241189572571696

السبت، 20 مارس 2010

المحافظون الجدد والكذب القديم عزمي بشارة

المحافظون الجدد والكذب القديم
عزمي بشارة

«علمت الحكومة البريطانية أن صدام حسين قد اشترى كميات كبيرة من اليورانيوم في أفريقيا». كانت هذه مقولة الـ16 كلمة الشهيرة والكاذبة التي برر بها الرئيس الأميركي جورج بوش الهجوم على العراق فوراً وبدون تأجيل كي لا يمهل الديكتاتور فرصة لانتاج أسلحة دمار شامل، وذلك في خطابه حول حال الأمة (كانون الثاني/ يناير 2003). وكانت وكالة المخابرات المركزية في شباط (فبراير) 2002 قد كلفت الديبلوماسي السابق جوزيف ويلسون البدء بتحقيق في نبأ الصفقة المزعومة مع النيجر. من الواضح أن المبعوث ويلسون قدم تقريرا للإدارة أكد فيه خطأ هذه المعلومات وعدم استنادها إلى أي أساس لكن تم تجاهل تقريره. إذ ألقى الرئيس بوش خطابه وضمّنه الكذبة المذكورة أعلاه، وذلك بعد ان رفع الرجل تقريره الذي يؤكد فيه أن لا أساس من الصحة لهذه المعلومات التي يعود مصدرها إلى جهاز استخبارات ايطالي. وكتب ويلسون بعد الحرب مقالة في «نيويورك تايمز» يوم 6 تموز (يوليو) 2003 قال فيها إنه لم يجد دليلاً على أن العراق حاول شراء «كعكة اليورانيوم الصفراء» من النيجر، وادعى في مقاله انه تم تجاهل تقريره عن سبق الإصرار لغرض شن الحرب كقرار جاهز يبحث عن ذرائع مختلقة.
فكيف تخلص المحافظون الجدد من تأثيره في الرأي العام؟ شككوا بموضوعيته وكفاءته، إذ «كشفوا» لصحافيين من نوع جوديت ميلر من «نيويورك تايمز» ودايفيد كوبر من «التايم» وغيرهما ان فاليري بلايم، زوجة ويلسون، هي عميلة سرية في وكالة المخابرات المركزية لشؤون أسلحة الدمار الشامل، وأنها كانت وراء اختياره لهذه المهمة. أي انه عُين بـ «الواسطة» كما يقال في الشرق. كان الثمن هو الكشف عن اسم عميلة مخابرات وفضح أمر الشركة الوهمية التي تعمل فيها من بوسطن. وهذه جناية يعاقب عليها الاميركي. وقد نشر أسمها الصحافي والمعلق المحافظ روبرت نوفاك في مقالة بعد ثمانية أيام من مقال زوجها قائلاً إن موظفين في البيت الأبيض أعلماه أنها كانت وراء اختيار زوجها وإيفاده إلى أفريقيا. وثارت عاصفة إعلامية حول قانونية هذا الكشف وفتحت بذلك نقاشاً عاماً أدى إلى تحقيق اعتقلت بعده جوديت ميلر مدة 85 يوماً قبل ان توافق على الكشف عن مصادرها.
وعين المدعي الخاص باتريك فيتزجيرالد للتحقيق في مسألة كشف اسم العميلة. واستمر التحقيق مدة عامين. وقد وصل التحقيق الى حوارات مع الرئيس بوش نفسه. وطاول الشك رئيس طاقم موظفيه السابق ومستشاره الأكثر أهمية كارل روف المسمى في تقرير الادعاء العام، «الموظف أ». أما لائحة الاتهام فستقدم حالياً ضد «الموظف ب»، وهو لويس (سكوتر) ليبي رئيس طاقم نائب الرئيس تشيني، وأحد أهم رموز المحافظين الجدد. وتشمل التهم الكذب المشفوع بالقسم أمام هيئة محلفين وعرقلة التحقيق، هذا إضافة للشكوك حول كونه مصدراً للصحافيين بخصوص هوية عميلة المخابرات فاليري بلايم، اضافة لروف، وربما غيره.
وكما يلجأ الأميركيون غالباً إلى الثقافة الشعبية السينمائية لتصوير الأوضاع فقد شبّه البعض انتقال المحقق من صمته المستمر، مثل بطل فيلم صامت، إلى تسمية ليبي مرات عدة بالكاذب كأنه انتقال إلى دور كيفن كوستنر في فيلم «غير المرتشين». كذب ليبي للمدعي العام وهيئة المحلفين الفيديرالية بخصوص كونه مصدر معلومات، إذ ادعى انه عرف هوية العميلة السرية من صحافي في «ان بي سي»، ونقلها الى صحافي آخر في نوع من الثرثرة الواشنطنية عن زوجة رجل يتم تداول اسمه في الإعلام. لكن تبين للمحققين أن مصدر الصحافيين هو ليبي، ومصدر ليبي هو نائب الرئيس تشيني، أما تشيني فقد عرف عن عمل الزوجة من رئيس المخابرات المركزية في حينه جورج تينيت. التهمة أساساً هي الكذب والتغطية على جريمة وعرقلة التحقيق. وقد اصبحت التغطية على الجريمة أكثر أهمية من الجريمة ذاتها، كما يحصل عادة في واشنطن.
ومع ان الجريمة والتغطية تكشف عن جانب من أخلاقيات بعض المحافظين الجدد، كما تكشف أن الإفراط بالأيديولوجية لا يعني زيادة منسوب الأخلاق، إلا أن الأمر الأكثر خطورة برأيي هنا ليس هذا ولا ذاك. فهو يكمن في انجذاب الصحافة الحرة إلى ثرثرة حول عمل زوجة فلان أكثر من انجذابها إلى تفنيد ديماغوجية وكذب الدعاية الأميركية عشية الحرب. لم تحاول الصحافة في واشنطن التحقق من صحة الكلمات الست عشرة التي قالها بوش، ولا التحقيق في صحة إعلان كولن باول في الأمم المتحدة، ولا من صحة وجود مختبرات متنقلة لصناعة السلاح البيولوجي (هل يذكر الصحافيون كيف عرضوا سيارات لقياس احوال الطقس دون نقد في صحفهم على أنها مختبرات متجولة؟)، ولا من وجود مخازن انتراكس (هل تذكرون قضية الانتراكس؟)، او غاز الخردل ولا حتى من وجود صورايخ «سكاد»، التي أعلن النظام انه دمرها وصدق كما يبدو الآن... ولا من وجود علاقة بين القاعدة والنظام في العراق. لقد خصص بوش 300 مليون دولار بعد الحرب للبحث عن بينات وأدلة لوجود أسلحة، أو أثر لأسلحة من هذا النوع. ولم يتم العثور على شيء منها. ثم حاول تخصيص 800 مليون دولار اخرى وفشل. ولكن الصحافة الحرة لم تتحرك للتحقيق في هذه الأكاذيب ومصادرها وجذبتها مؤامرة افتراضية بين امرأة وزوجها. ولا يزال هذا الموضوع يشغل الصحافة إلى أن تحول إلى تهمة ضد صحافيين ومصادرهم. ونشأ إشكال جديد متعلق بكشف الصحافي عن مصادره. وتم تهميش الجريمة الكبرى، وهي جريمة قيادة أمة الى الحرب، وشنها على أمة أخرى بادعاءات كاذبة.
لويس ليبي هو رئيس طاقم تشيني، أقوى نائب رئيس عرفته الولايات المتحدة، ومستشاره لشؤون الأمن القومي. وهو أيضاً بتعريف وظيفته مساعد للرئيس جورج بوش. وقد قابل وولفوفيتز في ايام الدراسة الجامعية في ييل. حيث كان يكتب رسالة عن الدول ذات القدرة على إنتاج سلاح نووي في المنطقة. وبعد تخرجه من قسم القانون في جامعة كولومبيا اجتذبه الاخير لوظيفة كاتب خطابات عندما كان مساعداً لوزير الخارجية، ثم للعمل معه عندما كان مساعدا لوزير الدفاع (تشيني) في أيام الرئيس بوش الأب. وهو عضو في كافة طواقم الـ «ثينك تانك» المحافظة المعروفة في واشنطن، وقد وقع على الأوراق التي دعت كلينتون لشن الحرب على العراق كما وقع على الوثيقة المشهورة المقدمة لنتانياهو في العام 1997 من قبل مشروع قرن أميركي جديد، وتتضمن دعوة للانضمام الى الجهود لإقناع الكونغرس لشن الحرب على العراق وتفصيلا للمخطط البعيد المدى لضرب سورية. لدينا شخصية مؤثرة جداً في مكتب تشيني موازية لكارل روف عند بوش، شخصية على درجة عالية من الأدلجة والتسييس، وقد دخل البيت الأبيض كمحافظ جديد ذي أجندة سياسية واضحة.
ويمكن اعتبار ليبي وتشيني بالإضافة الى رامسفيلد وولفوفيتز وفايث في البنتاغون أقطاب عملية صنع القرار في ما يتعلق بالعراق. وتتضمن لائحة الاتهام ضد ليبي مقولات سياسية من نوع أن عداءه لوكالة المخابرات المركزية دفعه للمواجهة معها حول المسؤولية عن عدم الكشف عن أسلحة الدمار الشامل. وكررت الصحافة الأميركية في يومي 28 (يوم استقالة ليبي من منصبه تمهيداً لمحاكمته) و29 من الشهر المنصرم ان تشيني وليبي منذ ان بدآ بالعمل سوياً طوال 15 عاماً يشككان بتقارير وكالة المخابرات المركزية، سي آي اي، وأهليتها وكفاءتها، خصوصاً في ميداني مكافحة الإرهاب والكشف عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل. وهو موقف مشترك للمحافظين الجدد كافة.
ولكن النشر الحالي من الداخل والذي يرافق فضيحة ليبي يكاد يتبنى نظرية مؤامرة حول دور المحافظين ديك تشيني ودونالد رامسفيلد ومن يحيط بهما من مثقفين إلى درجة أن ولكنسون الذي شغل منصب رئيس طاقم وزير الخارجية كولن باول استخدم في وصفهم كلمة cabal أي أشبه بجمعية سرية، واتهم هذه «الجمعية السرية... إنها صنعت قرارات في امور مصيرية لم يعرف جهاز الموظفين مصدرها» (غلين كسلر، واشنطن بوست 21 تشرين الاول/ اكتوبر). تصريح خطير دون شك يعبر عن اندهاش مصدر كبير في الخارجية الاميركية من وجود جسم ما أشبه بجمعية سرية يتخذ قرارات في الحرب والسلام وينفذ أجندته بعناد وصمت من وراء الكواليس. لا بد ان رئيس الطاقم المنزعج قد عبر عما شعر به كولن باول أثناء عمله: إنه وزير خارجية لكن القرارات في الشؤون الخارجية تتخذ في مكان آخر. ومن المفيد أن نذكر هنا أن رامسفلد وتشيني يعملان سوية منذ رئاسة نيكسون وفورد وجورج بوش الاب. انهما الروح غير القدس او للدقة روح الكذب الممتدة من مرحلة الأب إلى مرحلة الابن.
قلنا شيئاً عن علاقة وولفوفيتز وليبي من ايام الشباب مروراً بالبنتاغون. وعندما ترك وولفوفيتز وظيفته في البنتاغون لكي يشغل وظيفة رئيس البنك الدولي عين في الدفاع كرجل ثالث نائب ليبمان في مكتب تشيني اريك ايدلمان. لا شك ان الحديث يدور هنا عن حلقة واحدة من الناس تدور بين مكتبي تشيني ورامسفيلد. لكن التعمق أكثر في سلسلة التعيينات التي تمت في ولاية بوش الاولى تنم عن عرى وثيقة تجمع أصحاب موقف بشن الحرب على العراق، يريدون فرض موقفهم بالوسائل المتاحة وربما غير المتاحة.
لقد شارك ليبي مع وولفوفيتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايث في تأسيس معهد المشروع الاميركي، «أميركان انتربرايز انستيتيوت AEI». وفايث هو صهيوني متطرف ينظِّر منذ فترة لضرورة حل النزاع العربي - الإسرائيلي ليس بواسطة حل القضية الفلسطينية بل بتغيير الأنظمة العربية. وقد شغل منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون تخطيط السياسات. ومن الواضح انه ونائب وزير الدفاع وولفوفيتز حاولا تأسيس وحدة مخابرات داخل البنتاغون تعمل بشكل وثيق مع تشيني وتشكل بديلاً او منافساً لـ «سي آي اي». في رفع التقارير للبيت الابيض. وكانت التقارير كما تفيد اعترافات ضباط متقاعدين حالياً تؤخذ من الصحافة ومن بعض المتعاونين العراقيين الذين لديهم أجندتهم الخاصة في التحريض على الحرب، والمساعدون والضباط من أصل عربي الذين كانوا يكتفون بترجمة الصحف العربية لهم. وهي من النوع الذي يخضع عادة لتقويم مخابراتي دقيق قبل رمي غالبيته في سلة النفايات. أما هنا فقد كان مثقفون مؤدلجون أصحاب موقف يأخذون نبذاً وأخباراً منتقاة ومنزوعة السياق حول علاقة القاعدة بالعراق وحول إنتاج أسلحة الدمار الشامل فيه ويرفعونها تقارير إلى البيت الأبيض من دون أن تمر بمصفاة المخابرات.
وقد عين دابفيد وورمز مسؤولاً عن الوحدة. وللتذكير، ديفيد وزوجته ميراف وورمز هما من صاغا المذكرة الشهيرة المقدمة لنتانياهو عام 1997. وقد تسلم المسؤولية عن هذه الوحدة بعد مأسستها تحت اسم «مكتب التخطيط الخاص» في البنتاغون محافظ آخر جديد هو ويليام لوتي ومعه ابراهام شلونسكي. وفي الفترة التي تسلم فيها هؤلاء مسؤولية هذه الوحدة انتقل ديفيد وورمز ليصبح مساعدا لمساعد وزير الخارجية في حينه لشؤون أسلحة الدمار الشامل ونزع السلاح النووي، جون بولتون. من؟ جون بولتون. مسؤول ماذا؟ مسؤول مكافحة أسلحة الدمار الشامل ونزع السلاح النووي في الخارجية.
لقد وجدا او تم تعيينهم في كل مكان ضروري للتأثير على عملية صنع القرار في ما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وشن الحرب على العراق.
ووصلت ثقتهم بأنفسهم وبسيطرتهم على عملية صنع القرار درجة محاولة نزع مصداقية سفير سابق أوفد للتحقق من إشاعة نشروها بنشر هوية زوجته عميلة سرية في المخابرات الأميركية لوسائل الإعلام. أي أن أخلاقيات البيروقراطية تخضع في عرفهم أيضا للهدف السياسي السامي.
هذه نبذة عن كيفية صنع القرار والعلاقة مع الإعلام في واشنطن. الديموقراطية وربما المحاكم وتعليقات الإعلام النقدية تأخذ مجراها الآن. ولكن في فترة الأزمة والتعبئة القومية وقرع طبول الحرب، حين لزم وجودهم، كانت الصحافة الرئيسية جميعها في صف المحرضين، وفي صف الكذابين.
الحياة (03 11 2005)

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق