241189572571696

الاثنين، 22 مارس 2010

دراسة: العلاقات المصرية – الإسرائيلية... سيناريوهات ما بعد مبارك

هذه الدراسة نشرت باللغة العبرية على موقع مركز بيجين- السادات للدراسات الإستراتيجية تحت عنوان " عدم الاستقرار في العلاقات المصرية الإسرائيلية ".

اعداد: إيهود عيلام*
ترجمة: أحمد الغريب.

في دراسة يبدو استعراضها هاما لمعرفة التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي تجاه مصر، ورؤية بعض الدوائر الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية لمستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل، والاحتمالات المختلفة لتطور هذه العلاقة مستقبليا، يقدم المحلل الإسرائيلي إيهود عيلام، سيناريوهات مختلفة قد تؤثر سلبيا على مستقبل العلاقة بين الطرفين.

فالإسرائيليون ورغم مرور قرابة ثلاثين عاما على توقيع اتفاقية للسلام مع مصر، لا يزال لديهم شكوك في بقاء الأمور في مصر على حالها، ويبدو أنهم يخططون للأيام القادمة، والتي قد لا تحمل لهم أملا جديدا في تحول هذه الاتفاقية إلى سلام مستقر لا يمع نشوب صدامات وربما مواجهات عسكرية بين الجانبين.

وقد ركز كاتب الدراسة بالأساس على مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل، منوهاً إلى أن الهدف هو البحث عن العناصر الأساسية التي من شأنها أن تؤدي إلى إلغاء معاهدة السلام أو حدوث صدام عسكري بين إسرائيل ومصر.

ويمكن استعراض هذه الدراسة في المحاور التالية:

أولا: العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية في الوقت الراهن
ثانيا: العناصر الداخلية في مصر كمحدد لمستقبل العلاقات
ثالثا: العناصر الخارجية الإقليمية كمحدد لمستقبل العلاقات
رابعا: ملخص عام

أولا: العلاقات المصرية – الإسرائيلية في الوقت الراهن
أثبت اتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل أنه مستقر من الناحية الإستراتيجية, حيث أدت مسألة نزع السلاح من سيناء إلى تقليل إمكانيات حدوث مفاجآت, لكن ذلك لا يعني أن مسألة وقوع حرب بين إسرائيل ومصر لم تعد قائمة.

وإذا كان لهذا الاتفاق ثماره المتمثلة في إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وهو ما يعد بمثابة مكسب حيوي لإسرائيل, فضلا عن تمهيد الطريق للمفاوضات بين إسرائيل ودول عربية أخرى مثل توقيع الأردن لاتفاق سلام مماثل في العام 1994، وقيام مصر بلعب دور الوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين؛ فإن الاتفاق ذاته تعرض للعديد من الأزمات، بدءا من ضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية كاملة وشن هجوم على المفاعل النووي العراقي في عام 1981, وشن حرب على لبنان في عام 1982, ثم اندلاع المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين, وهي المواجهات التي كان لها أن تزداد لولا تدخل مصر ضد إسرائيل بشكل واضح ضد العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين.

لقد تولدت العلاقات بين البلدين نتيجة لرغبة مصر في التمسك باتفاق السلام مع إسرائيل, لكن دون الدخول في علاقات اقتصادية وثقافية وسياحية, الأمر الذي جعل هذا السلام "باردا". ومع ذلك فإن ثمة عوامل تخص الجانب المصري قد تؤدي إلى تقويض الاتفاق، ومن ضمنها:

1. طيلة السنوات الماضية سار لدى الجانب المصري إحساس بأن إسرائيل تسعى من أجل الهيمنة على المنطقة. وإذ1 كان من الصعب واقعيا على إسرائيل أن تنافس مصر في الهيمنة على العالم العربي, لكن تعلم الدول العربية جيدا القوة التي عليها إسرائيل وكونها قوة إقليمية.

2. على الصعيد العسكري (ورغم نتائج حرب لبنان الثانية في يوليو 2006) لا تزال إسرائيل الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط, خاصة وأنها تحتكر القوة النووية.

3. على الرغم من قيام الولايات المتحدة بدعم مصر وتقديم المساعدة لها, إلا أن إسرائيل لا زالت مصرة على أن يكون لها القوة الأكبر في المنطقة.

4. على الرغم من ضعف مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط, إلا أنها لا زالت تمتلك قدرا كبيرا من القوة, وكذلك فإن مسألة علاقاتها الوطيدة مع إسرائيل تظل أمرا مقلقا لمصر والعرب.

5. قوة الاقتصاد الإسرائيلي نسبيا يضيف لتل أبيب قدر من القوة ويدعم من مكانتها في منطقة الشرق الأوسط.

6. ترى مصر ذاتها دولة رائدة في المنطقة, وأي تطور لإسرائيل قد يكون على حسابها، الأمر الذي يجعلها تحفز من خطها للعمل ضد إسرائيل.

7. تبدي مصر قدرا من الأهمية للتمسك باتفاق السلام مع إسرائيل بسبب الحفاظ على قوتها وكذلك من أجل الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة, لكنها في ذات الوقت ترى وجوب منع إسرائيل من محاولات استغلال قوتها في إملاء ما تريده على العالم العربي بوجه عام وعليها بوجه خاص، ولهذا تسعي بقدر الإمكان للتقليل من حجم العلاقات معها

مبارك وليفني
على خلفية ذلك، يربط الرئيس مبارك العلاقات مع إسرائيل بمسألة الصراع العربي – الإسرائيلي بشكل عام، واستمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل خاص عام. وفي حوار له في ديسمبر عام 2007 أجرته سميدار بيري، مراسلة صحيفة يديعوت أحرنوت للشئون العربية، تحدث مبارك عن الطابع العنفي الإسرائيلي في صراعها مع الفلسطينيين, وأشار إلى أن الانتقال لمرحلة السلام الساخن مع إسرائيل يتطلب فترة كبيرة من الوقت".

وتحرص مصر أيضا على استمرار دعم المفاوضات بين إسرائيل والدول العربية، وتتطلع إلى أن يكون اتفاق السلام الموقع مع إسرائيل بمثابة نموذج يمكن محاكاته من قبل الآخرين, وهو الأمر الذي من شأنه أن يحد من قدرة إسرائيل في زيادة وطأة تأثيرها على المنطقة.

ولذا يؤكد وزير الخارجية أحمد أبو الغيط أن بلاده ترفض وصف السلام مع إسرائيل بأنه سلام بارد, مشيرا إلى أنه "ليس هناك حالة عداء بين البلدين, كما أنه ليس لديهما الرغبة في إعادة أجواء الحرب بينهما".

ومع ذلك، فإن استمرار حالة السلام البارد بين الجانبين المصري والإسرائيلي يعكس بوضوح حالة الجمود وعدم الرغبة في الانجرار نحو أية مغامرة عسكرية ضد إسرائيل, وكذلك عدم إحداث أي خلل في اتفاق السلام معها, وهذا الخيار (استبعاد خيار الحرب ودعم السلام بين الطرفين) يولد حالة السلام البارد القائمة الآن.

وربما لهذا لم يزر مبارك إسرائيل إلا مرة واحدة في عام 1995 لحضور جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين, وقال مرارا إنه "لن يزور إسرائيل إلا إذا كان هذا الأمر سيساهم في حل النزاع العربي – الإسرائيلي". وقد التقى الرئيس المصري مرات عديدة مع إسرائيليين, وكذلك مع رؤساء وزراء إسرائيليين, وجرت معظم تلك اللقاءات في مدينة شرم الشيخ التي تبعد عن مدينة القاهرة ويسهل تأمينها وكذلك تتميز بأنها تبعد عن أعين الجماهير المصرية.

وقد بقي التعاون التجاري والسياحي بين مصر وإسرائيل أحد مكونات السلام بين الطرفين, وهو الأمر الذي أشار إليه أحمد أبو الغيط في نوفمبر من 2007. وبلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إلى مصر في عام 2004 نحو 29 مليار دولار، ثم وصل إلى 90 مليون دولار في عام 2005، ليرتفع في عام 2007 إلى 140 مليونا.

وعلى الرغم من التحسن الطفيف في مجال التجارة بين البلدين, إلا أن رجال الأعمال والأكاديميين والسائحين المصرين الراغبين في زيارة إسرائيل يجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة صعوبات بيروقراطية وفرض عقوبات ومعاملتهم بشكل سيئ في مصر, وذلك مقارنة بعشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين زاروا مصر وسيناء على وجه الخصوص. وقد زار في يوليو 2005 وحده أكثر من 92.737 إسرائيلي سيناء. وفي يوليو 2006 زار مصر 48.933 إسرائيلي، وفي يونيو 2007 زار سيناء نحو 22.888 إسرائيلي.

وكان من الممكن زيادة هذا التحسن الطفيف الذي طرأ على العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومصر عبر إقامة المزيد من المناطق الاقتصادية المشتركة, لكن فرض قيود على المواطنين المصريين الراغبين في زيارة إسرائيل تعد إحدى العوامل التي تبقي على حالة السلام البارد بين الطرفين؛ فهناك العديد من الجهات التي عارضت المضي قدما في عملية التطبيع بين مصر وإسرائيل, وعلى رأسها السلطة ذاتها ووسائل الإعلام والنقابات المهنية.

ولا شك أن كل ما سبق يعد جزءا من الاتجاه المصري الغامض والمزدوج فيما يتعلق بالسلام مع إسرائيل, وهو الاتجاه الذي كان الهدف منه منح السلطة المصرية إمكانية مواجهة حدة الانتقادات الداخلية وتوجيهها للخارج بدلا من الداخل.

من هنا يجوز وصف السلام البارد بين مصر وإسرائيل بأنه هش للغاية، ويشبه إلى حد كبير لوح ثلج رقيق تقف عليه الدولتين, بمعنى أن أية أزمة شديدة من شأنها أن تؤدي إلى تحطيم هذا اللوح.

ولهذا من الأجدر في هذه المرحلة التنبؤ ببعض الأمور التي من شأنها أن تحدث أزمة بين البلدين في المستقبل.

ثانيا: العناصر الداخلية في مصر كمحدد لمستقبل العلاقات
يظل الانتقال لحالة السلام الساخن بين القاهرة وتل أبيب مرهونا بعدة عناصر داخلية في الدول ذات الصلة, وثمة أهمية بالغة لدراسة العناصر الداخلية في مصر، والتي من شأنها أن تؤدي إلي تغير في الرؤى والمواقف تجاه إسرائيل.

تشهد مصر حاليا جدلا واسعا بشأن مسألة من سيخلف الرئيس "مبارك", وهذه المسألة تمس مباشرة العلاقات مع إسرائيل, وكذلك فإن هناك فرص لقيام جماعة الإخوان المسلمين المصرية بالسيطرة على السلطة، وهو ما يعني تغير العلاقة مع إسرائيل بشكل جذري.

وتتمثل أهم العناصر الداخلية في مصر، والتي قد تؤثر على علاقاتها مع إسرائيل، في النقاط التالية:

(أ) الصراع على السلطة:
في أعقاب عملية اغتيال الرئيس المصري "أنور السادات" في عام 1981, سادت مخاوف من تأثير ذلك على اتفاق السلام الموقع مع إسرائيل، سيما وأن السلطة في مصر تعتمد على المركزية وعلى شخص واحد هو الرئيس, الأمر الذي زاد من مشاعر الخوف بدخول البلدين في أزمة، أو ربما تطور الأمر بينهما إلى مواجهة, وعليه فإن شكل السلطة في مصر يدل على هشاشة اتفاق السلام مع إسرائيل.

الرئيس مبارك التزم بسياسة سلفه "أنور السادات" الخارجية، وكان اتفاق السلام واحدا من السياسات الخارجية التي أكد على التزامه بها, وحافظ مبارك على العلاقات مع إسرائيل بالرغم من الصعوبات التي واجهتها، وكان بعض تلك السياسات يعود للرئيس مبارك ذاته؛ فهو يؤيد الاتفاق، وكان ذلك أهم أسباب عدم تعرضه للانهيار حتى اليوم.

وتدلل مواقف الرئيس مبارك بشكل واضح على الصلاحيات الواسعة الموجودة في يد الرئيس المصري، كما تدلل على المكانة المرموقة التي يحظى بها سواء داخل مصر أو خارجها، ولهذا من الأهمية بمكان معرفة هوية الوريث الذي سيتبوأ منصب الرئيس بعد مبارك.

وعلى عكس سلفه السادات، لم يقم مبارك بتعيين نائب له, رغم تعرضه لمحاولة اغتيال في عام 1995، ولو كان قتل أو أصيب وقتها لتعرض النظام المصري لأزمة شديدة للغاية.

وخلال السنوات الأخيرة بدأ يستشري في العالم العربي ثقافة سياسية تدل على اتجاه واضح لنقل السلطة من الآباء للأبناء, ومن الممكن أن نشهد ذلك بوضوح في عدة دول (المغرب، والأردن، وسوريا، ومنح صدام حسين صلاحيات واسعة لأبناءه، وهذا تشهدة ليبيا منذ فترة).

والرئيس مبارك (80 عاما) قرر على ما يبدو نقل السلطة إلى نجله "جمال"، الذي بدأت الأضواء تتسلط عليه منذ العام 2000, ومن المفترض أن ينهي مبارك فترة رئاسته الحالية في عام 2011, والمتوقع أن يستنسخ النموذج السوري فى مصر حينما قام الرئيس حافظ الأسد (حكم سوريا ثلاثين عاما) بنقل السلطة لنجله بشار.

وخلافا للرئيس "بشار الأسد" الذي حصل على تجهيز وإعداد سريع خلال ست سنوات فقط كي يشغل منصب والده في عام 1994، فإن جمال مبارك (45 عاما) يحظى بتأهيل منذ العام 2000 حيث كانت خبرته حينذاك لا تتعدى مجال الأعمال والبنوك، أي أن لديه نحو 11 عاما من الاستعداد لمثل تلك المهمة، وهو يمر بعملية إعداد جيدة، وكذلك تعرف عن قرب على كافة المشاكل والصعوبات التي تواجه مصر؛ وهذه أمور تساعده على الوصول للسلطة.

ويُعرف عن "جمال مبارك" أنه ذو مواقف مؤيدة للغرب بشكل واضح, ويعلم جيدا أن تحسن الاقتصاد يعد عاملا قويا في استقرار السلطة في مصر, وإذا ما تم اختياره لشغل منصب رئيس الجمهورية؛ فمن المتوقع أن يعلن هو الآخر تمسكه باتفاقية السلام مع إسرائيل, ولن يدخر جهدا من أجل تحسين فرص دعم العلاقات خاصة على الصعيد الاقتصادي.

ولأن الرئيس مبارك، وإن حظي بمكانة خاصة داخل مصر وتمكن من إحكام قبضته على السلطة لفترة أطول من الرئيس "عبد الناصر"، لا يتمتع بالكاريزما التي كان يتمتع بها "عبد الناصر"، فإن ثمة عناصر مختلفة في مصر تبدي تحفظها على "جمال مبارك"، بل وتفكر في الوقوف أمامه.

وسيكون للجيش المصري دور كبير فى مسألة خلافة "جمال"، خاصة وأن لديه الصلاحيات التي تمكنه من معارضة الإصلاحات التي سيقوم بها "مبارك الابن", سيما وأنه خلافا لمن سبقه من رؤساء، لم يخدم في المؤسسة العسكرية المصرية. ومن المتوقع أن يعارض الجيش المصري التغيرات التي تمس بمصالحه الاقتصادية، والخطوات التي من شأنها أن تفرض عليه التحول إلى سلطة مدنية, ولهذا فإن "جمال مبارك" سيتوخى أعلى درجات الحذر من القيام بخطوات على الصعيد الاقتصادي تؤدي إلى معارضة الجيش له.

أما التحدي الأساسي الذي يواجه "جمال مبارك" هو الدخول في مواجهة مع مرشحين آخرين من داخل الحزب الوطني، وكذلك من المعارضة العلمانية التي تعارض مسألة تحول مصر إلى ملكية من حيث أسلوب التغيير في الحكم، خاصة وأن هناك عدد من الشخصيات البارزة، سواء من داخل المؤسسة البيروقراطية أو من داخل المؤسسة العسكرية مثل اللواء "عمر سليمان" رئيس المخابرات المصرية العامة، والذي برز مؤخرا، وبشكل لافت، للنظر في الاتصالات الدائرة بين إسرائيل ومصر والفلسطينيين. وهناك مرشح آخر يمكنه أن يتولى منصب الرئيس، وهو وزير الدفاع "محمد حسين طنطاوي، لكن حالته الصحية ليست على ما يرام.

ويمكن القول أن المرشحين لخلافة "مبارك" قادرون على بلورة قوة من شأنها أن تقف أمام "جمال مبارك" إن أرادوا، وليس مستبعدا إمكانية نشوء ائتلاف معارض يسعى بخطى حثيثة لدفع الرئيس "مبارك" للاستقالة من منصبه وترشيح شخص آخر لتولي منصب الرئيس، خاصة إذا تعرضت صحة الرئيس للتدهور، أو إذا أدى الاحتقان الداخلي إلى اضطرابات كبرى قد تؤثر على الاستقرار في أنحاء مصر.

وعلاوة على ذلك، فإنه في حالة رحيل مبارك بشكل مفاجئ أو تعرض مكانته لهزة كبرى، يتوقع أن يتعرض النظام المصري لشيء من التمزق، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقلل من كافة فرص "جمال" للصعود نحو منصب الرئيس, خاصة وأن "جمال" قد يرفضه البعض خلال الانتخابات القادمة نكاية في والده أو نكاية في السلطة التي حكمت مصر. وفي حال صعود "جمال" وتوليه السلطة في مصر؛ فسيجد نفسه أمام الكثير من المصاعب حتى ينجح في تثبيت أركان حكمه ودعم قوته, وسيحتاج لمزيد من الوقت من أجل أن يكون قادرا على أن يتآلف مع منصبه الجديد الذي يعد المنصب الأهم في الدولة المصرية.

وفي لحظة كهذه ستجد مصر نفسها مع رئيس ضعيف نسبيا -على الأقل خلال بداية مهام منصبه- يطمح من أجل البقاء السياسي والشخصي, الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بشكل أو بآخر على العلاقات مع إسرائيل, لأنه سيكون هناك بعض الأمور الداخلية للرئيس المصري ستظل الأهم والأكثر قيمة في مسألة صنع القرار فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل, ومن المرجح أن تشهد الفترة التي ستمر فيها مصر بحالة من عدم الاستقرار توترا متبادلا بين الدولتين.

(ب) فرصة سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة
السيناريو الآخر يكمن في إمكانية سيطرة الإسلام "الراديكالي" (يقصد جماعة الإخوان المسلمين) في مصر على السلطة، وقد يكون ذلك عبر وسائل منها:

شعار الإخوان المسلمون
أولا: سيطرة الإسلام "الراديكالي" على السلطة عبر الانتخابات؛ فقد التفت جماعة الإخوان المسلمين على حظر نشاطها السياسي، ورشحت مستقلين في انتخابات مجلس الشعب عام 2005، وفازت بـ 88 مقعدا من أصل 454 مقعدا برلمانيا. وعلى ما يبدو، فإن الرئيس "مبارك" كانت لديه الرغبة في أن يحقق الإخوان المسلمون بعض المكاسب في الانتخابات بقصد أن يوضح للأمريكيين بأن البديل الوحيد لحكمه هو "الراديكالية الإسلامية". وقد نجح "مبارك" بالفعل في إظهار أن الجماعة تستطيع السيطرة على مصر عبر الديمقراطية.

ويمكن مستقبلا أن تزداد قوة الجماعة عبر تحقيق المزيد من المكاسب في الانتخابات البرلمانية القادمة، بل من الممكن أن يحققوا الأغلبية، وهذا يمكنهم بعد ذلك من انتخاب رئيس من قبلهم في الانتخابات الرئاسية, خاصة إذا ما كان ضعف أو تهاوى نظام الحكم.

ثانيا: سيطرة الإسلام الراديكالي على مصر في أعقاب اندلاع حرب أهلية: وذلك على غرار النموذج الجزائري، ففي عام 1991 فازت الحركة الإسلامية بانتخابات البرلمان الجزائري, إلا أن الجيش الجزائري والذي كانت لديه المخاوف في ذاك الوقت من ضياع هيبته وفقد مكانته قام بالإعلان عن إلغاء نتائج الانتخابات, وهو ما أفضى إلى اندلاع حرب أهلية قتل فيها نحو 150 ألف شخص.

وخلال عقد التسعينات خاض النظام المصري صراعا شرسا تغلب فيه على الجماعات الراديكالية الإسلامية السرية. وفي أعقاب نجاح حركة حماس الفلسطينية في السيطرة على قطاع غزة في صيف عام 2007 دب القلق لدى النظام المصري من أن يثمر نجاح حماس في مد الجماعات "المتطرفة" في مصر.

وتكمن المخاوف في أن تندلع في مصر بعد رحيل الرئيس مبارك مواجهة بين الجيش وبين جماعة الإخوان المسلمين, فإذا حدث ذلك ونشب صراع، فستكون العلاقات المصرية – الإسرائيلية في خطر. وعلى ضوء ذلك قد يستغل قادة الجيش المصري -ومن أجل تثبيت دعائم أركانهم- تلك الظروف ويطالبون إسرائيل بتقديم بعض التنازلات فيما يتعلق باتفاق السلام الموقع بين البلدين، في أمور تتعلق بالسيادة المصرية مثل مسألة إخلاء سيناء من السلاح؛ مما قد يعرض العلاقات بين البلدين للخطر لأنه عند اندلاع حرب أهلية بين الجيش والإخوان في مصر, قد يتعرض الجيش المصري لانتكاسات خاصة إذا ما قام عدد كبير من أفراده من الهروب أو الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين. وهناك إمكانية أخرى وهي أنه من أجل منع هزيمته وإنهاء حالة الحرب الأهلية مع الإخوان المسلمين، قد يجد الجيش المصري نفسه مضطرا للتوصل إلى تسوية يكون ضمنها التوصل لحلول يفضي عنها تبني مواقف أكثر عداء تجاه إسرائيل.

ثالثا: السيطرة على نظام الحكم في مصر عبر محاكاة النموذج الإيراني:
ومن الممكن أن يندلع انقلاب على السلطة في مصر يشبه الانقلاب (الثورة) الذي شهدته إيران عام 1979, ومن الممكن حدوث ذلك في حالة وقوع أزمة داخلية شديدة, قد تؤدي انهيار النظام الاقتصادي وتمزق وغليان اجتماعي، وهو الأمر الذي قد تستغله جماعة الإخوان المسلمين من أجل زيادة قوتها خاصة إذا ما أبدى النظام المصري المزيد من الضعف.

وإذا ما تدهور نظام الرئيس "مبارك" فقد يتعرض حكمه لما سبق وأن حدث لشاه إيران حيث يدفع ذاك الأمر معارضو مبارك لاستغلال هذا الموقف وإشعال المظاهرات وأعمال العنف, مما سيدفع جماعة الإخوان المسلمين إلى التعاون مع جهات معارضة أخرى داخل مصر, ثم يقومون باستبعادها فيما بعد، في أعقاب سيطرتهم على السلطة وإحكام قبضتهم على مراكز القوى, تماماً مثلما حدث في إيران.

وفي تلك الحالة سيكون الجيش المصري تماما مثل الجيش الإيراني، غير قادرا على مواجهة موجة الغضب التي قد تندلع ضد النظام, خاصة وأن قسما كبيرا من قادة وضباط الجيش المصري سيرفضون مجابهة أبناء شعبهم والوقوف أمامهم, بل إنه من الممكن أن ينضم بعضهم إلى الجبهة المعارضة لنظام الحكم.

وفي حالة فقدان نظام الحكم المصري السيطرة، من الممكن أن يتخذ خطوات تتجه نحو دعم الوقوف أمام إسرائيل من أجل امتصاص حالة الغضب والانتقادات وتوجيهها نحو الخارج, وربما يأخذ النظام زمام المبادرة والدخول في احتكاك قد يصل إلى حد العنف مع إسرائيل, وقد يتطور الأمر إلى الدخول في صدام عسكري بشكل مصغر في سيناء. وقد تفضي هذه المواجهة إلى أزمة كبرى، إذ قد يجد النظام نفسه مضطرا إلى تصعيد خطير بالمنطقة، وهو ما قد يؤدي بعد ذلك لحدوث صراع داخلي يسفر عن بروز نظام حكم إسلامي "راديكالي", وسينتج عن حدوث تداعيات خطيرة تسفر عن توتر بين مصر وإسرائيل ربما تأخذ شكل تجميد العلاقات أو قطعها تماما.

ثالثا: العناصر الخارجية الإقليمية كمحدد لمستقبل العلاقات

تعد إيران وسوريا والفلسطينيين جهات مركزية في الساحة الإقليمية, وتؤثر سياستهم على استمرار اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل وكذلك على العلاقات بين الجانبين.

(أ) التحدي الإيراني:
تخشى مصر كثيرا من تنامي قوة إيران في منطقة الشرق الأوسط وبروزها كقوة إقليمية خاصة في ظل تطلعاتها النووية. وعلى الرغم من الخلافات بين الدول العربية، إلا أن هناك معارضة شديدة لبروز قوة غير عربية وهي إيران، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى إذكاء الصراع بين الدول العربية.

وليس لدى مصر أدنى رغبة في العودة إلى عهد فائت تتمكن فيه قوة خارجية مثل إيران من أن تكون جزءا من منطقة الشرق الأوسط، كما أن الدول العربية تجد من الصعب عليها مواجهة المساعي الإيرانية للتدخل في شئون المنطقة, فيما أن إيران مثلها مثل مصر تتفاخر بتاريخها الطويل والذي يصل إلى آلاف السنين من أجل التدخل في منطقة الشرق الأوسط، فالإمبراطورية الفارسية كانت ضخمة وقوية, كما أن إيران تتفوق على مصر من حيث الكثافة السكانية وكذلك من حيث كبر حجم مساحتها وكذلك من حيث الموارد الطبيعة التي تمتلكها.

وعلى ضوء ذلك تجد الدول العربية نفسها مضطرة لربط نفسها بمصر, لكن وبسبب ضعفها، فإن مصر بدورها ستجد نفسها بمفردها أمام إيران, وإذا ما تمكنت إيران من الحصول على سلاح نووي سيكون لديها مساحة أخرى من أجل المناورة مع مصر. ورغم أن مصر وإيران دولتان إسلاميتان, إلا أن هناك بينهما خلاف في نقطتين رئيسيتين وهما: إيران لديها تطلعات راديكالية للدخول في مواجهة مع عدة أنظمة من بينها النظام المصري، ولها هوية شيعية مميزة تقلق كثيرا دولا تنتهج المذهب السني مثل مصر.

وكانت مصر تعتمد على قوتها العسكرية والديموغرافية إبان عهد الرئيس "جمال عبد الناصر" من أجل الدفع بأفكار الثورة, واستخدمت مصر قوتها في محاولات عدة لتقويض أنظمة حكم عديدة في الدول العربية والعمل على استبدالها بحكام موالين لها, وهو الأمر عينه الذي تسعي من أجله إيران تجاه مصر. لكن مصر تدرك تداعيات ذلك، ومن شأن هذا الخوف أن يدفع مصر إلى محاولات الحصول على سلاح نووي، وهو ما يؤثر في المحصلة الأخيرة كذلك على علاقاتها مع إسرائيل.

وكانت مصر قد قامت بوقف برنامجها العسكري النووي خلال فترة السبعينات، فيما كانت إسرائيل تتقدم في هذا المجال، مما جعلها تفقد الكثير من ثقلها في العالم العربي. وفي مطلع عام 2007 عاد الرئيس مبارك وقام بطرح إمكانية أن تقوم مصر بمحاولات من أجل تطوير برنامج نووي. وعلى ما يبدو فإن النظام المصري سيمتنع عن الخوض في مسألة الحصول على سلاح نووي خاصة وأن تكلفة هذا الأمر تعد باهظة للغاية، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على الأوضاع الداخلية ويعرضها لانتكاسة وعدم استقرار, لكن إذا ما حاولت مصر تطوير قدراتها النووية، فإن إسرائيل بدورها ستقوم بمحاولات من أجل تعطيل المشروع النووي المصري، ما قد ينتج عنه توتر جديد بين البلدين.

إيران.. محدد هام لعلاقة مصر بإسرائيل
ورغم أن أي برنامج عسكري نووي مصري يحتاج فترة كبيرة حتى الانتهاء منه، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن إيران وإذا ما تمكنت من الحصول على سلاح نووي في ذلك الوقت، فإن الدول العربية ذات الأغلبية السنية ومن ضمنها مصر ستعمل سويا على الحصول على سلاح نووي سني, ولهذا فإن تعاونا من هذا القبيل سيساعد مصر في الحصول على السلاح النووي, وربما تطرح فكرة شراء هذا السلاح من باكستان. وعلى الرغم من أن تلك الدول ومن بينها مصر ستسعى للحصول على سلاح نووي لمواجه إيران، إلا أن على إسرائيل أن تضع في حسابها أن هذا السلاح قد تواجه به مصر إسرائيل فيما بعد.

(ب) الفلسطينيون في غزة كعنصر داعم للتصادم بين مصر وإسرائيل:
تعتبر مصر نفسها دولة رائدة على المستوى الإقليمي، وعلى ضوء قربها الجغرافي فهي معنية بالصراع العنيف الدائر بين إسرائيل وسلطة حركة حماس في قطاع غزة. وهنا يطرح السؤال ما هي احتمالات نشوب أزمة أو مواجهات عسكرية بين مصر وإسرائيل بسبب الفلسطينيين؟.

خلال عام 2007 قامت مصر بتدريب عناصر من حركة فتح بكل مؤسساتها، بما فى ذلك رجال من القوة 17 (الحرس الرئاسي الفلسطيني) لأهداف مختلفة من بينها تأهيلهم للدخول في مواجهة جديدة مع حركة حماس، غير أن تلك الجهود باءت بالفشل. وفي يونيو 2007 تلقت القوات الأمنية التابعة لحركة فتح هزيمة نكراء على يد حركة حماس، في معركة قصيرة.

ومن وجهة نظر القاهرة وتل أبيب على حد سواء، ورغم كل التناقضات في المصالح والخلافات في الرأي بينهما وبين السلطة الفلسطينية، إلا أنهما كانا يفضلان حكم حركة فتح. وأثبتت الأحداث ضعف تأثير مصر على ما يجري داخل قطاع غزة، ومعها بالطبع منع فرص التصادم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لأن هذا التصادم يؤدي بالطبع إلى توتر في العلاقات بين مصر وإسرائيل.

وليس هناك شك في أن مصر سمحت بعبور الأسلحة والذخائر والخبراء العسكريين والقناصة والصواريخ وقذائف الهاون من سيناء إلى قطاع غزة. ربما لم يكن هذا سياسة مصرية مقصودة، وإنما جاء نتيجة لصعوبات في تطبيق القانون. وعلى أية حال فقد تحول قطاع غزة إلى نموذج للإسلام "الراديكالي"، وقد يصبح ملاذا وساحة تدريبات بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين في مصر، في حال عودة الحركة مرة أخرى إلى التصادم العنيف مع السلطات المصرية في القاهرة. ومن الممكن أن تعود الأسلحة والمعرفة القتالية وخبرة حرب العصابات في الاتجاه المعاكس، من قطاع غزة إلى سيناء إلى القاهرة، الأمر الذي سيعرض النظام المصري، وبعد ذلك السلام مع إسرائيل لخطر داهم.

وقد ساهم عبور خبراء ومستشاري الأسلحة من سيناء إلى قطاع غزة، سواء من فوق أو من تحت الأرض، بشكل كبير في تسليح الفلسطينيين وتشجيعهم على مواجهة واختراق إسرائيل بإطلاق الصواريخ على المدن والقواعد العسكرية الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة. وبسبب ذلك شنت إسرائيل عملا عسكريا بعيد المدى ضد قطاع غزة بين أواخر ديسمبر 2008 وحتى يناير 2009. ولا شك أن صداما عسكريا كهذا قد يتكرر مرة أخرى إذا لم ترغب مصر أو تكون غير قادرة على وقف تهريب الأسلحة من سيناء لقطاع غزة، فيكفى أن تطلق حماس صاروخا واحدا على إسرائيل ويتسبب فى خسائر كبيرة لكي تشتعل المواجهة العسكرية مرة أخرى. وهناك مخاوف من أن تنجح خلية فلسطينية في التسلل إلى داخل إسرائيل، عبر سيناء للإضرار بأكبر عدد من الإسرائيليين، بل وأخذ رهائن منهم. وأمور كهذه قد تتسبب في حدوث مواجهات عسكرية، قد تدفع إسرائيل في نهاية المطاف إلى إعادة احتلال قطاع غزة، بعد حدوث مواجهات شاملة ومباشرة مع قوات حماس.

وفي ظل هذا السيناريو قد يتكبد الفلسطينيون المدنيون في قطاع غزة خسائر فادحة، مما سيزيد من التوتر بين مصر وإسرائيل، حيث أن النظام المصري ربما يكون راضيا من الضربات التي قد تتعرض لها حركة حماس، لكنه في ذات الوقت سيجد صعوبة في تجاهل الخسائر والمعاناة التي يتحملها الفلسطينيون. وعلى ضوء ذلك سيحمل المسئولية كاملة على كاهل إسرائيل. وهنا ربما تتورط مصر في هذا الصراع، إذ ستمارس في تلك الحالة ضغوط على النظام المصري، سواء خارجية أو داخلية، من أجل تقديم المساعدة للفلسطينيين، بل وتقديم العون العسكري لهم. وهنا قد تسعى مصر إلى تجاهل بند حظر تواجد قوات مصرية في سيناء ونزعها من السلاح، وترسل قوات إلى هناك، حتى ولو بشكل رمزي عبر الجو أو البحر. وحتى لو سعت مصر إلى الفصل بين قوات الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، فستكون تلك الخطوة شديدة الخطورة، إذ أنه يكفي أن تقوم مصر بممارسة احتجاجات تكون غير مرتبطة مباشرة بقطاع غزة، مثل الاحتجاج الدبلوماسي. وبالطبع فإن إعلان حالة التأهب بين صفوف القوات المسلحة المصرية، سيكون كافيا لزيادة التوتر بين القاهرة وتل أبيب.

والأمر الآخر أن ثمة خطر على اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، فإذا استمر تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، إلى جانب نشر قوات عسكرية إسرائيلية على طول الحدود بينها وبين مصر لقطع طرق تهريب الأسلحة، فذاك قد يؤدي إلى حدوث مصادمات بين القوات المصرية والإسرائيلية في تلك المنطقة، وستكون احتمالات ذلك مرتفعة خاصة في ضوء وجود شكوك في تواجد قوات دولية في قطاع غزة، والتي سيكون من بينها ممثلون مصريون بارزون.

(ج) مسألة نزع الأسلحة من سيناء:
لقد فرضت اتفاقية السلام قيودا بشأن نشر قوات عسكرية مصرية في المنطقة الممتدة من الشرق وحتى معابر سيناء الحدودية، رغم أنها خاضعة للسيادة المصرية الكاملة، وهذا الأمر ينظر إليه في القاهرة على أنه خطر يهدد الأمن القومي المصري، ويمس بالكرامة الوطنية.

وترى إسرائيل ضرورة منع نشر قوات مصرية مكثفة في شبه جزيرة سيناء، أو إقامة بنية أساسية عسكرية في سيناء مجدداً. ومن هنا يأتي الإصرار الإسرائيلي على منع انتهاك بند حظر نشر القوات. وهذا التناقض الأساسي في المصالح بين الدولتين، والذي بدأ منذ الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، دائما ما يكون عنصرا ثابتا للتوتر بين البلدين.

ولذا فإن أي إجراء مصري من شأنه اختراق حظر نشر القوات في سيناء قد يحدث إذا ما تدهور الوضع السياسي لإسرائيل. كما أن حدوث مواجهات عسكرية على الجبهة الشمالية الإسرائيلية وما قد يصحبه من اجتياح بري واسع النطاق، وانتهاك السيادة السورية أو اللبنانية، قد يدفع مصر إلى استغلال وضع إسرائيل الضعيف على الساحة الدولية من أجل نشر قوات في سيناء، وتبرير ذلك بأنه مجرد إجراء دفاعي. ويمكن لمصر كذلك أن تمتنع عن الإعلان رسميا عن إلغاء اتفاقية السلام، واستغلالها بدعوى أن هناك استعدادات عسكرية إسرائيلية ضد سيناء، وهي أرض ذات سيادة مصرية. وفي حالة كهذه سيكون من الصعب على إسرائيل حشد الشرعية الدولية لتنفيذ عمل عسكري ضد مصر.

وتوجد وجهة نظر أخرى بالنسبة لحظر نشر قوات عسكرية مصرية في سيناء، وهي تتعلق مباشرة بالفلسطينيين؛ فشبه جزيرة سيناء لا يمكن أن تمثل فقط قاعدة لوجيستية، بل نقطة انطلاق لتنفيذ الفلسطينيين لعمليات "إرهابية" ضد إسرائيل. ويؤكد وجود الأنفاق واقتحام معبر رفح الحدودي في يناير 2008 المخاطر التي قد تتعرض لها إسرائيل مستقبلا نتيجة لذلك.

ومعلوم أنه لا توجد وسائل إنذار على طول الحدود بين مصر وإسرائيل، وهي الأطول كثيرا عن حدودها مع قطاع غزة؛ لذا يكون من السهل على الفلسطينيين التسلل إلى إسرائيل، عبر الحدود المصرية، مما يزيد من فرص تنفيذ عمليات ضد الإسرائيليين. حتى ولو أدركت إسرائيل بأن مصر تعارض، بل وتعمل على إحباط عمليات كهذه، فلا يمكنها أن تتجاهل بأن هؤلاء الفلسطينيين خرجوا مباشرة من الأراضي المصرية. ولذا يتعين على إسرائيل التأهب لحدوث اختراقات لحدودها بمعدل أعلى في المنطقة الممتدة بين سيناء والنقب، وهذا التأهب سيعمل على تقليص عمليات تهريب المخدرات ومنع الهجرة غير الشرعية لأراضيها.

وقد عارضت إسرائيل في مطلع نوفمبر عام 2007 زيادة عدد القوات المصرية على الحدود مع قطاع غزة، في إطار مكافحة عمليات التهريب، زاعمة بأن المصريين لا يبذلون الجهود الكافية، بما لديها من قوات حرس الحدود الذين يبلغ عددهم 750 جنديا، تم نشرهم في المنطقة الحدودية بين غزة ومصر بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في عام 2005. وتردد في إسرائيل حينها أن الهدف المصري من نشر تلك القوات هو خرق بند حظر نشر القوات الذي نص عليه اتفاق السلام بين الدولتين. ومن المحتمل أن القيود التي فرضتها اتفاقية السلام بشأن حظر نشر قوات عسكرية مصرية في سيناء، كانت سببا يعيق المصريين لمنع تهريب الأسلحة لقطاع غزة. لكن مثل هذه المهمة (منع عمليات التهريب) تتطلب قوات خاصة متميزة ذات طابع شرطي، وليس بالضرورة قوات عسكرية.

ومن وجهة نظر المسئولين المصريين، فإن نشر قوات عسكرية مصرية في سيناء، ولو على نطاق ضيق، يمثل أهمية رمزية كبيرة بالنسبة لهم، لأن خطوة كهذه ستدعم أكثر من السيادة المصرية على سيناء، وسيجعلها تقوم بتنفيذ ما تريده فيها. لكن ليس هناك ضمان لذلك، وليس من الواضح حتى الآن إذا ما كانت مصر تتطلع بحق إلى منع استخدام سيناء كقاعدة لوجسيتية وتنفيذية بالنسبة للفلسطينيين ضد إسرائيل أم لا.

وفي نهاية الأمر قد توافق إسرائيل على نشر قوات مصرية كبيرة في سيناء لفترة زمنية محدودة، تمنحها فترة زمنية للاستعداد والتأهب لوقف عمليات التسلل من سيناء وتطوير وسائل إحباط عمليات إطلاق الصواريخ المستمرة من قطاع غزة. وحتى لو نجحت هذه الخطوة فى تقليص عمليات التهريب من سيناء، فمع نهاية الفترة المحددة مسبقا بين الجانبين، وعندما ستطالب إسرائيل الجانب المصري سحب قواته العسكرية من المنطقة، قد تحدث أزمة جديدة بين الدولتين.

(د) مشاركة مصر في الحرب بين سوريا وإسرائيل:
لا يمكن بالطبع اختبار الموقف المصري في حالة كهذه بناء على خبرة التوتر الإسرائيلي السوري في عام 1996، ولكن إذا حدثت مواجهات مواجهات عسكرية مستقبلا بين دمشق وتل أبيب؛ فمن المتوقع أن تمارس الضغوط على النظام المصري من أجل القتال إلى جوار السوريين في تلك الحرب، بل وحتى لو اكتفت مصر بتعزيز قواتها في سيناء؛ فسيكون هذا الأمر انتهاك لمنع نشر القوات، حيث ستخشى مصر من أن تقوم إسرائيل بحشد معظم قواتها، إذ لم تكن كلها، من أجل توجيه ضربة عسكرية كبيرة ضد سوريا، وضد كل من يساعدها، حتى ولو بشكل سلبي.

كما ستضع مصر في حسبانها أن الجيش الإسرائيلي سيكون مصرا على أن يثبت قدراته العسكرية. وبشكل نظري سيكون الجيش المصري أو الجيش السوري، وليس منظمات مثل حزب الله، أكثر تهديدا بالنسبة لإسرائيل، بل وأكثر إضرارا. ومع ذلك فمصر لا تريد أن تتعرض لرد فعل عسكري قوى من إسرائيل، قد يؤدي إلى إعادة احتلالها لسيناء مرة أخرى، وستدرك بأنه حتى بعد انتهاء المواجهات العسكرية، سيكون من الصعب عليها استعادة ما فقدته ثانية في سيناء، خاصة إذا ما ساد الاتجاه في العالم بأن مصر هي التي انتهكت اتفاقية السلام.

وإذا ما حاولت مصر تجاهل المشاركة العسكرية لصالح سوريا في حال نشوب حرب متوقعة مع إسرائيل، فستكون قوتها العسكرية التي كونتها وسعيها لفرض هيمنتها على العالم العربي محل استهجان شديد، وسوف تزعم سوريا بأن مصر تتهرب من دورها كدولة رائدة، وتتجاهل امتلاكها أقوى جيش عربي. وهناك احتمال آخر أن تظل مصر خارج المعركة، لكنها في ذات الوقت تنقل رسائل لإسرائيل بعدم التمادي في الاجتياح البري، والقصف الجوي للعمق السوري، لمنع ممارسة مزيد من الضغوط على مصر لمساعدة سوريا.

علاقة سوريا وإسرئيل توثر على علاقة القاهرة وتل أبيب
أما إذا هاجمت سوريا إسرائيل، فسيكون الأمر أسهل على مصر في جانب عدم تقديم المساعدة لسوريا. ومن المحتمل أن يسود الاعتقاد في العالم العربي، لاسيما في الدول العربية التي تخشى من التوسع الإيراني بأن الخطوة السورية عمل متسرع قد يزعزع الاستقرار في المنطقة، ويبعد الأنظار عن الخطر الإيراني. وهذه الظروف ستجعل من السهل على مصر أن توضح لماذا لم تقدم المساعدة العسكرية لسوريا، وأن تحاول منع الدول العربية من التواصل مع دمشق، وبذلك تبرز للعالم بأن مواقفها الحيادية، لا تعكس موقف مصر فقط.

ولا شك أن مصر لا تشعر بالارتياح منذ سقوط العراق في عام 1991 والذي أضعف بشكل كبير الجبهة الشرقية المهددة لإسرائيل. وبعد الانهيار التام للعراق في عام 2003 باتت سوريا بمفردها في تلك الجبهة، لذا اتجهت للاستعانة بإيران. وتخشى مصر من أن تستغل إيران المواجهة مع إسرائيل من أجل ترسيخ سيطرتها على سوريا والدول المحيطة بها، بل وتشجع سوريا على تصعيد القتال مع إسرائيل. وربما تسعى إيران إلى تحريض سوريا على القتال، خاصة إذا ما بدت إسرائيل في صورة الضعف بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، أو بعد اتباع واشنطن لسياسة انفصالية، في إطارها تتخلى عن دعمها لتل أبيب.
ووفقا لذلك، من شبه المؤكد أن تعارض مصر أي عمل عسكري تقوم به سوريا بشكل منفرد، مثل القيام بعمل عسكري سريع في هضبة الجولان، وشن هجوم عسكري على إسرائيل بواسطة حزب الله من لبنان، حتى لو كان الهدف السوري هو إجبار إسرائيل عن التنازل على هضبة الجولان، خاصة وأن إسرائيل لن تقف صامتة أمام أي هجوم عسكري سوري عليها.

وعلى أية حال إذا ما حدثت مواجهة عسكرية بين سوريا وإسرائيل، يبدو أنه رغم كل التوتر الذي سيسود العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، فسوف يسعيان إلى عدم الدخول في مواجهة عسكرية بينهما.

رابعا: ملخص عام
بعد استطلاع ما سبق، يجوز القول أن هناك مخاوف قائمة ترتبط بإلغاء اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، بل واحتمال اندلاع مواجهات عسكرية بينهما نتيجة لأسباب وعناصر متعلقة بالداخل المصري، ولأسباب أخرى متعلقة بالجانب الإقليمي.

وفيما يلي إيجاز لأهم المخاطر التي تهدد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل على النحو التالي:

1. أخطار متعلقة بالجانب الداخلي المصري: فالرئيس "مبارك" في ولايته الأخيرة حاليا من فترة حكمه، ويعد نجله "جمال" خليفة له، ومع ذلك فان عدم خبرة "جمال" تثير الشكوك حول انتخابه رئيسا لمصر، ووصوله لهذا المنصب سيكون مرتبطا كثيرا باستعداد المؤسسة العسكرية والأمنية لتأييده. وقد تشهد مصر حالة من عدم الاستقرار والصراعات الداخلية بين عناصر مختلفة من خلال إظهار العداء المتزايد لإسرائيل، كوسيلة للحصول على أعلى معدل للشعبية. وهناك احتمالات بأن يكون الرئيس المصري الجديد أكثر عداء لإسرائيل، مما سيزيد من فرص اندلاع أزمات متكررة وحادة، قد تؤدي إلى إلغاء اتفاق السلام، ومن ثم اندلاع حرب بين الجانبين.

2. احتمال نجاح جماعة الإخوان المسلمين في مصر في فرض سيطرتها وإحكام قبضتها على البلاد، بواسطة انتخابات ديمقراطية، أو بواسطة حرب أهلية، أو من خلال ثورة. وأمر كهذا لن يزعزع فقط العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، بل سيهدمها تماما.

3. أخطار على المستوى الإقليمي: لو امتلكت إيران سلاحا نوويا مع صعودها الراهن بالمنطقة، فذلك يدفع مصر إلى امتلاك السلاح النووي، الأمر الذي قد يزعزع علاقاتها مع إسرائيل. وحتى إذا لم يحدث ذلك، فإن القضية النووية قد تضر بالعلاقات بين البلدين، خاصة على ضوء الحماس الزائد في مصر بضرورة تحييد القوة النووية الإسرائيلية.

4. تكرار التصادم بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يؤدي إلى حدوث تشابكات بين مصر وإسرائيل. لكن التوتر بين الطرفين بسبب الفلسطينيين بوجه عام، وبسبب ما يحدث فى قطاع غزة بوجه خاص، لن يكون سببا كافيا لحدوث مواجهات عسكرية بينهما. كما أن هناك شكوك بأن تسمح مصر لنفسها بالانجرار إلى مغامرة عسكرية خطيرة، إذا ما بادرت سوريا بشن الحرب على إسرائيل.

5. المخاوف من القوة العسكرية المصرية: رغم مخاوف إسرائيل من تعاظم القدرات العسكرية للجيش المصري، لكن خيار شن حرب على إسرائيل هو آخر خيار قد تفكر فيه مصر. وعلى ضوء ذلك يتعين على إسرائيل أن تركز على تجنب العناصر التي قد تتسبب في الحرب مع مصر. لاسيما العناصر الحساسة والقابلة للتفجير في أي وقت، كما من الواجب على إسرائيل أن تؤيد الوريث المصري الجديد في كرسي الحكم، وإخلاء سيناء من الأسلحة.

6. خليفة الرئيس المصري: إذا ما كان خليفة الرئيس "مبارك" على هوى إسرائيل، فيتعين عليها الامتناع عن تأييده علنية وبشكل مباشر. ومع ذلك يمكن لإسرائيل أن تقدم له المساعدات بشكل غير مباشر، وأيضا بدون التنسيق معه، إذ يمكنها تشجيع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على مساعدة مصر على المستوى الاقتصادي؛ مما قد يسهم في ترسيخ نظام الحاكم الجديد.

7. يتعين على إسرائيل كذلك أن توضح بل وتحذر مصر من مغبة محاولة خرف اتفاق إخلاء سيناء من الأسلحة، وأنه في حالة انتهاكه ستضطر إسرائيل إلى إعادة النظر في التعامل مع سيناء، ومن ثم التعامل مع مصر.

وأخيرا لا شك بأن هناك عدد من العناصر والسيناريوهات التي قد تؤثر على مستقبل اتفاق السلام بين القاهرة وتل أبيب. ولعل أهم تلك السيناريوهات على الإطلاق، والذي سيتجاوز تأثيره بقية السيناريوهات، هو السيناريو المتعلق بمن سيكون خليفة الرئيس مبارك، والذي يلعب دورا مركزيا، وأوشكت فترة حكمه على الانتهاء في عام 2011، أي أن أمام إسرائيل عامين للاستعداد على كافة الأصعدة.


* إيهود عيلام: الخبير الإستراتيجي والمتخصص في دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والعقيدة القتالية، والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بار إيلان الإسرائيلية.


المصدر: اسلام اون لاين، 16/3/2009

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق