أو مجموعة من الأهداف المشتركة بين أعضائها و قد يكون معناها أكثر تحديدا ليدل على الجهد الذي يتجه نحو تعديل أو ابدال أو هدم نظام اجتماعي قائم.
أما "بول ويلكنسون" فقد وضع عناصر للحركة الاجتماعية و هي:
1-             الحركة الاجتماعية هي حركة جمعية مقصودة لإحداث تغيير في أي اتجاه و باية وسيلة و لا تستبعد الحركات العنيفة غير القانونية و الثورات التي تعدل من بناء المجتمع ، و بناءا على هذا فهي تختلف عن الحركات التاريخية.
2-             لابد ان تتضمن حدا ادنى من التنظيم.
3-             التزامها بالتغيير يرتكز على الارادة الواعية و الالتزام المعياري بأهداف و معتقدات الحركة.
و أهم الحركات في عالمنا المعاصر نجد الحركة العمالية، الحركة الفلاحية، الحركة الطلابية، الحركة النسائية و الحركة الثقافية. و يرجع الاهتمام لهذه الفئات لما تتبناه من ايديولوجيات و ما لأفرادها و قادتها من نوايا و كذا لضمها لأغلبية الشعوب و المجتمعات.
 و تكون الحركة الاجتماعية في بداية نشأتها ضعيفة التنظيم ينقصها التحديد الواضح من حيث الشكل و الاهداف و لكنها لا تلبث أن تأخذ الطابع المنظم من حيث القيادة و تقسيم العمل و القيم و الأهداف كما تكسب كل حركة اجتماعية و هي في طورة النشأة ثقافتها و تنظيمها المميز من غيرها من الحركات الاجتماعية الاخرى. (10)
 و كلما نمت الحركة الاجتماعية اكتنسبت شكلا أكثر تنظيما و انطبعت بتقاليد مميزة كما تتميز بقيادات مستقرة و تندرج في الوظائف و تتحدد قيمها و قواعدها الاجتماعية أكثر.
و قد قسمها بلومر إلى:
1-             حركات عامة: مثل الحركات العمالية و النسائية
2-             حركات خاصة: مثل الحركات المضادة لنظام الرق
3-             حركات التعبير مثل الحركة الدينية و حركات تجديد الاساليب و الأنماط في المعيشة و اللباس.. (11)
إن للحركة الاجتماعية أهداف قد تختلف و تتباين فقد يكون هدفها قلب نظام الحكم القائم،أو تحريم الخمر، أو الاعتراف بالحقوق السياسية للمرأة أو الغاء حكم الاعدام أو  إلغاء الأسلحة النووية...
و بما أن الأهداف تختلف من حركة إلى أخرى فإن الامكانيات تختلف أيضا فقد تبدأ من نشر أفكارها و الضغط بوسائل الاعلام و المحاضرات و حتى الدعوة إلى الثورة العنيفة و مهما يكن فإن الدعاية و التبشير هما الميزة الواضحة للحركة الاجتماعية (12) .
تتضمن الحركات الاجتاماعية و السياسية 3 عناصر أساسية تتمنثل في أن للحركات الاجتماعية:
1-             تنظيما أو بناءا
2-             معتقدات أو مثاليات
3-             أفعالا و قوالب سلوكية يقوم بها الناس المنتسبون اليها و هذا هو الشكل الخاص لكل من هذه العناصر التي تشكل الحركات الاجتماعية و السياسية، و تعطيها طابعها الخاص بها.(13)
و للحركات الاجتماعية 3 وظائف حددها عالم الاجتماع الفرنسي "جير وشيه" هي
1-             الوساطة بين مجموعة من الناس من جهة و الابنية و الحقائق الاجتماعية من جهة أخر ى
2-             توضيح الضمير الجمعي ، و هي حالة الجماعة التي تكشف نفسها أو مصلحتها و أين تكمن هذه المصلحة.
3-             الضغط على الشخص الذين بيدهم مقاليد الحكم (14) .
بعد هذا التوضيح نستنتج ان الفرق بين الحركة الاجتماعية والثورة صعب الوضوح ، بسبب التشابه الكبير، وهذا يؤدي بالكثيرين الى المزاوجة بين المفهومين ، فالحركة الاجتماعية تنظيم اجتماعي له هياكله ومؤسساته التنظيمية ويهدف الى تحقيق اهداف بعينها ، ومن وسائل هذه الحركات الثورة والتي يمكن ان تكون وسيلة لتحقيق وتجسيد اهدافها ، لذلك قد نجد في الثورة الواحدة حركات اتماعية مختلفة ومتنوعة الاهداف والاختصاصات ، تشترك في اشعال الثورة .
الفرق بين الثورة والانتفاضة
يجب علينا لفهم الثورة أكثر، القدرة على التمييز بينها وبين المصطلحات المتشابهة ومن بينها الانتفاضة ، فنجد في كتابات علم اجتماع الثورة أن الفرق يكمن في كون الثورة تكون سريعة عكس الانتفاضة التي تمتد لفترة زمنية أطول فثورة 1830 في فرنسا كانت بمثابة انتفاضة ، لأنها امتدت لمدة ثماني عشرة سنة ، وهذا التمييز بين الثورة والانتفاضة لا يتناقض مع ما وصفت به الانتفاضة من حيث كونها وسيلة خاصة للاستحواذ على السلطة بالقوة.(15)
في الأخير نخلص إلى أن: "الثورة حدث مفاجئ يؤدي إلى تغيير راديكالي يقطع الصلة بالماضي ويؤسس لنظام يلبي مطالب الثوار والذين هم الشعب وليست نخب متصارعة في بنية النظام".(16)
II-                    خصائص الثورة
إن اغلب الثورات تكاد تجتمع على جملة من الخصائص تميز العمل الثوري عن غيره منها.
·       الثورة تمثل قطاع أكبر من المجتمع ضد فئة أصغر ، وغالبا ما تكون هذه الأخيرة هي المستحوذة على القوة السياسية والاقتصادية.
·       تقوم الثورة على الحلول الجذرية وترفض حلول الإصلاح لأنها في الأصل تغيير راديكالي يقوم ويرتكز على راديكالية المطالب.
·       التغيير الناجم عن الثورة يكون سريع ومفاجئ وهو سريع الانتشار بين قطاعات الجماهير.
·       إن تغيير الثورة يشمل كذلك نسق القيم والمعتقدات بما يتلائم والمرحلة الجديدة.
·       الثورة تمثل عملية تغيير اجتماعي وسياسي.
·       الثورة ترتكز على أسس جديدة ومغايرة للنظام القديم لترسيم دعائم بناء جديد على قواعد جديدة.
·       من خصائص الثورة أنها تتكرر كما أنها سريعة الانتقال بين المجتمعات وعبر الدول، والتاريخ خير شاهد على موجات المد الثوري في العالم.(17)
III-               أسباب الثورة
إن الثورة إفراز لواقع اجتماعي، وهذا الواقع يختلف من مجتمع إلى آخر، لذلك لا يمكن الجزم بأسباب محددة بعينها تتوفر في كل الثورات لان كل ثورة هي وليدة سياق معين لذا تتعدد الأسباب بتعدد الظروف.
فمنذ القديم شغلت الثورة الفلاسفة والمفكرين وبحثوا عن ابرز عواملها، فنجد أرسطو أفرد للثورة الفصل السابع من مؤلفه الشهير "السياسة" حيث يعتقد أن أسباب قيام الثورة تعود إلى عدم المساواة.
كما أن أرسطو يرجع أسباب قيامها إلى عنصر أساسي وهو عدم الرضا عن الوضع القائم وقد اعتبر هذا العلة العامة التي تهيئ النفوس للثورة.(18)
وهناك من يحصر أسباب الثورة في العوامل الاقتصادية ومن ابرز المنادين بهذا نجد سان سيمون وماركس وكل اليساريين، إذ يرى سان سيمون أن التطور التاريخي للجماعات البشرية هو صراع دائم بين الطبقات الاقتصادية في المجتمع بين من يملكون ومن لا يملكون، أما ماركس فيعتقد أن جميع الثورات مهما اختلفت أشكالها ذات طبيعة واحدة، فالثورة حسبه مرحلة طبيعية وحتمية في حياة المجتمعات، ويؤكد ماركس على علاقات الإنتاج والتوزيع والتي تؤدي إلى سلسلة من الثورات تنتهي بثورة البروليتاريا.(19)
 وفي نفس الاتجاه نجد لينين ومن بعده دعاة نظرية التخلف، يؤكدون على أن التخلف عامل حاسم للتغيير وبالتالي تصبح الثورة حتمية، حيث أن القهر والسخط الملتهب يمكن أن يخلق جوا ثوريا.(20)
ويرجع هذا التخلف والفقر إلى سيطرة طبقة اوليجاركية على كل مصادر الدخل والرفاهية في المجتمع، وإهمال أو إغفال حاجيات الشعب بغالبية فئاته، وبالتالي يصبح الجو ملائم، لنمو السخط والشقاق الاجتماعي، والذي غالبا ما يواجه من قبل النظام القائم بالقمع، الآمر الذي يؤدي إلى ازدياد السخط بين الثوار.
وما يميز غالبا حكم هذه الاوليجاركية اعتمادها على الآلة القمعية وقمع المطالبات بالتغيير لكن هذه الطبقة تهتز وتتخلخل بفعل الثورات الشعبية الناتجة عن عدم المساواة في التوزيع.(21)
        ولا يمكننا حصر الثورة في أسباب اقتصادية فقط فعلماء النفس يؤكدون على أن هناك عوامل نفسية تهيئ الأذهان للثورة مثل وجود الأوضاع الظالمة في المجتمع، إلى جانب إحساس الأفراد بالظلم الواقع عليهم.
إضافة إلى الظلم الاجتماعي الناتج عن استئثار قلة من الناس بخيرات البلاد، ونظام الحكم العبودي الذي يؤدي إلى الكبت والقهر، مما يجعل الشعب يعيش حالة الخوف الدائم ويؤدي به في الأخير إلى الانفجار في وجه هذا الواقع(22)
ولعل الأسباب متعددة وتتقاطع فيها العديد من الثورات وهذا ما أثبتته الثورات المتنامية في الوطن العربي ككرة الثلج بسبب الظلم الواقع على الشعوب، وعقود القهر المتوالية إضافة إلى فشل قيام الدولة الوطنية المرتكزة على المواطنة، و بسبب سيطرة نخبة على مقدرات الشعوب مما ادخلها في موجات من التخلف والفقر زاده الظلم والاستبداد المعتمد على الأجهزة الأمنية، و مما زاد سخط هذه الشعوب ثلاثية الاستبداد: الاستبداد السياسي ، الاستبداد الاجتماعي ، الاستبداد الاقتصادي.
فالاستبداد السياسي معروف على أنه احتكار الحكم ومنع أي مشاركة للشرائح الشعبية والقوى المختلفة من تقاسم السلطة، أما الاستبداد الاجتماعي فهو وليد غياب العدالة الاجتماعية وسيطرة فئة محدودة على المقدرات و إقصاء غالبية البناء الاجتماعي مما يفرز ظلم اجتماعي و أمراض داخل المجتمع نتيجة لهذا الواقع، ويشعر المواطن أن هذا النظام لا يعبر عنه بل على فئة محدودة، و الاستبداد الاقتصادي هو احتكار المقدرات كما أسلفنا، لكن ظهر نمط جديد منه بسبب تزاوج المال والسلطة، أي تحالف رجال الأعمال والسياسيين، مما جعل الدولة والشعب وكل المقدرات في خدمة هذه الفئات و أدى هذا إلى تركز رأس المال والعوائد في عدد محدود وقليل على حساب الغالبية مما يفرز نمو لعوائد رجال الأعمال، وفقر بسبب غياب التنمية وهو نموذج تنموي مشوه.
و من ثم فالأسباب عديدة ومتنوعة، وتختلف باختلاف السياق الزماني والمكاني وبتباين البناء الاجتماعي.
IV-               أشكال الثورة
إن أشكال الثورات تختلف وتتنوع تبعا للبيئة التي ظهرت فيها الثورة وتبعا لأهداف وطموح الثوار، وتبعا أيضا لفئة الثوار أنفسهم و إيديولوجيتهم، وسنحاول أن نعرض لمختلف أشكال الثورات.
1-            الثورة البرجوازية
تعنى في الأساس بحل التناقض بين القوى الإنتاجية والنظام السياسي الإقطاعي أو شبه الإقطاعي والمهمة التاريخية للثورة البرجوازية هي التخلص من العقبات أمام التطور الرأسمالي، فهي تترك أساس المجتمع البرجوازي دون تغيير، ولا تمس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ونجد من أبرز الثورات البرجوازية حرب الفلاحين في ألمانيا في القرن 16 والثورة اليابانية 1867.(23)
2-            الثورة الاشتراكية
ويعبر هذا النوع من الثورة عن التحول الجذري للمجتمع الذي يمر بالانتقال الكامل من الرأسمالية إلى الاشتراكية وتتميز بتحطيم علاقات الإنتاج التي تتسم بالتسلط والقهر، القائمة على الملكية الخاصة وهي تسعى إلى تقويض جهاز الدولة البرجوازية وإقامة دكتاتورية البروليتاريا.(24)
3-            الثورة السياسية
وهي تسعى إلى تغيير الفئة الحاكمة دون إن يكون هدفها إحداث تغيير جذري وشامل في الأوضاع الاجتماعية، فالثورات السياسية تشمل على عمليات التغيير المفاجئة والجذرية التي تحدث لأنظمة الحكم والإدارة والتنظيم في المجتمعات والتي يقوم بها الشعوب تحت لواء بعض الجماعات والأفراد لإصلاح الفساد الإداري والقضاء على السلطات الحاكمة المستبدة، التي لا تتسم بالعدالة، وقد تسهم القوات المسلحة في دعم ومساندة هذه الثورات، ويكون لها دور بارز في نجاحها.(25)
4-            الثورة الاجتماعية
تعرفها الموسوعة السياسية على أنها تغيير نوعي في الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية للمجتمع عبر انهيار النظام القديم البالي، وصعود نظام اجتماعي جديد أكثر تقدما مكانه عن طريق تفجير الصراع وحسمه لصالح التقدم، وللثورة الاجتماعية أبعادها الشاملة المتكاملة، التي تنعكس على مختلف نواحي النشاط والعلاقات بين البشر بدءا من علاقات الإنتاج والتمركز الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية، وتنزع السلطة من يد طبقة وتحل محلها طبقات ونخب صاعدة.(26)
ويرى سوروكين أن الثورة الاجتماعية تتفجر بفعل مجموعة من العلاقات الاجتماعية، والطبيعة الموضوعية للثورة ولا يمكن تحديدها دون الرجوع إلى النظام الاقتصادي – الاجتماعي للمجتمع. (27)
فالثورة الاجتماعية هدفها إذن إحداث تغيير جذري في البناء الاجتماعي وما يرتبط به من وظائف وعلاقات، وتسعى هذه الثورات دائما إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.(28)
لكن يجب التنويه إلى أن نمط الثورة الاجتماعية لا يتوقف كثيرا على عدد المشتركين الشعبيين بقدر ما يتوقف على التكوين الطبقي والوزن النسبي للطبقات والشرائح المختلفة، وعلى درجة وعيها الاجتماعي والسياسي وعلى العلاقة بينها.(29)
5-            الثورة الاقتصادية
يرى سوروكين أن الثورة الاقتصادية تسعى إلى إجراء تغييرات عنيفة في النظام الاقتصادي، و يقصد بها التغيير الجذري في البناء الاقتصادي للمجتمعات والذي يؤدي إلى إعادة توزيع الثروة والملكيات بصورة جديدة بما تضمنه من تغيير للعلاقات والنظم المرتبطة بهذا البناء.(30)

6-            الثورة المضادة
وهي تمثل مجموعة العوامل والعوائق التي تقف معارضة للثورة وتسعى لإخمادها، وباعتبار الثورة عملية تغيير فإن هذا التغيير يقابل بعملية مقاومة من النخب المسيطرة الرافضة للتغيير لأن الثورة تقضي على امتيازاتهم، إضافة إلى من يشعرون أن الثورة قد تهدد مصالحهم، إلى جانب أولئك الذين لم تحقق لهم الثورات الأطماع التي كانوا يطمحون إليها، كل هؤلاء ومن يتحالف معهم يكونون ثورة مضادة.(31)
_ V مراحل الثورة
      إن أي عملية ثورية باعتبارها تغييرا تمر بعدة مراحل ومستويات لتحقيق الأهداف الثورية، ومن ابرز من كتب عن مراحل الثورة نجد كرين برينتون الذي يرى أن العلامات الدالة على اقتراب الثورة في المجتمع ، لا تكون عادة واضحة ، ولكن تكون هناك ضغوطات ومصاعب متزايدة يؤدي تفاقمها إلى انهيار النظام السياسي ، وعندما تتفكك الشرعية يعمد النظام إلى الوسائل القسرية ، في هذا الوقت تكتسب جماعات لم يكن لها وزن من قبل تكتسب قوة ونفوذا وتأثيرا على الحركة الثورية ، وترفع شعار تحطيم النظام القائم .
1/ المرحلة الأولى : وتتميز بالآمال الطوباوية ، وفيها يلتف الثوريون خلف الشعارات والآمال العريضة ، وهذه المرحلة لا تدوم طويلا .
2/ المرحلة الثانية : وهي مرحلة انقسام النخب الثورية إلى معتدلين ومتطرفين ، وغالبا ما تنتهي هذه المرحلة بهزيمة المعتدلين ، وتركز السلطة في أيدي المتطرفين أو المحافظين ، وقد يستخدم العنف في هذا الصراع البيني .
3/ المرحلة الثالثة : وفي هذه المرحلة وبعد سيطرة قيادة موحدة على الثورة ، تسعى هاته الأخيرة لتحقيق الأهداف الثورية بأي ثمن .
4/ المرحلة الرابعة : تخف في هذه المرحلة حدة المطالب والشعارات الثورية ، وتتراجع الحماسة ، وعادة ما يتولى الحكم فيها رجل قوي يحمل صدى الثورة ، وتعتبر مرحلة حكمه هي المرحلة الخامسة .(32)
لكن يجب التنويه إلى أن هذه المراحل ليست مقدسة ولا واحدة في كل الثورات ، فقد تتقاطع الثورات في بعضها ، وقد تختلف في البعض الآخر لان كل ثورة كما أسلفنا هي وليدة ظرف خاص أدى لظهورها ، وقد تختلف التصنيفات المرحلية للثورات باختلاف نظرة الكاتب وأيديولوجيته وموقعه .
VI _ المداخل المفسرة للثورة
    تتعدد المداخل النظرية المفسرة لظاهرة الثورة ، وتتنوع فكل مدخل أو نظرية اقتربت من الثورة من خلال زاوية معينة ، ومن أسباب الاختلاف التفسيري التباين الأيديولوجي واختلاف التخصص العلمي ، فنجد مداخل فرعية ومداخل رئيسية لدراسة الثورات ، وسنحاول العرض لبعضها .
1/ مدخل تحليل التاريخ الطبيعي للثورات الحديثة .
   ويحاول هذا المدخل أن يقدم تفسيرا للمراحل المختلفة داخل العملية الثورية ومن ابرز رواد هذا المدخل نجد جورج بيتي وكرين برنتون ، حيث ركزا على دراسة النتائج الرئيسية للأعمال والأفعال التي تحلل مصادر التذمر والعنف .
2/ المدخل النفسي .
     ويحاول هذا المدخل أن يبحث عن العوامل النفسية التي تدفع بالشخص لكي يشارك في الحركات الثورية ، ويتزعم هذا المدخل جوستاف لوبون الذي يعرف الثورة على أنها " مجموعة من التحولات الفجائية في المعتقدات والأفكار والمذاهب " ، ويرى جوستاف أن المشاعر والعواطف هي دعائم المعتقدات السياسية والرئيسية .(33)
وهناك من علماء النفس من يرى الثورة تعبير عن سيكولوجية الحشد ويقارنونها مع الارتدادات إلى العقلية البدائية التي يمكن ملاحظتها في حالات الانهيار العصبي .(34)
3/ التفسير النقدي الارتقائي (المتفائل).
 ساد في القرن التاسع عشر بين أحزاب ومفكري اليسار ، وهو لا يزال سائدا في النظرية المادية التاريخية ، وطبقا لهذا التفسير فإن الثورات السياسية والاجتماعية هي أدوات للتقدم الحتمي للبشرية ، وهذا الاتجاه في علم الثورة ينقسم إلى عدة اتجاهات ، فالبعض ضمن هذا التفسير يرى أن المساواتية هي العلامة الأبرز على التقدم ، أما الاتجاه الثاني والذي يعبر عن النظرة اللبرالية ، يرى أن الانتفاضات الجماهيرية لا تكون تقدمية أصلا إلا عندما تكون موجهة ضد الحكام المستبدين ، وهادفة لإقامة حكم حر .
4/ التفسير المحافظ ( التشاؤمي ).
  ظهر خلال فترة الثورة الفرنسية وما بعدها ، ومن ابرز مفكريه نجد نيتشة ، وهذا الاتجاه يتقاطع كثيرا مع المدخل النفسي لتحليل الثورة ، ويرى هذا التفسير إن الثورة هي انفجارات شبه بربرية خارجة عن السيطرة وانفعالات جماهيرية مدمرة .
5/ نظرية الحق الطبيعي .
  وتجسد هذه النظرية المفهوم البرجوازي للثورة وتعبر عن آراء أنصارها ، فيعتقد دعاة نظرية الحق الطبيعي أن الثورة ضرورية لتوطيد الحرية والإخاء والمساواة ، وكانت النظريات البرجوازية من أول نظريات الثورة في علم الاجتماع ، وتؤكد هذه النظرية أن الأفعال الثورية ضرورية بسبب حقوق طبيعية معينة للإنسان ، وبعض المبادئ لخالدة عن العدالة وليس بسبب الحاجات المادية الناضجة للتقدم الاجتماعي ، وقد انقلب دعاة هذه النظرية فيما بعد على الثورات واعتبرها عارضا غير طبيعي في المجتمعات كما لقيت هذه النظرية نقدا شديدا من سان سيمون و اوغيست كونت وكارل ماركس ، إذ وصفعا الأخير بأنها ليست علمية وأكد على الطابع الحتمي للثورات التي تحدث نتيجة ضرورات اقتصادية. (35)
6/ المذهب الفوضوي .
نجد من ابرز دعاة هذا المذهب كل من برودون و كروبوتكين ، وذهبوا جميعا إلى أن الثورات تحاول تحقيق العدالة بواسطة القوة ، ولكن الذي يحدث فعليا هو أن يحل استبداد محل آخر ، ومع ذلك فان كل ثورة مهما تفككت وأصابها الإفلاس تدخل على المجتمع قدرا معينا من العدالة ومن شأن هذه الانجازات الجزئية أن تفضي في النهاية إلى انتصار العدالة. (36)
7/ البنائية الوظيفية .
  كانت النظرية البنائية الوظيفية من ابرز النظريات التي حاولت تفسير ظاهرة الثورة ، وكشف المصادر الموضوعية للتغيير الثوري داخل نسق الظواهر الاجتماعية ومن ابرز دعاتها تالكوت بارسونز الذي يعتبر الثورة انحرافا مرضيا يؤدي إلى خلخلة التوازن في بناء السلطة .(37)
  إن لب التناول البنائي الوظيفي هو مفهوم القيم ، فترى البنائية الوظيفية أن النسق الاجتماعي سيواجه صعوبات حين لا تستطيع القيم القائمة تفسير التغييرات في الجوانب البيئية المحيطة ، الأمر الذي يتطلب احتياج البيئة المحيطة إلى قيم جديدة تكون لديها القدرة التفسيرية ، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق التطور أو الثورة .(38)
  ويرى روبرت مرتون أن الاختلالات الوظيفية يمكن أن تفضي إلى حالة من عدم الاستقرار ، وان التمرد هو استجابة لهذه الحالة .(39)
  والاختلال الوظيفي الذي يتعرض له المجتمع يوجب التعديل أو التغيير ، وإذا قاومت السلطة هذا التغيير فإن التغييرات تكتسب طابعا ثوريا ، وقد لقيت هذه النظرية العديد من الانتقادات من بينها أنها لا تشير إلى مصدر الاختلال الوظيفي ، أو سبب التناقضات الاجتماعية ، ولا تميز بين مظاهر الاختلال الوظيفي وبين التناقضات التي تظهر في أي مجتمع ،سواء تلك التي تؤدي إلى الثورة أم التي لا تؤدي إليها .(40)
8/ المادية التاريخية .
تنطلق المادية التاريخية من التفسير المادي للتاريخ ، وترى بأن التناقض هو سبب التطور ، وتطبيق هذا المذهب يؤدي إلى تفسير سير التاريخ بالتناقض بين مكونات الجانب المادي للمجتمع ، وترى هذه النظرية أن الصراع بين المصالح المختلفة ، والمتعارضة أحيانا داخل النسق السيسيولوجي ضرورة لازمة للتغيير الاجتماعي ، ويعتبر ماركس أن الصراع الطبقي هو الموضوع الرئيسي للتاريخ ولا يمكن أن ينتهي إلا بالثورة .(41)
  كما يعتقد ماركس أن القوى الإنتاجية في المجتمع تدخل في مرحلة من تطورها في صراع مع علاقات الملكية ومع الإطار الاجتماعي والسياسي القائم ، وعندما تصبح علاقات الملكية معوقة للإنتاج تحدث أزمة وتبدأ حقبة من الثورات الاجتماعية ولا تستطيع الطبقات الحاكمة ، ولا تريد الطبقات المستغلة أن تعيشا معا في ظل الشروط القائمة ، وهذا التناقض بين الطبقات هو الذي يفضي إلى ثورة عنيفة .(42)
  لكن ما يعاب على هذا المدخل التفسيري رغم جهده النظري الذي قدمه لتفسير الثورة ، لتركيزه فقط على الحتمية الثورية الناتجة عن الأسباب الاقتصادية ،وإغفاله بل ونفيه المطلق لباقي الأسباب المؤدية للثورة .
9/ نظرية تعبئة الموارد .
     ظهرت نظرية تعبئة الموارد، التي صاغها لأول مرة في شكلها التأليفي الكامل بفضل كل من زالد  Zald  و مكارثي McCarthy ،و سرعان ما لقيت قبولا واسعا وإجماعا من قبل المجتمع العلمي. بنت هذه النظرية نقدها على أفكار ثلاثة:

 -1
لا يمكن اعتبار الفاعل الاجتماعي موضوعا للسيكولوجيا، ذلك أنه يعمل عقلانيا،

- 2
لا تعد واقعية النظرية التقليدية مسألة ملائمة، ذلك أن التحولات الاقتصادية الاجتماعية متجاهلة عند ظهور الفعل الجماعي،

 - 3
تعد التنظيمات، على عكس فرضيات نموذج مجتمع الجماهير، المفتاح الذي نفهم من خلاله عمليات التعبئةو يكمن الاختلاف الأساسي بين النظرية التقليدية ونظرية تعبئة الموارد في اعتقاد الأولى، على حسب تصور صاحبها كورنهوزر، إن عماد الفعل الجماعي يعود إلى غياب التنظيمات الوسيطة، في حين تعتقد الثانية أنه على العكس، أن التنظيمات الوسيطة هي عصب الفعل الجماعي. كما شرح كورنهوزر مسألة أن غياب علاقات التضامن التقليدية تم تعويضه من خلال خلق علاقات تضامن أخرى أكثر تطورا أفرزتها المدينة وأدارتها تنظيمات جديدة. هذه الأخيرة هي السبب الأساسي في ظهور التعبئات الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة. انتقدت نظرية التعبئة المقاربة السيكولوجية واهتمت أكثر بالمقاربة الاقتصادية التي أصبحت عماد تحاليلها. فهي تعتقد أن الفاعلين الجماعيين أناس عقلانيون ويتصرفون انطلاقا من حسابات دقيقة. يشبه كل من زالد وماكرثي منظمات الحركات الاجتماعية بمديري المؤسسات، حيث يتصرفون في عدد معين من الموارد مثل العمل، الموظفين، التمويل... لذلك فهم يعتمدون في اختيار إستراتيجيات حركتهم على مفهومي الربح والخسارة.(43)
كما انتقدت نظرية التعبئة، عبر مساهمات زالد وماكرثي، مفهوم وضعية النظرية التقليدية وشككت في وجود علاقة سببية وثيقة تربط بين التحولات الاقتصادية والاجتماعية وظهور الكبت والحرمان اللذان يؤديان إلى الفعل الجماعي. فهما لا يعتقدان في هذه الآلية السببية، حيث يتجاوزانها الى تصور آخر ينبني على فكرة أن التنظيمات هي التي تخلق الحاجيات المطلبية والاعتراضات المعبئة. يقولان في هذا المعنى: "الاعتراضات و الاستياءات يمكن تحديدها، خلقها والتلاعب بها من قبل المديرين (القادة) و التنظيمات" فالأزمة، على حد اعتقادهم، لا تشكل سببا مباشرا في عمليات التعبئة الاجتماعية، ذلك أنها لا تتجاوز كونها موردا هاما لتنظيمات الحركات الاجتماعية التي تعمل على استغلالها.(44)
    وبعد هذا العرض ، نخلص إلى أن الثورة وليدة سياق اجتماعي خاص بكل مجتمع ودولة ، ولا يمكن فهم الثورة إلا من خلاله ، ومهما حاول المنظرون إعطاء قوانين ثابتة للثورات والتنظير لها ، تبقى كل ثورة متفردة عن غيرها من خلال أسبابها وظروفها الخاصة ، لكن يجدر بالذكر أن اجتهادات المفكرين من مختلف التيارات ساهمت وتساهم في فهم الثورة كظاهرة إنسانية .

الهوامش :
1-             عبد الوهاب الكيالي ، الموسوعة السياسية . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الجزء الأول .1979، ص870.
2-             شعبان الطاهر الأسود ، علم الاجتماع السياسي قضايا العنف السياسي والثورة . القاهرة : الدار المصرية اللبنانية .2003،ص 46.
3-             نفس المرجع ، ص 47.
4-             يوري كرازين ، علم الثورة في النظرية الماركسية ،(ترجمة سمير كرم) . بيروت: دار الطليعة ، ط1،1975. ص31
5-             مولود زايد الطيب ، علم الاجتماع السياسي . ليبيا : دار الكتب الوطنية .2007،ص99.
6-             يوري كرازين ، المرجع السابق. ص41.
7-             شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص47.
8-             نفس المرجع ، ص49.
9-             محمد السويدي، علم الاجتماع السياسي ميدانه و قضاياه. الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية .ص129.
10-       نفس المرجع ، ص 131.
11-       نفس المرجع ، ص 171.
12-       نفس المرجع ،ص 132.
13-       نفس المرجع ، ص133.
14-       نفس المرجع ، ص 135.
15-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق ،ص64.
16-       فوزية العطية ، علم اجتماع الثورة وخصائص المجتمع الثوري . مجلة كلية الآداب العراقية ، العدد الرابع والعشرين .1979،ص458.
17-       مولود زايد الطيب ، ص100.
18-       شعبان الطاهر الأسود ، ص50.
19-        عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق .ص 871.
20-       إسماعيل علي سعد ، مبادئ علم السياسة دراسة في العلاقة بين علم السياسة والسياسة الاجتماعية .القاهرة : دار المعرفة الجامعية ،ط1، 2004.ص 251.
21-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص 51.
22-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق .ص873.
23-       نفس المرجع ، ص 874.
24-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص 54.
25-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق .ص 875.
26-       يوري كرازين ، المرجع السابق . ص 39.
27-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص 51.
28-       يوري كرازين ، المرجع السابق . ص 52.
29-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص 54.
30-       نفس المرجع ، ص55.
31-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق .ص875.
32-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق .ص 78.
33-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق ، ص 870.
34-       نفس المرجع ، ص 871.
35-       يوري كرازين ،المرجع السابق. ص 09.
36-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق .ص 871.
37-       فوزية العطية ، المرجع السابق . ص456.
38-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق . ص79.
39-       يوري كرازين ، المرجع السابق .ص 41.
40-       فوزية شعبان ، المرجع السابق . ص 457.
41-       شعبان الطاهر الأسود ، المرجع السابق . ص 81.
42-       عبد الوهاب الكيالي ، المرجع السابق . ص 871.
43-       رياض الصيداوي ، الانتخابات والديمقراطية والعنف في الجزائر . عنوان الوثيقة :
44-  رياض الصيداوي ، المقال السابق.

اقرأ المزيد