241189572571696

الاثنين، 29 مارس 2010

القومية العربية آخر ما تبقى للعرب



أ.د. أحمد سعيد نوفل
فشل التيار القومي أم فشل الدولة القطرية
في المفهوم ومحدداته
دول العالم تتكتل والعالم العربي تتجزأ
إسرائيل والقومية العربية
كشف العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، أزمة كبيرة في النظام الرسمي العربي، الذي عجز عن اتخاذ موقف موحد داعم للفلسطينيين ووقف العدوان، مما زاد من حدة الانقسامات بين الدول العربية. وثبت أن الدولة العربية القطرية عاجزة عن الدفاع عن قضاياها المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. في الوقت الذي وحد الصمود الفلسطيني في غزة، الجماهير العربية، التي خرجت لكي تعبر عن دعمها للفلسطينيين. وتوحدت مواقفها، من دون النظر إلى المكان الذي عبرت فيه عن دعمها، وهو ما عجز النظام الرسمي عن تحقيقه. وأعاد بالذاكرة ضرورة البحث عن كيفية الخروج من أزمة النظام الرسمي العربي، الذي ابتعد عن العمل القومي، وسار وراء سراب المصالح القطرية التي تضاربت فيما بينها، على حساب المصالح القومية العربية. وطرح التساؤل -من جديد- عما إذا كانت القومية العربية ما زالت صالحة للعالم العربي؟
فشل التيار القومي أم فشل الدولة القطرية

لا شك أن القومية العربية قد واجهت ضربة كبيرة من عدوان إسرائيل في عام 1967، وأضعفت التيار القومي العربي، مقابل صعود الدولة القطرية. وعلى الرغم من بعض الأخطاء التي ارتكبتها الحركة القومية العربية في الستينات، إلا أنه وبالمقارنة مع الوضع العربي الحالي، تصبح تلك الأخطاء ضئيلة أمام ما ارتكبته الدولة القطرية في الأربعين سنة الماضية من جرائم بحق شعوبها.
ولو استطاعت الدول العربية في السنوات الأخيرة، أن تدافع عن نفسها أمام العدوان الخارجي عليها، ولو حققت التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعوبها، ولو قضت على الأمية والتخلف في مجتمعاتها وجلبت الاستقرار لمواطنيها، وبنت الدولة الحديثة، لو تحقق كل ذلك، لكان من الممكن القول أن الدولة القطرية حققت ما كانت تحلم به الشعوب العربية.
وإضافة إلى ما سبق بيانه، فقد فشلت الدولة القطرية في المحافظة على وحدة أراضيها، وبات البعض منها مهددا في وجوده. مما يؤكد على أن المشروع القومي العربي هو الذي يتلك الحلول لمواجهة تلك التحديات.
في المفهوم ومحدداته

يرتبط مفهوم القومية، بمفهوم الأمة الواحدة التي لها هوية سياسية، تجمع بين أفرادها روابط خاصة، مثل اللغة والعقيدة والمصالح المشتركة والتاريخ والمصير المشترك الواحد. والقومية العربية التي تجمع بين أبناء الأمة العربية الواحدة، تهدف إلى تحقيق استقلال الوطن العربي ووحدته، وبعث الحضارة العربية. وهي تستند إلى عناصر الوحدة الموجودة عند العرب في المشرق والمغرب، وهي اللغة العربية: على الرغم من وجود عدة لهجات في الوطن العربي، إلا أن اللغة التي يتحدثون ويقرؤون ويكتبون بها هي اللغة العربية.
بعكس ما هو موجود في الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، إذ توجد 15 لغة وثقافة مختلفة داخل الاتحاد، ومع ذلك توحدت تلك الدول داخل الاتحاد. وقد صرف الاتحاد الأوروبي 500 مليون يورو على السياسة الثقافية في أوروبا، عام 2004، من أجل تقريب الثقافات الأوروبية المختلفة داخل الاتحاد. كما أنه يمكننا أن نتحدث هنا المصالح المشتركة، التي تجمع الشعوب العربية مع بعضها البعض، لأن ما يجمع بين مواطن عربي وآخر يبعد عنه جغرافيا آلاف الكيلومترات، هو المصالح المشتركة، أكثر بكثير، مما يربطه بمواطن أجنبي من الممكن أن يعيش قريباً منه.
ووجود المصالح المشتركة هو الذي يقرب أبناء الوطن العربي من بعضهم البعض. وبات من المؤكد أن المصالح المشتركة، إذا سعت الأنظمة العربية إلى تحقيقها، سوف تكون في مصلحة الشعوب العربية كافة، بعد أن عجزت المصالح القطرية عن تحقيق تقدم الدولة القطرية العربية. وكذلك التاريخ المشترك، الذي عاشه العرب منذ آلاف السنين، خصوصاً منذ مجيء الإسلام مرورا بالخلافة الإسلامية والأموية والعباسية حتى الدولة العثمانية، وانتهاء بمجيء القوى الاستعمارية نفسها إلى الوطن العربي، هذا فضلا عن المصير المشترك الذي يربط العرب مشرقا ومغربا، وعلى الرغم من وجود خلافات بين الأنظمة العربية، إلا أن الشعوب العربية لها مصير واحد.
ومثال على ذلك، عندما حدث العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث شعر كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج، بأنه مهدد في وجوده ومصيره، وليس فقط الشعب العربي في مصر. وكذلك الأمر بالنسبة للتعاطف العربي مع الشعب العراقي ضد الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق. وأخيرا شعور المواطن العربي أن ما يحدث في غزة من عدوان إسرائيلي، يعتبر عدوانا مباشرا عليه. أضف إلى ذلك، تأييد الشعوب العربية لحركات التحرير الوطنية في الجزائر واليمن وفلسطين.
دول العالم تتكتل والعالم العربي تتجزأ
ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح في هذا المجال، هو عن السبب الذي يجعل الدول العربية تبقي على حالة التجزئة التي فرضت عليها، وهي تعرف جيداً أن استمرارها لا يخدم مصالحها. بل أن العالم يتجه في أجواء العولمة، نحو إيجاد تكتلات اقتصادية لا يجمع بينهما أي عامل وحدوي، سوى المصالح المشتركة ولم يعد للدول الصغيرة والضعيفة أي مستقبل في ظل نظام عالمي جديد، يتجه نحو بناء تكتلات كبيرة حماية لمصالحه.
ولا شك أن استمرار التجزئة في الوطن العربي يهدد بقاء الأمة العربية ومستقبلها، في ظل التكتلات الدولية الضخمة. وإن الدعوة إلى الوحدة بين الدول العربية المتجانسة هو الرد العملي على التجزئة التي يعيش فيها الوطن العربي، لان التجزئة هي التي أوصلت العرب إلى الوضع المأساوي الذي يعيشون فيه الآن.
كما أن النظام الإقليمي العربي الذي هو "مجموعة من الوحدات المتقاربة جغرافيا بينها علاقة توافق و"اعتماد متبادل" أكثر قوة كثافة من العلاقة بين هذه الوحدات وغيرها من الوحدات خارج النظام، مما يجعل الوحدات المكونة للنظام تدخل في تفاعلات تكون بدورها أكثر كثافة من التفاعلات بينها وبين غيرها من الوحدات"1. وينطبق هذا التعريف على النظام الإقليمي العربي، لوجود تقارب جغرافي بين الأطراف العربية المشتركة في النظام الإقليمي، وحدوث تفاعل عبر التاريخ بين وحدات النظام الإقليمي العربي. مما يدل على وجود خصوصية في النظام الإقليمي العربي، تتعدى ما هو موجود في الأنظمة الإقليمية الأخرى.
وإن تراجع المشروع القومي العربي، لا يعني أن الجماهير العربية لم تعد مؤمنة به، بل ما زالت الشعوب العربية تعتبر طريق الوحدة هو الخلاص من حالة الضياع والضعف الذي تعيشه في معظم الأقطار العربية، خاصة أن الدولة القطرية عجزت عن حماية المصالح العربية والإنسان العربي من المخاطر التي تتربص به. والقومية العربية موجودة في وجدان الأمة العربية، على الرغم من ارتفاع بعض الأصوات في السنوات الأخيرة التي تتحدث عن القطرية وتركز على المطالب والمصلحة الوطنية لدى كل دولة عربية، مع العلم إن المصلحة الوطنية لا تتعارض مع المصلحة القومية للعرب لأنه لا يمكن حماية مصالح هذه الدولة القطرية نفسها بمعزل عن ارتباطاتها العربية الأوسع.
إسرائيل والقومية العربية

ومن جهة ثانية، تعتبر إسرائيل القومية العربية خطرا عليها، وأكد التأييد الشعبي العربي للمقاومة الفلسطينية في غزة، الشعور القومي الحقيقي الموجود لدى ثلاثمائة مليون عرب ( مسلم ومسيحي ) ضد إسرائيل. وهذا برهان على أن عدم وجود الدولة العربية الواحدة حاليا، لا يلغي وجود الأمة العربية الواحدة والقومية العربية، التي عبرت في حالات كثيرة عن ارتباطها المشترك بالقضايا المصيرية التي تواجه العرب من المحيط إلى الخليج.
إن إعادة الحديث عن الوحدة العربية في الظروف الراهنة الصعبة التي تمر بها الأمة العربية، وعن دور إسرائيل في محاربتها، يهدف إلى التركيز على أن فكرة الوحدة العربية ما زالت موجودة في وجدان الجماهير العربية. لأن تلك الجماهير تعي جيدا بأن حالة التجزئة والتشرذم التي تعيش فيها، هي السبب الرئيس في معاناتها والمشاكل التي تواجهها، ومن ذلك تطاول القوى الأجنبية عليها، إلى حد احتلال أرضها والعبث بمصيرها.
ويؤكد هذا المعطى على أن إلقاء الأضواء على الوحدة العربية، في هذه الظروف الحالكة التي تمر بها الأمة العربية، يحفز المؤمنين بها على التمسك بها والدفاع عنها من أجل تحقيقها. ويساهم في إعادة بعث ثقافة المقاومة ضد ثقافة الاستسلام التي تحاول إسرائيل والقوى الإمبريالية العالمية فرضها على الأمة العربية. خاصة أن فكرة الوحدة العربية ظهرت، مع ظهور حركة التحرر الوطني العربي ضد الاستعمار، مما أعطاها بعدا تحرريا ومفهوما تقدميا، وجعل القوميين العرب، يعتبرون الوحدة العربية بأنها أعلى مرحلة من مراحل النضال العربي ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية.
وأن الوعي العربي بالوحدة العربية لا يتناقض مع الوعي الوطني القطري بل هو جزء لا يتجزأ منه. كما أن عدم تحقيق الوحدة العربية قبل قيام إسرائيل لا يعني أن لا دور لها في عدم قيام الوحدة، لأن الاستعمار الذي ساهم في خلق إسرائيل لعب دورا كبيرا في تجزئة الوطن العربي، وساعد على قيام إسرائيل. وإذا كانت إسرائيل والصهيونية، باعتراف العرب، تعتبر العدو الرئيسي لهم، فإن عملها ضد الوحدة العربية يكون حافزا لهم على العمل من أجل تحقيقها، وهي المشروع الذي ترفضه إسرائيل.
خاصة أن الصراع ضد الصهيونية، لعب دورا مهما في إيقاظ الوعي القومي العربي في الأقطار العربية، بسبب ما تمثله إسرائيل من خطر على الشعوب العربية. ولهذا فإن إسرائيل التي قال رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يهوشفاط هاركابي بأنه إذا فتحت مدرسة في جنوب السودان، فإن ذلك سوف يؤثر على أمن إسرائيل, ترى بأن القومية العربية تشكل خطرا حقيقيا يهدد وجودها.
وإذا كانت إسرائيل ترى في قرارة نفسها أن وجودها في فلسطين، سيبقى على الصراع مع العرب إلى أن تحقق أهدافها وإستراتيجيتها في الوطن العربي، فإن الأمة العربية ترى أن الصراع مع إسرائيل، هو صراع وجود، لن ينتهي إلا بزوال إسرائيل وعودة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في فلسطين. ولكن في المقابل، وبما أن القضية الفلسطينية، تعتبر جزءا لا يتجزأ من القضايا القومية العربية، وأن الهدف الرئيسي للقومية العربية هو تحرير جميع الأقطار العربية من الاستعمار والتبعية، فإن فلسطين التي تقع في قلب الوطن العربي، هي القضية المركزية للأمة العربية من أجل تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي. ويبقى تحرير فلسطين والوحدة العربية، هدفان رئيسيان للأمة العربية يكملان بعضهما بعضاً، مهما كانت المصاعب والمؤامرات التي تعارض طريق التحرير والوحدة.
وفي الماضي، كانت إسرائيل، تحارب القومية العربية والوحدة العربية، إلا أنها وسعت من دائرة تآمرها في السنوات الأخيرة، وأصبحت تعمل حاليا على معاداة الإسلام، عن طريق تشويهه والاشتراك مع القوى الدولية، في لصق الإرهاب بالإسلام والمسلمين. وحولت خطابها المعادي للعرب، من التخويف من المد القومي العربي والوحدة العربية، إلى التخويف من الإسلام والأصولية الإسلامية. منتهزة الموقف الغربي من محاربة "الإرهاب " بعد ربطه بالإسلام السياسي، كما انتهزت من قبل محاربة الدوائر الاستعمارية محاربة القومية العربية والوحدة العربية. إلا أن هدفها يبقى دائما هو تجزئة الوطن العربي وإضعاف القوة العربية الرافضة لوجودها.
لقد استطاعت إسرائيل أن تحول طائفة دينية، وهي اليهودية، إلى قومية تعيش في دولة واحدة عن طريق مؤسسات الدولة المختلفة، إلا أنها تريد تفكيك الأمة العربية الموجودة منذ القدم، إلى طوائف متناحرة، تعيش في دويلات متصارعة، وهو ما تهدف إلى تحقيقه من خلال وجودها في قلب الوطن العربي.

ولهذا فإن الصورة انقلبت وأصبح على العرب أن يدافعوا عن وجودهم من خلال التمسك بوحدتهم من خطر التجزئة، لأن الوحدة العربية عقيدة راسخة في ضمير الأمة العربية، تنتظر من يحركها ويقودها نحو التنفيذ. علما بأن مقومات الوحدة العربية موجودة وكامنة في الأمة العربية، وهي بحاجة من يعمل على إنجازها، على الرغم من التحديات التي تواجهها، كالتحدي الصهيوني، كما فعل من قبل الزعيم عبد الناصر. ولهذا فإن القضية الفلسطينية، تلعب دورا مهما في تحقيق الوحدة العربية، لأن استمرار نضال الأمة العربية في العمل من أجل تحرير فلسطين، تعتبر الفرصة الوحيدة والأساسية المتبقية أمامهم لتحقيق الوحدة العربية، وبقدر ما يضع العرب فيها من جهود، بقدر ما يقتربون من تحقيق الوحدة.
وإذا استكان العرب في عدم مقاومتهم للوجود الإسرائيلي في فلسطين، فإن هذا يعني أنهم سيقضون على مشروع تحرير فلسطين وعلى الوحدة العربية، بل على وجود الأمة العربية ومستقبلها، خاصة وأن الجماهير العربية تعرف حاليا، بأن الواقع الصعب الذي تعيشه هو الناتج الطبيعي لتجزئتها، وعندها ستصبح الوحدة العربية هدفا تسعى إلى تحقيقه. وإذا كانت الوحدة العربية مطلبا قوميا في السنوات الماضية، فإنها الآن مطلبا قوميا ووطنيا في ظل نظام عالمي جديد لا مكان فيه للضعفاء والمشرذمين. وليس من مصلحة الجماهير العربية ولا الأنظمة العربية أن تبقى ضعيفة أو تابعة لقوى عالمية أو إقليمية تريد المحافظة على مصالحها وقوتها على حساب العرب ومصالحهم. وإن فشل العرب في التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين، لا يعني بأي حال من الأحوال فشل القومية العربية نفسها، بل على العكس، فإن عدم قدرة العرب التغلب على إسرائيل طيلة السنوات الماضية، يعود لحالة التجزئة المفروضة على الوطن العربي، والتي كان للاستعمار الغربي دورا كبيرا فيها، أي هو دليل على الحاجة إلى مشروع الوحدة والتكامل العربيين في مواجهة هذه المخاطر الجلل التي تتربص بالعرب بعد أن عجزت دولة التجزئة عن إنجاز الحد الأدنى من ذلك.
النظام الرسمي العربي الذي اعتمد في وجوده على الدولة القطرية، أثبت فشله في السنوات الماضية، مما جعل استعادة التفكير بالقومية العربية كمشروع تقدمي لحل المشاكل التي تواجه الأمة العربية أمرا ملحا، لكي لا تجد الأنظمة العربية نفسها، بعيدة عن نبض الجماهير العربية التي ما زالت مؤمنة بالعمل القومي العربي، وترفع شعار الوحدة العربية. ولقد أثبتت الجماهير العربية التي نزلت إلى الشوارع معبرة عن تأييدها ودعمها لقطاع غزة، أنها تعرف مصلحتها أكثر من الأنظمة العربية نفسها. فقد توحدت الجماهير العربية، على الرغم من حالة التجزئة التي استكانت إليها الأنظمة العربية. ولم يعد أمام العرب سوى إحياء المشروع القومي العربي، أمام مشاريع الشرق أوسطية التي تريد تفتيت الوطن العربي، أكثر مما هو عليه الآن.
_______________
أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية
إحالات:
1 - أحمد يوسف أحمد ، العرب وتحديات النظام الشرق أوسطي، في أحمد صدقي الدجاني آخرون ، التحديات الشرق أوسطية الجديدة والوطن العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1994، ص19.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق