241189572571696

الثلاثاء، 30 مارس، 2010

العلم بين الأخلاق والسياسة



د. حسان الباهي . جامعة ابن طفيل. القنيطرة
تقديم الغاية من هذه الورقة ليس الكلام في العلم، بل الكلام عنه، بمعنى إخضاع العلم لمقتضيات التفكير النقدي، بعد ماآل إليه، وأوصلتنا إليه التقنية. حيث خرج العلم عن مصاره الذي استهدفه، والمتمثل في إسعاد الإنسان. لقد أصبح التطور العلمي عامة والتقني يسائلنا في حياتنا اليومية، خاصة بعد أن أصبح السياسي يتدخل في مصير العلم؛ واصبحت الشركات توجه البحث العلمي نحو هدف واحد أساسي هو الربح المادي. بهذه الكيفية ارتبط العلم بالاقتصاد والسياسة ليصبح العالم في أحسن الأحوال خادما للسياسي وللمقاول. سعينا هو: أ- الكشف عن جذور هذه الأزمة، وكيف انحرفت التقنية من الرغبة في إسعاد الإنسان إلى تهديده في وجوده. ب- تحديد معالم هده الأزمة، بالكشف عن بعض مظاهرها. ج- رسم معالم لتصحيح مسار العلم: تحت شعار تغليب صوت الحكمة. كنا من قبل نتصور أن العلم موضوعي ومحايد. بالتالي، كنا نتق في العالم وما يكشف عنه من نتائج، بدعوى موضوعية العلم وحياد العالم. لكن التطور العلمي والتقني وبالكيفية التي سار به أصبح يسائلنا، خصوصا بعد أن سُخرت التقنية لتحقيق رغبات سياسية واقتصادية. بالتالي، أصبحنا مطالين بالكشف عن أصول هذا اللقاء والتنبيه إلى خطورة المستقبل، مادامت التقنية قد سخرت لتكريس الفوارق وأصبحت مصدر استغلال.
سننظر كذلك في الطريقة التي يتطور بها العلم. فمن قائل بالاتصال إلى متبن لنظرية الانفصال. لنرد على هؤلاء بالقول بأن البحث الابستمولوجي لم يعد كافيا لتفسير العلم. ذلك أن البحث الابستملوجي ينظر إلى العلم من الداخل فقط. وهذا غير كاف، مادام العلم لايختلف عن غيره من المباحث، بما يشهده من صراعات ونزاعات.وهو ما يدعونا إلى طلب اعتماد الحجاج سبيلا لفهم مسارات التطور العلمي. فحلول نظرية محل أخرى يتم عبر الاقناع والاقتناع؛ باعتماد الحجة والحجة المضادة. لننتهي إلى الدعوة إلى إعادة ربط العلم بمحيطه الثقافي والاجتماعي والفكري.
على هذا، يمكن تحديد الأخطارالتي تحدق بالإنسان في مستويين:
-المستوى الفكري عامة، والسياسي والاقتصادي خاصة: حيث الرغبة في فرض نمط فكري واحد وتعطيل كل سعي إلى التعددية و الاختلاف.
-المستوى العلمي عامة، والتقني خاصة: حيث تتقلص يوما بعد يوم فرص حياة الكائنات الحية، بعدما عبتث التقنية بالإنسان وأفسدت الطبيعة.
في هذا المقام سنبين كيف التقت الرغبة الأولى بالثانية. فأمام ما يشهده العالم من محاولات النمذجة وسيطرة القيم المادية على القيم الروحية أصبحت العديد من العلوم تطرح قضايا لم يعهد بها الإنسان من قبل. كما أصبحت التقنية تطرح علينا أسئلة لم تعد معرفية فقط، بل أصبحت وجودية بالأساس. وهو مازاد من مسؤولية المفكر. حيث لم يعد الوضع يتطلب منه البحث عن الحقيقة، بل التصدي كذلك لمختلف السبل المعتمدة لطمسها و تعطيلها. ولذلك وجب عليه مجابهة كل خطاب خادع ومضلل، وكل نظر لا يعمد إلى إعمال الفكر وفق مقتضيين أساسيين هما: التعقل والتخلق.
1- بداية الأزمة
مع بداية العصر الحديث شهدت العديد من العلوم، خاصة الفيزياء تطورات أفضت بالعديد من العلماء إلى الاقتناع بأن الطبيعة كتاب مفتوح. ومن ثم، إمكان صياغة الظواهر الطبيعية بواسطة قوانين موضوعية وثابتة وكلية. الأمر الذي سيفضي بنا في نظرهم إلى التحكم فيها. بالتالي، إمكان التنبؤ بالمستقبل.
بدأ هذا التوجه مع غاليلي حين زعم بان الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات، بشكل يسمح بصياغة قوانينها باعتماد معادلات رياضية. لقد زعم أن بالإمكان تقديم تفسير موضوعي لكل ظواهر الطبيعة، بما يسمح بالتحكم فيها. وبموجب ذلك، يصبح العالم قادرا على التنبؤ بالمستقبل، باعتماد استدلالات قائمة على العلاقات السببية بين الأحداث.
وعليه، تم التسليم بأمرين:
أ - العقل وحده قادر على معرفة الظواهر الطبيعية وصياغتها على شكل قوانين كلية.
ب - العقل الإنساني واحد في استدلالاته وبراهينه وطرق تفكيره. فهو يشتغل وفق قوانين وضوابط محددة وثابتة. فهي كلية وصالحة لكل زمان ومكان. ومن ثم، اعتبرت هذه المبادئ معيارا للعلمية ونموذجا لكل يقين، وأن السعي لتجاوزها هو تحد للعقل. فكانت النتيجة، التسليم بأحادية التفكيرالإنساني.
هكذا قال ديكارت بأن العقل أعدل قسمة بين الناس، وأن الحقيقة قائمة في العقل. فتبنى القسمة الثنائية القائمة على الأنا المفكر في مقابل المادة الممتدة. وهي الثنائية التي تولدت عنها ثنائيات وضعت الذات مقابل الموضوع و الإنسان مقابل الطبيعة. وعليه، في مقابل الأنا الصاعد هبط العالم إلى مرتبة امتداد جامد، وتحولت الطبيعة إلى قوانين ميكانكية. هكذا تم تشييء الطبيعة وأصبح يُنظر إليها على أنها مجرد مستودع لمواد خام؛ فنزعت عنها قيمتها، وتم إفساد البيئة وتدمير الطبيعة.
ما لبثت هذه المحاولات أن انتقلت إلى مباحث الإنسانيات. فقد جرت العادة منذ قرون أن تقتفي العديد من المباحث الإنسانية أثر ما يسمى بالعلوم الدقيقة في مناهجها وطرق تدليلها، مستهدفة بذلك صياغة نتائجها على منوال نتائج العلوم الدقيقة. من ثم، ساد الاعتقاد بأنه كل ما اقترب الحقل الأول من الثاني ازدادت دقة نتائجه. فلجأت العديد من العلوم الإنسانية إلى اقتراف أثر علوم طبيعية (كما هو حال علم النفس مع البيلوجيا، بل حتى الأدب حين تبنى البعض الأدب الواقعي أو اعتماد المنهج البنيوي في الدراسات الأدبية وغيرها من الدعاوى). فكانت النتيجة سعي العديد منها إلى صياغة نتائجها على شاكلة العلوم الطبيعية(الدقيقة). وعليه، ما لبث الإنسان أن أُخضع لمقومات منطقية ورياضية صارمة يضبط بها يقاس وفقا لها، شأنه في ذلك شأن بقية الظواهر الطبيعية. فتم تحويل الإنسان إلى نظام معلوماتي وقاعدة من البيانات الرقمية، ليصبح مجرد رقم أو رمز قابل للتعديل؛ حاله في ذلك حال أي نظام معلوماتي. بالتالي، ذهبت بعض الدراسات إلى حد القول بإمكان الشخص أن يستغني عن ذاكرته ليعوضها بوسائل تخزين البيانات الالكترونية. فكان من نتائج تصورات من هذا القبيل أن أفقدته مقوماته ومشاعره وأحاسيسه وشككته في معتقداته. فتحولت العلاقات بين الناس من علاقات تواصلية و تفاعلية إلى علاقات توصيلية بين الآلة والإنسان.
لقد انتهت بنا هذه التصورات إلى خلاصة مفادها أن التحكم في الإنسان والسيطرة عليه يتم بتنميطه. فنحن بإمكاننا التحكم في أفعاله ما دمنا نتحكم في القواعد والقواينن التي تضبط سلوكاته. فالبشر يدركون بحواسهم ويستدلون بعقولهم بطريقة واحدة(كما قلنا سابقا). بذلك ترسخت النظرة الشمولية للطبيعة و البشر. لقد زعموا أنه بالإمكان التحكم في الأحداث والظواهر مادام قد ضبطوا القواينن التي تتحكم في سلوك الإنسان؛ متغافلين استحالة قياس الإنسان بالطبيعة.
لما استكان هذا الاعتقاد عند هؤلاء أصروا على وجوب نمذجة العالم وتنميط الإنسان بغاية بناء نموذج اجتماعي وثقافي واحد، وإقامة منظومة قيم عالمية قادرة على خلق "مواطن عالمي"(سياسيا وبيلوجيا). لقد اقتنعوا بأن التحكم في الآخر يجب أن يبدأ بإفساد نظمه الفكرية وأنساقه التصورية، لينتهي بتعطيل فكره وتبديل سلوكاته وأنماط عيشه. بهذا وجدنا أنفسنا اليوم أمام سياسة بلا مبادئ وعلم بلا أخلاق وفكر بلا قيم.
2- معالم الأزمة
يكاد يجمع الكل على أن الصراع الثقافي يعد المحرك الأساسي لمختلف النزاعات الدائرة اليوم. هذا الموقف يجعلنا نستحضر الدور الذي تقوم به بعض الأطراف باستخدامها لمختلف الوسائل بغية إفساد الأنساق التصورية والثقافية داخل المنظومات الفكرية التي تخالفها التوجه. وغالبا ما تبدأ هذه العملية بالسعي إلى خلخلة البنية المفاهمية لهذه الأنساق، إما بإدخال مفاهيم جديدة أو التشويش على معاني مفاهيم موجودة أو تقييد أو إطلاق مدلولات مفاهيم معينة. كل هذا بهدف بناء مفاهيم الغاية منها فرض تصورات معينة وتوجهات سلوكية محددة؛ اقتناعا منها أن التطويع يبدأ بتغيير طرق التفكير، لينتهي بتغيير السلوك.
بموجب هذا، لم يعد صناع القرار العالمي يكتفون باتخاذ قرارات سياسية، بل أصبحوا يستهدفون التاسيس الفكري لمواقفهم وتصوراتهم، اقتناعا منهم أن الهيمنة الفكرية يجب أن تمهد الطريق لأية هيمنة سياسية واقتصادية. بالتالي أصبحت مختلف المواقف السياسية تقتضي التأسيس والتعضيد الفكري لها. ليصبح الصراع الفكري المحدد الأساسي للصراعات المستقبلية. وقد ترسخ لديهم هذا الاعتقاد بعد أن أصبحت تقنية المعلومات من أهم أدوات الاقتصاد وأهم وسيلة لتفعيل القرار السياسي وأهم سبيل لصناعة الثقافة. لتصبح بذلك المعلومة سلعة اقتصادية، وتصبح برامجها وبنوك بياناتها بمثابة أصول اقتصادية. وكانت النتيجة تحالف المؤسسات الاقتصادية والمعلوماتية .
هكذا أصبحنا في عالم أضحت فيه المعرفة قوة قادرة على فرض سلطتها؛ بما يوحي بان معظم النزاعات المستقبلية ستمر بالأساس عبر وسائل الاتصال والتواصل، وستحسم داخل ما يعرف باسم "السوق الثقافية". وهذا ما يبرر ما نراه اليوم من ظهور مجموعات بحث فكرية أو جماعات علمية في إطار ما يسمى بمصانع الأفكار؛ هدفها التأسيس الفكري للمواقف السياسية التي تتخذها بلدانها. وهو ما يفسر كذلك الزخم الإعلامي المرغوب فيه وغير المرغوب فيه؛ بشكل جعل العديد من البلدان تتحول إلى سوق استهلاكية، تستعير المفاهيم والأنساق الفكرية الجاهزة.
ما يثير انتباهنا هنا هو طغيان التبرير الأخلاقي للعديد من من المواقف، سواء على مستوى السياسية أوالعلم، من قبل الحديث عن أخلاق الحرب، والمسؤولية الأخلاقية لبعض البلدان في نشر الحرية وتحقيق العدالة. بنفس الكيفية التي نقول بها أن على الدول الغنية مسؤولية اخلاقية تتمثل في العمل على القضاء على الفقر والأمراض في الدول الفقيرة، بما يتطلب تمويل الأبحاث في هذا الاتجاه، مثل تلك المتعلقة بإنتاج أنواع جديدة من النباتات والبذور القادرة على مضاعفة الإنتاج، بما يسمح بتأمين الأمن الغذائي، وغيرها من المواقف المعللة بالرغبة في إسعاد الإنسان.
أ- السعي إلى التحكم في الطبيعة والإنسان
إذا كانت العلوم والتقنية قد مكنت الإنسان من تجاوز العديد من العقبات والتغلب على العديد من المشاكل، فقد أفضت بالمقابل إلى وضع لم يعد بإمكانه أن يتحكم في طرق تصريفها. لقد انتهت به التقنية إلى نتائج لم يعد قادرا على توقع مآلها. ولعل التطور الهائل لأسلحة الدمار، وما يقع على مستوى وسائل الاتصال والهندسة الوراثية والطب، وما يخطط له علماء المعرفة ومهندسي الذكاء الصناعي، وغيرهم، خير دليل على حجم المشاكل التي تواجه الإنسان في الوقت الحاضر.
لقد أثارت هذه المباحث مشاكل أخلاقية وقانونية واجتماعية ونفسية لم نتمكن إلى حد الآن من الحسم فيها. ففي الوقت الذي يتحدث فيه مهندسو الذكاء الصناعي عن فترة انتهاء احتكار الإنسان لملكة الذكاء، أصبحت الهندسة الوراثية تتحدث عن أشياء يصعب أحيانا مجرد تمثلها. حيث إمكان إنتاج كائنات حية معدلة وراثيا. بالتالي، القدرة على التحكم في الجينات بشكل يسمح بنقلها من كائن لآخر. وهو ما سينتهي إلى إمكان خلق إنسان معدل وراثيا له مواصفات محددة سلفا وتحت الطلب. [بذلك تلتقي الرغبة السياسية في خلق مواطن عالمي بالرغبة البيولوجية]. لقد اصبح بإمكان علوم الحياة إدخال تعديلات على خلايا الإنسان لجعله يقوم بوظائف محددة. وأصبح بالإمكان التحكم بموروثات الذكاء بما يمكن من تنميته، بما قد يفضي إلى إنتاج إنسان متفوق. ليتقوى خطر التلاعب بالجينات بشكل يمكن معه خلق إنسان "نموذج عالمي". بالإضافة إلى القدرة على إنتاج حيوانات تحمل جينات بشرية يمكن بعد ذلك نقل أعضائها إلى البشر. أصبح بالإمكان رسم الخريطة الوراثية للجنين بشكل يسمح بالنتبؤ بالخلل والعمل على إصلاحه. كما أصبح بالإمكان تغيير بعض الصفات لأنواع من النباتات بغية الحصول على أصناف جديدة؛ وكذا تهجين الحيوان؛ إلى غير ذلك من الأخطار التي تحدق بالإنسان وتهدد وجوده.
إذا كان هدف السياسي هو التحكم في الإنسان، فيمكن القول بأن هذا المنحى هو الذي أصبح الطاغي في الأبحاث العلمية. حيث انتقل الهاجس من الرغبة في التحكم في الطبيعة إلى التحكم في الإنسان (بيولوجيا). بما جعل بعض المهتمين يقولون بأننا سننتقل من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الجيني.
لما تحالف العلم مع الرأسمال نُقلت العديد من مراكز البحث من الجامعات إلى مختبرات خاصة بالشركات؛ وما تبقى منها فهو أمام أمرين إما أن يدخل معها في شراكة، وإما فشله بفعل قلة المواد وشدة المنافسة. هكذا تم التخلي عن أخلاقية البحث العلمي. فاصبحت العديد من التجارب تجرى في مختبرات سرية؛ واصبح العالم تحت قيود يحددها المقاول، خوفا من إفشاء الأسرارأو إغرائه من طرف شركات أخرى. بالتالي، أًصبح الراسمال هو المتحكم في مسار البحث. فالشركة هي التي تحدد المجال الذي على العالم أن يشتغل فيه، ومتى لم ينجز ما يطلب منه فقد يكون محط عدم الرضا. لهذا كل ماينتظر منه هو أن يحصل على نتائج تكون محط تقدير من مشغله، أي دافعي الأجر ومؤطر البحث. وحتى لو وصل إلى نتائج مهمة من الناحية العلمية، لكنها لاترضي المشغل، فقد يكتمها. (فكم من التجارب والأدوية ذات فائدة عامة احتفظ بها في أماكن سرية،لأنها لاتخدم المصلحة الاقتصادية للراسمال). بهذا اصبح التنافس بين الشركات قويا، وأصبح الصراع بين الجماعات العلمية يعتمد مختلف طرق التغليط، خوفا على سمعتها، و حفاظا على منتوجها. وبالجملة، بما أن غاية المقاولات هو الربح، فهي هي التي تختار الأولويات، وفي أي اتجاه يجب أن يتوجه البحث وما يجب أن يفصح عنه وما يجب أن يبقى طي الكتمان، أو اختيار الوقت والكيفية التي يعلن بها عن المنتوج الجديد. فحتى لو كان البحث في مجال ما يمكن أن يصل إلى نتائج ذات قيمة بالنسبة للمجتمع لكن لايدير أرباحا أكثر فيمكن أن تتخلى عنه وتلزم الباحثين بالاستمرار في مجال آخر. وقد تستعجل الباحث، لاعتبارات تنافسية وقائمة أساسا على الربح. فنجد العالم في وضع تناقضي بين أخلاقيات المهنة والتزاماته تجاه الشركة.
هكذا أفضى بنا التقدم العلمي والتقني إلى مشاكل تعكس الآفات المادية والروحية لعالم اليوم. حيث صاغ مبادءه وأحكامه على مبدأي التجريب والترويض، ليهمش كل ماهو ذاتي وروحي. في هذا المقام نتساءل هل الثورة العلمية التي نعيشها الآن والمتعلقة بالهندسة الوراثية ستوحد بين البشر أم ستعمق الفوارق؟ ما مصير التنوع البشري أمام التغييرات الوراثية والبيولوجية التي تندر بقيام حروب عرقية بيلوجية؟ هل يمكن القبول بإنتاج كائنات حية معدلة وراثيا؟ ما موقفنا من التغيرات المناخية ومن مختلف أنواع الإفساد والتدمير للبيئة؟ أضف إلى ذلك العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية والقانونية، وغيرها، التي طرحتها التقنية والتي نجد نفسنا مذهولين أمامها، وتزداد تعقيدا كل يوم:
بما أنه اصبح بالإمكان معرفة الأمراض التي سيصاب بها الشخص، وفي أية مرحلة من عمره، فيمكن لأحد الزوجين أن يطلب الطلاق بعد اطلاعه على الخريطة الجينية لشريكه. وقد يتقدم لوظيفة ما فيرفض لنفس الاعتبار. وقد ترفض شركة للتأمين تامين الفرد، لأن تكاليف علاج المرض الذي سيصاب به باهضة. إلى غير ذلك من المشاكل التي تتعلق بجوانب متعددة. مثل، مشكل شراء الأجنة الحية ومصير الأمومة ونحن نتحدث عن الحمل خارج الرحم. وانتقاء جنس المولود. هل من حق المولود الذي اختير جنسه أن يقاضي أبويه عندما يكبر بدعوى أنه لم يستشر؟ ماعلاقة المستنسخ بالمستنسخ منه. فبالرغم من أنهما يحملان نفس الصفات، فلم يأتيا في لحظة زمانية واحدة.
لقد انتقلت عدوى العلمية إلى الباحثين في فلسفة العقل. فقال بعضهم إن علينا اختزال مناقشاتنا عن طبيعة العقل بلغة المعتقدات والرغبات، وغيرهما من المواقف الافتراضية إلى الحديث عن الأحداث العقلية بلغة الفيزياء. فبإمكاننا استخدام لغة العلوم الطبيعية أو إحداها للبحث فيما يدور في دماغ الإنسان. حتى أن هناك من ذهب إلى القول بأن الوعي ذاته يمكن أن يكون ماديا صرفا.
مما سبق، يتبين أن مصادر المعرفة قد تغيرت بعد أن أصبحت السلطة الحقيقية بيد الشركات العابرة للقارات تحت ذريعة العولمة أو النظام العالمي الجديد. لقد أصبحت المؤسسات الكبرى تنهب كل الموارد الطبيعية المتاحة. وأصبحت حكومات هذه البلدان بمثابة وسيط مهمته تسهيل تنفيذ أوامر هذه الشركات. في هذا المقام أصبحنا أمام هجرة جديدة للأدمغة لاتتمثل في مغادرة الموقع الجغرافي الذي هو فيه، بل تمكنت البلدان المستقبلة من التخلص من هذا العبء بعد أن أصبح العالم أو الباحث تابعا لها وهو في بلده. فبظهور الشركات العابرة للقارات أضحت العديد من مختبرات العالم الثالث تابعة لمختبرات دول المتقدمة بدعوى الشراكة أو مايماثلها. وقد استفادت العديد من الشركات من هذه المعطى، حين اتخذت هذه هذه البلدان حقولا للتجارب.
لقد حولت هذه الشركات المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية، همها إشباع الرغبات المادية. كما تحولت الطبيعة إلى مجرد خزان لموارد هدفها تلبية ثقافة الاستهلاك. فوضعنا المقاول أمام مقولة مفادها أن كل شيء هو بدون قيمة مالم يستغل. ومن ثم، يتبين أنه ليس على استعداد للاعتراف بأية قيمة للطبيعة. فلا حقوق لها ولا اعتبار لها. فهي مجرد سلعة يجب استغلالها من أجل الربح المادي. فالمنفعة البشرية لايجب أن تخضع لأي اعتبار خلقي أو أن تقيد بأي قيد مهما كانت قيمته.
ب- أزمة العقل
يمكن القول بأن البداية الحقيقية للأزمة كانت لما عمد الإنسان إلى إطلاق العنان للعقل التقني دون أي قيد أخلاقي؛ ظانا أن التقنية ستمكنه من تحقيق السعادة. لقد اعتقد أن ربط العقل بالتقنية سيفضي به إلى التحكم في كل شيء. فالتقنية ستمكنه من تسخير الطبيعة وتطويرها بحسب رغباته. لكن سرعان ما انقلبت هذه التقنية على الإنسان والطبيعة وأصبحت مهددة لكل شيء. حيث أصبحنا أمام إنجازات يصعب حتى على العقل تعقلها. بذلك تحول العقل إلى أداة تتكلم لغة الترويض والصورنة والرقمية والبرمجة. مما جعل منه عقلا أداتيا غايته السيادة على الإنسان والطبيعة. بهذه الطريقة أصبح العقل بمثابة أداة وجرد الإنسان من قيمته ليصبح مجرد رقم شأنه في ذلك شأن بقية الأشياء الموجودة في الطبيعة؛ دون أخذ بعين الاعتبار مقومات الإنسان باعتباره كائنا تفاعليا باستمرار. فما قيمة العقل متى لم يراع البعد الروحي في الإنسان.
وبالجملة، فقد تم إخضاع الطبيعة والإنسان لسلطة العقل الذي أصبح مستبدا ومخترقا لكل القيم البيئية والإنسانية. لقد أفضى العقل بالإنسان إلى وضع فقد فيه السيطرة على نفسه بشكل اصبح من الصعب توقع النتائج. لقد رفع العلم شعار "كل شيء ممكن"، ومن خلاله تم توسط العقل التقني لتحويل العديد من الأمور إلى ضدها، بشكل جعل التقنية تضر حيث يجب أن تنفع. وأكبر دليل على ذلك ما نعاينه اليوم من استخدام العديد من الابتكارات العلمية بشكل يتناقض مع ما استهدفته في البدء. هكذا أصبحنا أمام إنجازات يصعب حتى على العقل تعقلها. فأصبح العقل لاعقلانيا حيث أراد أن يكون عقلانيا. فانتهى إلى فقدان دوره كرقيب للفعل الإنساني؛ حين استبعد بعضهم احكام القيمة كشرط مسبق للعلم، بقولهم إن على العالم ان يوجه جهوده إلى تحديد الوقائع والحقائق لا أن يسال عن قيمتها. فلا أخلاق في العلم ( كما قيل بانه لااخلاق في السياسة). إن استحضار القيم والأخلاق في مجال العلم يعني بالنسبة لهؤلاء الحيلولة دون تحصيل الموضوعية التامة والكاملة. فالموضوعية تقتضي من العالم استبعاد كل المقومات الذاتية واعتماد الحياد في النظر؛ فلا مشاعر ولا قيم ولا أخلاق.
بذلك أفضى بنا العقل إلى حدود أصبحت تطرح معه القيم الأخلاقية، وأصبح هناك من ينادي بوجوب تحجيم العقل والحد من غلوه. يجب إنقاذ العلم بإعطائه طابعا اجتماعيا وثقافيا. فالإنسان ليس مجرد كائن طبيعي، بل كائن اجتماعي وثقافي. فالعقلانية الأداتية التي سعت إلى تحرير الإنسان قد استعبدته. إنه عقل مجزء. فعوض أن يقيم علاقة تكاملية بين الكائنات أقام مقامها علاقة تفاضلية، بل تصادمية.
في هذا الإطار يمكن القول بأن العقل تحول إلى لاعقل حين فقد الحس النقدي؛ فعمد إلى تشييء كل شيء، فاستباح كل قيمة إنسانية وطبيعية.
ج- أزمة القيم
لقد اصبحنا أمام تقدم هائل للعديد من العلوم، خاصة علوم الاتصال والفضاء وصناعة الأدوية والتقنية الحيوية والهندسة الوراثية، وغيرها. وهو ما مكّن من القدرة على استئصال الملوثات من التربة والماء و تشخيص والقضاء على العديد من الأمراض والأوبئة، لكن هذا التقدم أثار بالمقابل قضايا تقتضي المعالجة من منظور فكر نقدي. فكما أن الهندسة الوراثية مثلا استخدمت في العديد من المجالات النافعة للإنسان، فيمكن كذلك أن تضر به؛ وأن تفتك به من خلال حروب جرثومية واستخدام أسلحة بيلوجدية، بل يمكن أن تتحول إلى أسلحة ذات طابع عرقي. وعليه، فلا يجادل أحد في أن الإنجازات التي حققتها العديد من العلوم مكنتنا من التغلب على مجموعة من العوائق، دون أن يجادل في نفس الوقت بأن العديد منها وضعنا أمام قضايا تهم القيم بالأساس. من هنا، تم الاقتناع بأن مسار العلم والدور الذي رُسم للعقل أفضى بهما إلى أن ينزعا عن الإنسان قيمته الحقيقية. بالتالي، يمكن أن نتساءل عن قيمة العقل متى لم يراع البعد الأخلاقي في الإنسان.
في هذا المقام تُطرح العلاقة بين البحث العلمي والقضايا الأخلاقية. ما طبيعة الأخلاق التي يجب أن تسود داخل الجماعة العلمية وداخل المختبرات العلمية؟ ما موقف الأخلاق من التجارب السرية لبعض المختبرات خاصة عندما تجرى على كائنات بشرية؟ كيف ننظر إلى تزايد العلاقة بين العلم والاقتصاد والاعتماد المتبادل بين العلم والأعمال الحرة من خلال المختبرات التابعة للمقاولات؟ ماهي أخلاقيات تمويل البحث العلمي؟ كيف ننظر إلى مختلف أساليب الإغراء والغش والخداع والتمويه والسلطة داخل الجماعة العلمية، ومختلف العلاقات التي تسود بين الجماعات العلمية ؟ كيف نسمح بسريان مفعول السرية داخل المختبرات، والتستر عن بعض الاكتشافات التي لا تخدم المقاولة؟ ماذا عن تزايد المنتوجات الاستهلاكية على حساب صحة الإنسان وقيمه ومعتقداته؟ وغيرها من القضايا التي يمكن أن نجادل فيها أخلاقيا.
يفضي بنا ماسلف إلى أن القيم السائدة في عالم اليوم تنبني على:
أ - تغليب أساليب السلطان على الحجة(الإكراه بدل الإقناع )
هناك تباين بين مفهوم السلطان ومفهوم الدليل. الاول يستند إلى القوة المادية على عكس الدليل الذي يقوم على إعمال الفكر. كما تتمثل السمة الأساسية للسلطان في الاستعلاء؛ بغاية ترسيخ المفاضلة؛ بينما يلقي المتكلم بالدليل إلى الغير على وجهة التساوي، بغاية التعاون. فصاحب الدليل يطلب إقناع الغير، سالكا مسلك رضاه.أما مسالك صاحب السلطان فغالبا ما تكتسي صبغة الوعد والوعيد: "سلم بكذا وإلا تعرضت لكذا،"افعل كذا وإلا كان مصيرك كذا".... كما ان الإقناع بالقول لايكون إلا بالنظرالعقلي القائم على الحجة، بينما استخدام السلطة يكون بقوة القهر.
ب- بناء عالم قائم ثنائيات مضادة
لقد أصبحنا في عالم مبني على ثنائيات متضادة: الحرية مقابل الاستبداد، والعالم الحر في مقابل عالم الفقر، ومعي في مقابل ضدي؛ إلخ. مما أفضى بنا إلى ثنائيات تصادمية تستند إلى قيم ترد على صورة زوج ذي طرفين متضادين، أحدهما يمثل قيما إيجابية والآخر قيما سلبية. بالتالي، ادعى الطرف القوي بأن العالم سيعمه الرخاء والازدهار والطمأنينة لو كان الجميع مثله. فبنى مواقفه على النظرة الأحادية في التفكير والسلوك.
ج- تناقض القول مع الفعل
كثيرا ما نعاين بأن الواحد منا يقول ما لايفعل. فهو يسلم من الوجهة النظرية بشيء لكن يخالف فعله قوله. فتجد هوة شاسعة بين النظر والعمل. فقد يسلم أحدنا مثلا بالتعددية والحق في الاختلاف، لكن لا يلبث أن يعرض عن هذا متى انتقل إلى مستوى الفعل، بأن يوقف هذا الحق في اتجاه واحد. فينظر إلى نفسه على أنه الطرف الوحيد الذي يمتلك الحقيقة. بالتالي، له الحق في أن يختلف مع الآخر دون أن يكون للآخر الحق في ذلك. للحفاظ على هذا الوضع، يسعى إلى انتزاع سلطة تمكنه من قهر الآخر. ومن ثم، يحول معرفته حقيقته مطلقة.
يتجلى هذا التناقض في المواقف التي تتبناها العديد من الأطراف، أفرادا كانوا أم جماعات. وعادة ما يعود هذا إلى تغليب مصالح خاصة ولو على حساب المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية. فقد ترفع دولة ما شعار الحرية، لكنها في ذات الوقت قد تجبر أطرافا معينة على تنفيذ أمر ما. بالتالي، قد يلزم القوي الضعيف بما لايلتزم به.
هذه السمات التي عمت العالم ولدت صراعات بين توجهين، يدعي أحدهما أنه وحده يمتلك الحقيقة، ومن ثم، وجوب أن يُتخذ نموذجا يحتدى به. وتوجه يرفض النمذجة سواء في النظر أو العمل، ويدعو إلى التعددية في كل أبعادها.
تتميز تصورات الطرف الأول بالسعي إلى بناء نموذج اجتماعي وثقافي واحد، ومنظومة قيم عالمية واحدة، قادرة على خلق "مواطن عالمي". لهذا، يرى في التعددية فوضى، وينظر إلى الاختلاف على أنه تآمر، وإلى التسامح على أنه ضعف. ومن ثم، بني ثقافته وتعامله على ركنين هما: الرقابة والتحكم.
لقد أدت المواقف الفكرية للتوجه الأول إلى ردود أفعال لدى العديد من الأطراف التي رفضت بناء العالم وفق نمط أحادي. حيث اعتُبرت هذه المحاولة غلوا وتطرفا. فمبتغاها هو إقصاء الغير لصالح نموذج عالمي واحد. في حين يقتضي الوضع أن يكون لكل طائفة أو جماعة أو أمة الحق في أن تكون لها معتقداتها وثقافتها الخاصة وطرق تدبرها للحياة، وأن تنظر إلى الواقع بطريقة تخصها، في إطار مقتضيات مشروعة تراعي حقوقها وتلتزم فيها بواجباتها. من هذا المنطلق، يرى هذا التوجه وجوب تجاوز التعامل بعقلية الثنائيات المبنية على الأضداد. وعليه، يدعو إلى التعددية القائمة على التفاهم والتسامح في ظل الحق في الاختلاف. فلا يمكن التسليم بأن طرفا ما هو الممتلك الوحيد للحقيقة، بشكل يعطيه حق التصرف أين شاء ومتى شاء وكيفما يشاء. ولن يحصل ذلك إلا بالبدء بالتخلي عن المفاهيم الأحادية (النظام العالمي الجديد) والتصورات الكلية"(العدالة المطلقة، الحرية الدائمة). إن تجاوز هذا الوضع التصادمي يتطلب البدء بتجديد النظر في المفاهيم، لينتهي بأن يكف كل طرف على اعتبار الطرف الآخر عدوا لا يصلح معه إلا العنف ولا يستحق إلا الموت.
ووفقا لما سبق سنعمد إلى طرح بعض التصورات التي نعتبرها معالم طريقة للخروج من الوضع الذي نحن فيه:
أ- وصل التعقل بالتخلق
تكاد معظم التحليلات تجمع على أننا في عالم تتهاوى فيه الأنساق الفكرية والقيمية بشكل يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي يمكن أن نبني بها عالم متوازن. هل الأمر يقتضي التأسيس العقلاني أم التأسيس الأخلاقي لأقوالنا وأفعالنا؟ هل تحديد حاجيات الإنسان يجب أن يستند إلى العقل أم الأخلاق؟
نحن أمام موقفين، أحدهما يعتبر العقل هو الفاصل في كل شيء، مما يستوجب اتخاذه حكما كليا. فمتى تمكن الإنسان من استخدام عقله توصل إلى حل المشاكل التي تواجهه. فالعقل هو وحده المعول عليه للتحكم في الطبيعة وتحسين أوضاع الإنسان. وبذلك يرى المدافعون عن هذا التوجه بأن الأخلاق لا تخدم إلا الضعيف، وأن التسامح نوع من الاسترخاء. هكذا أسقط العديد من الدارسين معيار التقويم الأخلاقي ليأخذوا بالعقل وحده. ومن ثم، وجب قطع الصلة بكل القيم التي لا تولدها مقتضيات التقدم العلمي والتقني. ذلك أن المدافعين عن ضرورة الاحتكام إلى العقل في كل الأمور يقرون بأن خاصية الإنسان تكمن في قدرته على استخدام عقله. ومن ثم، القدرة على إدراك مختلف وجوه العلاقات القائمة بين مكونات الطبيعة. فالعقل هو جوهرالإنسان، وبه يفترق عن غيره من الكائنات. بالتالي، يعد مقومه الأساسي وأساس إنسانيته.
بينما ذهب المخالفون لهذه الدعوى إلى التأكيد على أن للعقل حدود؛ فلا يمكنه أن يعقل كل شيء. كما أن الاستخدام المفرط له من شأنه أن يحول الشيء إلى ضده. فقد ينتهي بنا إلى الحرب متى وجب استخدام السلم؛ وقد يفضي بنا إلى التعصب والكراهية متى وجب التسامح؛ وقد يذهب بنا إلى استخدام السلطان متى اقتضى الأمر الحجة والدليل؛ وقد يجعلنا نستخدم التغليط والتضليل متى اقتضى الأمر الحوار المشروع، وهكذا....وعليه، فالعقل يمكن أن يضر بالإنسان متى سار بالأمر إلى خلاف ما سطر له. وأكبر دليل على هذا ما نعاينه اليوم من استخدام العديد من الابتكارات العلمية بشكل يتناقض مع ما استهدفته في بدايتها، لتتحول بذلك المنفعة إلى مضرة. لذا دعا العديد من الباحثين إلى وجوب البحث عن فاصل لا ينقلب بالضرر على الإنسان متى أراد به النفع، أو حصول الضرر متى أراد ترك أمر ما. وقد وجدوا في الأخلاق المعيار الذي مكنهم من التأسيس لأقوال الإنسان وأفعاله. بحيث لا يمكن أن يجعل المعيار الأخلاقي الشيء ينقلب إلى ضده. فلا يمكن أن يحصل الضرر متى نوى المنفعة. وهكذا، فاتخاذ العقل معيارا للتمييز يُصعب علينا عملية التفاضل بين الأشخاص بأن نقول هذا أعقل من هذا، في الوقت الذي تسهل فيه المفاضلة على المستوى الخلقي. وبما أن التفريط أخلاقيا في شيء لا يمكن أن يجعله بحال من الأحوال ينقلب إلى ضده، فجعل العقل هو الحكم الوحيد في النظر والعمل قد يضر بنا أحيانا. فباسم العقل قد ترتكب الجرائم في حق الإنسان والطبيعة؛ لكن باسم الأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة يُرفض هذا السلوك. بالتالي، يرى هذا التوجه بأن القيم الأخلاقية هي القابلة لتصحيح مختلف مظاهر الزيغ والانحلال الناتجة عن الاختراعات التقنية. فما نسعى إليه بحجة موضوعية المعرفة العلمية، أو استقلال المعرفة العلمية، قد يفضي بنا إلى طغيان المفاسد على المصالح. على هذا، نحن مجبرون على إيجاد مقومات ومعايير تمكننا من دفع الأضرار التي قد تنتج عن انقلاب التقنية من أغراضها الحسنة إلى السيئة. ولتلافي هذا، لابد من اعتماد القيم الأخلاقية التي تعد السبيل لتلافي التسيب العقلي ودرء آفات التقنية. فمن المفروض التحكم في التقنية وصرفها لتخدم الإنسان لا أن تضره. فكلما انتفت الأخلاق انتفى جزء من إنسانية الإنسان.
بما أن الصراع يتمركز في المجال الفكري عامة والقيمي خاصة، فإن السؤال هو كيف نحول دون استخدام السيئ للعقل بالتاسيس لعقلانية جديدة قوامها التفكير النقدي؟ فلما كانت التقنية ضارة في بعض جوانبها، فلا يمكن اعتبار مقصد إسعاد الإنسان حقيقيا بالنسبة للعقلية العلمية والتقنية المعاصرة. وهو ما يجعلنا نجعل من الأخلاق المعيار القادر على رسم حدود العقل وجعله يتعقل. فمتى استند العقل إلى الأخلاق وجد مرشدا وهاديا.
هكذا انطلق العديد من الدارسين من تساؤل أساسي يهم ما إذا كانت الأخلاق هي التي تجسد إنسانية الإنسان أم العقل. فاعتبر العديد منهم أن قيمة العقل تتحدد بمدى مراعاته للبعد الأخلاقي في الإنسان. على ضوء هذا، وجب التمييز بين معالجة الاختلالات التي يعاني منها الإنسان والطبيعة باعتماد العقل ومعالجتها استنادا إلى الأخلاق. وهو مايفسر تنامي التفكير في المباحث القيمية، خصوصا بعد أن احتد الصراع بين قائل بمركزية الإنسان وقائل بوجوب توسيع مبدإ القيمة ليشمل الكائنات الأخرى. فبما أن قيمة الحياة تكمن في الحياة ذاتها، فلا يمكن قبول مزاعم الداعين إلى أن المخلوقات الوحيدة ذات القيمة هي البشر. فلا يمكن قبول تراتبية بين الكائنات على أساس معايير يحددها الإنسان وفق مصلحته الخاصة. فلعل الإنسان هو القائس الوحيد للأشياء، لكنه ليس هو المقياس الوحيد. وعندما نتعقل ذلك سنكتشف التقاطع القائم بين القيمة والواجب.
علة هذا، لابد من جعل الأخلاق قوام كل ما يأتيه الإنسان من أقوال وأفعال. فهي التي بإمكانها أن تقوي في الشخص النظرة الإنسانية النبيلة التي تدفع به إلى أن يعامل الناس باعتبارهم أناسا، لا بحسب جنسهم أو عرقهم أو لونهم أو عقيدتهم. فعبرها قد ينزل الإنسان إلى مرتبة البهيمة، وقد يسمو ليصبح تقيا.
قصدنا ليس الدعوة إلى إقصاء العقل و عدم إعماله، بل توسيع نطاقه. فعوض الأخذ بمفهوم ضيق للعقل ندعو إلى تبني عقل واسع يشمل الأول ويضمه كجزء منه. وهو ما يعني تعويض العقل الأداتي الضيق بعقل واسع. فإذا كان العقل الأول، الذي هو تأملي، يرتبط بمستوى تحقق الأمور، فإن هدف الثاني، الذي هو عقل تدبري، هو تحديد المقاصد الكلية، بجعلنا ننظر في مآل الأمر قبل الإقدام عليه. ومن ثم، يكون دوره الأساسي تقويميا. فهو الذي بإمكانه أن يحُول دون أن يُستخدم العلم العقل بشكل آلي بعيدا عن تحديد المآلات. المطلوب إذن هو إعادة تحديد دور العقل ليتحول من مجرد أداة إلى عقل فعال ومتفاعل. فالعقل يجب أن يكون مصدرا للتفكير السليم والسلوك القويم. فوصف الإنسان بأنه عاقل يعني أنه يتسم بالحكمة. فقد قيل العاقل هو الجامع لأمره ورأيه. و العاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها.
أمام هذه الانتقادات والاحتجاجات ضد تسيب العقل وسيطرة العقل الأداتي الذي من شأنه أن يقود الإنسان والطبيعة إلى الهلاك تحولت فلسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين من اعتقادها الراسخ بإمكان وجود حقيقة موضوعية ومطلقة إلى موقف يقر بمحاولة الاقتراب مما هو مفترض أن يكون حقيقة. فنشأت بذلك حركات مضادة للتوجه الذي أخذ العلم يسلكه. فهو لا يمكن أن يقودنا إلى الحقيقة النهائية فيما يتعلق بكل أسرار الكون. وأن محاولات الوصول إلى أجوبة حقيقية ونهائية في ميادين مثل البيولوجيا وعلم الخلية والجيولوجيا والبيئة والجغرافيا الحيوية، وغيرها سيفضي إلى نتائج يصعب تعقلها. لهذا نقول بوجوب إدخال العلم في مساره الحقيقي بعد أن أخرجته منه الابستمولوجيا. فالكيفية التي يدور بها البحث في العلم لا تختلف عن تلك التي نعاينها في مباحث أخرى. فهناك تغليط وتعتيم وسلطة، وغيرها من المقتضيات التي لايمكن بموجبها فصل مسار العلم عنها. بالتالي، يجب أن نضع العلم في سياقه الفكري العام. فلايمكن التسليم بمقولة حياد العلم. (أين الحياد وهناك طرف يعطي لنفسه الحق في تحديد من يجب أن يمتلك التقنية ومن لايجب ان يمتلكها). لن يتحقق هذا إلا بإنقاذ العلم، من خلال إعطائه طابعا اجتماعيا وثقافيا. فلايمكن فصل العلم عن السياق الثقافي والاجتماعي والعقدي الذي يظهر فيه. فالإنسان ليس مجرد كائن طبيعي، بل كائن اجتماعي وثقافي. فالعقل ظاهرة بشرية يتمتع بالنسبية وله حدود.
ب- تغليب صوت الحكمة
إن العيش في عالم يسوده التوافق يقتضي التخلي عن النظرة التصادمية القائمة على التقسيم الثنائي للعالم إلى أصدقاء وأعداء. أي التوقف عن اعتبار أن هناك عالم السلم والديمقراطية والحرية والحقوق؛ وهو مواجه ومهدد من عالم الفقر والقهر والجهل والتطرف والاستبداد. فحل النزاعات لا يتم بمنطق القوة ولا بوسائل القهر والإكراه، بل بإقامة حوار يتجاوز المصالح الضيقة ليراعي المقاصد الكلية و القيم الأخلاقية النبيلة. ولن يتحقق هذا إلا بتغليب صوت الحكمة وجعل حكماء العالم يتحاورون. فغاية الحكيم هي تجاوز المتغير والظرفي ليربط تحليلاته بما هو عام وشمولي. ويتميز بالاجتهاد والمساءلة النقدية المتحررة من مختلف الضغوط. لهذا يعالج الحكيم الأمر المنظور فيه معالجة نقدية وشمولية تدفعه الرغبة في جلب المصالح ودرء المفاسد. ذلك أن الحكيم ينهض بعبء النظر بطريقة اجتهادية وشمولية، لأن الحكمة تلزمه الصدق في القول والإخلاص في العمل. كما أنه لا يبتغي بنظره التكسب والمباهاة، ويتجنب كل أسباب الفتنة والفرقة. فالحكمة فكر وعمل. فهي تطلب لتُعلم ويعمل بها.
كل هذا يتطلب منا إعادة تحديد دور المفكر حتى نحول دون استغلال السياسي له. فدوره الحقيقي يجب أن يكون هو توجيه القرار السياسي لا أن يصبح خادما للسلطة السياسية أو الاقتصادية. عليه أن يتسم بروح التفكير النقدي.
إذا كان من المفروض على المفكر أن يحرص على استقلاله الفكري، فعليه كذلك التزامات أخلاقية؛ فلا انتهازية في تفكيره ولا انحراف في سلوكه. كل هذا يتطلب من جهة الالتزام الأخلاقي للسياسي بعدم إساءة استخدام المفكر ليضفي الوجاهة الموضوعية والمصلحة العامة على قراراته، ومن جهة أخرى نزاهة هؤلاء وسمو فكرهم ونبلهم. إن الوضع يتطلب مثقفا فاعلا، لا يصرف مواقفه بحسب الكسب والغنيمة. فتغليب صوت الحكمة هو القابل لأن يخرجنا من الاتباع إلى الإبداع، فعبرها يمكن إعمال العقل والتحكم في طرق استثمار المعرفة، بما يمكننا من توسيع آفاق تفكيرنا بالوصل التكاملي بين العقل والأخلاق.
حسان الباهي


*
nahfab@mountadalhikma.com

موقع منتدى الحكمة
.

0 التعليقات:

إرسال تعليق