241189572571696

الأربعاء، 31 مارس 2010

المغرب العربي في مواجهة خطر التطرف بين فكي أوروبا- أمريكا ومنطقة الساحل الإفريقي




باريس / المغرب الموحد
تنظر أوروبا وكذلك الولايات المتحدة شرطي العالم الذي لا يعلن عن نفسه ، إلى التطرف الديني بالمغرب العربي بمناظير مختلفة وأحيانا متناقضة سواء إزاء التجاوزات المسلحة أو أساليب الإرهاب عبر اختطاف مواطنين أو أجانب في الغالب غربيين.
فمن جهة يسود شعور بالخوف تجاه واقع الأمر ، المتمثل في التغييرات العنيفة للأنظمة القائمة، ومن جهة أخرى فإن التحركات المتطرفة تنبع غالبا من مجموعات تحمل طابع العامل الديني الإسلامي، ما يسمح لتلك البلدان الغربية بالرغبة أكثر فأكثر في المشاكل الداخلية للبلدان التي يقوم فيها مثل هذا التطرف تحت غطاء المحاربة المشتركة للإرهاب الدولي.
وتعتقد البلدان المعنية في إفريقيا أن مصلحتها تكمن في إعطاء الأولوية للدفاع عن نفسها وترابها ، واستقرار الأمن داخل حدودها بموافقة ومساعدة القوى الأجنبية.
بين تهديد الأفكار وتهديد السلاح
ولكن ما هي درجة التهديد الحقيقي ، لهذا التطرف الديني ، هل هو تهديد الأفكار، أم تهديد الأسلحة.
وبصورة عامة فإن هذا الخطر في تراجع من وجهة نظرنا، ذلك أنه قد تمت السيطرة عليه في البلدان الأكثر تعرضا لتهديده أصلا أي الشرق الأوسط ودول الخليج والجزائر التي عرفت حربا أهلية استمرت ما لا يقل عن 10 سنوات ( من 1991 إلى 2002) وأزهقت 200 ألفا من الأرواح.
وهذه المرة فإن بلدان المغرب العربي مهددة من الجهة الجنوبية ، وهذا المغرب العربي يجد ظهره مستندا إلى منطقة الساحل الصحراوية الشاسعة، التي تمتد من سواحل البحر الأحمر شرقا وحتى إلى اليمن ، الذي يمثل النقطة الساخنة الباقية وحتى المحيط الأطلسي ، وواجهته البحرية المطلة عن بعد على أمريكا.
فضاء شاغر والأخطار منه كبيرة
وهذا الفضاء الكبير العظيم تمر عبره وفي محاولة لتجنب المراقبة الشديدة، أجزاء مهمة من عمليات التهريب المربحة المتراوحة من الأسلحة إلى المخدرات ، إلى السقائر .. إلى القنابل ، إلى الهجرة السرية.
كل هذا بقطع النظر عن الأفكار والشعارات المتطرفة التي تولدها كل أنواع الكبت والحرمان ، الناتجة عن المشاكل الحقيقية والتي لم تجد حلولا لا فردية ولا جماعية، وفي مقدمة تلك المشاكل القضية الفلسطينية وعمليات التعسف .
وهكذا فإن نتائج أحداث 11 سبتمبر 2001 تمثلت في اندلاع الحرب على العراق ، والحرب الكبرى في أفغانستان.
ومن افغانستان تتناسل أعداد من موجات الحقد ، عندما كان الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة يرعى المقاتلين الإسلاميين ضد الإتحاد السوفياتي واحتلاله ، ولقد ندمت الغرب بعد ذلك على هذا العون الذي انقلب ضده.
أسطورة ،، تضخمت
إن أسطورة بن لادن قد شهدت ولادتها هنا في أفغانستان لتتواصل في تسلسل رهيب ومرعب ، بانطلاق "مجاهديها" نحو أصقاع أخرى للصراع هذه المرة ضد الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة بعد أن تحقق الإنتصار على الإتحاد السوفياتي وتم تفكيكه، وكان أهم مقصد هو الجزائر في المنطقة المغاربية ، وهي التي توفدت عليها فرق الأفغان العرب.
وقد ظهرت معالم عنفهم الفظيع في التعبير عن أنفسهم عبر عدة شعارات يرفعونها وتسميات يتخذونها، متناقضين في كل ذلك مع الإسلام الأصيل وروحه السمحة.
واعتمدت هذه التوجهات على عصابات مسلحة قليلة العدد لا على جيوش مجيشة كما حصل في أفغانستان ، وذلك نظرا لنقص في الإمكانيات بعد أن تخلى عنهم الممولون الغربيون، واعتمدوا في سعيهم حرب العصابات في الأدغال والغابات والجبال الجزائرية من جهة ، ثم أكثر فأكثر وبعد عزلهم وحصارهم، اتجهوا للفضاءات الشاسعة في الجنوب وخاصة في موريتانيا والجنوب الجزائري.
المهم هو الفدية والحصول على المال الحرام
وإذ برعوا في اختطاف واحتجاز رهائن أجانب ، وخاصة أوروبيين، فإن ذلك مكنهم من واجهة حسنة لاستعراض عضلاتهم، وكذلك لافتة دعائية ناجحة، ومعاوضة "صيدهم" الثمين بفديات مرتفعة ، تمكنهم من قاعدة مالية مريحة ، ففي بدايات 2010 طالب أولئك الذين احتجزوا الرهائن الإسبان في 29 نوفمبر الماضي بفدية تقدر بـ7 ملايين دولار.
لقد بدأ هذا المسلسل باحتجاز 32 رهينة بين ألمان وسويسريين وكنديين ، في سنة 2003 ، ثم جاء الدور على الفرنسيين والإسبان والإيطاليين. غير أن الحالة الأكثر مأساوية فهي تلك المتمثلة في اتخاذ الإنجليزي ( إدوين داي) رهينة من قبل عصابة مختطفين،، وأمام رفض الحكومة البريطانية الحديث عن دفع فدية ، فقد أقدم مختطفوه على "إعدامه"يوم 3 جوان 2009.
وقد حاول سيف الإسلام نجل العقيد معمر القذافي منع هذا الإعدام، بتولي دفع المبلغ بدل لندن ، غير أن الخاطفين رفضوا هذا الحل وواصلوا تحركهم المجرم .
الفاتورة المرتفعة الثمن
وقد دفعت موريتانيا الفاتورة الغالية هي والجزائر، باستشهاد 50 من جنودهما في سنة 2005 وسنة 2007 و2008 . و تمت هذه العمليات تحت لواء القاعدة في المغرب الإسلامي ، الملتحقة بتنظيم بن لادن منذ 2006 في منطقة تورين المعتبرة منطقة واقعة تحت نفوذ البوليزاريو في حربه ضد المغرب، ورغم الدفاعات الحصينة من جدران الرمال في الجنوب ، وقد رأى المغرب في ذلك تحالفا بين بعض المقاتلين الصحراويين ومقاتلي التطرف الديني ، المتحالفين ضد الجزائر؟؟
ويبدو هذا بمثابة المتاهة غير المفهومة.
ومما يزيد المشهد غرابة انضمام ضابط قديم من جيش التحرير الجزائري عبدالملك دروكال ، فيما إن عبدالحميد أبوزيد مكلف أكثر بالعمليات في الجنوب وبالإختطافات للمسافرين المنفردين للحصول على فدية كبيرة من دول أوروبية وغربية كل مرة .
وهذا التطرف تحت رداء الدين ، وهو تطرف عسكري شرس ينظر إليه بصور مختلفة، فالسلطات المحلية تفضل الحل الأمني على حدودها ، بينما يرى الغربيون أن هذه العمليات تحتاج إلى مقاربة أخرى تقتضي سياسات خارجية أخرى للبلدان المغاربية.
وهذه النظرة تفضل الإستشارة وتبادل المعلومات الأمنية وإقامة تعاون عسكري ، كما تبادل الخبراء وكل ذلك في إطار التحرك في الجنوب.والولايات المتحدة بنظرتها الجملية للعالم ، أنشأت دائرة عسكرية تتحرك ابتداء من القارة الإفريقية وأسمتها "أفريكوم "، وإزاء رفض كل البلدان إيواء قاعدة عسكرية في إفريقيا ، فإن هذه القاعدة استقرت في شتوتغارت في ألمانيا تحت قيادة أحد الجنرالات.
300 مليون دولار ميزانية القاعدة العسكرية الأمريكية لمحاربة القاعدة
وقد دخلت هذه القاعدة العسكرية الأمريكية مرحلة عملية ، وخصصت لها موازنة سنوية بمبلغ 50 مليون دولار في سنة 2007، و75 مليون في سنة 2008،وقرابة 300 مليون دولار في سنة 2009.
والسؤال المطروح بإلحاح هو مدى احتمالات تعاون هذه القيادة بأذنيها الكبيرتين ومعلومات الأقمار الصناعية مع البلدان المغاربية؟
ويبدو أن الغايات المحددة ليست دائما متماثلة، فالتنظيمات المتطرفة في العالم وخاصة منها الإسلامية ليست كلها بالضرورة في حالة عداء مع الولايات المتحدة ، بينما عداؤها نحو الأنظمة المغاربية واضحة. وهذا ما هو واقع سواء في بلدان الخليج أو العراق أو في أماكن أخرى.
والتعاون يبدو اليوم بين الأمريكان والدول المغاربية بهذا الشأن في حدوده الدنيا ، وتجري ملاحقة العصابات المسلحة بطريقة عشوائية.
وهذا هو حال مالي المطلوب منها ملاحقة من يلجأ إليها وعلى أرضها بعد العمليات الأخيرة في موريتانيا والجنوب الجزائري، بينما تبدو تونس بموقعها والمغرب من جهته في حالة حماية أفضل.
شكوك وشكوك
وإذا كانت هناك شكوك حقيقية بشأن شعور البلدان الغربية بما فيها أمريكا بالنسبة لهذه العمليات الخافية والمعلنة، فإن هناك عدم فهم وكثير من الشكوك إزاء الجيران الجنوبيين في مالي والنيجر، فهما يمثلان قواعد ىمنة لتراجع العصابات المسلحة ، وهي أي هذه البلدان لا تريد أن تتحول إلى شرطي جيرانها الشماليين ، خاصة وأن إمكانياتها العسكرية تبدو في قمة الضعف.
وتتمنى هذه البلدان للعب دور الشرطي الحصول على مساعدات كبيرة سواء من الولايات المتحدة أو من أوروبا أو من البلدان العربية التي تشعر بنفسها مهددة.
ويقول الشماليون : تحركوا وسنرى. وهذا ما أدى إلى فشل الدعوة لقمة لبلدان الساحل والمغرب العربي وعدم عقدها، رغم تزعم القذافي للدعوة وحرصه الشديد على انعقادها وترؤس فعالياتها.
وكانت هذه القمة محددة لأواخر ديسمبر وتأجلت إلى أجل غير مسمى.
وإلى جانب هذا فهناك مشكل شائك آخر بين بلدان المغرب العربي وبلدان الساحل ، هذه البلدان المصدرة لهجرة سرية غير معلنة، ورغم أن بلدان شمال إفريقيا تشكو هي الأخرى من هجرة سرية إلى أوروبا ـ فإنها تمنع آلاف المهاجرين السريين الأفارقة من المرور عبر أرضها ، في طريقهم إلى القارة العجوز، بحثا عن العمل وظروف أفضل للعيش لا يجدونها في بلدانهم ، ما يخلق أسبابا أخرى للتوتر بين المغاربيين والساحليين.
توترات مغاربية ساحلية تفرك أوروبا من أجلها يديها
وهذه التوترات الواقعة تحت السيطرة سياسيا، تثلج صدور الأوروبيين الذي سعوا لعدم توثيق الروابط بين المغاربيين وسكان الساحل، وكان ديغول نفسه الغيور على ما يعتبره المصالح الإستراتيجية لفرنسا وحتى أوروبا لم يكن ينظر بعين الإرتياح لقيام تعاون نوعي بين البلدان المغاربية وبلدان الساحل الإفريقي.
وتعتبر فرنسا ومن ورائها أوروبا أن منطقة الساحل الإفريقي هي منطقة نفوذ فرنسية، لا من أحد يمكنه أن يدس أنفه فيها أو يدخل منها إلى مناطق نفوذه.
غير أن مقدم الولايات المتحدة إلى هذه الأصقاع بعد أن كانت حتى الآن منطقة نفوذ فرنسي-أوروبي قد أدخل عناصر جديدة للمعادلة
ودست الصين من جهتها أنفها بقصد لهف الأسواق الواعدة في منطقة الساحل والإستحواذ على الخامات التي تزخر بها والحصول على ما يعزز نفوذها في المنطقة وعالميا.
وفي هذه الأجواء فإن تسرب الأفكار والإيديولوجيات المتطرفة سواء كانت دينية أو متسربلة برداء الدين يمكن أن يفتح الآفاق في منطقة الساحل الإفريقي على مغامرات أكثر أو أقل خطرا.
ومن الضروري بل أكثر من الضروري ، أن ترص بلدان المغرب العربي صفوفها ، وتقوم بتفعيل مؤسسات اتحادها ، وتنهي خلافاتها التي هي في الواقع غير هامة وتواجه مستقبلها الواحد في ظروف أحسن ، وتكون على طرف الإحترام اللازم لا فقط إزاء ضفتها الشمالية بل أيضا ضفتها الجنوبية المطلة على الصحراء وبلدان الساحل الإفريقي.
المصدر : مجلة المغرب الموحد
اقرأ المزيد

الثلاثاء، 30 مارس 2010

العلم بين الأخلاق والسياسة



د. حسان الباهي . جامعة ابن طفيل. القنيطرة
تقديم الغاية من هذه الورقة ليس الكلام في العلم، بل الكلام عنه، بمعنى إخضاع العلم لمقتضيات التفكير النقدي، بعد ماآل إليه، وأوصلتنا إليه التقنية. حيث خرج العلم عن مصاره الذي استهدفه، والمتمثل في إسعاد الإنسان. لقد أصبح التطور العلمي عامة والتقني يسائلنا في حياتنا اليومية، خاصة بعد أن أصبح السياسي يتدخل في مصير العلم؛ واصبحت الشركات توجه البحث العلمي نحو هدف واحد أساسي هو الربح المادي. بهذه الكيفية ارتبط العلم بالاقتصاد والسياسة ليصبح العالم في أحسن الأحوال خادما للسياسي وللمقاول. سعينا هو: أ- الكشف عن جذور هذه الأزمة، وكيف انحرفت التقنية من الرغبة في إسعاد الإنسان إلى تهديده في وجوده. ب- تحديد معالم هده الأزمة، بالكشف عن بعض مظاهرها. ج- رسم معالم لتصحيح مسار العلم: تحت شعار تغليب صوت الحكمة. كنا من قبل نتصور أن العلم موضوعي ومحايد. بالتالي، كنا نتق في العالم وما يكشف عنه من نتائج، بدعوى موضوعية العلم وحياد العالم. لكن التطور العلمي والتقني وبالكيفية التي سار به أصبح يسائلنا، خصوصا بعد أن سُخرت التقنية لتحقيق رغبات سياسية واقتصادية. بالتالي، أصبحنا مطالين بالكشف عن أصول هذا اللقاء والتنبيه إلى خطورة المستقبل، مادامت التقنية قد سخرت لتكريس الفوارق وأصبحت مصدر استغلال.
سننظر كذلك في الطريقة التي يتطور بها العلم. فمن قائل بالاتصال إلى متبن لنظرية الانفصال. لنرد على هؤلاء بالقول بأن البحث الابستمولوجي لم يعد كافيا لتفسير العلم. ذلك أن البحث الابستملوجي ينظر إلى العلم من الداخل فقط. وهذا غير كاف، مادام العلم لايختلف عن غيره من المباحث، بما يشهده من صراعات ونزاعات.وهو ما يدعونا إلى طلب اعتماد الحجاج سبيلا لفهم مسارات التطور العلمي. فحلول نظرية محل أخرى يتم عبر الاقناع والاقتناع؛ باعتماد الحجة والحجة المضادة. لننتهي إلى الدعوة إلى إعادة ربط العلم بمحيطه الثقافي والاجتماعي والفكري.
على هذا، يمكن تحديد الأخطارالتي تحدق بالإنسان في مستويين:
-المستوى الفكري عامة، والسياسي والاقتصادي خاصة: حيث الرغبة في فرض نمط فكري واحد وتعطيل كل سعي إلى التعددية و الاختلاف.
-المستوى العلمي عامة، والتقني خاصة: حيث تتقلص يوما بعد يوم فرص حياة الكائنات الحية، بعدما عبتث التقنية بالإنسان وأفسدت الطبيعة.
في هذا المقام سنبين كيف التقت الرغبة الأولى بالثانية. فأمام ما يشهده العالم من محاولات النمذجة وسيطرة القيم المادية على القيم الروحية أصبحت العديد من العلوم تطرح قضايا لم يعهد بها الإنسان من قبل. كما أصبحت التقنية تطرح علينا أسئلة لم تعد معرفية فقط، بل أصبحت وجودية بالأساس. وهو مازاد من مسؤولية المفكر. حيث لم يعد الوضع يتطلب منه البحث عن الحقيقة، بل التصدي كذلك لمختلف السبل المعتمدة لطمسها و تعطيلها. ولذلك وجب عليه مجابهة كل خطاب خادع ومضلل، وكل نظر لا يعمد إلى إعمال الفكر وفق مقتضيين أساسيين هما: التعقل والتخلق.
1- بداية الأزمة
مع بداية العصر الحديث شهدت العديد من العلوم، خاصة الفيزياء تطورات أفضت بالعديد من العلماء إلى الاقتناع بأن الطبيعة كتاب مفتوح. ومن ثم، إمكان صياغة الظواهر الطبيعية بواسطة قوانين موضوعية وثابتة وكلية. الأمر الذي سيفضي بنا في نظرهم إلى التحكم فيها. بالتالي، إمكان التنبؤ بالمستقبل.
بدأ هذا التوجه مع غاليلي حين زعم بان الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات، بشكل يسمح بصياغة قوانينها باعتماد معادلات رياضية. لقد زعم أن بالإمكان تقديم تفسير موضوعي لكل ظواهر الطبيعة، بما يسمح بالتحكم فيها. وبموجب ذلك، يصبح العالم قادرا على التنبؤ بالمستقبل، باعتماد استدلالات قائمة على العلاقات السببية بين الأحداث.
وعليه، تم التسليم بأمرين:
أ - العقل وحده قادر على معرفة الظواهر الطبيعية وصياغتها على شكل قوانين كلية.
ب - العقل الإنساني واحد في استدلالاته وبراهينه وطرق تفكيره. فهو يشتغل وفق قوانين وضوابط محددة وثابتة. فهي كلية وصالحة لكل زمان ومكان. ومن ثم، اعتبرت هذه المبادئ معيارا للعلمية ونموذجا لكل يقين، وأن السعي لتجاوزها هو تحد للعقل. فكانت النتيجة، التسليم بأحادية التفكيرالإنساني.
هكذا قال ديكارت بأن العقل أعدل قسمة بين الناس، وأن الحقيقة قائمة في العقل. فتبنى القسمة الثنائية القائمة على الأنا المفكر في مقابل المادة الممتدة. وهي الثنائية التي تولدت عنها ثنائيات وضعت الذات مقابل الموضوع و الإنسان مقابل الطبيعة. وعليه، في مقابل الأنا الصاعد هبط العالم إلى مرتبة امتداد جامد، وتحولت الطبيعة إلى قوانين ميكانكية. هكذا تم تشييء الطبيعة وأصبح يُنظر إليها على أنها مجرد مستودع لمواد خام؛ فنزعت عنها قيمتها، وتم إفساد البيئة وتدمير الطبيعة.
ما لبثت هذه المحاولات أن انتقلت إلى مباحث الإنسانيات. فقد جرت العادة منذ قرون أن تقتفي العديد من المباحث الإنسانية أثر ما يسمى بالعلوم الدقيقة في مناهجها وطرق تدليلها، مستهدفة بذلك صياغة نتائجها على منوال نتائج العلوم الدقيقة. من ثم، ساد الاعتقاد بأنه كل ما اقترب الحقل الأول من الثاني ازدادت دقة نتائجه. فلجأت العديد من العلوم الإنسانية إلى اقتراف أثر علوم طبيعية (كما هو حال علم النفس مع البيلوجيا، بل حتى الأدب حين تبنى البعض الأدب الواقعي أو اعتماد المنهج البنيوي في الدراسات الأدبية وغيرها من الدعاوى). فكانت النتيجة سعي العديد منها إلى صياغة نتائجها على شاكلة العلوم الطبيعية(الدقيقة). وعليه، ما لبث الإنسان أن أُخضع لمقومات منطقية ورياضية صارمة يضبط بها يقاس وفقا لها، شأنه في ذلك شأن بقية الظواهر الطبيعية. فتم تحويل الإنسان إلى نظام معلوماتي وقاعدة من البيانات الرقمية، ليصبح مجرد رقم أو رمز قابل للتعديل؛ حاله في ذلك حال أي نظام معلوماتي. بالتالي، ذهبت بعض الدراسات إلى حد القول بإمكان الشخص أن يستغني عن ذاكرته ليعوضها بوسائل تخزين البيانات الالكترونية. فكان من نتائج تصورات من هذا القبيل أن أفقدته مقوماته ومشاعره وأحاسيسه وشككته في معتقداته. فتحولت العلاقات بين الناس من علاقات تواصلية و تفاعلية إلى علاقات توصيلية بين الآلة والإنسان.
لقد انتهت بنا هذه التصورات إلى خلاصة مفادها أن التحكم في الإنسان والسيطرة عليه يتم بتنميطه. فنحن بإمكاننا التحكم في أفعاله ما دمنا نتحكم في القواعد والقواينن التي تضبط سلوكاته. فالبشر يدركون بحواسهم ويستدلون بعقولهم بطريقة واحدة(كما قلنا سابقا). بذلك ترسخت النظرة الشمولية للطبيعة و البشر. لقد زعموا أنه بالإمكان التحكم في الأحداث والظواهر مادام قد ضبطوا القواينن التي تتحكم في سلوك الإنسان؛ متغافلين استحالة قياس الإنسان بالطبيعة.
لما استكان هذا الاعتقاد عند هؤلاء أصروا على وجوب نمذجة العالم وتنميط الإنسان بغاية بناء نموذج اجتماعي وثقافي واحد، وإقامة منظومة قيم عالمية قادرة على خلق "مواطن عالمي"(سياسيا وبيلوجيا). لقد اقتنعوا بأن التحكم في الآخر يجب أن يبدأ بإفساد نظمه الفكرية وأنساقه التصورية، لينتهي بتعطيل فكره وتبديل سلوكاته وأنماط عيشه. بهذا وجدنا أنفسنا اليوم أمام سياسة بلا مبادئ وعلم بلا أخلاق وفكر بلا قيم.
2- معالم الأزمة
يكاد يجمع الكل على أن الصراع الثقافي يعد المحرك الأساسي لمختلف النزاعات الدائرة اليوم. هذا الموقف يجعلنا نستحضر الدور الذي تقوم به بعض الأطراف باستخدامها لمختلف الوسائل بغية إفساد الأنساق التصورية والثقافية داخل المنظومات الفكرية التي تخالفها التوجه. وغالبا ما تبدأ هذه العملية بالسعي إلى خلخلة البنية المفاهمية لهذه الأنساق، إما بإدخال مفاهيم جديدة أو التشويش على معاني مفاهيم موجودة أو تقييد أو إطلاق مدلولات مفاهيم معينة. كل هذا بهدف بناء مفاهيم الغاية منها فرض تصورات معينة وتوجهات سلوكية محددة؛ اقتناعا منها أن التطويع يبدأ بتغيير طرق التفكير، لينتهي بتغيير السلوك.
بموجب هذا، لم يعد صناع القرار العالمي يكتفون باتخاذ قرارات سياسية، بل أصبحوا يستهدفون التاسيس الفكري لمواقفهم وتصوراتهم، اقتناعا منهم أن الهيمنة الفكرية يجب أن تمهد الطريق لأية هيمنة سياسية واقتصادية. بالتالي أصبحت مختلف المواقف السياسية تقتضي التأسيس والتعضيد الفكري لها. ليصبح الصراع الفكري المحدد الأساسي للصراعات المستقبلية. وقد ترسخ لديهم هذا الاعتقاد بعد أن أصبحت تقنية المعلومات من أهم أدوات الاقتصاد وأهم وسيلة لتفعيل القرار السياسي وأهم سبيل لصناعة الثقافة. لتصبح بذلك المعلومة سلعة اقتصادية، وتصبح برامجها وبنوك بياناتها بمثابة أصول اقتصادية. وكانت النتيجة تحالف المؤسسات الاقتصادية والمعلوماتية .
هكذا أصبحنا في عالم أضحت فيه المعرفة قوة قادرة على فرض سلطتها؛ بما يوحي بان معظم النزاعات المستقبلية ستمر بالأساس عبر وسائل الاتصال والتواصل، وستحسم داخل ما يعرف باسم "السوق الثقافية". وهذا ما يبرر ما نراه اليوم من ظهور مجموعات بحث فكرية أو جماعات علمية في إطار ما يسمى بمصانع الأفكار؛ هدفها التأسيس الفكري للمواقف السياسية التي تتخذها بلدانها. وهو ما يفسر كذلك الزخم الإعلامي المرغوب فيه وغير المرغوب فيه؛ بشكل جعل العديد من البلدان تتحول إلى سوق استهلاكية، تستعير المفاهيم والأنساق الفكرية الجاهزة.
ما يثير انتباهنا هنا هو طغيان التبرير الأخلاقي للعديد من من المواقف، سواء على مستوى السياسية أوالعلم، من قبل الحديث عن أخلاق الحرب، والمسؤولية الأخلاقية لبعض البلدان في نشر الحرية وتحقيق العدالة. بنفس الكيفية التي نقول بها أن على الدول الغنية مسؤولية اخلاقية تتمثل في العمل على القضاء على الفقر والأمراض في الدول الفقيرة، بما يتطلب تمويل الأبحاث في هذا الاتجاه، مثل تلك المتعلقة بإنتاج أنواع جديدة من النباتات والبذور القادرة على مضاعفة الإنتاج، بما يسمح بتأمين الأمن الغذائي، وغيرها من المواقف المعللة بالرغبة في إسعاد الإنسان.
أ- السعي إلى التحكم في الطبيعة والإنسان
إذا كانت العلوم والتقنية قد مكنت الإنسان من تجاوز العديد من العقبات والتغلب على العديد من المشاكل، فقد أفضت بالمقابل إلى وضع لم يعد بإمكانه أن يتحكم في طرق تصريفها. لقد انتهت به التقنية إلى نتائج لم يعد قادرا على توقع مآلها. ولعل التطور الهائل لأسلحة الدمار، وما يقع على مستوى وسائل الاتصال والهندسة الوراثية والطب، وما يخطط له علماء المعرفة ومهندسي الذكاء الصناعي، وغيرهم، خير دليل على حجم المشاكل التي تواجه الإنسان في الوقت الحاضر.
لقد أثارت هذه المباحث مشاكل أخلاقية وقانونية واجتماعية ونفسية لم نتمكن إلى حد الآن من الحسم فيها. ففي الوقت الذي يتحدث فيه مهندسو الذكاء الصناعي عن فترة انتهاء احتكار الإنسان لملكة الذكاء، أصبحت الهندسة الوراثية تتحدث عن أشياء يصعب أحيانا مجرد تمثلها. حيث إمكان إنتاج كائنات حية معدلة وراثيا. بالتالي، القدرة على التحكم في الجينات بشكل يسمح بنقلها من كائن لآخر. وهو ما سينتهي إلى إمكان خلق إنسان معدل وراثيا له مواصفات محددة سلفا وتحت الطلب. [بذلك تلتقي الرغبة السياسية في خلق مواطن عالمي بالرغبة البيولوجية]. لقد اصبح بإمكان علوم الحياة إدخال تعديلات على خلايا الإنسان لجعله يقوم بوظائف محددة. وأصبح بالإمكان التحكم بموروثات الذكاء بما يمكن من تنميته، بما قد يفضي إلى إنتاج إنسان متفوق. ليتقوى خطر التلاعب بالجينات بشكل يمكن معه خلق إنسان "نموذج عالمي". بالإضافة إلى القدرة على إنتاج حيوانات تحمل جينات بشرية يمكن بعد ذلك نقل أعضائها إلى البشر. أصبح بالإمكان رسم الخريطة الوراثية للجنين بشكل يسمح بالنتبؤ بالخلل والعمل على إصلاحه. كما أصبح بالإمكان تغيير بعض الصفات لأنواع من النباتات بغية الحصول على أصناف جديدة؛ وكذا تهجين الحيوان؛ إلى غير ذلك من الأخطار التي تحدق بالإنسان وتهدد وجوده.
إذا كان هدف السياسي هو التحكم في الإنسان، فيمكن القول بأن هذا المنحى هو الذي أصبح الطاغي في الأبحاث العلمية. حيث انتقل الهاجس من الرغبة في التحكم في الطبيعة إلى التحكم في الإنسان (بيولوجيا). بما جعل بعض المهتمين يقولون بأننا سننتقل من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الجيني.
لما تحالف العلم مع الرأسمال نُقلت العديد من مراكز البحث من الجامعات إلى مختبرات خاصة بالشركات؛ وما تبقى منها فهو أمام أمرين إما أن يدخل معها في شراكة، وإما فشله بفعل قلة المواد وشدة المنافسة. هكذا تم التخلي عن أخلاقية البحث العلمي. فاصبحت العديد من التجارب تجرى في مختبرات سرية؛ واصبح العالم تحت قيود يحددها المقاول، خوفا من إفشاء الأسرارأو إغرائه من طرف شركات أخرى. بالتالي، أًصبح الراسمال هو المتحكم في مسار البحث. فالشركة هي التي تحدد المجال الذي على العالم أن يشتغل فيه، ومتى لم ينجز ما يطلب منه فقد يكون محط عدم الرضا. لهذا كل ماينتظر منه هو أن يحصل على نتائج تكون محط تقدير من مشغله، أي دافعي الأجر ومؤطر البحث. وحتى لو وصل إلى نتائج مهمة من الناحية العلمية، لكنها لاترضي المشغل، فقد يكتمها. (فكم من التجارب والأدوية ذات فائدة عامة احتفظ بها في أماكن سرية،لأنها لاتخدم المصلحة الاقتصادية للراسمال). بهذا اصبح التنافس بين الشركات قويا، وأصبح الصراع بين الجماعات العلمية يعتمد مختلف طرق التغليط، خوفا على سمعتها، و حفاظا على منتوجها. وبالجملة، بما أن غاية المقاولات هو الربح، فهي هي التي تختار الأولويات، وفي أي اتجاه يجب أن يتوجه البحث وما يجب أن يفصح عنه وما يجب أن يبقى طي الكتمان، أو اختيار الوقت والكيفية التي يعلن بها عن المنتوج الجديد. فحتى لو كان البحث في مجال ما يمكن أن يصل إلى نتائج ذات قيمة بالنسبة للمجتمع لكن لايدير أرباحا أكثر فيمكن أن تتخلى عنه وتلزم الباحثين بالاستمرار في مجال آخر. وقد تستعجل الباحث، لاعتبارات تنافسية وقائمة أساسا على الربح. فنجد العالم في وضع تناقضي بين أخلاقيات المهنة والتزاماته تجاه الشركة.
هكذا أفضى بنا التقدم العلمي والتقني إلى مشاكل تعكس الآفات المادية والروحية لعالم اليوم. حيث صاغ مبادءه وأحكامه على مبدأي التجريب والترويض، ليهمش كل ماهو ذاتي وروحي. في هذا المقام نتساءل هل الثورة العلمية التي نعيشها الآن والمتعلقة بالهندسة الوراثية ستوحد بين البشر أم ستعمق الفوارق؟ ما مصير التنوع البشري أمام التغييرات الوراثية والبيولوجية التي تندر بقيام حروب عرقية بيلوجية؟ هل يمكن القبول بإنتاج كائنات حية معدلة وراثيا؟ ما موقفنا من التغيرات المناخية ومن مختلف أنواع الإفساد والتدمير للبيئة؟ أضف إلى ذلك العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية والقانونية، وغيرها، التي طرحتها التقنية والتي نجد نفسنا مذهولين أمامها، وتزداد تعقيدا كل يوم:
بما أنه اصبح بالإمكان معرفة الأمراض التي سيصاب بها الشخص، وفي أية مرحلة من عمره، فيمكن لأحد الزوجين أن يطلب الطلاق بعد اطلاعه على الخريطة الجينية لشريكه. وقد يتقدم لوظيفة ما فيرفض لنفس الاعتبار. وقد ترفض شركة للتأمين تامين الفرد، لأن تكاليف علاج المرض الذي سيصاب به باهضة. إلى غير ذلك من المشاكل التي تتعلق بجوانب متعددة. مثل، مشكل شراء الأجنة الحية ومصير الأمومة ونحن نتحدث عن الحمل خارج الرحم. وانتقاء جنس المولود. هل من حق المولود الذي اختير جنسه أن يقاضي أبويه عندما يكبر بدعوى أنه لم يستشر؟ ماعلاقة المستنسخ بالمستنسخ منه. فبالرغم من أنهما يحملان نفس الصفات، فلم يأتيا في لحظة زمانية واحدة.
لقد انتقلت عدوى العلمية إلى الباحثين في فلسفة العقل. فقال بعضهم إن علينا اختزال مناقشاتنا عن طبيعة العقل بلغة المعتقدات والرغبات، وغيرهما من المواقف الافتراضية إلى الحديث عن الأحداث العقلية بلغة الفيزياء. فبإمكاننا استخدام لغة العلوم الطبيعية أو إحداها للبحث فيما يدور في دماغ الإنسان. حتى أن هناك من ذهب إلى القول بأن الوعي ذاته يمكن أن يكون ماديا صرفا.
مما سبق، يتبين أن مصادر المعرفة قد تغيرت بعد أن أصبحت السلطة الحقيقية بيد الشركات العابرة للقارات تحت ذريعة العولمة أو النظام العالمي الجديد. لقد أصبحت المؤسسات الكبرى تنهب كل الموارد الطبيعية المتاحة. وأصبحت حكومات هذه البلدان بمثابة وسيط مهمته تسهيل تنفيذ أوامر هذه الشركات. في هذا المقام أصبحنا أمام هجرة جديدة للأدمغة لاتتمثل في مغادرة الموقع الجغرافي الذي هو فيه، بل تمكنت البلدان المستقبلة من التخلص من هذا العبء بعد أن أصبح العالم أو الباحث تابعا لها وهو في بلده. فبظهور الشركات العابرة للقارات أضحت العديد من مختبرات العالم الثالث تابعة لمختبرات دول المتقدمة بدعوى الشراكة أو مايماثلها. وقد استفادت العديد من الشركات من هذه المعطى، حين اتخذت هذه هذه البلدان حقولا للتجارب.
لقد حولت هذه الشركات المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية، همها إشباع الرغبات المادية. كما تحولت الطبيعة إلى مجرد خزان لموارد هدفها تلبية ثقافة الاستهلاك. فوضعنا المقاول أمام مقولة مفادها أن كل شيء هو بدون قيمة مالم يستغل. ومن ثم، يتبين أنه ليس على استعداد للاعتراف بأية قيمة للطبيعة. فلا حقوق لها ولا اعتبار لها. فهي مجرد سلعة يجب استغلالها من أجل الربح المادي. فالمنفعة البشرية لايجب أن تخضع لأي اعتبار خلقي أو أن تقيد بأي قيد مهما كانت قيمته.
ب- أزمة العقل
يمكن القول بأن البداية الحقيقية للأزمة كانت لما عمد الإنسان إلى إطلاق العنان للعقل التقني دون أي قيد أخلاقي؛ ظانا أن التقنية ستمكنه من تحقيق السعادة. لقد اعتقد أن ربط العقل بالتقنية سيفضي به إلى التحكم في كل شيء. فالتقنية ستمكنه من تسخير الطبيعة وتطويرها بحسب رغباته. لكن سرعان ما انقلبت هذه التقنية على الإنسان والطبيعة وأصبحت مهددة لكل شيء. حيث أصبحنا أمام إنجازات يصعب حتى على العقل تعقلها. بذلك تحول العقل إلى أداة تتكلم لغة الترويض والصورنة والرقمية والبرمجة. مما جعل منه عقلا أداتيا غايته السيادة على الإنسان والطبيعة. بهذه الطريقة أصبح العقل بمثابة أداة وجرد الإنسان من قيمته ليصبح مجرد رقم شأنه في ذلك شأن بقية الأشياء الموجودة في الطبيعة؛ دون أخذ بعين الاعتبار مقومات الإنسان باعتباره كائنا تفاعليا باستمرار. فما قيمة العقل متى لم يراع البعد الروحي في الإنسان.
وبالجملة، فقد تم إخضاع الطبيعة والإنسان لسلطة العقل الذي أصبح مستبدا ومخترقا لكل القيم البيئية والإنسانية. لقد أفضى العقل بالإنسان إلى وضع فقد فيه السيطرة على نفسه بشكل اصبح من الصعب توقع النتائج. لقد رفع العلم شعار "كل شيء ممكن"، ومن خلاله تم توسط العقل التقني لتحويل العديد من الأمور إلى ضدها، بشكل جعل التقنية تضر حيث يجب أن تنفع. وأكبر دليل على ذلك ما نعاينه اليوم من استخدام العديد من الابتكارات العلمية بشكل يتناقض مع ما استهدفته في البدء. هكذا أصبحنا أمام إنجازات يصعب حتى على العقل تعقلها. فأصبح العقل لاعقلانيا حيث أراد أن يكون عقلانيا. فانتهى إلى فقدان دوره كرقيب للفعل الإنساني؛ حين استبعد بعضهم احكام القيمة كشرط مسبق للعلم، بقولهم إن على العالم ان يوجه جهوده إلى تحديد الوقائع والحقائق لا أن يسال عن قيمتها. فلا أخلاق في العلم ( كما قيل بانه لااخلاق في السياسة). إن استحضار القيم والأخلاق في مجال العلم يعني بالنسبة لهؤلاء الحيلولة دون تحصيل الموضوعية التامة والكاملة. فالموضوعية تقتضي من العالم استبعاد كل المقومات الذاتية واعتماد الحياد في النظر؛ فلا مشاعر ولا قيم ولا أخلاق.
بذلك أفضى بنا العقل إلى حدود أصبحت تطرح معه القيم الأخلاقية، وأصبح هناك من ينادي بوجوب تحجيم العقل والحد من غلوه. يجب إنقاذ العلم بإعطائه طابعا اجتماعيا وثقافيا. فالإنسان ليس مجرد كائن طبيعي، بل كائن اجتماعي وثقافي. فالعقلانية الأداتية التي سعت إلى تحرير الإنسان قد استعبدته. إنه عقل مجزء. فعوض أن يقيم علاقة تكاملية بين الكائنات أقام مقامها علاقة تفاضلية، بل تصادمية.
في هذا الإطار يمكن القول بأن العقل تحول إلى لاعقل حين فقد الحس النقدي؛ فعمد إلى تشييء كل شيء، فاستباح كل قيمة إنسانية وطبيعية.
ج- أزمة القيم
لقد اصبحنا أمام تقدم هائل للعديد من العلوم، خاصة علوم الاتصال والفضاء وصناعة الأدوية والتقنية الحيوية والهندسة الوراثية، وغيرها. وهو ما مكّن من القدرة على استئصال الملوثات من التربة والماء و تشخيص والقضاء على العديد من الأمراض والأوبئة، لكن هذا التقدم أثار بالمقابل قضايا تقتضي المعالجة من منظور فكر نقدي. فكما أن الهندسة الوراثية مثلا استخدمت في العديد من المجالات النافعة للإنسان، فيمكن كذلك أن تضر به؛ وأن تفتك به من خلال حروب جرثومية واستخدام أسلحة بيلوجدية، بل يمكن أن تتحول إلى أسلحة ذات طابع عرقي. وعليه، فلا يجادل أحد في أن الإنجازات التي حققتها العديد من العلوم مكنتنا من التغلب على مجموعة من العوائق، دون أن يجادل في نفس الوقت بأن العديد منها وضعنا أمام قضايا تهم القيم بالأساس. من هنا، تم الاقتناع بأن مسار العلم والدور الذي رُسم للعقل أفضى بهما إلى أن ينزعا عن الإنسان قيمته الحقيقية. بالتالي، يمكن أن نتساءل عن قيمة العقل متى لم يراع البعد الأخلاقي في الإنسان.
في هذا المقام تُطرح العلاقة بين البحث العلمي والقضايا الأخلاقية. ما طبيعة الأخلاق التي يجب أن تسود داخل الجماعة العلمية وداخل المختبرات العلمية؟ ما موقف الأخلاق من التجارب السرية لبعض المختبرات خاصة عندما تجرى على كائنات بشرية؟ كيف ننظر إلى تزايد العلاقة بين العلم والاقتصاد والاعتماد المتبادل بين العلم والأعمال الحرة من خلال المختبرات التابعة للمقاولات؟ ماهي أخلاقيات تمويل البحث العلمي؟ كيف ننظر إلى مختلف أساليب الإغراء والغش والخداع والتمويه والسلطة داخل الجماعة العلمية، ومختلف العلاقات التي تسود بين الجماعات العلمية ؟ كيف نسمح بسريان مفعول السرية داخل المختبرات، والتستر عن بعض الاكتشافات التي لا تخدم المقاولة؟ ماذا عن تزايد المنتوجات الاستهلاكية على حساب صحة الإنسان وقيمه ومعتقداته؟ وغيرها من القضايا التي يمكن أن نجادل فيها أخلاقيا.
يفضي بنا ماسلف إلى أن القيم السائدة في عالم اليوم تنبني على:
أ - تغليب أساليب السلطان على الحجة(الإكراه بدل الإقناع )
هناك تباين بين مفهوم السلطان ومفهوم الدليل. الاول يستند إلى القوة المادية على عكس الدليل الذي يقوم على إعمال الفكر. كما تتمثل السمة الأساسية للسلطان في الاستعلاء؛ بغاية ترسيخ المفاضلة؛ بينما يلقي المتكلم بالدليل إلى الغير على وجهة التساوي، بغاية التعاون. فصاحب الدليل يطلب إقناع الغير، سالكا مسلك رضاه.أما مسالك صاحب السلطان فغالبا ما تكتسي صبغة الوعد والوعيد: "سلم بكذا وإلا تعرضت لكذا،"افعل كذا وإلا كان مصيرك كذا".... كما ان الإقناع بالقول لايكون إلا بالنظرالعقلي القائم على الحجة، بينما استخدام السلطة يكون بقوة القهر.
ب- بناء عالم قائم ثنائيات مضادة
لقد أصبحنا في عالم مبني على ثنائيات متضادة: الحرية مقابل الاستبداد، والعالم الحر في مقابل عالم الفقر، ومعي في مقابل ضدي؛ إلخ. مما أفضى بنا إلى ثنائيات تصادمية تستند إلى قيم ترد على صورة زوج ذي طرفين متضادين، أحدهما يمثل قيما إيجابية والآخر قيما سلبية. بالتالي، ادعى الطرف القوي بأن العالم سيعمه الرخاء والازدهار والطمأنينة لو كان الجميع مثله. فبنى مواقفه على النظرة الأحادية في التفكير والسلوك.
ج- تناقض القول مع الفعل
كثيرا ما نعاين بأن الواحد منا يقول ما لايفعل. فهو يسلم من الوجهة النظرية بشيء لكن يخالف فعله قوله. فتجد هوة شاسعة بين النظر والعمل. فقد يسلم أحدنا مثلا بالتعددية والحق في الاختلاف، لكن لا يلبث أن يعرض عن هذا متى انتقل إلى مستوى الفعل، بأن يوقف هذا الحق في اتجاه واحد. فينظر إلى نفسه على أنه الطرف الوحيد الذي يمتلك الحقيقة. بالتالي، له الحق في أن يختلف مع الآخر دون أن يكون للآخر الحق في ذلك. للحفاظ على هذا الوضع، يسعى إلى انتزاع سلطة تمكنه من قهر الآخر. ومن ثم، يحول معرفته حقيقته مطلقة.
يتجلى هذا التناقض في المواقف التي تتبناها العديد من الأطراف، أفرادا كانوا أم جماعات. وعادة ما يعود هذا إلى تغليب مصالح خاصة ولو على حساب المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية. فقد ترفع دولة ما شعار الحرية، لكنها في ذات الوقت قد تجبر أطرافا معينة على تنفيذ أمر ما. بالتالي، قد يلزم القوي الضعيف بما لايلتزم به.
هذه السمات التي عمت العالم ولدت صراعات بين توجهين، يدعي أحدهما أنه وحده يمتلك الحقيقة، ومن ثم، وجوب أن يُتخذ نموذجا يحتدى به. وتوجه يرفض النمذجة سواء في النظر أو العمل، ويدعو إلى التعددية في كل أبعادها.
تتميز تصورات الطرف الأول بالسعي إلى بناء نموذج اجتماعي وثقافي واحد، ومنظومة قيم عالمية واحدة، قادرة على خلق "مواطن عالمي". لهذا، يرى في التعددية فوضى، وينظر إلى الاختلاف على أنه تآمر، وإلى التسامح على أنه ضعف. ومن ثم، بني ثقافته وتعامله على ركنين هما: الرقابة والتحكم.
لقد أدت المواقف الفكرية للتوجه الأول إلى ردود أفعال لدى العديد من الأطراف التي رفضت بناء العالم وفق نمط أحادي. حيث اعتُبرت هذه المحاولة غلوا وتطرفا. فمبتغاها هو إقصاء الغير لصالح نموذج عالمي واحد. في حين يقتضي الوضع أن يكون لكل طائفة أو جماعة أو أمة الحق في أن تكون لها معتقداتها وثقافتها الخاصة وطرق تدبرها للحياة، وأن تنظر إلى الواقع بطريقة تخصها، في إطار مقتضيات مشروعة تراعي حقوقها وتلتزم فيها بواجباتها. من هذا المنطلق، يرى هذا التوجه وجوب تجاوز التعامل بعقلية الثنائيات المبنية على الأضداد. وعليه، يدعو إلى التعددية القائمة على التفاهم والتسامح في ظل الحق في الاختلاف. فلا يمكن التسليم بأن طرفا ما هو الممتلك الوحيد للحقيقة، بشكل يعطيه حق التصرف أين شاء ومتى شاء وكيفما يشاء. ولن يحصل ذلك إلا بالبدء بالتخلي عن المفاهيم الأحادية (النظام العالمي الجديد) والتصورات الكلية"(العدالة المطلقة، الحرية الدائمة). إن تجاوز هذا الوضع التصادمي يتطلب البدء بتجديد النظر في المفاهيم، لينتهي بأن يكف كل طرف على اعتبار الطرف الآخر عدوا لا يصلح معه إلا العنف ولا يستحق إلا الموت.
ووفقا لما سبق سنعمد إلى طرح بعض التصورات التي نعتبرها معالم طريقة للخروج من الوضع الذي نحن فيه:
أ- وصل التعقل بالتخلق
تكاد معظم التحليلات تجمع على أننا في عالم تتهاوى فيه الأنساق الفكرية والقيمية بشكل يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي يمكن أن نبني بها عالم متوازن. هل الأمر يقتضي التأسيس العقلاني أم التأسيس الأخلاقي لأقوالنا وأفعالنا؟ هل تحديد حاجيات الإنسان يجب أن يستند إلى العقل أم الأخلاق؟
نحن أمام موقفين، أحدهما يعتبر العقل هو الفاصل في كل شيء، مما يستوجب اتخاذه حكما كليا. فمتى تمكن الإنسان من استخدام عقله توصل إلى حل المشاكل التي تواجهه. فالعقل هو وحده المعول عليه للتحكم في الطبيعة وتحسين أوضاع الإنسان. وبذلك يرى المدافعون عن هذا التوجه بأن الأخلاق لا تخدم إلا الضعيف، وأن التسامح نوع من الاسترخاء. هكذا أسقط العديد من الدارسين معيار التقويم الأخلاقي ليأخذوا بالعقل وحده. ومن ثم، وجب قطع الصلة بكل القيم التي لا تولدها مقتضيات التقدم العلمي والتقني. ذلك أن المدافعين عن ضرورة الاحتكام إلى العقل في كل الأمور يقرون بأن خاصية الإنسان تكمن في قدرته على استخدام عقله. ومن ثم، القدرة على إدراك مختلف وجوه العلاقات القائمة بين مكونات الطبيعة. فالعقل هو جوهرالإنسان، وبه يفترق عن غيره من الكائنات. بالتالي، يعد مقومه الأساسي وأساس إنسانيته.
بينما ذهب المخالفون لهذه الدعوى إلى التأكيد على أن للعقل حدود؛ فلا يمكنه أن يعقل كل شيء. كما أن الاستخدام المفرط له من شأنه أن يحول الشيء إلى ضده. فقد ينتهي بنا إلى الحرب متى وجب استخدام السلم؛ وقد يفضي بنا إلى التعصب والكراهية متى وجب التسامح؛ وقد يذهب بنا إلى استخدام السلطان متى اقتضى الأمر الحجة والدليل؛ وقد يجعلنا نستخدم التغليط والتضليل متى اقتضى الأمر الحوار المشروع، وهكذا....وعليه، فالعقل يمكن أن يضر بالإنسان متى سار بالأمر إلى خلاف ما سطر له. وأكبر دليل على هذا ما نعاينه اليوم من استخدام العديد من الابتكارات العلمية بشكل يتناقض مع ما استهدفته في بدايتها، لتتحول بذلك المنفعة إلى مضرة. لذا دعا العديد من الباحثين إلى وجوب البحث عن فاصل لا ينقلب بالضرر على الإنسان متى أراد به النفع، أو حصول الضرر متى أراد ترك أمر ما. وقد وجدوا في الأخلاق المعيار الذي مكنهم من التأسيس لأقوال الإنسان وأفعاله. بحيث لا يمكن أن يجعل المعيار الأخلاقي الشيء ينقلب إلى ضده. فلا يمكن أن يحصل الضرر متى نوى المنفعة. وهكذا، فاتخاذ العقل معيارا للتمييز يُصعب علينا عملية التفاضل بين الأشخاص بأن نقول هذا أعقل من هذا، في الوقت الذي تسهل فيه المفاضلة على المستوى الخلقي. وبما أن التفريط أخلاقيا في شيء لا يمكن أن يجعله بحال من الأحوال ينقلب إلى ضده، فجعل العقل هو الحكم الوحيد في النظر والعمل قد يضر بنا أحيانا. فباسم العقل قد ترتكب الجرائم في حق الإنسان والطبيعة؛ لكن باسم الأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة يُرفض هذا السلوك. بالتالي، يرى هذا التوجه بأن القيم الأخلاقية هي القابلة لتصحيح مختلف مظاهر الزيغ والانحلال الناتجة عن الاختراعات التقنية. فما نسعى إليه بحجة موضوعية المعرفة العلمية، أو استقلال المعرفة العلمية، قد يفضي بنا إلى طغيان المفاسد على المصالح. على هذا، نحن مجبرون على إيجاد مقومات ومعايير تمكننا من دفع الأضرار التي قد تنتج عن انقلاب التقنية من أغراضها الحسنة إلى السيئة. ولتلافي هذا، لابد من اعتماد القيم الأخلاقية التي تعد السبيل لتلافي التسيب العقلي ودرء آفات التقنية. فمن المفروض التحكم في التقنية وصرفها لتخدم الإنسان لا أن تضره. فكلما انتفت الأخلاق انتفى جزء من إنسانية الإنسان.
بما أن الصراع يتمركز في المجال الفكري عامة والقيمي خاصة، فإن السؤال هو كيف نحول دون استخدام السيئ للعقل بالتاسيس لعقلانية جديدة قوامها التفكير النقدي؟ فلما كانت التقنية ضارة في بعض جوانبها، فلا يمكن اعتبار مقصد إسعاد الإنسان حقيقيا بالنسبة للعقلية العلمية والتقنية المعاصرة. وهو ما يجعلنا نجعل من الأخلاق المعيار القادر على رسم حدود العقل وجعله يتعقل. فمتى استند العقل إلى الأخلاق وجد مرشدا وهاديا.
هكذا انطلق العديد من الدارسين من تساؤل أساسي يهم ما إذا كانت الأخلاق هي التي تجسد إنسانية الإنسان أم العقل. فاعتبر العديد منهم أن قيمة العقل تتحدد بمدى مراعاته للبعد الأخلاقي في الإنسان. على ضوء هذا، وجب التمييز بين معالجة الاختلالات التي يعاني منها الإنسان والطبيعة باعتماد العقل ومعالجتها استنادا إلى الأخلاق. وهو مايفسر تنامي التفكير في المباحث القيمية، خصوصا بعد أن احتد الصراع بين قائل بمركزية الإنسان وقائل بوجوب توسيع مبدإ القيمة ليشمل الكائنات الأخرى. فبما أن قيمة الحياة تكمن في الحياة ذاتها، فلا يمكن قبول مزاعم الداعين إلى أن المخلوقات الوحيدة ذات القيمة هي البشر. فلا يمكن قبول تراتبية بين الكائنات على أساس معايير يحددها الإنسان وفق مصلحته الخاصة. فلعل الإنسان هو القائس الوحيد للأشياء، لكنه ليس هو المقياس الوحيد. وعندما نتعقل ذلك سنكتشف التقاطع القائم بين القيمة والواجب.
علة هذا، لابد من جعل الأخلاق قوام كل ما يأتيه الإنسان من أقوال وأفعال. فهي التي بإمكانها أن تقوي في الشخص النظرة الإنسانية النبيلة التي تدفع به إلى أن يعامل الناس باعتبارهم أناسا، لا بحسب جنسهم أو عرقهم أو لونهم أو عقيدتهم. فعبرها قد ينزل الإنسان إلى مرتبة البهيمة، وقد يسمو ليصبح تقيا.
قصدنا ليس الدعوة إلى إقصاء العقل و عدم إعماله، بل توسيع نطاقه. فعوض الأخذ بمفهوم ضيق للعقل ندعو إلى تبني عقل واسع يشمل الأول ويضمه كجزء منه. وهو ما يعني تعويض العقل الأداتي الضيق بعقل واسع. فإذا كان العقل الأول، الذي هو تأملي، يرتبط بمستوى تحقق الأمور، فإن هدف الثاني، الذي هو عقل تدبري، هو تحديد المقاصد الكلية، بجعلنا ننظر في مآل الأمر قبل الإقدام عليه. ومن ثم، يكون دوره الأساسي تقويميا. فهو الذي بإمكانه أن يحُول دون أن يُستخدم العلم العقل بشكل آلي بعيدا عن تحديد المآلات. المطلوب إذن هو إعادة تحديد دور العقل ليتحول من مجرد أداة إلى عقل فعال ومتفاعل. فالعقل يجب أن يكون مصدرا للتفكير السليم والسلوك القويم. فوصف الإنسان بأنه عاقل يعني أنه يتسم بالحكمة. فقد قيل العاقل هو الجامع لأمره ورأيه. و العاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها.
أمام هذه الانتقادات والاحتجاجات ضد تسيب العقل وسيطرة العقل الأداتي الذي من شأنه أن يقود الإنسان والطبيعة إلى الهلاك تحولت فلسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين من اعتقادها الراسخ بإمكان وجود حقيقة موضوعية ومطلقة إلى موقف يقر بمحاولة الاقتراب مما هو مفترض أن يكون حقيقة. فنشأت بذلك حركات مضادة للتوجه الذي أخذ العلم يسلكه. فهو لا يمكن أن يقودنا إلى الحقيقة النهائية فيما يتعلق بكل أسرار الكون. وأن محاولات الوصول إلى أجوبة حقيقية ونهائية في ميادين مثل البيولوجيا وعلم الخلية والجيولوجيا والبيئة والجغرافيا الحيوية، وغيرها سيفضي إلى نتائج يصعب تعقلها. لهذا نقول بوجوب إدخال العلم في مساره الحقيقي بعد أن أخرجته منه الابستمولوجيا. فالكيفية التي يدور بها البحث في العلم لا تختلف عن تلك التي نعاينها في مباحث أخرى. فهناك تغليط وتعتيم وسلطة، وغيرها من المقتضيات التي لايمكن بموجبها فصل مسار العلم عنها. بالتالي، يجب أن نضع العلم في سياقه الفكري العام. فلايمكن التسليم بمقولة حياد العلم. (أين الحياد وهناك طرف يعطي لنفسه الحق في تحديد من يجب أن يمتلك التقنية ومن لايجب ان يمتلكها). لن يتحقق هذا إلا بإنقاذ العلم، من خلال إعطائه طابعا اجتماعيا وثقافيا. فلايمكن فصل العلم عن السياق الثقافي والاجتماعي والعقدي الذي يظهر فيه. فالإنسان ليس مجرد كائن طبيعي، بل كائن اجتماعي وثقافي. فالعقل ظاهرة بشرية يتمتع بالنسبية وله حدود.
ب- تغليب صوت الحكمة
إن العيش في عالم يسوده التوافق يقتضي التخلي عن النظرة التصادمية القائمة على التقسيم الثنائي للعالم إلى أصدقاء وأعداء. أي التوقف عن اعتبار أن هناك عالم السلم والديمقراطية والحرية والحقوق؛ وهو مواجه ومهدد من عالم الفقر والقهر والجهل والتطرف والاستبداد. فحل النزاعات لا يتم بمنطق القوة ولا بوسائل القهر والإكراه، بل بإقامة حوار يتجاوز المصالح الضيقة ليراعي المقاصد الكلية و القيم الأخلاقية النبيلة. ولن يتحقق هذا إلا بتغليب صوت الحكمة وجعل حكماء العالم يتحاورون. فغاية الحكيم هي تجاوز المتغير والظرفي ليربط تحليلاته بما هو عام وشمولي. ويتميز بالاجتهاد والمساءلة النقدية المتحررة من مختلف الضغوط. لهذا يعالج الحكيم الأمر المنظور فيه معالجة نقدية وشمولية تدفعه الرغبة في جلب المصالح ودرء المفاسد. ذلك أن الحكيم ينهض بعبء النظر بطريقة اجتهادية وشمولية، لأن الحكمة تلزمه الصدق في القول والإخلاص في العمل. كما أنه لا يبتغي بنظره التكسب والمباهاة، ويتجنب كل أسباب الفتنة والفرقة. فالحكمة فكر وعمل. فهي تطلب لتُعلم ويعمل بها.
كل هذا يتطلب منا إعادة تحديد دور المفكر حتى نحول دون استغلال السياسي له. فدوره الحقيقي يجب أن يكون هو توجيه القرار السياسي لا أن يصبح خادما للسلطة السياسية أو الاقتصادية. عليه أن يتسم بروح التفكير النقدي.
إذا كان من المفروض على المفكر أن يحرص على استقلاله الفكري، فعليه كذلك التزامات أخلاقية؛ فلا انتهازية في تفكيره ولا انحراف في سلوكه. كل هذا يتطلب من جهة الالتزام الأخلاقي للسياسي بعدم إساءة استخدام المفكر ليضفي الوجاهة الموضوعية والمصلحة العامة على قراراته، ومن جهة أخرى نزاهة هؤلاء وسمو فكرهم ونبلهم. إن الوضع يتطلب مثقفا فاعلا، لا يصرف مواقفه بحسب الكسب والغنيمة. فتغليب صوت الحكمة هو القابل لأن يخرجنا من الاتباع إلى الإبداع، فعبرها يمكن إعمال العقل والتحكم في طرق استثمار المعرفة، بما يمكننا من توسيع آفاق تفكيرنا بالوصل التكاملي بين العقل والأخلاق.
حسان الباهي


*
nahfab@mountadalhikma.com

موقع منتدى الحكمة
اقرأ المزيد

الاثنين، 29 مارس 2010

دراسة حول الصراع في الشرق الأوسط والأمن الإقليمي والمتمثلة في

March 8, 2009

1 – ملف المياه
2 – الملف النووي الإيراني
3 – الملف السلام
وبما ان هذا الملف ألخير سيتم التطرق اليه من قبل الكثيرين فإن التركيز هنا ينصب حول الملفين الأخرين .
1 ملف المياه :

مصادر المياه في الشرق الأوسط لا تنحصر داخل حدود وطنية واحدة. فتركيا، والعراق، وسوريا، يمر عبرها جميعها نهر الفرات في حين تعتمد كل من سوريا والأردن، والفلسطينيين وإسرائيل، على نهري الأردن واليرموك. أما النيل في مصر فيعبر عدة دول إفريقية قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط. أن قضية ندرة المياه والاستفادة المشتركة منها سببت بعض التوترات في المنطقة. فتركيا كانت تستخدم نهرالفرات كسلاح لممارسة الضغوط على سوريا لوقف ما تسميه بمساعدتها للأكراد.

كما حدث بعض التوتر بسبب المياه بين كل من تركيا والعراق، وسوريا والعراق، وسوريا والأردن، ومصر والسودان، ولكن أكثر المناطق حساسية هي تلك التي تتداخل فيها المياه العربية مع الحدود الإسرائيلية.

ومن الملاحظ أنه سواء كان ذلك بتعمد أو بصورة مخططة سلفا فإن جميع الأراضي التي ضمتها إسرائيل منذ نشوء كيانها كانت توفر لإسرائيل الأمن والمياه.

فباحتلالها الضفة الغربية استطاعت اسرائيل التحكم في مصادر المياه التي كانت قبل حرب عام 1967 تحت تصرف الدول العربية. كما أن احتلالها للجولان منحها فرصة الهيمنة على نهر الأردن وروافده،
وعلى نفس المنوال فإن احتلال اسرائيل لما أسمته بالحزام الأمني في جنوب لبنان عام 1978 أمن لها المياه من جبال لبنان الممتدة إلى الشمال من اسرائيل، وبذلك فإن قضية المياه اصطبغت بصفة عسكرية في غزوها للبنان، وأن قضية المياه كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك الغزو. نستعرض أربع نقاط هي:

أولا : نهري دجلة والفرات والصراع حولهما
تعتبر جبال شرق تركيا هي منبع نهري دجلة والفرات. ونهر الفرات يمر عبر الأراضي السورية ثم الأراضي العراقية حتى يصل مصبه عند الخليج العربي. بينما يتجه نهر دجلة إلى الأراضي العراقية ويمر على الحدود السورية التركية. تجدر الإشارة إلى ما أقيم من مشاريع على النهرين سواء في تركيا كمشروع الجاب العملاق، وغيره من السدود ومشاريع زراعية في كل من سوريا والعراق، وما وقع من بروتوكول بين سوريا وتركيا في سنة 1987.

وارتباط هذين النهرين بالمشاكل والحساسيات السياسية بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى. واستخدام تركيا مياه النهرين كعنصر قوة في سياستها تجاه سوريا وممارستها للضغوط عليها سواء بما تدعيه من مساندة سوريا للأكراد أو بما بين البلدين من مشاكل حدودية حول لواء الاسكندرونة، والتعاون العسكري بين تركيا واسرائيل وما يشكله ذلك من ضغوط تركية على سوريا.

ثانيا : نهري الأردن والليطاني والصراع حولهما
يعتبر نهر الأردن من الأنهار التي ترتبط به مشاكل عديدة. فعلى الرغم من أنه لا يتساوى مع نهر الفرات من حيث كمية المياه إل ا أنه يتمتع بحساسية سياسية أكثر عمقا من سابقه. فمنابع نهر الأردن هي المرتفعات السورية واللبنانية ، وتستفيد من مياهه كل من (سوريا والأردن واسرائيل والفلسطينيين). وجميع هذه الدول تواجه نقصا في المياه. فالنهر يوفر 75% من احتياجات الأردن، ونظرا للنمو السكاني في الأردن والذي يعادل 3.7% في السنة، وللتوسع في مشاريع الري، وتدفق اللاجئين الفلسطينيين من جميع أنحاء الدول العربية كتبعة من تبعات حرب الخليج الثانية، فإن الأردن سيواجه مأزقا عصبيا بالنسبة للمياه في نهاية القرن العشرين وبداية هذا القرن.
أما اسرائيل ووفقا لسياستها التعسفية من سحب مياه نهر الأردن، فبعد احتلالها للجولان قامت ببناء محطة كبيرة على بحيرة طبريا لضخ كميات ضخمة من المياه إلى أنظمة مشاريع الري الاسرائيلية، والتي تحتوي على شبكة من الأنابيب التي تحمل المياه من بحيرة طبريا إلى صحراء النقب، ونتيجة لذلك حرم الأردن من مصادر مياه طوال 30 عاما وقد سرقت اسرائيل معظم المياه المتدفقة من نهر الأردن سنويا (1).

أما فلسطين فمنذ أن احتلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع عزة في عام 1967، أخذت تمنع المزارعين الفلسطينيين من حفر الآبار في الضفة الغربية. أو حتى تحسين أو تطوير الآبار القديمة. فقد تم تحويل أكثر من 83% من مياه الضفة الغربية إلى اسرائيل، أو إلى المستوطنات اليهودية.

وهذا يمثل ثلث كمية المياه المستخدمة في اسرائيل داخل حدود ما يسمى بالخط الأخضر الذي يفصلها عن الأراضي المحتلة. إن سرقة المياه وأكثر من 80% من الأراضي في الضفة الغربية والقطاع أثر على كافة أوجه الحياة لدى الفلسطينيين ((2.

ينطبق الأمر ذاته على قطاع غزة فقد أصيبت الزراعة الفلسطينية بالجفاف، وبالتالي تلاشت حيث حولت المياه إلى المستوطنات اليهودية، ويتسبب المستوطنون الاسرائيليون في اختلاط ماء البحر بمياه الآبار الجوفية التي حفرها الفلسطينيون وذلك عن طريق حفر آبار جوفية أكثر عمقا ، حيث يصلون إلى الطبقات الغنية بالمياه وبالتالي تتسرب مياه البحر إلى الطبقات العليا، وللحظر الذي تفرضه اسرائيل على الفلسطينيين كي لا يحفروا آبارا عميقة أو حتى آبار جديدة في الأراضي التي يملكونها فقد أدى ذلك إلى أن تتسرب مياه البحر وتختلط بمياه آبارهم التي يستخدمونها للشرب والزراعة، وهذه المياه تحتوي على نسبة كبيرة من الملح تتخطى أعلى مستوى طبي يسمح به.

ومن الملاحظ أن معظم الصادرات الزراعية الاسرائيل ية إلى أوروبا تعتمد على هذه المياه المسروقة أو المصادرة من أصحابها العرب والفلسطينيين.


أما في لبنان فقد استغلت اسرائيل تحكمها في قطاع كبير من جنوب لبنان منذ عام 1982 في تحويل مجرى وروافد الأنهار التي تنبع من جبل الشيخ إلى الأراضي الخصبة في شمال اسرائيل، وقد قامت بتحويل مجرى نهر الليطاني الذي يمر بجنوب لبنان إلى نهر الحاصباني عن طريق نفق يوفر لها كمية إضافية تبلغ سعتها 500 مليون مŽ3 �في العام، وهي تمثل 55(3) من مياه نهر الليطاني، وهذا أدى إلى تخفيض كمية المياه المتاحة للمزارعين اللبنانيين.

ثالثا : نهر النيل والصراع حوله:
يعتبر نهر النيل أكبر نهر في العالم طولا بعد نهر الميسيسبي ويمر بتسع دول منها السودان ومصر، ويغطي حوض نهر لنيل قرابة عشر مساحة القارة الافريقية، حيث تبلغ قرابة 3.030.700كم2، ويمتد النهر لمسافة 6690كم من مصدره من بحيرة فيكتوريا، و 4500 كم من مصدره في بحيرة تانا في أثيوبيا، حتى وصوله إلى البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ كمية المياه المتدفقة منه 84 بليون م3 سنويا عند اسوان (4).

يفقد منها في بحيرة ناصر حوالي عشرة بلايين م3 نتيجة للتبخر، وتحصل مصر على 55.5 بليون م3، ويحصل السودان على 18.5 بليون م3 من المياه.

لقد أثبت التاريخ عدم امكانية إقامة أي تعاون إداري وإنمائي بين الدول المطلة على حوض النيل، ومن الملاحظ أنه عندما فشلت اسرائيل في الحصول على موافقة المصريين لتحويل جزء من مياه النيل (ضمن اطار كامب ديفيد) حولت أنظارها إلى اثيوبيا. وقد بدأ المهندسون الاسرائيليون في بناء ثلاثة سدود على نهر أبا، وهو أحد روافد نهر النيل، ومن الواضح أن الهدف المعلن من هذه السدود هو تحسين الزراعة والري في اثيوبيا، ولكن عندما يكتمل البناء فإن هذه السدود ستمكن اثيوبيا من استقطاع كميات كبيرة من المياه المتجهة إلى مصر والسودان، كما أنه كان من أهداف اسرائيل منع الثوار الأرتريين في ذلك الوقت من الحصول على استقلالهم وعدم خضوع البحر الأحمر للهيمنة العربية.


ومن المعتقد أن قيام اثيوبيا بتنفيذ 33 مشروعا مائيا لتوليد الكهرباء وتحسين الري على النيل الأرزق والسوباط واجزاء من نهر عطبره، وقد تم التمويل من الولايات المتحدة الأمريكية وبتخطيط من ايطاليا وقيام اسرائيل بمساعدات التنفيذ بالإضافة إلى إمداد اثيوبيا بالسلاح.

كل هذا من أجل الضغط على الحكومة المصرية للموافقة على المطالب الاسرائيلية وأطماعها في مياه النيل. ويعتبر نهر النيل المحرك الديناميكي للسياسة الخارجية المصرية منذ أمد بعيد، حيث كان له دور كبير في صياغة دبلوماسية المياه في اتفاقيات تقسيم مياه النيل، وما تفرضه مثل هذه الاتفاقيات من ضرورة المرونة والمهادنة في القرارات المصرية وخاصة في تعاملها مع الصراعات الداخلية والاقليمية والدولية بمنطقة حوض النيل وما حولها. فيعتبر أي تحرك معاد في الدول الواقعة جنوب مصر قد يغير من طبيعة مجرى النيل أو حركة تدفق المياه فيه، وهذا مما لا شك فيه سيسبب الكثير من المشاكل والتوترات على الصعيد المصري لأنه يذكرها بنقطة الضعف في جغرافيتها السياسية، ويهددها بشكل ملموس في عمق أمنها وحياتها، نظرا لحاجة مشاريع التنمية الزراعية والصناعية فيها للمياه بمعدلات متزايدة لمواجهة ارتفاع معدلات النمو السكاني فيها، ومواجهة مشكلة استيراد 70% من حاجياتها الغذائية التي سوف تتأثر سلبا وإيجابا بانسياب مياه نهر النيل.

وقد عقدت العديد من الاتفاقيات بين دول حوض النيل، وقامت المشاريع الاثيوبية على نهر النيل مثل سد فينشا على أحد روافد النيل الأزرق، ومشروع الليبرد وسينت وخور الفاش، وكلها تؤثر على حصة مصر والسودان.

كما أن بذور الصراع بين دول حوض النيل سوف تظل كامنة ولن يدع أعداء المنطقة فرصة حتى يستغلوها ويؤججوا بها نيران الفتن بين هذه الدول، فلذلك لا بد من تدعيم التعاون بين هذه الدول ويكون هذا التعاون من خلال وجود كيان قوي لتنمية المشاريع المائية الجماعية لدول الحوض.


ومن جهة أخرى نجد أن عملية السلام التي تتبناها أمريكا والتكامل الاقليمي بين دول المنطقة في صيغ مشابهة للسوق الأوروبية المشتركة خاصة في مجال الزراعة وتصدير تكنولوجيا الري لمصر، واستخدام نظام فعال للمياه بهدف دعم التنمية الزراعية في مصر، فهذه ترتبط بالرؤية الاسرائيلية التي تربط بين ضرورة استغلال الثروات المائية في المنطقة وإعادة توزيعها مع عمليات التسوية السياسية في المنطقة، ومشاكل نقص المياه في الكيان الاسرائيلي. وبذلك تكون مشكلة الموارد المائية في المنطقة وأسس توزيعها عنصرا هاما في محادثات السلام في الشرق الأوسط وعند إعادة صياغة بناء الوحدات المكونة للنظام الاقليمي في المنطقة.

وفي إطار تطبيع العلاقات مع مصر عند توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل سبق أن اقترحت الصفوة الاسرائيلية (التكنوقراطيين) نموذجين للتكامل المائي وهما:
1 ـ نموذج شركة تاحال للمهندس اليسع كلي، الذي قدمه عام 1974 ويقوم على أساس استخدام 1%، أي ما يعادل 800 م3سنويا من مياه نهر النيل لحل مشاكل الكيان الاسرائيلي المائية، وأن هذا المشروع يمكن أن يؤدي إلى حل بعض مشاكل المياه المصرية والعربية بري شمال سيناء وامداد قطاع غزة والضفة الغربية والكيان الاسرائيلي بالمياه.

2 ـ نموذج بؤر أو (النيل الأزرق الأبيض) الذي يقوم على حفر ثلاثة أنفاق تحت قناة السويس لدفع مياه نهر النيل إلى سيناء ثم إلى صحراء النقب.

فالأطماع الاسرائيلية في مياه نهر النيل قديمة منذ انعقاد ندوة التعاون الاقتصادي لدول الشرق الأوسط في لوزان بسويسرا عام 1989 عندما تقدم البروفيسور حايين بن شاهار باقتراح حول مجالات التعاون بين الكيان الاسرائيلي والدول العربية بأن تقوم مصر بمنح الكيان الاسرائيلي حصة من مياه نهر النيل بمقدار 1% عبر أنابيب خاصة لاستخدامها في مشاريع التنمية الزراعية الاسرائيلية.

ونحن نرى أن مشروع نقل مياه نهر النيل إلى الكيان الاسرائيلي له عدة مخاطر اقتصادية واستراتيجية من أهمها (6):
1 ـ سوف يقوم هذا المشروع على حساب احتياجات الشعب المصري الحقيقية والتي سوف تؤثر سلبا على الأمن القومي المصري مائيا وغذائيا .

2 ـ سوف يدعم هذا المشروع القوة الاسرائيلية بشكل عام ومن ثم توجهاتها العدوانية والتوسعية بمساهمته في حل عدد من المشاكل الرئيسية التي يعاني منها الكيان الاسرائيلي كأزمة المياه، وعدم القدرة على التوسع الزراعي ومحدودية القدرة على استيعاب المهاجرين.

3 ـ سوف يؤدي نجاح هذا المشروع إلى إعطاء الكيان الاسرائيلي نوعا من المشروعية وبعدا قانونيا في ظل التسوية الاسرائيلية المصرية، وفرض سياسة الأمر الواقع والتي تعد نجاحا ومكسبا سياسيا للكيان الاسرائيلي.

ومما لا شك فيه أن هناك تعاونا وثيقا بين الكيان الاسرائيلي واثيوبيا في مجالات المياه والمجالات العسكرية والأمنية والفنية، مما يعد مصدر قلق لدول حوض النيل بأن يعمد الكيان الاسرائيلي إلى ممارسة ضغوط بشكل غير مباشر لتحقيق أهدافه، وذلك بالإسهام في مشاريع اثيوبية لإنشاء سدود على النيل الأزرق الذي سوف يؤدي حتما إلى توتر في المنطقة.

وكما أظهرت الزيارات المتبادلة بين عدد من كبار المسؤولين في الكيان الاسرائيلي واثيوبيا وجود إرادة ووعي سياسيين خاصة لدى الكيان الاسرائيلي لتطوير وبلورة تعاون مستمر ودائم بينهما، مما يشكل أساسا لقيام ارتباط استراتيج ي بين كل من الدولتين المحيطتين بالدول العربية، وإذا نظرنا إلى علاقة اثيوبيا بالكيان الاسرائيلي فنجد أنها آخر دولة افريقية قطعت علاقتها الدبلوماسية معها عام 1974 تنفيذا لقرارات منظمة الوحدة الافريقية. لكنها ظلت محتفظة معها بعلاقات في مختلف المجالات وعادت العلاقات بينهما في عام 1979 .



كما أن من أهم المؤشرات السلبية للتعاون الاسرائيلي الاثيوبي على الوطن العربي ما يلي:
1 ـ يشكل في تطوره تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري عبر سيطرة اثيوبيا على 85% من مياه نهر النيل المتدفقة إلى مصر، إل ا أن هناك معوقات طبيعية تحول دون تحكم اثيوبيا في تدفق المياه لطبيعة الهضبة الاثيوبية التضاريسية. وبسبب نقص التمويل والخبرة الفنية، إلا أنها تظل مصدر تهديد رئيسي لحصة مصر من المياه إذا توفر طرف آخر له القدرة التمويلية والفنية ويرغب في مساعدة اثيوبيا كالكيان الاسرائيلي على القيام ببعض المشروعات التي تؤثر على هذه الحصة، مما يشكل تهديدا واضحا للأمن القومي المصري في المستقبل.

2 ـ إن التحالف الاسرائيلي الاثيوبي في مدخل البحر الأحمر ومنابع النيل يرتكز في الجانب الاسرائيلي على أهداف بعيدة المدى بمحاولة ابتزاز مصر والضغط عليها لإعاقة أي دور يمكن أن تؤديه في صالح القضية الفلسطينية وتطوراتها، وكذلك إعاقة أي دور مصري لحل قضية جنوب السودان والذي يعد من الأهداف الاثيوبية الاسرائيلية المشتركة.

أما في الجانب الاثيوبي فإن هذا التحالف يرتكز إلى عدة عوامل في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية المنهارة منذ عهد الرئيس منغستو، والهزائم العسكرية المتلاحق ة التي مني بها الجيش الاثيوبي في اقليم التقراي، ورغبة اثيوبيا في السيطرة على أوضاعها الداخلية.

3 ـ إن العلاقات بين اسرائيل واثيوبيا كان الغرب ينظر إليها من منظور السلاح مقابل الهجرة، حيث يحصل الاثيوبيون على السلاح لمواجهة الأرتريين الانفصاليين (في ذلك الوقت) مقابل هجرة 15 ألف يهودي من الفلاشا إلى اسرائيل، ولكن السبب الحقيقي وراء تورط اسرائيل في اثيوبيا هو إيجاد موطأ قدم لها بعد عقود من الزمن من المحاولات للوصول إلى نهر النيل للضغط على مصر.

وفي ضوء التطورات الأخيرة التي استجدت على الساحة الاثيوبية وانهيار نظام منغستو وهروبه من البلاد، فمن المتوقع أن تعدل اثيوبيا من سياستها العدواني ة لدول الجوار.

ولعل ما لوحظ على سياسة حكومة أسياس افورقي من قبولها استقلال اقليم ارتريا بموجب الاستفتاء، خير دليل على توجهاتها الحسنة تجاه جيرانها، وعلى ضوء هذه المتغيرات على الساحة الاثيوبية نجد أن الكرة الآن في ملعب الدول العربية للاستفادة من هذه التطورات، واحتواء النظامين الجديدين في كل من اثيوبيا وأرتريا بدلا من تركهما يقعان في أحضان الكيان الاسرائيلي، على الرغم من وجود شواهد تدل على تغلغل اسرائيل في هاتين الدولتين وأبعاد الدول العربية عن لعب دور سياسي واقتصادي فيهما واحتواء فع ال لهاتين الدولتين.

رابعا : إبعاد الصراع على المياه في منطقة الشرق الأوسط:إن هناك ثلاثة أبعاد للصراع وهي:

أ ـ البعد السياسي:

إن من يستطيع السيطرة على منابع الأنهار يستطيع استخدامها كسلاح في وجه الدول التي تمر بها الأنهار، فتجد مثلا أن بعض الدول الواقعة على نهر النيل كأثيوبيا والسودان وغيرهما، حاولت استخدام المياه كسلاح في وجه مصر، وقد تهدد هذه الدول أحيانا حصة مصر من مياه النهر من وقت لآخر بسبب ما تقوم به من مشاريع وسدود عليه.
أو قد تتعاون مع جهات خارجية كإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية كما حدث ويحدث قي أثيوبيا، وذلك للضغط على مصر وتوجهاتها السياسية، أو ما تخطط له بعض القوى الخارجية من محاولة فصل جنوب السودان وذلك من أجل التأثير على حصة كل من السودان ومصر من المياه.

أما في منطقة نهر الفرات، فقد عمدت تركيا في بداية عام 1990 إلى تخفيض تدفق نهر الفرات إلى سوريا والعراق لملء سد أتاتورك، وتستخدمه تركيا بين الحين والآخر للضغط على سوريا لإيقاف ما تزعم به من الدعم لحزب العمال الكردستاني ومحاولاتها السابقة لتسليمها ( لعبد الله أوجلان).

كذلك أقامت تركيا مشاريع جنوب شرق الأناضول والمعروفة بمشروع الجاب الكبير. وما نتج عنه من سدود ومشاريع ري جبارة فهذا أث ر وسيؤثر سلبا على حصة سوريا من النهر وكذلك العراق، وقد ينتهي جافا عند مصبه في شط العرب. فمياه النهر استخدمت ولا تزال كأداة من أدوات القوة التركية تجاه كل من سوريا والعراق.

أما منطقة نهر الأردن فقد استطاعت اسرائيل بعد حرب عام 1967 من احتلال منابع نهر الأردن والسيطرة على الجولان السورية، وبعد عام 1978، و1982 استطاعت اسرائيل السيطرة على المياه اللبنانية والأنهار التي تشكل روافد لنهر الأردن، وقد استطاعت كذلك التحكم في مجرى النهر وكمية المياه المتدفقة منه، وبدأ هذا يؤثر سلبا على كل من سوريا والأردن بشكل كبير.

وأصبحت تتحكم بالمياه الأردنية بحكم سيطرتها على بحيرة طبريا وتحويلها مجرى نهر اليرموك أحد روافد نهر الأردن بعد بحيرة طبريا، إلى البحيرة، وذلك لتخزين المياه والتحكم بها. وما تقوم به من مشاريع لسحب مياه هذه البحيرة كمشروع الناقل القطري لري النقب في جنوب فلسطين وغيرها من المشاريع التي تستهدف تأمين حاجات اسرائيل المائية، والتحكم في تدفق المياه تجاه الأردن، واستخدامها كسلاح ضغط في وجه السياسة الأردنية.

ب: البعد الاقتصادي:
إذا استغلت الدول المسيطرة على منابع الأنهار بصورة صحيحة وأقامت عليها مشاريع اقتصادية مدروسة ستستطيع أن تحقق نوعا من الاستقرار الاقتصادي لها وتأمين الغذاء والكهرباء لشعوبها. ولكن يجب أن لا يؤثر ذلك على الدول الأخرى المشاطئة لها أو قد تعمد إلى تلويثه لتضر دولا غيرها.
إن تركيا بما أقامته من سدود ومشاريع جبارة من خلال مشروع الجاب، وما تخطط له من ري لآلاف الهكتارات، ومشاريع كهربائية ستحقق استقرارا اقتصاديا ووفرة في المحصولات الزراعية، وعائدات مالية من خلال ما يتم تصديره من منتوجات زراعية، وربطا كهربائيا مع الدول المجاورة.

أما اسرائيل فهي تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في سيطرتها على منابع نهر الأردن والاستمرار في احتلال الجولان السورية، وأجزاء من جنوب لبنان وما تقوم به من مشاريع مائية لتحويل مياه نهر الليطاني وغيرها في جنوب لبنان، وما تقيمه من مشاريع مائية على نهر الأردن، وسحب أكبر كمية من مياه بحيرة طبريا، والتي تعتبر المخزن الرئيس لمياه نهر الأردن.

فهي تستخدم هذه المياه لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية في الأراضي المحتلة ولإمداد المستوطنات الاسرائيلية في الجولان والضفة والقطاع وغيرها.

ج: البعد الجغرافي والبيئي:
تمتلك دول المنبع بسبب وضعها الجغرافي المميز مبدأ القوة في التحكم في مياه النهر كما ونوعا . ولهذا فإن الدول التي يصب فيها النهر تكون تحت تأثير قوة دولة المنبع.

إن مصر تنتهج سياسة مرنة ومهادنة تجاه الكثير من الصراعات الداخلية والاقليمية في المنطقة، وكثيرا ما تلوح دول المنبع باستخدام مياه النيل كسلاح ضد مصر، وذلك عندما تحدث أزمات سياسية بين دول حوض النيل، ويكون لمصر دورا مباشرا أو غير مباشر في هذه الأزمة وهذا ما ترفضه مصر وبحق شكلا ومضمونا .

أما في دول حوض نهر الأردن فتؤثر فترات الجفاف وعدم سقوط الأمطار على بلاد الشام على كافة دول المنطقة، وبذلك يكون الماء متغيرا استراتيجيا يتحكم في القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين دول بلاد الشام (لبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين).
أما دول حوض نهر دجلة والفرات، فتركيا ترى أنها هي المنبع الأوحد لكلا النهرين ويعتبره الأتراك من المصادر الوطنية والطبيعية لبلادهم، وليس لسوريا والعراق حق في هذه الأنهار على الرغم من بعض الروافد التي ترفد نهر دجلة والفرات في العراق وسوريا.

وقد أوضح وكيل وزارة الخارجية التركي للعلاقات الاقتصادية السابق السيد كاتشوا بليدا(7)عام 1990 بأن نقطة الخلاف تتمثل في أن تركيا تعتبر نفسها هي المصدر الأوحد لمياه نهري دجلة والفرات وأن الحصص مرتبطة بهذه الرؤية في حين أن سوريا والعراق ترفضان ذلك .

وتنبغي الإشارة إلى الموارد المائية في بعض دول الشرق الأوسط وهي (لبنان وسوريا والأردن، والضفة الغربية وقطاع غزة والعراق وتركيا واسرائيل)، وكذلك لا بد من ذكر أثر أزمة المياه على الصراع في دول المنطقة واستخدامها كسلاح سياسي ومصدر قوة في سياسة بعض الدول المسيطرة على منابع الأنهار.

ومدى علاقة المياه في مفاوضات السلام الجارية الآن بين دول المنطقة، والتي تعتبر الأساس في أي حل ممكن أن ينتج عن هذه المفاوضات.
فبدون اتفاق مرض لكل الأطراف سيكون ذلك مدعاة للنزاعات بين الأجيال القادمة.

1 ـ الأزمة المائية في اسرائيل وسرقة المياه العربية:
ينبغي النظر إلى حالة اسرائيل المائية بدقة علمية إذ أنه رغم استيلاء اسرائيل على هضبة الجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية واحتكار مصادر المياه فيهما، وبالرغم من انسياب مياه نهر الأردن إلى السهل حوله عبر قناة على مجرى النهر العلوي عند جسر بنات يعقوب، وبرغم استخدام مياه المجاري لأغراض الصناعة والزراعة بعد معالجتها، ورغم ذلك كله تتفاقم أزمة المياه في اسرائيل باستمرار،

وتشير بعض الدراسات إلى أن اسرائيل استهلكت في بداية التسعينات حوالي 2460 مليون م3 سنويا منها 60 مليون م3 استهلاك المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، و 1500 مليون م3 للصناعة.

وتحصل اسرائيل على 1500 مليون م3 من مياه نهر الأردن أما البقية فتحصل عليها من المياه الجوفية واحتجاز السيول في النقب وقرب تل أبيب. ولهذا فالخبراء يتوقعون أن ترتفع احتياجات اسرائيل من المياه في ما بعد عام 2000 إلى أكثر من 2500 مليون م3، وعليه سيبلغ العجز المائي أكثر من 800 مليون م3 سنويا زيادة على ما هو متوفر الآن(8).

ونظرا للاحتياجات المستمرة في اسرائيل للمياه على الرغم من أنها استطاعت أن تحصل على 44 مليون م3 من المياه المحلاة بالاعتماد على عشرين محطة تحلية تعمل على معالجة 120 ألف م3 في اليوم، ومع تطور تكنولوجي ا التحلية وإمكانية تضخيم حجم المحطات وزيادة انتاجيتها بكفاية أعلى، إلى أنها لن تتمكن من توفير الأموال والقدرات اللازمة لتحلية 800 مليون م3 من مياه البحرين (الأحمر والأبيض المتوسط)، وهذه الزيادة في الطلب ذات أهمية قصوى بالنسبة لإسرائيل لأنها تذهب إلى القطاع الزراعي ولا سيما في صحراء النقب.

كذلك هناك معلومات حول سرقة اسرائيل للمياه العربية في الأنهار اللبنانية كنهر الوزاني والليطاني والحاصباني وغيرها.

2 ـ أثر أزمة المياه على الاستقرار العربي:

إن أزمة المياه لها الأثر الفعال في معضلة الاستقرار المنشود في الدول العربية وزاد الاهتمام بهذا الموضوع من قبل المثقفين والمفكرين العرب في بداية الثمانينات وذلك لزيادة الأخطار التي بدأت تحدق بالعالم العربي.

إن الكيان الاسرائيلي أثار هاجس الأمن المائي العربي الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي ككل، ولكنه لم يتبع أسلوب المواجهة المباشرة مع العرب. والعرب أنفسهم لم يتخذوا سياسة مائية واضحة المعالم لمواجهة التهديدات الاسرائيلية بسبب الخلافات العربية، ولذلك لا بد من إبراز مصطلح الأمن المائي العربي في الفكر السياسي الاستراتيجي القومي العربي والذي يمكن أن يتحول إلى مشكلة تبعية مائية. وبالتالي يعتبر الأمن المائي العربي أحد جوانب الأمن القومي العربي الذي يؤدي إلى استقراره.

فالحلول التي يجب وضعها لحماية الاستقرار تكمن في تضامن الدول العربية لرد أي تهديد يعترض أمنها القومي، وعدم تركيز كل دولة على أمنها الوطني كوحدة متميزة بين الدول.

3 ـ أثر أزمة المياه على الاستقرار الاسرائيلي:

إن قضية الاستقرار الاسرائيلي تدخل في نطاق الوجود الفعلي للدولة اليهودية ، ومن الصعب وصف التجمع الاسرائيلي بالقومية، وذلك لأن الاسرائيليين لا يشكلون قومية بالمعنى المفهوم في الفكر السياسي. فالقومية مصطلح يطلق على مجموعة من الشعوب اكتملت لديها عناصر الاندماج من وحدة وهوية ووضوح هدف فضلا عن الاستقرار مدة طويلة في إقليم يشعرون نحوه بالولاء والانتماء وهذه العناصر في جملتها تغيب عن المجتمع الاسرائيلي.

والاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على عدد من العناصر ترتبط ببعضها ارتباطا عضويا لتشكل تحديا خطيرا على الأمن القومي العربي. ومن أهم هذه العناصر عنصر الأمن لأنه حسب المفهوم الاسرائيلي له ذو طبيعة استيطانية والقائم على عقيدة التوسع.

إن الفجوة المائية في الأمن المائي القومي للكيان الاسرائيلي فجوة مهمة لأنها تتعلق بالعمود الفقري لنظرية الأمن الاسرائيلي (الهجرة).
فالهجرة تحتاج إلى الأرض والأرض تحتاج إلى المياه، والمياه تحول رجال الأعمال إلى فلاحين مرتبطين بالأرض، وتعمق فيهم روح الانتماء(9) ، وبذلك فالأهداف الاسرائيلية الطموحة لزيادة الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، والمخططة سلفا من الأخذ في الحسبان ضرورة توفير المصادر المائية اللازمة لتوفير الغذاء لهؤلاء المهاجرين، ولإكمال المشروع الصهيوني بالبقاء والسيطرة على فلسطين فمن الضرورة الحصول على مصادر مائية إضافية.

عندما يبحث الكيان الاسرائيلي عن حل مشاكله المائية فإن أنظاره سوف تتجه خارج حدوده، مما يجعل البحث عن المياه سببا لممارسات سياسية وعسكرية لهذا الكيان ربما تختلف من شكل لآخر، ولكنها تظل محكومة بذات الدوافع الأولية التي أدت إلى إقامته. فالأطماع الصهيونية ذات طابع اقتصادي فيما يتعلق بالحصول على ما تسميه حقوقها من مياه أنهار (الأردن، والليطاني، والنيل) ولا تستمد شرعيتها ومبرراتها لدى قادة الكيان الاسرائيلي من فائدتها الاقتصادية، وإنما من الأغراض الاستيطانية التي تتطلب إعمار صحراء النقب والمناطق الصحراوية في فلسطين المحتلة. فطبقا لمعدلات النمو الطبيعي للسكان داخل الكيان الاسرائيلي لا توجد مشكلة مياه ملحة.

إن لمشكلة المياه أبعادها الاستيطانية الاستعمارية أساسا ، والاقتصادية هامشيا ، وتصبح أكثر وضوحا وعلاقة بالأمن القومي الاسرائيلي، فالخط الأحمر الذي وضعه الكيان الاسرائيلي لمسألة المياه لا يقل خطورة عم ا يمكن أن يؤدي إلى تحريك قوات أو أسلحة إلى مناطق منزوعة السلاح حيث اعتبر هذا الكيان المياه موردا استراتيجيا من الدرجة الأولى، واعتبر أي تهديد لمصادر المياه مؤديا إلى استنفار الجيش(10).

وعليه فإن هناك علاقة طردية بين سيطرة الكيان الاسرائيلي وتحكمه في مصادر المياه في المنطقة من جهة، وبين تحقيق الأمن القومي له من جهة أخرى.




4 ـ تأثير الحل السياسي على القضية الفلسطينية ومشاريع المياه:

هناك بعض الحلول طرحت لحل القضية الفلسطينية من قبل أطراف النزاع ومن المجتمع الدولي والمنظمات والهيئات الدولية وجرى معالجة وضع المياه من جانبين (11) هما:
أ‌- الربط المباشر بين القضية الفلسطينية وأزمة المياه. حيث اقترح حوالي تسعة مشاريع.
ب‌- الربط غير المباشر بين تسوية القضية الفلسطينية وأزمة المياه حيث نصت بعض الحلول على عدم ربطها مباشرة بالتسوية بل عن طريق ربطها بالحدود أو الاستيطان أو إنشاء دولة فلسطينية، وقد وردت ثمانية مشاريع بهذا الصدد.

5 ـ قضية المياه ومحادثات السلام في الشرق الأوسط:

إن قضية موارد المياه هي مشكلة وثيقة الصلة بمحادثات السلام في الشرق الأوسط وأن ندرة المياه ومشكلة توزيع الكميات المتوفرة حاليا بين الدول في المنطقة هي القنبلة الزمنية التي يمكن أن تدق طبول الحرب في بداية القرن الواحد والعشرون ما لم تتفق الأطراف المعنية على اتفاق يرضي الجميع، ولهذا أصبح من الضروري إضافة هذا البند إلى قائمة بنود محادثات السلام.

لقد أدرك خبراء المياه في إسرائيل أن جميع مصادر المياه في أراضي اسرائيل قبل عام 1967 قد استغلت بحلول عام 1979 وبالتالي فقد بلغ العجز المائي في اسرائيل عام 1990 حوالي 350 مليون م3 ومن المتوقع أن يصل إلى البليون متر مكعب في بداية هذا القرن.

أما في مصر فإن الزيادة السكانية المطردة ومشاريع التنمية الاثيوبية على نهر النيل الأزرق بمشاركة اسرائيل هي مصدر الخطر الحقيقي لمصر،
ويرى الخبراء أن مصر ستدخل الحرب من أجل نصيبها من مياه النيل لو حدث نقص في كميات المياه المتدفقة إليها من اثيوبيا، وسبق للرئيس المصري الراحل أنور السادات أن أعلن عام 1979 بعد اتفاقية كامب ديفيد بأن القضية الوحيدة التي تجعل مصر تدخل الحرب مرة أخرى هي قضية المياه. ومياه النيل هي مصدر المياه الرئيسي لتسع دول منها دولتين عربيتين، وقد ازداد معدل استهلاك المياه في المنطقة بصورة كبيرة مما جعل الخبراء يتوقعون نقصا لا مناص منه في المياه بالنسبة لمصر في مطلع القرن الواحد والعشرين.

أما في منطقة نهر الفرات فهو محل اهتمام مزدوج سواء من ناحية التوتر السياسي أو التنمية بالنسبة لكل من تركيا وسوريا والعراق، هذا النهر الذي ينحدر 98% من مياهه من الأراضي التركية، قد ينتهي جافا عند مصبه في شط العرب بسبب مشاريع الري الهائلة في كل من تركيا ثم سوريا. وأن الحاجة تستدعي إيجاد اتفاقية بين الدول الثلاث للاتفاق على صورة معينة لحصة كل منهم من المياه، وهذا من الأهمية بمكان نظرا لأن كل دولة لها خطط طموحة قد تؤدي إلى استهلاك مياه نهر الفرات.

أما في منطقة نهر الأردن فإن الصراع العربي الاسرائيلي ونقص المياه يلقيان بظلالهما على طبيعة المشكلة. فكل من الأردن واسرائيل تستنزفان المياه الجوفية والتي لا يمكن تعويضها وبالتالي سرعان ما تنتهي، ويقول الدكتور الياس سلامة من جامعة الأردن بغض النظر عن الذي يمكن أن يحرزه الري الزراعي فإن مخزون المياه في الأردن سيستهلك بحلول عام 2010 ، وأضاف أن التعداد السكاني الحالي لا يتناسب مع كميات المياه المتوفرة، ولا يمكن للمشكلة أن تحل ما لم يتم التوصل لإتفاقية سلام معقولة،

وهو يرى أنه في حالة فشل محادثات السلام فمن المحتمل أن تشهد الفترة ما بين 1995 2005 زيادة في مشاكل نقص المياه في كل من الأردن واسرائيل والضفة الغربي وبالتالي سيؤدي ذلك إلى حدوث صراع.

والجدير بالذكر أن السياسات الاسرائيلية اللامنطقية حيال العرب واستنزافها للمياه بصورة غير سليمة كان السبب الأوحد وراء تعميق حدة الخلاف حيال مشكلة المياه في المنطقة، وأن انخفاض كمية الموارد المائية خاصة الجوفية كان بسبب استهلاك اسرائيل للموارد المائية بصورة غير متزنة. لقد دخلت اسرائيل حروبا كبدتها مبالغ طائلة حتى تمكنت من الاحتلال والتحكم في مصادر المياه ل 80% من مياه المنطقة خاصة في الأراضي المحتلة في فلسطين.

ويرى المحللون السياسيون بعد الأخذ بعين الاعتبار نوايا اسرائيل المائية، أن الحرب القادمة بين العرب واسرائيل ستكون بسبب نزاعهم على الموارد المائية. ولهذا فهم يرون أن الحروب السابقة في المنطقة كانت في الواقع بهدف احتلال الأرض والمياه الجوفية.

أما الآن فإن قضية المياه ليست مسألة هينة ولكنها معقدة لكون اسرائيل تحاول اغتصاب جميع الموارد المائية المتوفرة في الدول المحيطة بها، ولهذا لا يمكن التغاضي عن هذه القضية عند الحديث عن عملية السلام.

وفي تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن أشار إلى أن المفاوضات الخاصة بالمياه في محادثات السلام أصبحت مغمورة بسبب الأمور السياسية، وأن الشرق الأوسط أصبح ساحة لسوء الظن السياسي لأن التحكم في موارد المياه أصبح يعتبر غنيمة استراتيجية أداة مساومة أو سلاح سياسي ذو تأثير قوي على توازن القوى في المنطقة، وأن النقطة الرئيسية هي تعارض المطالب الاسرائيلية والأردنية حيال نهر الأردن (أي بين الخطط السورية والأردنية الهادفة إلى تطوير نهر اليرموك وسياسة اسرائيل المائية في الأراضي المحتلة وجنوب لبنان).

ويضيف التقرير في مقابل الاتهامات العربية بسرقة اسرائيل للمياه تقف اسرائيل متذرعة بأن مواردها المائية الرئيسية قد تقع في أيدي عديمي الخبرة أو في أسوأ الأحوال في أيدي أعدائها.

إن الدول العربية والفلسطينيين الذين شاركوا في محادثات السلام كان الأمل يراودهم في استعادة أراضيهم المغتصبة وبالتالي استعادة مواردهم المائية ولكن أقصى ما عرضته اسرائيل هو منح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا لا يشمل إدارة الموارد المائية.

كما عرضت اسرائيل انسحابا جزئيا من الجولان ولهذا تعتبر مسألة المياه من أشد نقاط الخلاف بين سوريا واسرائيل. فالجانب الاسرائيلي( (13يطالب بتعهد سوريا بعدم القيام بتحويل مياه الجولان إلى أراضيها في حين يرى المفاوض السوري أن من حقه المطالبة بالانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران عام 1967 واسترداد مصادر المياه في مناطق بانياس والحمه واستخدام هذه المصادر كما تشاء بلده، وهنا تتعارض تصورات الجانبين (فحدود الرابع من حزيران عام 1967) يعني السيادة السورية الكاملة على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا وعلى شريط من الأرض أضيف إلى فلسطين أثناء عهد الانتداب البريطاني وهي تشمل سهل عز الدين ومزارع الخوري ومنطقة الحمه وبرك التمساح والتوافيق والنقيب والبطيحة وراد الغنامة وكراد البقارة والسمر الخ...

فالمناقشات الأمنية تخفي وراءها شروطا سياسية تتعلق بطبيعة النظام ومعنى الحدود الآمنة وحل النزاع ومضاعفاته ضمن عملية شاملة تتعلق بمياه اليرموك ومنابع نهر الأردن وتدعي اسرائيل أنها تحتاج ما بين 25 40 مليون م3 من مياه اليرموك حسب مشروع جونسون، وأنه إذا لم تقبل سوريا والأردن بمطالبها فإنها تحتفظ لنفسها بحق اتخاذ إجراء يرغمهم بالقوة على التفاوض معها.

وفي تقرير أعده مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب (14) يرى أن انسحاب اسرائيل من الجولان يعني انتقال 40 مليون م3 من المياه من السيطرة الاسرائيلية إلى السيطرة السورية، وهذا الانسحاب سيحرم اسرائيل من بعض روافد نهر الأردن، ولهذا اقترحوا انسحابا جزئيا بأحد خطين:
1 ـ خط انسحاب يمر بالقرب من القنيطرة ويمتد حتى منطقة الحمه.
2 ـ أو خط انسحاب يضمن لاسرائيل سيطرة على جزء من الجولان.
وفي كلتا الحالتين فإن المناطق الغنية بالمصادر المائية ستبقى تحت إشراف اسرائيل لأن عودة الجولان إلى سوريا ستؤدي إلى تنمية منطقة حوران جنوب سوريا والتي تصبح منطقة زراعية تهدد الاقتصاد الاسرائيلي بمنتجاتها الرخيصة الثمن والعالية الجودة.

وعليه فإن إيجاد الحل المنطقي لمشكلة المياه بما في ذلك مسألة التوزيع العادل لحصص المياه بين دول المنطقة مرتبط بمحادثات السلام، ويؤكد الدبلوماسيون العرب بأن أي تقدم في إحراز اتفاقيات اقليمية لا يمكن أن تخرج إلى حيز الواقع ما لم تنسحب اسرائيل من الأراضي المحتلة.

ويتبين مما سبق أن هناك علاقة طردية بين سيطرة الكيان الاسرائيلي وتحكمه في مصادر المياه في المنطقة من جهة وبين تحقيق الأمن القومي له من جهة أخرى.

يعتبر الماء موردا باهظ الثمن في الأراضي الجافة في الشرق الأوسط وقد يتساوى ثمنه بثمن البترول، وعلى الرغم من كون الأرض هي محور الصراع بين اسرائيل والعرب، إل ا أن هناك تركيزا متزايدا من قبل الطرفين على قضية المياه لأن الخبراء يعتقدون بأن الصراع في المنطقة مستقبلا سيكون بسبب الموارد المائية.

ففرض السيطرة على موارد المياه العذبة سيكون هدفا حيويا ومؤثرا على التوازن الاستراتيجي للقوة في المنطقة، وبالتالي سيؤدي إلى استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية والمياه الموجودة فيها، وكذلك الزيادة السريعة في التعداد السكاني لدول المنطقة سيؤدي إلى تفاقم الصراع في المنطقة، ولعل السبب الرئيسي وراء تباطؤ اسرائيل في الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 هو الماء.

كما أنه وراء إصرار اسرائيل على الاحتفاظ بمنطقة آمنة محاذية للأنهر اللبنانية، وعلى نفس المنوال، فقد استقطعت اسرائيل نصيب الأسد من موارد المياه في مرتفعات الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة لكي تضر بالفلسطينيين والأردنيين والسوريين،
وفي الواقع فإن اسرائيل هي السبب وراء مشكلة توزيع الماء فهي تأخذ أكثر من حصتها في حين تحرم جاراتها من مواردهم المائية الطبيعية. فقد عارضت بناء (سد الوحدة) وهددت بضرب أي سد ينشأ على نهر اليرموك.

وهذا دليل واضح على مخططاتها. فلو افترضنا أن الأردنيين والفلسطينيين توصلوا إلى اتفاق مع سوريا والعراق وأن سوريا والعراق اتفقت مع تركيا حول تقسيم المياه فإن احتمالات التوصل إلى اتفاق مع اسرائيل غير واردة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل في الصراع العربي الاسرائيلي وفقا لشروط عربية، وأن الصراع كفيل بحل القضايا الاقليمية الأخرى.

لقد نوقشت مسألة المياه أكثر من خمس مرات في المحادثات المتعددة الأطراف منذ شهر كانون الثاني/ يناير عام 1992 ولكن دون نتائج ايجابية، ويمكن أن نلاحظ على سبيل المثال أن اسرائيل والأردن بعد مضي سنة على معاهدة السلام بينهما لا يبديان حماسا كبيرا للتعاون بينهما في المجال المائي في إطار مؤسسة مشتركة، وكان ولي العهد الأردني السابق الأمير الحسن بن طلال ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق شمعون بيريز عندما كان وزيرا للخارجية، قد طالبا إثر اجتماعهما في عمان في شهر نيسان/ابريل 1995، بإقامة هيئة مشابهة (لسلطة وادي تينسي الأمريكية) للإشراف على تنمية وادي الأردن. إلا أن المبادرة بقيت تنتظر التنفيذ وقد بدأت الأضواء تعود إلى هذه الفكرة بعدما أشار (رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق) شمعون بيريز في خطابه إلى الكونغرس الأمريكي مشيرا إلى الأمل بتحويل وادي الأردن إلى شيء يشابه وادي تينسي.

ومن الواضح أن اسرائيل كانت ترغب في المساومة حيال مرتفعات الجولان مع سوريا. بغض النظر عم ا يمكن أو لا يمكن تحقيقه مع الأردن ولبنان والفلسطينيين وذلك على نمط اتفاقية كامب ديفيد إل ا أن سوريا لم توافق وعوضا عن ذلك طالبت سوريا بانسحاب اسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل عام 1967 قبل التوصل إلى أي اتفاق سلام مع اسرائيل.

إن استغلال مياه الأنهار في المنطقة يسير إلى استحالة الفصل بين السياسة والاقتصاد، ولهذا فمن واجب الدولالعربية إيجاد استراتيجية موحدة بمنأى عن الاتفاقيات المنفصلة، وإنهاء الصراع العربي العربي كما يجب على سوريا والعراق التغاضي عن مساوئ الماضي بينهما، والعمل على توحيد وترسيخ الجهود من أجل التوصل إلى اتفاق مع تركيا حيال مياه الفرات.

كما أن الحاجة الماسة الآن تستدعي أن تتبنى الدول العربية استراتيجية موحدة وشاملة للدفاع عن مواردهم المائية في أثناء مفاوضاتهم مع اسرائيل، ضمن إطار جامعة الدول العربية. بالإضافة إلى ذلك فإن مشكلة المياه جزء لا يتجزأ من الصراع العربي الاسرائيلي، ولا يمكن التوصل لحل لقضية المياه بشكل يرضي جميع الأطراف المعنية ما لم تحل المشكلة الرئيسية وهي احتلال اسرائيل للأراضي العربية عام 1967 بصورة مستديمة عن طريق مباحثات السلام الجارية حاليا .

الملف النووي الإيراني :
لا يمكن فصل الملف النووي الإيراني عن السياق العام للإستراتيجية التي تنتهجها ايران في المنطقة من خلال تركيزها على النقاط التالية :

1 – مواصلة جهودها لإمتلاك السلاح النووي الأمر الذي سيخق خللاً في التوازن في منطقة الخليج وسنتج عن ذلك المزيد من التوتر في العلاقات .
2 – مواصلة ايران احتلالها لجزر الخليج العربي ورفض الدخول في أي مباحثات جدية لإيجاد حل لهذه الأزمة التي تتفاقم يومياً
3 – دعم ايران لقوى اصولية ( حزب الله – حماس ) لتشكل جسراً لطهران لكي تكون اللاعب الأساسي في المنطقة .
4 – اصرار ايران على التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار عبر دعم مجموعات شيعية الأمر الذي سيؤدي الى خلق المزيد من التوتر والبلبلة .
هذه المسائل مجتمعة تشكل تحديات جدية للأمن العربي .


الهوامش
1 ـ عبد الرحمن أبو عرفة: الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية، الموسوعة العربية للدراسات والنشر، دار الجليل للنشر، عمان: 1981 .
2 ـ ابراهيم أحمد ابراهيم: الأطماع الاسرائيلية في مياه جنوب لبنان، السياسة الدولية، القاهرة: العدد 70 أكتوبر 1982 .
3 ـ محمد الصواف: مشكلة المياه في اسرائيل بين الادعاء والاعتداء، الملف العدد 72 مارس 1990 .
4 ـ د. منصور العادلي: موارد المياه في الشرق الأوسط (صراع أم تعاون)، دار النهضة العربية 1996 ص 378 .
5 ـ أحمد المصري: نقل مياه النيل إلى اسرائيل، دراسات عربية العدد (16) يوليو/1980م.
6 ـ حسام شحاتة: المياه العربية في دائرة الخطر، معهد الأرض للدراسات الفلسطينية، دمشق: العدد (8) أغسطس 1990م، ص 49 .
7 ـ جريدة القبس الكويتية 21/1/1990 .
8 ـ د. حمدي عبد الرحمن: امكانيات تدعيم الأمن المائي العربي، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي للبحوث السياسية، مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة: ديسمبر 1991، ص 5 .
9 ـ أمين هويدي: فجوات في الأمن القومي الاسرائيلي حتى عام 2000، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، شؤون عربية العدد 55، تونس: سبتمبر 1988، ص 183 .
10 ـ محمد الصواف: مرجع سابق، ص 109 .
11 ـ تسوية النزاع في الشرق الأوسط، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، تونس: 1988 و ص60 .
12 ـ طارق المجذوب: مرجع سابق، ص 55 .
13 ـ أحمد المصري: مرجع سابق، ص 97 .
14 ـ أحمد المصري: مرجع سابق، ص 99 100 .




تصفح إصدارات مركز الدراسات العربي-الأوروبي واستفد من مكتبتناالكبيرة

>>ادخل المكتبة <<



نسيت كلمة المرور؟

أرشيف (تحت المجهر)

* مصير المفاوضات غير المباشرة ومخطط تهويد القدس
* لماذا استعاد قراصنة الصومال انشطتهم ؟
* مستقبل العلاقات الإيرانية - السورية
* رد فعل العرب ضد جريمة الموساد في دبي
* اعلان ايران قدرتها على تخصيب اليورانيوم بنسبة 80%
* مدى نجاح القمة العربية في ليبيا
* مسعى فرنسي لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط
* هل زلزال هايتي نتيجة اختبار اجرته اميركا على جهاز صدمات
* مجلس تعاون استراتيجي يضم تركيا وإيران وسورية والعراق ولبنان
* مشروع أميركي لمعاقبة فضائيات عربية

أرشيف


بصفتك عضو في هذا المركز يمكنك الحصول على النشرة الدورية عند تحميلها

اضغط هنا لرؤية التقرير الدوري

ادخل البريد الالكتروني لصديقك



المصدر مركز الدراسات العربي الاوربي
http://www.ceea.com/new/publication-detail.php?fid=40
اقرأ المزيد

الوطن العربي وموازين القوي الإقليمية



د. محمد السيد سليم *
قضايا السياسة الدولية .....

نحاول في تلك الدراسة الموجزة أن نحدد أثر الوضع الراهن لموازين القوي الإقليمية ضد العرب علي مستقبل الوطن العربي، وماهي الأدوات التي يمكن اتباعها لتصحيح تلك الموازين، بحيث تنتج أثرا أفضل علي الأمن الوطني لكل دولة عربية وعلي الأمن القومي العربي. تنطلق الدراسة من افتراض أساسي، هو أن العبرة في تحقيق السلام الإقليمي هو بحال ميزان القوي بين الأطراف الإقليمية. فقد شاع في حقبة ما بعد الحرب الباردة مقولة غربية تسمي 'السلام الديمقراطي'، مؤداها أن العبرة في تحقيق السلام الإقليمي هي بتحويل النظم السياسية إلي الديمقراطية، لأن الديمقراطيات لا تتحارب .

بل يذهب بعض أنصار تلك المقولة إلي أن السلاح النووي لدي الدول الديمقراطية هو سلاح آمن، أي أنه لا يشكل تهديدا لأحد، بعكس السلاح النووي لدي الدول التسلطية. وهي كلها مقولات أيديولوجية وليست إمبريقية، إذ لا يمكن اعتبار مقولة السلام الديمقراطي مفسرة للسلام الإقليمي أو العالمي. فيمكن تقديم قائمة من الحروب التي نشبت بين أنظمة ديمقراطية، من أهمها في القرن العشرين حروب الاستقلال الأيرلندية بين عامي 1919 و1921، والحرب بين بولندا وليتوانيا سنة 1920، واحتلال فرنسا وبلجيكا لمنطقة الرور في جمهورية فيمار عام 1923، والحرب بين فنلندا وبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، والحروب العربية - الإسرائيلية سنة 1948، والصراع بين الولايات المتحدة وجواتيمالا سنة 1954، والحرب بين بيرو وإكوادور سنة 1995، وغيرها. وفي القرن الحادي والعشرين، الحرب بين روسيا وجورجيا سنة 2008 حول أوسيتيا الجنوبية. ويمكن أن نضيف إلي ذلك العدوان الإسرائيلي علي غزة في ديسمبر سنة 2008 من حكومة إسرائيل، بزعامة أولمرت المنتخبة ديمقراطيا، علي حكومة فلسطين في غزة، بزعامة هنية والمنتخبة ديمقراطيا أيضا. من ناحية أخري، فإن المرة الوحيدة التي استعمل فيها السلاح النووي كان من خلال دولة ديمقراطية هي الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 ضد أهداف مدنية يابانية، رغم أنه لم تكن ثمة حاجة إلي استخدام هذا السلاح، لأن الولايات المتحدة كانت تعلم بعزم اليابان علي الاستسلام. كما أن إسرائيل كادت تستعمل السلاح النووي ضد مصر وسوريا خلال حرب أكتوبر سنة 1973.

انطلاقا من هذا الافتراض، فإن هذه الدراسة تثير سؤالين، أولهما: كيف يؤثر ميزان القوي علي السلام الإقليمي? وكيف يؤثر ميزان القوي الشرق أوسطي علي مستقبل الوطن العربي? سؤالان سنحاول الإجابة عليهما علي التوالي.

أولا- الرؤي النظرية لأثر حالة ميزان القوي علي السلام الدولي :

ما هو تأثير التفاوت أو التكافؤ في توزيع القوي بين الدول علي احتمالات السلام والحرب فيما بينها? يقدم أدب السياسة الخارجية ثلاث نظريات مختلفة تحاول الإجابة علي هذا السؤال. تؤكد النظرية الأولي أن التكافؤ في توزيع القدرات (العسكرية والاقتصادية) بين دولتين من شأنه تحقيق الاستقرار النسبي في العلاقات بينهما. ويعتبر كينسي رايت هو أهم أنصار هذه المدرسة التي يطلق عليها اسم مدرسة 'السلام من خلال التكافؤ'. يتأسس منطق هذه النظرية علي أن تكافؤ القدرات يؤدي إلي إحساس كل طرف بصعوبة تحقيق مكسب حاسم علي الطرف الآخر من خلال الحرب، كما أنه يقلل من الشعور بالتناقض في مستوي القوة، والذي يغذي من النزعات العدائية لدي الدول(1). أما النظرية الثانية، التي يدافع عنها اينس كلود، فتري أن التوازن في القوي هو موقف غير مستقر، وأن عدم التكافؤ في توزيع القدرات هو الذي يحقق الاستقرار ويزيد احتمالات السلام. فالدولة الضعيفة لن تجرؤ علي شن الحرب، لأنها تدرك أنها لن تحقق نصرا، كما أن الدولة القوية ليست بحاجة إلي شن الحرب، لأنها تستطيع تحقيق أهدافها إزاء الدولة الضعيفة بأدوات أخري أقل تكلفة، كالضغط الاقتصادي والدبلوماسي. وأخيرا، فإن أي تغيير طفيف في القدرات لن يؤدي إلي تغييرفي ميزان القوي، بينما قد يؤدي تغير محدود في قوة أي من الطرفين المتكافئين إلي اعتقاد هذا الطرف بأن التوازن أصبح لصالحه، مما قد يدفعه إلي شن الحرب. وتسمي هذه النظرية باسم 'نظرية تفوق القوة'(2). وقد دافع عنها أيضا سينجر، وبريمر، وستكي، من منطلق أن عدم التكافؤ في توزيع القدرات يزيد من تأكد الدول من احتمالات نتائج التفاعل الصراعي، ومن ثم فإنه يؤدي إلي استقرار العلاقات بين تلك الدول(3). كما يذهب جاسبار إلي أن احتمالات التكامل الإقليمي بين الدول تزداد كلما اتسم ميزان القوي بين الأطراف بتفوق طرف علي الآخر(4). وتقدم النظرية الثالثة، التي يدافع عنها أورجانسكي، تصورا ثالثا للعلاقة بين تكافؤ القدرات واحتمالات الصراع، يستند إلي مفهوم ديناميكي لميزان القوي، أساسه 'نظرية تحول القوة'. تقول النظرية إن احتمالات نشوب الحرب بين دولتين، إحداهما قوية والأخري أقل قوة، تزداد عندما تنمو قوة الأخيرة إلي حد يمكنها من تحدي الدولة الأقوي، خاصة إذا كانت تلك الدولة غير راضية عن حال عدم التوازن. يقسم أورجانسكي الدول إلي أربع مجموعات طبقا لمعيارين هما، القدرات، ودرجة الرضاء عن وضع الدولة في النسق الدولي. هذه المجموعات هي الدول القوية والراضية، والدول القوية وغير الراضية، والدول الضعيفة والراضية، والدول الضعيفة وغير الراضية. يقول أورجانسكي إن دول المجموعة الثانية هي أكثر الدول احتمالا للدخول في صراعات دولية وحروب شاملة. فالدول الواقعة في المجموعات الثلاث الأخري إما راضية عن وضعها الدولي، وبالتالي ليست في حاجة إلي الحرب، وإما ضعيفة إلي حد لا يمكنها من شن الحرب. كما أنه حينما يحدث تحول في ميزان القوة، بحيث تمتلك الدولة الضعيفة وغير الراضية قدرات جديدة تمكنها من تحدي الدولة القوية المهيمنة، فإنها تبدأ في تحدي تلك الدولة. وفي الوقت ذاته، فإنه حينما تشعر الدول المهيمنة بتحول توازن القوي لغير صالحها، فإنها قد تسعي إلي محاولة وقف هذا التحول عن طريق توجيه ضربة إجهاضية للدولة التي تزداد قوتها(5). ويقدم سوليفان تحليلا مختلفا للنظرية ذاتها، فيقول إن العبرة في أثر ميزان القوي ليس في الميزان ذاته في حالة سكون، سواء كان متكافئا أو غير متكافيء، ولكن العبرة بحالة الميزان حينما يتحول من حال إلي حال. فعدم التكافؤ الشديد في القدرات بين دولتين يؤدي إلي إقلال الصراع أو احتمالات الصراع بينهما. ولكن ما إن يتجه الميزان بين الدولتين نحو التكافؤ، تزدد احتمالات الصراع. ولكن حينما تصبح الدولتان متكافئتين في القدرات، تبدأ احتمالات الصراع بينهما في النقصان، كما تقل حدة الصراع، إذا ما نشب. ومن ثم، فالعلاقة بين توزيع القدرات واحتمالات الصراع ليست علاقة خطية، كما تصوره النظريتان الأولي والثانية، ولكنها علاقة تأخذ شكل المنحني(6).

ولا تقدم لنا الاختبارات التطبيقية التي أجريت علي العلاقة بين القدرات والصراع تأكيدا أو نفيا قاطعا لأي من تلك النظريات. ولكن يمكن أن نخلص إلي عدة نتائج، أهمها أن عدم توازن القوي يدفع الدول الأقوي إلي المبادرة بالحرب، بافتراض ثبات العوامل الأخري علي ما هي عليه، فالدول الأقوي هي في الأغلب الأكثر ميلا إلي اللجوء إلي الحروب. من ناحية أخري، فإن أثر ميزان القوي يعتمد علي مدي ارتباطه بالأبعاد الأخري للعلاقات الدولية. كذلك، فالعبرة هي بتحول ميزان القوي، سواء من خلال اكتساب إحدي الدول قدرات جديدة، أو من خلال فقدان الدولة الأقوي بعض قدراتها، مع عدم امتلاك الدول الأخري قدرات جديدة. الحالة الأولي هي حالة اكتساب إيران في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قدرات نووية جديدة، مما يهدد هيمنة الغرب علي ميزان القوي في منطقة الخليج العربي. وهذا ما يفسر سعي الغرب إلي وقف هذا التحول عن طريق الترغيب والتهديد. والحالة الثانية هي حالة فقدان إيران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979 قدرات عسكرية، مما شجع العراق علي استغلال تلك الحالة لشن الحرب علي إيران. ومن ثم، نخلص إلي أن أي علاقة للقوة تتسم بالتحول (عدم الاستقرار) -سواء أكانت الدولتان تتجهان نحو التكافؤ أو نحو عدم التكافؤ- تؤدي إلي حرب بين الطرفين بشكل يفوق علاقة القوة التي تتسم بالثبات (الاستقرار)، وأنه إذا اندلعت الحرب في موقف التحول، فإنه من المحتمل أن تكون تلك الحرب شاملة.

تفترض النظريات السالفة أن القدرات محل التحليل هي القدرات التقليدية، وهي بذلك لا تشمل حالات الدول التي تمتلك القدرات النووية، أي حالة ميزان الرعب. ويمكن القول إن إدخال القدرات النووية في معادلة القدرات بين دولتين يؤدي إلي تغير سياسات تلك الدول، سواء اتسمت المعادلة بالتكافؤ أو عدم التكافؤ. ويقصد بالتكافؤ، في هذا السياق، قدرة كل دولة علي امتصاص الضربة النووية الأولي، وتوجيه ضربة نووية ثانية قاتلة، وذلك علي غرار حالة توازن الرعب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبان عصر الحرب الباردة. أما عدم التكافؤ، فإنه ينصرف إلي قدرة دولة واحدة علي توجيه ضربة أولي قاتلة للدولة الأولي. وتؤدي حالة التكافؤ في القدرات النووية إلي الإقلال من احتمالات الحرب السافرة المباشرة بين الدولتين وإلي لجوء كل دولة إلي تحقيق أهداف سياستها الخارجية تجاه الدولة الأخري من خلال أطراف إقليمية، فيما يسمي 'الحروب بالوكالة'. أما عدم التكافؤ، فإنه يؤدي إلي عدوانية الدولة التي تمتلك القدرة النووية، بما في ذلك احتمال استخدام تلك القدرة علي غرار ما فعلت الولايات المتحدة ضد اليابان عام 1954.

ثانيا- موازين القوي الشرق أوسطية :

انطلاقا من التحليل السالف، يمكن رصد موازين القوي الشرق أوسطية علي ثلاثة مستويات، الأول: هو الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط، والثاني: هو موازين القوي الإقليمية في الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. أما الثالث، فهو التحولات في موازين القوي في الشرق الأوسط.
وبصفة عامة، يمكن ابتداء رصد ثلاث ظواهر أساسية في تلك الموازين، أولاها: الخلل الشديد لصالح الأطراف غير العربية، وهي إسرائيل وإيران وتركيا، والثانية: أن هذا الخلل كان موجودا دائما بفضل الدعم الغربي للدول غير العربية في الشرق الأوسط من ناحية، ونتيجة للتفرق العربي، حيث تتصرف كل دولة عربية كوحدة مستقلة، والخفة التي بموجبها تعامل العرب مع مسألة توازن القوي، وتوازن الرعب. وأخيرا، فإن هذا الخلل قد زاد بشكل واضح منذ نهاية نظام القطبية الثنائية، نهاية الدعم السوفيتي لبعض الدول العربية، وتكرس بشكل أكبر بعد الغزو الأمريكي للعراق، والذي أدي إلي خروج العراق من المعادلة الإقليمية، ودخول إيران وإسرائيل كفاعلين أساسيين في المعادلة العراقية، وتحالفهما مع بعض القوي السياسية العراقية.

1- الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط :

تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر أقاليم العالم من حيث كثافة الوجود العسكري الأجنبي فيها، بل إن القوي الغربية، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، أصبحت قوي شرق أوسطية بعد غزو العراق سنة 3002. ويتسم الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط بعدم التوازن، إذ إنه بالأساس وجود غربي. فلا توجد قوات روسية أو صينية أو حتي هندية في المنطقة. كما أن الوجود الغربي ذاته غير متوازن، إذ إنه في معظمه أمريكي مع وجود بريطاني وفرنسي محدود. وأخيرا، فإن الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي غير متوازن، لأنه مركز أساسا في منطقة الخليج العربي، حيث توجد أهم مصالح الدول الغربية، وهي النفط.

وفي البحرين، توجد قيادة الأسطول الخامس الأمريكي، وتعد قاعدة الجفير من أهم القواعد الأمريكية في الخليج العربي، كما توجد في قاعدة علي السالم في الكويت ومعسكر عريفجان قواعد عسكرية أمريكية. وللولايات المتحدة تسهيلات عسكرية في قاعدة الشهيد موفق الجوية بالزرقاء في الأردن. وفي قطر، توجد واحدة من أهم القواعد الأمريكية في الخليج، وهي قاعدة العديد. هذا بالإضافة إلي قاعدة مصيرة العسكرية في سلطنة عمان. وكانت الولايات المتحدة بعد غزو العراق قد أعادت نشر قواتها من قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية إلي قاعدة العديد في قطر، ولكنها لا تزال تستخدم هذه القاعدة. كذلك، فقد أنشات فرنسا قاعدة بحرية لها في إمارة أبو ظبي بالإمارات افتتحت سنة 8002. كما أن لفرنسا وجودا عسكريا قويا في جيبوتي. وبحكم عضوية تركيا في حلف الأطلنطي، فإن أراضيها وقواعدها الجوية متاحة لدول الأطلنطي، وأهمها قاعدة إنجرليك الجوية، وقد استعملتها الولايات المتحدة ضد العراق في حرب الخليج الأولي سنة 1991، هذا بالإضافة إلي التسهيلات العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة في مصر، واليمن، وجيبوتي، وإسرائيل(7).

ولا يقتصر الوجود العسكري الأمريكي علي الشرق الأوسط، ولكنه يشمل المناطق المحيطة به، خاصة في قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي، والقواعد الأمريكية في اليونان، وإيطاليا، والبرتغال، وإسبانيا، بالإضافة إلي القواعد البريطانية في دييجو جارسيا، وقبرص، وجبل طارق.

2- موازين القوي التقليدية وغير التقليدية في الشرق الأوسط(8) :

أ- موازين القوي التقليدية:

لا نود أن نورد أرقاما عن الناتج القومي وعدد السكان وأعداد القوات، والمدرعات، والطائرات، والسفن التي تمتلكها كل من دول الشرق الأوسط. ونحيل في ذلك إلي دراسة كوردسمان عن التوازن العسكري في الشرق الأوسط، التي أشرنا إليها. وهي توثق هذه الأعداد، فضلا عن توثيق درجات الاختلاف في درجات التدريب والاستعداد. ولكن تأمل تلك الأرقام يوضح أن موازين القوي التقليدية بين دول الشرق الأوسط مختلة لصالح القوي غير العربية. فإسرائيل تستطيع هزيمة أي ائتلاف من جيوش الدول العربية المجاورة بفضل ترسانات الأسلحة التي تصنعها، والتي تمدها بها الدول الغربية، وبفضل تفوقها في الحروب الجوية، واستعمال الصواريخ متوسطة المدي، فضلا عن امتلاكها لقوة بشرية خفيفة الحركة تستطيع نقل المعركة إلي أرض الطرف الآخر بسهولة. وبدون الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، تستطيع إيران أن تهزم أي تكتل من دول مجلس التعاون الخليجي بفضل القوة البشرية الضخمة التي تمتلكها، والمسلحة تسليحا جيدا، والممثلة في الحرس الثوري، والقوات النظامية. كما أن تركيا تستطيع أن تهزم سوريا في أي مواجهة بينهما. ولعلنا نتذكر أن سوريا قبلت طرد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من أراضيها، عندما هددتها تركيا بالحرب. ومن ثم، فإن التوازن الحقيقي في القوي التقليدية هو بين الدول غير العربية في الشرق الأوسط، هذا رغم ترسانات السلاح المتراكمة لدي بعض الدول العربية الخليجية. فتقدر قيمة مشتريات السلاح السعودية والمصرية من الولايات المتحدة بين عامي 2005 و2008 بنحو 11 مليار دولار، و5 مليارات علي التوالي. ولكن تلك الترسانات مشروطة بعدم استعمالها ضد إسرائيل، وإنما ضد عدو مشترك للدولة العربية والدولة الغربية الموردة للسلاح. ومن ثم، فلا تأثير له علي التوازن العربي - الإسرائيلي.

ب- موازين القوي غير التقليدية :

كذلك، فموازين القوي غير التقليدية مختلة لصالح إسرائيل. فهذه الدولة تمتلك ترسانة نووية، أكد قادة إسرائيل امتلاكها خلافا لما يعتقده البعض من أن إسرائيل تتبع سياسة الغموض النووي. فقد أشهرت إسرائيل امتلاكها السلاح النووي، وإن كان بشكل أقل درامية مما فعلته الهند وباكستان. ففي سنة 1996، صرح جدعون فرانك، رئيس هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية 'بأن إسرائيل ستطلق صواريخها الحاملة للرءوس النووية، إذا ما تأكدت أن هناك صوايخ قادمة إليها'. وأضاف أن 'الدولة يمكنها أن تتخلي عن قدراتها النووية فقط إذا وصلت إلي 'يوتوبيا' مع جيرانها تشبه العلاقة بين البرازيل والأرجنتين'. وقد صرح فرانك بذلك لصحيفة هآرتس التي قالت، عند نشر تلك التصريحات، إنها قد حصلت علي الموافقات الأمنية قبل نشرها. وفي سنة 1996 أيضا، صرح إسحاق موردخاي، وزير الدفاع الإسرائيلي، بأن 'إسرائيل لديها أسلحة نووية تكتيكية، وأنها مستعدة لاستعمالها'(9). وتمتلك إسرائيل أدوات نقل الأسلحة النووية التي تمكنها من أن تطال أي دولة في الشرق الأوسط. فلديها الصاروخ أريحا-2، ويصل مداه إلي حوالي 4000كم، كما أن لديها غواصات من طراز دولفين أمدتها بها ألمانيا، وهي غواصات قادرة علي حمل أسلحة وإطلاق أسلحة نووية.

أما إيران، فإنها تمتلك التكنولوجيا النووية، حيث إنها حققت تقدما في مجال تخصيب اليورانيوم وتوفير الوقود النووي اللازم لمحطاتها النووية، وهي بذلك قادرة علي التحول إلي قوة نووية في المستقبل، إذا قررت ذلك، كما فعلت الهند وباكستان. كما أن لدي إيران صواريخ شهاب-4 ذات المدي الذي يبلغ 4000كم.

بالنسبة لتركيا، فقد كانت تخطط لكي تتحول إلي قوة نووية، وشرعت في شراء مفاعلين من طراز كاندو بقوة 700 ميجاوات لكل مفاعل. ولكنها في عهد حزب العدالة والتنمية، أعلنت رسميا تخليها عن تلك الفكرة بإعلان لرجب طيب أردوجان، رئيس الوزراء التركي، في 16 ديسمبر سنة 2009، حيث قال، 'نحن لا نريد سلاحا نوويا، لا في منطقتنا ولا في أي مكان آخر. نحن ضد امتلاك إيران أسلحة نووية، ولكننا ضد امتلاكها من دول أخري أيضا'. وتعوض تركيا امتلاك السلاح النووي بامتلاكها المظلة النووية الأطلنطية، واتباعها دبلوماسية توافقية إقليمية.

أما الدول العربية، فليس لديها إلا برامج نووية بدائية. فمصر لديها مفاعلان نوويان لأبحاث بقدرة 2 و23 ميجاوات علي التوالي، ولا تستطيع تخصيب اليورانيوم. كما أنها قامت بإلغاء برنامجها النووي سنة 1986، بعد أن كانت قد صدقت علي اتفاقية منع الانتشار النووي في فبراير سنة 1981، دون أن تحصل علي ما كانت تخطط للحصول عليه مقابل التصديق، وهو المفاعلات النووية الستة بقدرة 600 ميجاوات لكل مفاعل. وقد أدي ذلك إلي بعثرة الكوادر العلمية النووية المصرية. ولدي مصر قدرات صاروخية، أهمها صاروخ سكود-س ومداه حوالي ألف كم.

ويمكن القول إن البرامج النووية، التي شرعت الدول العربية في طرحها خلال العامين الأخيرين، هي مشروعات الهدف الحقيقي من الإعلان عنها هو أن تكون ستارا و مبررا للتوقيع، والتصديق علي 'البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار النووي'. فالدول الكبري تريد أن تستثمر لحظة الخلل الراهن في موازين القوي لإدخال الدول العربية في إطار البروتوكول الإضافي، بعد أن نجحت في إدخالها إلي إطار معاهدة منع الانتشار النووي، في الوقت الذي ظلت فيه إسرائيل خارج هذين الإطارين. ذلك أنه تبين للدول النووية أن إجراءات التفتيش الدولي علي الدول النامية غير النووية، طبقا لاتفاقية منع الانتشار النووي سنة 1968، ليست كافية، وأنه في ظل إجراءات التفتيش التي أقرتها الاتفاقية، كانت دول، مثل العراق، علي وشك امتلاك التكنولوجيا النووية. وبالتالي، توصلت الوكالة الدولية إلي ما سمي 'بالبروتوكول الإضافي'، أي أنه بروتوكول ملحق بالمعاهدة، ولكن يلزم الموافقة عليه من الدول الأعضاء في المعاهدة، لكي يصبح ساريا ينص البروتوكول علي حصول الوكالة الدولية علي معلومات كاملة عن أي أنشطة نووية في الدولة، بما في ذلك الصادرات والواردات من المواد النووية. كما ينص علي حق مفتشي الوكالة في الوصول إلي أي مكان لتفتيشه (حتي ولو قالت الدولة إنه لاصلة له بالأنشطة النووية)، وذلك في فترة زمنية قصيرة قد تصل إلي ساعتين، علي أن يشمل ذلك حق مفتشي الوكالة في الدخول الفوري إلي الدولة، والتوجه مباشرة إلي المكان المطلوب تفتيشه. ومن ثم، فإن البروتوكول الإضافي يضع الدول غير النووية الموقعة عليه تحت الوصاية الفعلية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوقيعه يلغي آخر ورقة سياسية تساوم بها الدول العربية إسرائيل. فقد ظل موقف معظم الدول العربية حتي الآن يربط بين توقيع البروتوكول الإضافي بتوقيع إسرائيل معاهدة عدم الانتشار النووي. وسيكون السيناريو القادم علي النحو التالي: ستوالي الدول العربية الإعلان عن أنها قد وقعت اتفاقات مع القوي الكبري لتزويدها بالتكنولوجيا النووية، وأن تنفيذ تلك الاتفاقات يتطلب توقيع البروتوكول الإضافي والتصديق عليه، وإلا فإننا سنحرم الأجيال القادمة من التكنولوجيا النووية. وستحشد هذه الدول أدواتها الإعلامية للترويج لتوقيع البروتوكول الإضافي باعتباره عملا قوميا، وستقوم تحت هذا الغطاء بالتوقيع والتصديق علي البروتوكول الإضافي. وبعد ذلك، يتم افتعال مواقف جديدة تبرر عدم السير في طريق التكنولوجيا النووية، لأن متغيرات جديدة قد طرأت، ولا يبقي للعرب بعد ذلك سوي دخول مصيدة البروتوكول الإضافي.

سيناريو مشابه سبق أن حدث في مصر في فبراير سنة 1891. ففي هذا التاريخ، انطلقت في الصحافة المصرية حملة التصديق علي معاهدة منع الانتشار النووي. وفي جلسات التصديق علي المعاهدة في مجلس الشعب، انطلق نواب الحزب الوطني للإشادة بالتصديق علي المعاهدة، واعتبار أن هذا التصديق عمل قومي سيدخل مصر إلي العصر النووي. رد إبراهيم شكري، زعيم المعارضة وقتها، محذرا من أن إسرائيل لم توقع المعاهدة، وأن مصر يجب أن تتريث إلي حين توقيع إسرائيل عليها. ولكن كمال حسن علي، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية المصري آنذاك، طمأنه بأن إسرائيل قد صوتت لصالح المشروع المصري المقدم إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. اعتبر كمال حسن علي وقتها أن مجرد موافقة إسرائيل علي المشروع المصري، بكل التحفظات التي وضعتها عليها، يكفي لطمأنة مصر علي أن إسرائيل قد وافقت بالفعل علي نزع سلاحها النووي، وهو ما لم يحدث منذ سنة 1981 وحتي الآن. وبعد انتهاء جلسة التصديق التي أدخلت مصر إلي القفص النووي، لم تحصل مصر علي أي تكنولوجيا نووية، إذ سرعان ما ضغطت الولايات المتحدة علي الشركات الدولية لعدم بيع أي مفاعلات لمصر، كما ضغطت علي مصر للتخلي عن البرنامج النووي، وهو ما تم سنة 1986، ولكن بعد أن دخلت مصر إلي المصيدة النووية مجانا(10).

وحتي إذا تم تطبيق الاتفاقات التي وقعت أو يتم التخطيط إلي توقيعها، فإنها لن تثمر عن قدرة ردع نووية عربية، لأن تلك الاتفاقات (كما حدث في حالة الدول التي وقعت اتفاقات بالفعل) تنص صراحة علي توقيع البروتوكول الإضافي، وهو ما فعلته بعض الدول العربية، وهي ليبيا، والعراق، والكويت، والإمارات. كما أن تلك الاتفاقات تنص علي أن تستورد الدولة العربية المفاعل، علي أساس نظام 'تسليم المفتاح'. فلا تشارك في تصنيعه، كما تفعل الهند في المفاعلات التي تستوردها، كما تستورد الوقود النووي جاهزا وتعيده مرة أخري، وبالتالي لا تكتسب الدولة العربية أي خبرة تكنولوجية في تخصيب اليورانيوم.

من ناحية أخري، فإن جميع المشروعات الغربية لضبط التسلح في الشرق الأوسط تركز علي نزع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية دون نزع الأسلحة النووية. ولما كان النوع الأول من الأسلحة هو المتوافر لدي بعض الدول العربية، فإن الدول الغربية تعمل لنزعه بهدف تكريس التفوق الإسرائيلي في مجال أسلحة الدمار الشامل(11).

وقد قبل عدد من الدول العربية هذه المشروعات دون إعلان. فقد صدقت كل الدول العربية (عدا مصر وسوريا) علي اتفاقيتي نزع الأسلحة الكيميائية ونزع الأسلحة البيولوجية، دون أن تقرن ذلك بتوقيع وتصديق إسرائيل علي اتفاقية منع الانتشار النووي، مما كرس الخلل في ميدان أسلحة الدمار الشامل لصالح إسرائيل.

3- التحولات في موازين القوي في الشرق الأوسط :

بالإضافة إلي الخلل في ميزان القوي الشامل ضد الدول العربية، فإن هناك تحولا متزيدا في اتجاهين، الأول: انتقال ميزان القوي بشكل متزايد لصالح دول الحزام الشمالي في الشرق الأوسط، والثاني: هو ظهور جماعات مسلحة جديدة مؤثرة في موازين القوي.

فيما يتعلق بالاتجاه الأول، يري آلستير كروك أن ميزان القوي يتحول لصالح تركيا وإيران. فقد حدث صعود تركي واضح في الشرق الوسط منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلي السلطة في تركيا. وقد أبرمت تركيا عددا من الاتفاقات مع سوريا والعراق وإيران، كما أنها تعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، كما بدأت علاقاتها بإسرائيل في التدهور. وفي المقابل، فإن قوة دول 'الحزام الجنوبي'، أي مصر والسعودية، في أفول بالمقارنة بقوة دول الحزام الشمالي. وبالتالي، توقع أن العقوبات الغربية علي إيران لن تنجح، وأوصي الغرب بالتكيف مع الواقع الجديد، إذا كان يريد حماية أمن إسرائيل أو ضمان إمدادات الطاقة(12). ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه الغرب والدول العربية الخليجية هو تحول موازين القوي في الخليج العربي لصالح إيران، وهو ما يفسر سعي الغرب بقوة إلي منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ويعد من أهم التطبيقات لنظرية تحول القوة التي أشرنا إليها سابقا.

من ناحية ثانية، فقد تصاعد تأثير الجماعات المسلحة في موازين القوي في الشرق الأوسط. ففي لبنان، ظهر حزب الله سنة 1982 في سياق الغزو الإسرائيلي للبنان، وتحول بسرعة ليصبح قوة عسكرية يعتد بها ليس فقط في لبنان، ولكن أيضا في الشرق الأوسط. وقد استطاع حزب الله أن يصمد أمام العدوان الإسرائيلي سنة 2006، بل ويهدد إسرائيل في العمق. والحق أن ظاهرة وجود جماعات مسلحة، ليست بدول وتؤثر في موازين القوي في الشرق الأوسط، ليست جديدة. فقد ظلت الجماعات الفلسطينية المسلحة تؤثر منذ سنة 1965 وحتي الآن في تلك الموازين. وبينما كانت فتح تقود تلك الجماعات ما بين سنتي 1965 و1993، فإن حماس أصبحت الآن تقود التأثير في التوازن الفلسطيني - الإسرائيلي. وقد استطاعت الصمود أمام الغزو الإسرائيلي سنة 2008. الجديد هو أن الجماعات المسلحة لم تعد فلسطينية خالصة، وإنما ظهر حزب الله اللبناني، والمتمركز في جنوبي لبنان، في المعادلة، بل إن دوره فيها فاق دور الجماعات الفلسطينية. ويمتلك حزب الله ترسانة من الصواريخ استعملها بفعالية ضد إسرائيل في حرب سنة 2006، كما يمتلك قوة بشرية مدربة علي خوض معظم أشكال المعارك(13).

وعلي مستوي آخر، هناك جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة لنظام الجمهورية الإسلامية، وهي جماعة ظهرت سنة 1965 لمعارضة الشاه، وأسهمت في سقوطه، ثم تحولت إلي معارضة نظام الجمهورية الإسلامية. وقد دعمها العراق في عهد الرئيس صدام حسين، ووفر لها معسكرات التدريب والإقامة، ولكن النظام الجديد في العراق انقلب عليها ويعمل علي طردها من البلاد.
كذلك، فهناك حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقد تأسس في السبعينيات في تركيا علي أساس إنشاء دولة كردستان. ويمتلك الحزب تسليحا وكوادر عسكرية مكنته من خوض معارك ضد الجيش التركي منذ إنشائه وحتي اليوم. وقد قل تأثير الحزب بعد القبض علي رئيسه، عبدالله أوجلان، ولكنه عاود نشاطه مرة أخري بعد ذلك.

وأخيرا، يجب الإشارة إلي ظهور جديد لجماعة جديدة، هي جماعة الحوثيين في اليمن. وقد تأسست الجماعة في الثمانينيات كحركة ثقافية شيعية زيدية، ولكنها تحولت مع تحقيق الوحدة اليمنية إلي الأنشطة السياسية. ولما حظرت الحكومة أنشطتها، بادرت بالدخول في مواجهة عسكرية مع الحكومة اليمنية، اعتبارا من سنة 4002. وقد اتسع نطاق المواجهة العسكرية بين الطرفين ليشمل السعودية اعتبارا من سنة 2009، مما يهدد بخلق جبهة مواجهة مسلحة للسعودية في الجنوب، كما يهدد وحدة اليمن، خاصة أنها تخوض قتالا في جنوب اليمن ضد ما يسمي 'بالحراك الجنوبي' الداعي إلي فصل الوحدة اليمنية(14).

ويري البعض أن الجماعات المسلحة المشار إليها ليست إلا واجهات لدول شرق أوسطية أو قوي أجنبية. فحزب الله وحماس هما واجهة لإيران، كما أن حركة مجاهدي خلق مرتبطة بالسعودية. وهناك قدر من الصحة في هذا التقدير، ولكن لا يمكن قبوله تماما، لأن أساليب تلك الجماعات في خوض المعارك العسكرية والسياسية لا توحي بأنها مجرد امتدادات لقوي خارجية، ولكنها قوي محلية توافقت مصالحها مع بعض القوي الخارجية.

ثالثا- أثر موازين القوي الشرق أوسطية علي الوطن العربي :

يمكن حصر ثلاثة مجالات كبري لتأثير موازين القوي الشرق أوسطية علي الوطن العربي هي:

1- أثر الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي:

هناك مدرستان فيما يتعلق بأثر الوجود العسكري الأجنبي في بعض الدول العربية. تري المدرسة الأولي أن هذا الوجود يمثل ضمانة أمنية للدول العربية في مواجهة القوي الإقليمية التوسعية، سواء العربية أو غير العربية. فالوجود الأجنبي العسكري في دول الخليج العربية هو الذي أدي إلي إنهاء الغزو العراقي للكويت سنة 1991، كما أن هذا الوجود يشكل حاليا رادعا لتطلعات إيران الإقليمية، وهو في النهاية الضمان الأخير أمام سعي إيران لتحقيق هيمنتها الإقليمية. فلما كانت دول الخليج العربية لا تمتلك القوة اللازمة لردع القوي الأخري، فإنها لابد أن تعتمد علي القوي الأجنبية لحماية أمنها. ويضيف أنصار تلك المدرسة أن الوجود العسكري الأجنبي لم يحدث ضد إرادة الدول المضيفة، وإنما هي التي دعت القوي الأجنبية لإقامة تلك القواعد لشعورها بعدم قدرتها بمفردها علي تحقيق أمنها. فقطر هي التي دعت الولايات المتحدة إلي قاعدة العديد. كما أنه حينما طلبت السعودية من الولايات المتحدة إنهاء معظم وجودها في قاعدة الأمير سلطان، فإن الولايات المتحدة بادرت بالخروج. وهذه القواعد موجودة بموجب اتفاقات ثنائية، وليست موجودة في إطار احتلال، كما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر(15).

أما المدرسة الثانية، التي نميل إليها، فتري أن الوجود العسكري الأجنبي يشكل خطرا علي الأمن العربي. من ناحية أولي، فإن هذا الوجود، حينما يكون دائما، يؤثر سلبا علي حرية القرار العربي. حيث تتمتع الدولة التي تقيم الوجود العسكري بنفوذ هائل علي الدولة المضيفة فيما يتعلق بصفقات السلاح، بل والعلاقات الإقليمية، خاصة حين تستخدم الدولة، صاحبة القواعد، تلك القواعد في شن هجوم علي دولة مجاورة، كما حدث في حالة انطلاق الغزو الأمريكي للعراق من القواعد الأمريكية في الكويت. من ناحية ثانية، قد يؤدي الوجود العسكري الأجنبي إلي تحول الدول المضيفة للقواعد إلي ساحة للمواجهة العسكرية، إذا قامت الدولة صاحبة القواعد بشن هجوم علي دولة أخري، انطلاقا من قواعدها العسكرية في المنطقة، وهو الأمر الذي تخشي دول مجلس التعاون الخليجي حدوثه في حالة اندلاع مواجهة غربية - إيرانية في الخليج. من ناحية ثالثة، فبما أن الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي هو وجود غربي، فإنه لابد أن يصب في صالح إسرائيل، باعتبار أنها جزء من المشروع الغربي. ولابد أن نشير أخيرا إلي تصريح دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق في مايو سنة 2003، أي بعد غزو العراق مباشرة، حيث برر غزو العراق بإيجاد ميدان لقواعد عسكرية أمريكية تحل محل القواعد الأمريكية في السعودية، بعد أن أبدت الأخيرة رغبة في تقليصها(16).

2- أثر الخلل في موازين القوي لصالح إسرائيل علي الأمن القومي العربي :

لا يمكن تفسير رفض إسرائيل التوصل إلي تسوية سلمية متوازنة ورفضها مبادرة السلام العربية، بكل ما تضمنته من تنازلات، إلا في ضوء الخلل في موازين القوي لصالحها، وفي ضوء الدعم الغربي لها، وهو أحد الأسباب الأساسية لهذا الخلل. وهو ما يجعل الدول العربية في المشرق تتخوف من أي احتمال للمواجهة مع إسرائيل. وهو الأمر الذي تجلي في أزمة العدوان الإسرائيلي علي قطاع غزة سنة 2008، حيث قالت بعض القيادات السياسية إن أي محاولة للتدخل في تلك الحرب كانت ستعني تكرارا لسيناريو يونيو سنة 7691. وبالتالي، فليس هناك ما يمنع إسرائيل من الإصرار علي تسوية بشروطها الخالصة، بما في ذلك اعتراف العرب بها كقوة نووية شرعية علي قدم المساواة مع الدول الخمس الكبري. أي أن ينشأ شرق أوسط يعترف بالهيمنة الإسرائيلية، مما يعني تفكيك النظام العربي. ومن ثم، فالخلل في موازين القوي هو السبب الرئيسي لانعدام السلام المتوازن في الشرق الأوسط، وهو هدف لن يتحقق إلا في واحدة من حالتين، أولاهما: تحقيق التوازن في القوي، ثانيتهما: القبول العربي بالسلام الإسرائيلي.

3- أثر التحولات في موازين القوي :

سبق أن أشرنا إلي تحولين في موازين القوي في الشرق الأوسط، هما التحول لصالح دول الحزام الشمالي، والتحول لصالح الجماعات المسلحة. سيؤدي تحول ميزان القوي في الخليج العربي لصالح إيران إلي دفع الدول الغربية إلي محاولة منع هذا التحول بكافة الطرق، بما فيها الطرق العسكرية. ومن ثم، فإنه من المرجح -إذا أصرت إيران علي برنامجها النووي- أن تحدث مواجهة عسكرية في الخليج العربي، ستؤثر سلبا علي أمن دول مجلس التعاون الخليجي. الاحتمال الآخر هو أن تعقد إيران صفقة مع الدول الغربية، يتم بموجبها السيطرة علي البرنامج النووي الإيراني، ولكن مقابل اعتراف الغرب بالدور الإقليمي المحوري لإيران، علي غرار ما كان عليه الأمر في عهد الشاه. وهو احتمال وارد ولا تقل نتائجه خطورة عن الاحتمال الأول، عدا أن تلك النتائج ستكون سياسسية وليست عسكرية.

من ناحية أخري، فإن ازدياد دور الجماعات المسلحة الفلسطينية واللبنانية في التوازن العسكري من شأنه أن يشكل قوة ردع لإسرائيل، لا تستطيع الجيوش النظامية العربية توفيرها، لأن الجيش الإسرائيلي مدرب أساسا علي خوض حروب نظامية. وبالتالي، فإنه يعمل لصالح تحقيق التوازن مع إسرائيل. ففي الحربين اللتين خاضتهما إسرائيل ضد حزب الله وحماس، لم تحقق إسرائيل نصرا، مما أدي إلي تآكل قوة الردع الإسرائيلية. كما يمكن القول إن سمعة إسرائيل الدولية ساءت بشدة نتيجة الحرب. ولكن معظم الدول العربية غير راغبة في الاعتراف بقوة تلك الجماعات ودورها، بل تعمل صراحة من أجل محاصرتها ونزع سلاحها، إما بضغوط غربية - إسرائيلية، أو لأسباب أيديولوجية، حيث إن لتلك الجماعات انتماءات فكرية إسلامية لا ترضي عنها معظم الدول العربية. من ناحية أخري، فهذه الجماعات لا تخضع لمنطق القواعد الدولية التي تعمل الدول الغربية علي تكريسها، ومنها قاعدة اعتبار تلك الجماعات بمثابة حركات إرهابية يجب نزع سلاحها دون أن يقترن ذلك بحل الصراع العربي - الإسرائيلي، أو بنزع شامل للسلاح في الشرق الأوسط، مما يعقد من مشروعات تحقيق الأمن الإقليمي.

رابعا- الاستراتيجيات العربية للتعامل مع الخلل في موازين القوي الشرق أوسطية :

أفاض الباحثون في تحديد الاستراتيجيات العربية اللازمة لتصحيح الخلل في موازين القوي الشرق أوسطية. ومن أبرز هؤلاء ياسين سويد في كتابه 'الوجود العسكري الأجنبي في الخليج'، وهي تتعلق بتحقيق الاكتفاء الاقتصادي الذاتي العربي، وتفعيل جامعة الدول العربية، وتشكيل الجيش النظامي الخليجي وغيرها. ولكن تنفيذ أي من تلك الاستراتيجيات يتطلب توافر مشروع عربي متكامل لتنفيذها، وهو ما لا يتوافر في الوقت الراهن. فالدول العربية تتصرف من منطلقات محلية بحتة، أساسها بقاء النظام السياسي واستمراره مهما تكن التكاليف. ولا يهمها في ذلك تحقيق التوازن الاستراتيجي، إنما المهم هو رضاء القوي الغربية عنها. وفي ضوء ذلك، نفهم تخلي ليبيا عن برامجها بخصوص أسلحة الدمار الشامل إلي حد الوقيعة بمن ساعدوها، من أمثال العالم الباكستاني عبدالقدير خان. ونفهم عداء ما يسمي بالدول العربية 'المعتدلة' للجماعات المسلحة التي تشكل عصب المقاومة العربية لإسرائيل. بل واستعداد بعض الدول العربية للاصطفاف مع إسرائيل في جبهة مناوئة لإيران لإجبارها علي التخلي عن برنامجها النووي، ومساهمة بعض الدول العربية في محاصرة حركة حماس في غزة، بل وحثها إسرائيل علي ألا تسمح بانتصار حماس في المواجهة معها في سنة 2008. وهو الأمر الذي كشفه الرئيس الفرنسي، ساركوزي، أثناء زيارته لإسرائيل في ذروة العدوان علي غزة. من المفهوم أن تلك الدول تواجه ضغوطا هائلة عليها في ظل نظام القطبية الأحادية، وأنها تسعي للتكيف مع تلك الضغوط، والإقلال من آثارها السلبية. ولكن محاولات التكيف تكرس الخلل وتعمقه.

وعلي مستوي ميزان القوي في ميدان أسلحة الدمار الشامل، فقد فات أوان بناء قدرة نووية عربية، لأن الدول العربية صدقت علي اتفاقية منع الانتشار النووي، كما أنها تخضع لرقابة غربية إسرائيلية صارمة يصعب الفكاك منها. وكما قلنا، فإن البرامج النووية العربية المعلن عنها لا تهدف إلي بناء قدرة ردع نووية عربية، ولكنها ستفرض مزيدا من القيود علي الدول العربية، لأنها تتطلب الانضمام إلي البروتوكول الإضافي. كما أن كل الدول العربية (عدا مصر وسوريا) انضمت إلي اتفاقيتي نزع السلاح الكيميائي والبيولوجي دون مقابل قدمته إسرائيل.

ومن ثم، فإن الحديث ينبغي أن يكون في إطار ما هو 'ممكن'، بافتراض أن ثمة رغبة عربية في تصحيح موازين القوي. وما هو ممكن ينصب في التخلي عن مشروع الاصطفاف مع الغرب وإسرائيل ضد المشروع النووي الإيراني، ما لم يكن ذلك الاصطفاف مقرونا بوضع القدرة النووية الإسرائيلية في إطار الصفقة. فلا يمكن الإصرار علي وقف البرنامج النووي الإيراني من دولة تمتلك الأسلحة النووية خارج إطار اتفاقية منع الانتشار النووي. من ناحية أخري، فعلي مصر وسوريا أن تصرا علي عدم الانضمام إلي اتفاقيتي الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو البروتوكول الإضافي لاتفاقية منع الانتشار، مالم تنضم إسرائيل إلي تلك الاتفاقية. كذلك، فإن عداء بعض الدول العربية لجماعات المقاومة المسلحة ينبغي أن يتوقف، وأن تقترن المطالبة بنزع سلاح تلك الجماعات بموضوع ضبط التسلح في الشرق الأوسط. وأخيرا، فإن تعديل ميزان القوي ليس مسألة عسكرية فحسب، وإنما يتضمن أيضا جوانب سياسية، لعل أبرزها هو السياسات العربية التي تشجع إسرائيل علي التمادي في طلب التنازلات. وأبرز تلك السياسات 'مبادرة السلام العربية' التي أضرت التوازن أكثر مما أفادته، ويجب الإعلان عن سحبها. كما أن الدول العربية ينبغي أن تصر علي الدخول في المشروعات الإقليمية الأوروبية في الوطن العربي كمجموعة واحدة، وألا تسمح لأوروبا بتقسيم العرب إلي جبهتين: خليجية ومتوسطية. ضف إلي ذلك أنه علي الدول العربية الدخول في مشاركات استراتيجية مع القوي الصاعدة في الشرق الأوسط، والتي يوجد بينها وبين العرب قدر من التوافق، ونقصد بذلك تركيا. ففي خلال السنوات العشر الأخيرة، انتقلت العلاقات العربية - التركية من حالة التوتر إلي حالة التقارب التي تطرح احتمال المشاركة الاستراتيجية بين العرب والأتراك. وزاد ذلك التقارب مع وصول حزب العدالة والتنمية إلي الحكم في تركيا سنة 2002. وهناك عدد من العناصر التي يمكن استنادا إليها بناء علاقات استراتيجية عربية - تركية، ولكن عناصر أخري يمكن أن تعطل تلك العلاقات. ويطرح ذلك قضية الأسس اللازمة لتحويل العناصر الإيجابية إلي مكونات لبناء العلاقات الاستراتيجية العربية - التركية، وتفادي الأثر السلبي للعناصر المعطلة. ولعل الأساس الأول لبناء علاقات استراتيجية عربية - تركية هو أن تنشأ تلك العلاقات علي أساس شبكة مصالح متبادلة. فهناك مصالح تركية مهمة في مجال عضوية الاتحاد الأوروبي، وإمدادات الطاقة، والقضية القبرصية، والقضية الكردية. كما أن هناك مصالح عربية في مجال حل الصراع العربي - الإسرائيلي، وأمن الخليج العربي، وتدفق مياه دجلة والفرات إلي سوريا والعراق. هناك أيضا مصالح مشتركة فيما يتعلق بالقضية الكردية، وقضية التنمية. ومن المهم التوصل إلي تحديد القضايا التي يتفق علي العمل فيها معا، وحدود هذا العمل، وأولوياتها، والقضايا المختلف عليها، والحفاظ علي الاختلاف عند حده الأدني. وأتصور أن قضية الطاقة هي من أهم القضايا التي يمكن البدء بها. من ناحية ثانية، فإنه من المهم أن تتحول شبكة المصالح إلي بلورة أطر مؤسسية. ولا يقصد بتلك الأطر بناء مؤسسات تنظيمية معقدة، ولكن بناء جهاز إداري فعال يشرف علي متابعة تنفيذ ما اتفق عليه. وهناك بالفعل عدد من المؤسسات العربية - التركية التي يمكن الاستفادة منها. إن بناء مثل تلك المشاركة لن يعدل جذريا من الخلل في التوازن. فتركيا لا تضع علاقاتها مع العرب بديلا لعلاقاتها مع إسرائيل، كما قال وزير خارجيتها، ولكن التوافق العربي التركي من الممكن أن يكون خطوة عملية أولي في طريق تصحيح الخلل في التوازن(17).

الهوامش :

(1) Quincy Wright، A Study of War، (Chicago: University of Chicago Press، 1969)، pp. 756-757.
(2) Inis Claude، Power and International Relations، (New York، Random House، 1962)، p. 56.
(3) J. David Singer. S. Bremer، and J. Stucky. زCapability distribution، uncertainty، and major war: 1820 1985'، in Bruce Russet، ed. Peace War، and Numbers، (Sage: Beverly Hills، 1972)، pp. 19-48.
(4) Genna Gasper، زPower preponderance، institutional hegemony، and the liklehood of regional integrationس، Jean Monnet-Robert Schumann Paper series، (7) 21، July 2007.
(5) A.F.K. Organski، World Politics، (New York: Alfred Knopf، 1968)، p. 29.
(6) Michael Sullivan، International Relations، Theories and Evidence، (Englewood Cliffs، N. J.، Prentice- Hall، 1976)، pp. 166-167.
(7) راجع محمد عبد السلام، الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط .. لماذا وكيف؟
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/44F524F4-2571-
487D-A5A4-4713B3719F.46htm
وأيضا :
Zdzislaw Lachowski، Foreign Military Bases in Eurasia، (Stockholm، Stockholm International Peace Research Institute، SIPRI Policy Paper No. 18، April 2007).
(8) للمعلومات التفصيلية عن القدرات العسكرية لدول الشرق الأوسط، راجع:
- Anthony Cordesman، The Military Balance in the Middle East، (Washington D.C.، Center for Strategic and International Studies، 2003).
- Dore Gold، زMiddle East proliferation، Israeli missile defense، and the ABM Treaty debateس،
www.jcpa.org/j1/j.1430htm
(9) نقلا عن الهيرالد تريبيون في 19 ديسمبر سنة 1997
http://www.iht.com/articles/19/12/1997/diplo.t_.1php?page=1
وكذلك راجع
- Nadia El-Shazly and R. Hinnebusch، 'The Challenge of Security in the post-Gulf War Middle East System،' in Raymond Hinnebusch، A. Ehtishami، eds.، The Foreign Politicies of Middle Eastern States، (Boulder: Lynne Rienner، 2002)، p. 85).
وفي 11 ديسمبر 2006 أعلن أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل، استنكاره لسعي إيران لامتلاك السلاح النووي 'مثل أمريكا وفرنسا وإسرائيل وروسيا'.
(10) Mohammad Selim، سEgyptس، in James and Katz and O. Marwah، Eds. زNuclear Power in Developing Countriesس، (Lexington: DC Health، 1982)، pp. 135-160.
وأيضا :
محمد السيد سليم، كشف المستور في البرامج النووية العربية
http://www.al-araby.com/docs/article.2142177146html
(11) Mohammad Selim، 'Towards a New WMD Agenda in the Euro-Mediterranean Partnership: An Arab Perspectiveس، Mediterranean Politics، (London)، 5(1)، spring 2000، pp. 133-157.
(12) آلستير كروك، تحول ميزان القوي في الشرق الأوسط، البيان، (الإمارات)، 13 ديسمبر سنة 2009.
(13) Patrick Devenny، زHezbollah's strategic threat to Israelس Middle East Quarterly، Winter 2000، pp. 31-38.
وأيضا :
إبراهيم غالي، حزب الله بين المقاومة ومتاهات السياسة اللبنانية، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، سلسلة كراسات استراتيجية رقم 173، مارس سنة 2007).
(14) جماعة الحوثيين في اليمن
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/29DFC95B-1B57-4533-840C-EBEB265E98B.1htm
(15) محمد عبد السلام، المصدر السابق.
(16) Mohammad Selim، زChanges in Middle Eastern Power after the Anglo-American Invasionس، in Jisturo Terashima، Yasushi Kosugi، Kiichi Fujiwara، eds.، The Iraqi War، (Tokyo: Iwanami Shoten Publishers، 2003)، pp. 54-62.
وراجع في وجهة النظرالتي تري أن الوجود العسكري الأجنبي خطر علي الأمن العربي، ياسين سويد، الوجود العسكري الأجنبي في الخليج، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004).
- محمد العجاتي، القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي
www.ageg.net/book/export/html/87
(17) محمد السيد سليم، موقع تركيا من بين البدائل الاستراتيجية المتاحة للوطن العربي
- بحث مقدم إلي ندوة الحوار العربي - التركي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في استنبول، 21-22 نوفمبر سنة 2009.

------------------
* أستاذ العلوم السياسية.
المصدر مجلة السياسة الدولية
اقرأ المزيد