241189572571696

الاثنين، 29 مارس 2010

هل "الإسلام السياسي" هو الذي فشل أم خصومه؟




راشد الغنوشي
تبشير مضاد
قناعات راسخة
تبشير مضاد

لقد غدا مألوفا لدى المتابعين لما يصدر عن دوائر غربية مهتمة بمتابعة مسار ما يسمى"الإسلام السياسي"- وما أكثرها- لدرجة أن الماكينة وتمويلاتها التي كانت متجهة لتفكيك الاتحاد السوفيتي المقبور، تم تحويلها في اتجاه الإسلام، منذ بداية التسعينيات -كما ذكرت لي ذلك الرئيسة السابقة البرفسورة إيفون حداد– الرئيسة السابقة لجمعية المستشرقين الأمريكان- أن يتوقعوا منها عقب، كل حدث مهم في الساحة الإسلامية مثل بروز ظاهرة العنف السياسي وانكسارها في مصر والجزائر أو ظهور ممارسات سلبية لأنظمة منسوبة للإسلام السياسي في السودان أو إيران أو أفغانستان أو نسبة حوادث إلى بعض أجنحتهم مثل انفجارات 11 سبتمبر/أيلول، أو تراجع حركة إسلامية عن نسبة حصلت عليها في انتخابات سابقة، غدا مألوفا أن يتوقعوا صدور كتابات تزفّ إلى الرأي العام الغربي والى النخبة المتغربة بشرى انهيار المشروع الإسلامي وبلوغه نهاياته وأنه لا قيام له بعد اليوم. فما الحقيقة وما التوهم أو التفكير بالتمني، في هذه الإعلانات؟
1- ورغم أن هذا التبشير المضاد قد لا يكون مضرا للإسلاميين بل قد يكون نافعا لأن هذه الكتابات ليست مقروءة في أوساطهم، حتى تؤثر في توهين عزائمهم، فقد تخذّل عنهم بعض الشيء، فتخفف من حدة الكيد لهم في دوائر القرار الغربي، فتطامن من غلوائها أو من شرّة أتباعها في بلاد العرب والمسلمين، فيطمئنون بعض الشيء إلى أن الشر أكل بعضه بعضا وانهار من داخله فلا حاجة لتجييش الجيوش وصرف الفلوس، بعد أن استنزفت الخزائن القارونية في مطاردة "الإرهاب الإسلامي"حتى أذّن مؤذن الرأسمالية بالرحيل في أثر شقيقه الأحمر، وكل ذلك في علاقة مباشرة ب"الإسلام السياسي"
2- غير أن هذا التطمين المتكرر بانقضاء نحب الأشرار سرعان ما تأتي المفاجآت تنقضه ويبرز التنين وكأن رؤوسه لا تنتهي، كلما اجتث واحد حلّ محله آخرون أشد فتكا!!. وإذا صحت نسبة تفجيرات 11سبتمبر/أيلول إلى من نسبت إليهم -وهو عمل بقطع النظر عن فاعله لا يستحق من مسلم إلا الإدانة دون تحفظ والتعاطف مع ضحاياه بنفس القدر مع ضحايا كل أعمال الإبادة المماثلة بل الأشد الجارية في العراق وفلسطين والشيشان وغيرها- تكون كل توقعات أجهزة الاستخبارات العملاقة ومراكز البحوث العظمى المتابعة عن كثب لتحركات "الإسلام السياسي" قد منيت بفشل ذريع، قد يحملها على الكف عن التوقع أصلا وإعادة النظر في مناهج بحوثها وما انبنت عليه من مبادئ وفلسفات.
قناعات راسخة

3- أما أهل المشروع الإسلامي المنعوت بالإسلام السياسي وهي تسمية لا يقرها أصحاب المشروع بحكم تكامل الإسلام ورفض تجزئته، فممتلئون بقناعات مستندة إلى عقائد وشواهد واقعية أن:
أ- أن الإسلام باعتباره دين التوحيد المطلق تنبثق عنه رؤية شاملة للكون والإنسان والحياة يمتزج فيها الفلسفي بالعملي الفردي بالجماعي الأخلاقي التعبدي بالاقتصادي والأخروي بالدنيوي، وهي رؤية متعالية عن الزمان والمكان بحكم مصدرها الإلهي غير أنها في تنزّلها إلى حياة الناس تتخذ أشكالا مختلفة فتتلون بلون الأرض ولكنها تظل في سعي دءوب للاصطباغ بصبغة الله وللالتحام بالمطلق. ومهما اقتربت منه لن تبلغ حد التماهي به، بما يلغي كل فلسفة حلولية تدعي تمثيل الحقيقة المطلقة، في شكل دولة تدعي تجسيد المطلق أو في شكل مؤسسة كنسية أو عبر أي شكل آخر، بما يبقي الخطأ ممكنا ومغفورا بل مشجعا عليه ومأجورا من خلال فتح باب الاجتهاد والتشجيع عليه، من أجل تمثل الحقيقة المطلقة في سياق حركة الزمان وتطور المعارف وتعقد المشاكل واختلاف المكان. وفي غياب النبوة ورفض أي ادعاء حلولي في أي شكل كان، لا يبقى غير سلطان الفكر والحجة والاجتهاد بلا نهاية للاقتراب من الحقيقة المطلقة التي يمثلها الوحي باعتباره إرادة الله، ولكن الوحي نص قابل لاحتمالات لا متناهية للتفسير، بما يؤول بالأمر إلى الأمة كلما تعلق الأمر بشأن عملي، فإجماعها أو ما يقرب منه كالأغلبية السبيل الوحيد لترجيح تفسير عن آخر، وهو ما يجعل كل الفهوم التي تقدم للإسلام مستندة إلى أصول معتبرة في التفسير وما يتأسس عليها من تطبيقات وتجارب عملية هي من جهة إسلامية باعتبارها مستندة للأصول الإسلام ولكنها بشرية باعتبارها مجرد اجتهادات لا تلزم غير أصحابها. وما دام مجال الاجتهاد مفتوحا فهذه الآلية كفيلة بتصحيح التأويلات المعوجة الفاسدة. إن هذه الرؤية الشمولية الديناميكية للإسلام هي التي كانت قد انحسرت -خلال عصور الانحطاط- في حياة المسلمين بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية بما أقام في حياة المسلمين وبالخصوص في ظل الاحتلال الغربي وتحت تأثيره - ثنائيات وازدواجيات مباينة لعقيدة التوحيد، وفرض العلمنة على حياتهم الجمعية، بينما حياتهم الدينية لا تزال مستندة إلى عقيدة التوحيد. إن ذلك هو الانحطاط من وجهة النظر الإسلامية الجامعة وهو الجذر الأساسي لتخلف المسلمين.
ب- إن الفكرة الرئيسية في الإصلاح الإسلامي منذ قرنين ولا سيما منذ سقوط آخر شكل للخلافة الإسلامية في الربع الأول من القرن العشرين هي مقاومة هذه الدهرية- بتعبير الأفغاني - أو الفصام النكد – بتعبير الشهيد سيد قطب- الانفصال بين العقيدة والحياة بين العبادة والمعاملة بين المسجد والسوق بين الدين والدولة. مقاومة هذا الفصام النكد عودا بالدين إلى أصله التوحيدي الفكرة الرئيسية في المشروع الإسلامي نقيضا للوثنية كما يترجمها المشروع العلماني المقابل:تهميش الدين وإقصائه عن صراعات الحياة. إن التصدي لهذه الفكرة الأساسية في المشروع العلماني من أجل استعادة الوصل بين الدين والحياة وقيادة الدين للحياة هو جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي منذ زهاء قرنين. وربما يكون الإسلام – حسبما أكد بحق علامة الاجتماع الانجليزي أرنست غلنر- هو الدين الوحيد الذي فشلت فكرة التحديث الغربي أي العلمنة في اختراقه بل هو الذي اخترق التحديث وروضه واستوعب جوهر الحداثة أي التقدم العلمي دون أن يضطر للتنازل عن شيء من جوهره، وهو ما يطلق عليه بعض الدارسين الاستثناء الإسلامي.
ج - إنه بمقدار ما تنحسر فكرة العلمنة والتحديث العلماني لصالح تحديث إسلامي بقدر ما تعتبر الحركة الإسلامية (الإسلام السياسي) في تقدم وصعود، وذلك أن الإسلام التعبدي خاصة لم يكن قط موضع نزاع إلا لدى بعض الزعماء العلمانيين المتطرفين المغرورين مثل بورقيبة الذي انتهك حرمة الصيام جهارا حاملا شعبه على ذلك، وتحدى خلفاؤه شعائر وقيما إسلامية أخرى مثل الصلاة والحجاب. . وإنما النزاع حول الرؤيا الشمولية للإسلام التي تستوعب الحداثة ولا تستوعبها الحداثة، وتعلو سلطان الدولة ولا يعلو سلطانها سلطان، وهو ما اخترع له الغرب اصطلاح "الإسلام السياسي".
د- هذا المشروع الإصلاحي الشامل – وإن تحت القصف الرهيب- يتقدم ولا ينحسر، يتقدم على حساب مشاريع العلمنة. وأشدها بأسا كان المشروع الشيوعي. الذي كان للإسلام الفكري الدعوي وللإسلام الجهادي دور كبير وشرف في إسقاطه، يتقدم، وذلك بقطع النظر عن مدى نجاحات التطبيقات والتجارب المنبثقة والمطبقة هن وهناك فالإسلام بصدد ترويض عصره والتفاعل معه محتفظا بجوهر شخصيته، فلا غرو أن يصيبه التوفيق هنا ويخونه هناك فيتعلم كما تعلم سابقا وهو يروض حضارة فارس والروم والهند ويوظفها سمادا في تربته وبسطا لمشروعه المنداح في الأرض. وتكفي نظرة مقارنة سريعة لتطور عالم الأفكار الأيديولوجية خلال ثلث قرن الأخير في البلاد العربية والإسلامية للتيقن من الانحسار المتسارع للإيديولوجيات العلمانية لحساب ما يسمونه بالإسلام السياسي،حتى اتخذت الدكتاتوريات في العالم الإسلامي مشروعية قيامها وبقائها، التصدي لهذا المد الإسلامي الجارف، فلم يعد زعماء مصر وتونس مثلا يخجلون من إعلان ذلك في لقاءاتهم مع زعماء الغرب وخارجها، للجم ما يتلقونه منهم من ضغوط من أجل قدر من الانفتاح الديمقراطي، واستدرارا للمساعدات الغربية، باعتبارهم قائمين بمهمة حماية الغرب من "الخطر الإسلامي" العدو المشترك، مستحقين للأجر، وذلك بعد أن بدا واضحا أنه حيثما توفرت فرصة للمنافسة بين المشروعين الإسلامي والعلماني إلا وكانت الغلبة للأول. أما حيث المشروع الإسلامي محظور بالقانون كما في تركيا فالمنافسة بين علمانية معتدلة تتعايش مع الإسلام وتخدمه (العدالة والتنمية) وعلمانيات شرسة تحاربه، فيكون الفوز نصيب الأولى، ما اضطر حتى المتطرفة إلى أن تقتبس من نور الإسلام، حتى لا تحرم من نصيبها من بركات مده الشعبي، فيعلن الحزب الجمهوري الوريث لأتاتورك عن قبول متحجبات في صفوفه.الأمر الذي جعل الديمقراطية في خدمة المشروع الإسلامي، فحيثما جرت انتخابات نزيهة في أي مستوى بلدي أو تشريعي أو طلابي أو نقابي فقد غدا منتظرا فوز قوائم الإسلاميين بقصب السبق. ومعنى ذلك:

أولا- أن ما يسمونه الإسلام السياسي أي الرؤية الشمولية للإسلام وهي جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي نقيضا للفهوم الجزئية للإسلام مثل الفهم الصوفي ناهيك عن الرؤيا العلمانية المتطرفة التي تقصيه جملة، هذا الإسلام السياسي سواء أتوفرت له فرصة الحكم أم لم تتوفر، فقد كسب معركة الرأي العام الإسلامي الذي تسلمته الحركة الإصلاحية منذ زهاء قرنين غارقا في الأغنوص الصوفي منسحبا من العالم، ولا تزال تعمل فيه إيقاظا وتوعية وتبصيرا بالمنظور الإسلامي التوحيدي ورسالته في العالم التي لن يؤديها حتى يكون في قلب العالم، في قلب التاريخ، وليس على هامشه كما انتهى إليه أمره لقرون طويلة..وها هو اليوم يقود معارك الأمة الكبرى في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، كما يقودها في معارك الديمقراطية حيثما أشرقت خيوط من شمسها على بلد، ويقودها في المستوى الثقافي والعلمي فيتصدر زعامة الطلبة في قلب مؤسسات الحداثة ويتصدر نقابات أساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء، والجمعيات الخيرية والنسوية..ويقود المسيرات المليونية ضد الهيمنة الامبريالية في شوارع لندن ومدريد وباريس جنبا إلى جنب مع القوى المناهضة للعولمة وللحرب، وهو ما يجعل مهمة تمكّنه مسالة وقت والوقوف في طريقها محض العناد لسنن التاريخ والمجتمع وهي غلابة، لا يدفع صدها إلا للمزيد من ضروب التطرف والغلو والانفجار.
ثانيا - هذا الفوز الباهر الذي حققه المشروع الإصلاحي الإسلامي المنعوت –إساءة- بالإسلام السياسي - في معركة الرأي العام لم يترك خيارات كثيرة في وجه أعدائه للتصدي لأمواجه المتصاعدة غير الاحتماء بأدوات القمع والتعذيب وتزييف الإرادة الشعبية وتكميم الأفواه والاستظهار بالأجنبي ولو بالتفويت فيما تبقى من استقلال، وحتى بارتكاب المجازر الرهيبة وتخريب البلد جملة كما حصل في الجزائر وفي فلسطين. وهو ما يجعل عالم الإسلام وبخاصة منطقة القلب منه –بلاد العرب- معرضة لمختلف الكوارث بسبب الرهان الغربي في تحقيق مصالحه في هذه المنطقة لا على التوافق مع إرادة الشعوب أي الديمقراطية بعد أن غدت هذه مرتبطة الطريق الأقرب إلى حكم الإسلام والإسلاميين، وإنما على الكيان الصهيوني الغاصب المتوحش وعلى حلفائه من الدكتاتوريات الفاسدة. وما مواجهة الإرادة الشعبية الفلسطينية بالحصار والدمار عقابا على اختيارها للإسلاميين إلا مؤشرا على الإفلاس القيمي الغربي وقيادته للعالم إلى الدمار، وشهادة أخرى على حاجة العالم للإسلام ليعيد قدرا من الأخلاق والعدالة إلى سياسة واقتصاد انسلخا منهما.
ثالثا: ومع كل المعوقات في طريق "الإسلام السياسي" فقد أمكن للأحزاب الإسلامية أن تحقق أقدارا غير قليلة من النجاح إن على صعيد تعبئة أوسع القطاعات الجماهيرية وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على شعوب إسلامية والوقوف إلى جانب المقاومة فيها مثل قضية فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير والعراق وأفغانستان أو في مجال التصدي لأنظمة القهر والاستبداد مناصرة لحقوق الإنسان والديمقراطية والعدل الاجتماعي والتعاون في ذلك مع سائر القوى الوطنية، قومية ويسارية ولبرالية في تشكيل جبهات لفرض التحول الديمقراطي، والتعاون كذلك مع قوى تحررية في العالم مثل الحركة العالمية المناهضة للعولمة، والجماعات الدينية المدافعة عن الأسرة والعفة. وبرهنت الأحزاب الإسلامية ونوابها في البرلمانات من المغرب إلى إندونيسيا على مدى ما تتوفر عليه هذه الجماعات من مستوى عال من المبدئية والواقعية في الآن ذاته، وتنهض الحركة الإسلامية اليوم بمهمة تجديد النخبة السياسية وتشبيبها، بديلا عن جيل سياسي علماني حكم فأنهكه الفساد وشبع شيخوخة وعقما. وحتى عندما حكمت أحزاب إسلامية وأزيحت، مثل حزب "الرفاه"، لم تستنفر الجماهير إلى الجهاد، مسفّهة ما اتهمت به من توظيف للديمقراطية!!، وسرعان ما عادت إلى الساحة عبر صناديق الاقتراع أقوى مما كانت بعد أن تعلمت من تجربتها وتشكلت في هيآت جديدة حاملة لبرامج واقعية متطورة، محمولة إلى الحكم على أجنحة آمال شعوبها في العزة والرفاه وطهارة الأيدي المتوضئة،فحققت مستويات تنموية غير مسبوقة.

رابعا: ينطبق هذا نسبيا على الأحزاب المشاركة في الحكومات وهي قليلة- من إندونيسيا إلى الجزائر. عموما يمكن اعتبار أن تجربتها قد أسهمت بعض الشيء في تطويرها ذاتيا فجعلتها أكثر فقها بالواقع المحلي والدولي وفوتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات مما تضررت منه التجربة الديمقراطية كثيرا.
خامسا: ولكن هذه المشاركات تبقى في عمومها جزئية وأحيانا ضارة بالأحزاب المشاركة نفسها وبصورة الإسلام بسبب عجز الأحزاب المشاركة عن تغيير السياسات العامة بل هي غير قادرة أحيانا حتى على حماية ما هو قائم من كسب للعربية وللدين، كما حصل في الجزائر، إذ لم تمنع مشاركة الإسلاميين من التراجع عن برنامج التعريب ونظام التعليم الأصلي(الإسلامي). ولا مكنت مشاركة الإسلاميين المصريين والأردنيين مثلا من وقف التطبيع ولا فتح المعابر ولا حتى وقف بيع الغاز للكيان الصهيوني، ما يخشى معه أن تكون مشاركة الإسلاميين مجرد عامل تزيين لصورة الحكم وإضفاء للشرعية الدينية عليه، وهو أمر خطير على الحركات المشاركة ذاتها بل على صورة الإسلام ذاته، وقد يفضي بها إلى التراجع وحتى إلى التمزق. ولكن ذلك لئن أخر فريقا إسلاميا فسيفسح المجال لفريق إسلامي آخر، ما دام مد الصحوة صاعدا، وهو مد أوسع من أن يستوعبه ويحتويه تنظيم مهما عتا.
سادسا: أما الجماعات الإسلامية التي استقلت بالحكم مثلما هو الأمر في إيران والسودان وطالبان سابقا، فوضعها مختلف، إلا أنها عانت جميعها من الحصار والاستهداف دوليا وإقليميا، حتى لوجودها ذاته، فانفجر الوضع السوداني تحت وقع الحصار ولمّا يخرج بعد من حروبه الأهلية ولمّا يحقق وحدته الوطنية. أما التجربة الإيرانية فهي الأخرى تعيش تحت وقع الحصار الدولي وتكابد من أجل تحقيق قدر من توازن القوة مع أعدائها الخطرين، ما يستنزف قدرا كبيرا من مواردها تأمينا لبقائها في مواجهة أضخم تكتل دولي مستعينا بتواطؤ إقليمي. ومع ذلك فقد حقق النموذج الإيراني في إرساء نظام مستقر يحقق التداول في نطاق الايدولوجيا الرسمية للدولية (ولاية الفقيه) ويوفر استقلال قراره وتصميمه على انتهاج مشروع تنموي ضخم، يقدم الدعم لمقاومة المشروع الصهيوني الذي استسلمت له المنطقة تقريبا. ومع أنه ليس مبرأ من المآخذ إلا أنه يبقى متقدما بالقياس إلى الأنظمة العربية المجاورة سواء على صعيد نظامه السياسي أو على صعيد استقلال قراره أو دعمه للقضية المركزية للأمة. أما مشروع طالبان فهو أقرب انتماء لتراث ما قبل الحركة الإسلامية، الذي هو مزيج من الإسلام والحداثة ولك أن تدعوها الحداثة الإسلامية. و"مشروع طالبان"ينتمي لمرحلة سابقة.

سابعا: وتظل الصورة العامة لوضع الإسلام - وربما الأفضل ضمن الظروف القائمة - أنه في المعارضة للاستبداد العلماني المحلي وللهيمنة الدولية الداعمة له، سواء أكانت معارضة معترفا بها- والمعارضة الجادة مثل الإسلاميين هم في غنى عن استجداء اعتراف من خصوم لا يملكون شرعية أصلا. فضلا عن أن المعارضة في الإسلام هي جزء من واجبات المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداؤه لا يحتاج إلى إذن من حاكم،- أم كانت تدور عليها رحى القمع إلى درجة السحق أحيانا أخرى.
ثامنا: وفي كل الأحوال المشروع الإسلامي أوسع من أن يختزله حزب أو برنامج للحكم، الحكم مجرد جزء من مشروعه، وليس هو الأعظم والاهم، ولذلك سقطت للإسلام دول لا تحصى بينما استمر فعله في الأمة والتاريخ. ولطالما عرفت حضارة الإسلام ازدهارا في مجتمعات زاخرة بالفكر والثروة في ظل دول فاسدة، حيث كانت سلطة الدول محدودة والمبادرة الحرة متاحة. وإنما اشتد طلب الإسلاميين على الحكم بأثر دولة "الحداثة " التي تغولت حتى خنقت مبادرات المجتمع وابتلعته. إن مركز المشروع الإسلامي الإنسان، فردا وأسرة وعلاقات اجتماعية، باعتباره مشروعا مجتمعيا تربويا يتجه إلى الإنسان ليحقق في حياته أيا كان وضعه حضورا لله في حياته يلوّن كل فكره ومشاعره وسائر مسالكه وعلاقاته بصبغة إلهية. وفي هذا الصدد يمكن اعتبار المشروع الإسلامي رغم ضعف انجازه في مستوى الوصول إلى السلطة بسبب عوائق الميزان الدولي المائل حتى الآن لصالح خصومه، أنه مع ذلك قد حقق على صعيد الأمة انجازات كبرى تؤهله عن جدارة للحديث باسم الرأي العام في الأمة الإسلامية. نعم هو في المعارضة، والعلمانية في السلطة، ولكنه المعارضة الأقوى والأوسع شعبية. ولم يكن الأمر كذلك قبل أزيد من ثلث قرن. الإسلام اليوم يمثل أمل الأمة بل وقطاع من الإنسانية في استعادة الأخلاق والعدل والمعنى إلى حضارة وسياسة تتعرى من كل ذلك بشكل مريع، شهدت على ذلك فضائح غوانتينامو وبوغريب وكاترينا وأحزمة الفقر المحيطة بكثير من المدن الحديثة مثل باريس، فضلا عن أزمة الرأسمالية وانهياراتها. وما فظائع النازيين الصهاينة في غزة وصمت بل تشجيع أوليائهم حكام الغرب لهم غير شواهد على هذا الإفلاس القيمي ونداء للإسلام المنقذ.
تاسعا: من الدروس المستفادة من تجارب التطبيق الإسلامي في مستوى منهج التغيير والحكم، أهمية مبدأ التدرج ورفض الاستدراج إلى العنف إلا دفعا لمحتل، وتركيز الجهد على إصلاح الإنسان ومؤسسات المجتمع، بدل التمركز حول الدولة. أعز مطالب الإسلام وبالخصوص ضمن وضع التجزئة: الحرية، القيمة الإسلامية الكبرى والبوابة الرئيسة لكل إصلاح.
وخير من الانفراد بالحكم ولو كان ذلك مقدورا عليه انتخابيا المشاركة فيه ضمن جبهات تلتقي حول مشروع للتغيير والحكم، تبدو اليوم قدرات كل الأطراف عليه ضعيفة.
الخلاصة

إنه من قبيل التسرع الاستناد إلى تجربة فاشلة هنا أو هناك من تجارب التطبيق الإسلامي، للإعلان الاستعراضي بفشل الإسلامي السياسي أو لإعلان وفاته،في تجاهل كامل لعمق هذا المشروع المجتمعي وشموليته التي لا يمثل السياسي منه إلا بعدا من أبعاده، وفي تجاهل أيضا أن هذا المشروع هو المشروع الوحيد القمين بأن يستعيد للأمة اعتزازها بذاتها وكرامة أهدرتها أنظمة منزوعة الإرادة لصالح القوى الأجنبية، فتولى أصحاب هذا"الإسلام السياسي" الذي لا يفتأ أعداؤه يعلنون وفاته ضيقا به، الدفاع عنها بالأجساد العارية – كما حدث في ملحمة غزة بعد استسلام الجميع-في مواجهة أعتى ما أنتجته الحداثة من وسائل الدمار.وهل غير الإسلام السياسي نهض اليوم للوقوف في وجه ميزان قوى مختل بالكامل لصالح الاحتلال في فلسطين ولبنان والصومال. وذلك بعد أن استسلمت الدول لمنطق الغطرسة الصهيونية الغربية لتوقّع اتفاقات الإذعان والخنوع؟ إنه المشروع ذاته الذي استنقذ ويستنقذ ملايين الشباب من ثقافة العولمة الهابطة ليعطيهم معنى وهدفا لحياتهم، وهو ذاته الذي يحرك الشارع ويمثل أقوى عامل ضغط على الحكام لمنعهم من الاستسلام وهو ذاته الذي يطور الفكر الإسلامي ويصنع مجرى عاما من الاعتدال والقبول بالآخر ومنع التطرف أن يختطف الإسلام من خلال رد فعله على ظلم الحكام والقوى الدولية الداعمة لهم وللاحتلال،وهو ذاته الذي يطور مشاريع خيرية ومؤسسات تعليمية ومشاريع اقتصادية وفنونا وآدابا وأزياء حديثة للنساء. تعبر عن ثراء الإسلام وتنوعه وقوة المجتمع المدني في التصور الإسلامي بما يجعل"الإسلام السياسي"أكبر بكثير من أن يلخص في تجربة أو ممارسة سياسية هنا أو هناك. إنه حركة أمة يشتد وعيها يوما بعد يوم بتخلفها وغلبة الأمم عليها وبما قادتها إليه ضروب العلمنة والاستبداد من مذلة وهوان،وبما يتوفر عليه دينها من أبعاد حضارية ومن طاقات للمقاومة كفيلة إذا أحسن استغلالها أن تفجر طاقات هائلة في كل مجالات الإبداع بمثل ما اجترح من إبداع شباب غزة العظام وشباب حزب الله وشباب المقاومة العراقية. . الذين وضعوا حدا لعربدة المادة وغطرسة السلاح شاهدين لقوة الحق وغلبة الإنسان على الآلة وانتصار الإيمان على الطغيان والكفران.
قد تفلت بعض الطاقة التي فجرتها الصحوة من التحكم،تحت وقع رد الفعل على طغيان الحكام المدعومين بلا حد من مراكز السيطرة الغربية، فتكون مؤذية للمشروع الإسلامي قبل غيره، كما حصل في الجزائر ومصر ونيويورك ومدريد ولندن ومناطق أخرى ولكن يبقى هذا "الإسلام السياسي "قائما بوظيفة لا تعوض: بسط صلات التراحم والتماسك داخل الأمة ومواصلة التصدي لأعدائها حتى وإن اختلت موازين القوة لصالحهم بما يحفظ للأمة شيئا من عزة الانتماء إليها فضلا عن دوره في تطوير مشاريع ومنظورات فكرية سياسية واقتصادية وتطبيقات عملية معظمها يتجه إلى استيعاب الحداثة بما هي علوم وتقنيات وإنتاج واقتصاديات وآليات لإدارة الاختلاف والتعدد سلميا داخل الإسلام وخارجه ,وكل ذلك على أرضية الإسلام وعلى شروطه ولمصلحته. فهل يعد كل ذلك فشلا للإسلام السياسي لمجرد أعمال طائشة لم تمثل يوما المجرى العام للحركة الإسلامية بقدر ما هي هوامش لا يخلو منها مجتمع ويتحمل مسؤوليتها الاستبداد السياسي والاحتلال والقواعد الأجنبية في أرض الإسلام وكل ذلك ليس مسؤولية الإسلام.
إن مستقبل حركات الإسلام"الإسلام السياسي" مرتبط بالإسلام، تتقدم بتقدمه وتتراجع بتراجعه بصرف النظر عن تراجع ظرفي لهذه الحركة أو تلك لا تلبث أن تتلافاه. والثابت أن مد الإسلام في حالة صعود كما وكيفا واندياحا في الجغرافيا، بما يقطع أن نخبته حاكمة غير بعيد بإذن الله. والمسالة مسالة وقت."والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" سورة يوسف 20
_______________
مفكر تونسي
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق