241189572571696

الأربعاء، 24 مارس، 2010

الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي



منذر سليمان
أنظمة ملكية عسكرية وتقليدية

شهدت العقود الأخيرة نوعا من الاستقرار النسبي أو الانتقال السلمي للسلطة في العالم العربي وخاصة في الدول التي كانت مسرحا تقليديا للانقلابات العسكرية المتتالية في عقدي الخمسينيات والستينيات. ويبدو النظام الرسمي العربي محكوما بنوعين من الملكية مهما تنوعت التسميّات: الملكية التقليدية للأسر الحاكمة والملكية العسكرية للأنظمة التي تطلق على نفسها غالبا لقب جمهورية.

و لكن غياب حدوث الانقلابات العسكرية لم يرافقه تراجع في سيطرة العسكريين على زمام الحكم في معظم الدول العربية، حيث يتربع على السلطة عسكريون أفرزتهم المؤسسة العسكرية نفسها، أو أغدقت عليهم بالتراضي رتبا عسكرية رفيعة بالإضافة إلى الجمع بين منصب الرئاسة والقيادة العليا للقوات المسلحة. وحتى في الأنظمة الملكية التقليدية يتبوأ الملك أو أمير البلاد منصب القائد العام للقوات المسلحة أيضا.

وفي العديد من "الملكيات العسكرية" تم إضفاء الطابع المدني والشرعي على استمرار العسكريين في السلطة عبر إجراء الاستفتاءات أو الانتخابات التي تجري بطريقة لا تسمح عمليا بحدوث منافسة للحاكم المرشح الأوحد وتجاوز القوانين و الدستور من خلال تجديد العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية التي تجعل محاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية المرجعية المهيمنة للبت في القضايا المدنية و الجزائية بحجة أنها تمس أمن الدولة.

لقد تحول الجيش في معظم الدول العربية إلى العنصر الحاسم في ضمان استمرار الحكم و أضحت مهمته الرئيسية أمنية داخلية كرديف قوي للأجهزة الأمنية الداخلية الأخرى و تزايدت الحالات التي يتم فيها الاعتماد على الجيش في مهمات الأمن الداخلي لدرجة أن طبيعة تدريبه واختيار ثكناته و تمركز تشكيلاته مرهون بالهواجس الأمنية الداخلية وليس لهواجس المخاطر الخارجية مع بعض الاستثناءات في الدول التي لا تزال تحسب حساب المواجهة مع المشروع الصهيوني.

عوامل ساهمت في غياب الانقلابات العسكرية

على أية حال يبدو السؤال المنطقي و المشروع طرحه هنا لماذا غابت الانقلابات العسكرية عن المسرح السياسي العربي لفترة طويلة ؟

كي لا نقع في التعميم المخل هناك حالات من الانقلاب العسكري المباشر وغير المباشر قد جرت في عدة بلدان عربية في الفترة الماضية رغم أنها لم تحمل برمتها الطابع الكلاسيكي للانقلابات وتجدر الإشارة هنا إلى ما جرى في اليمن والسودان وفي تونس والجزائر دون أن ننسى ما تردد من أنباء عن محاولات فاشلة أخرى في عدة بلدان عربية خليجية. ويبقى الاتجاه الغالب في الساحة العربية هو استقرار الأنظمة التي نشأت في أحضان الانقلابات العسكرية وعدم انتقال العدوى للأنظمة الملكية التقليدية.

يبدو أن الأنظمة الرئاسية (العسكرية أصلا) تمكنت من إتقان فنون البقاء في السلطة و منع الانقلابات عليها بتضافر عوامل عديدة أبرزها:

- تكوين ميليشياتها الخاصة تحت مسميات الحرس الجمهوري أو الوطني أو القوات الخاصة، وربطها بشبكة من العلاقات العائلية أو القبلية و منحها صلاحيات واسعة لحماية النظام مما جعلها عنصر موازنة مع الجيش الرسمي الذي تمسكه بيد من حديد عبر المغريات أو المناقلات المفاجئة لكبار الضباط أو الترقيات والإقالات وحتى التصفيات. ومارست الأنظمة الملكية التقليدية سياسة موازية لمثيلاتها في تكوين الحرس الوطني أو الأميري وأخضعته أيضا لشبكة الولاءات العائلية والقبلية وجعلته منافسا طبيعيا للجيش، وكانت أكثر اقتدارا في السخاء عليه.

- في ظل غياب السعي الجدي لبناء مؤسسات المجتمع المدني، تحولت المؤسسة العسكرية إلى أهم قطاعات الدولة وأوسعها حجما، والمتلقي للقسط الرئيسي من الميزانية السنوية للإنفاق الحكومي بحجة الإعداد للمواجهة مع المشروع الصهيوني. ورعت السلطة أفراد المؤسسة العسكرية عبر الإنفاق غير العادي بمنح الزيادات المتكررة في الرواتب وتقديم التعويضات والخدمات وتسهيلات الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والسكنية وغيرها من المنافع التي ربطت الأفراد وعائلاتهم وجيش المتقاعدين في شبكة المصالح المشتركة، وهكذا تحولت الدولة إلى دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية والاقتصادية للقوات المسلحة ومتقاعديها الذين يضمنون مداخيلهم ومنافعهم مدى الحياة طالما أن النظام قادر على توفيرها وفي المقابل يضمن النظام ولاءهم.

إن عدم انخراط المؤسسة العسكرية في معارك وطنية ضد العدو الخارجي حوّل النخبة العسكرية إلى مجموعة من الموظفين الإداريين بعيدين عن الاحتراف العسكري وإتقان العلوم العسكرية وفنون القتال وإدارة المعارك وحال دون بروز قيادات عسكرية تتمتع عبر خبرتها الميدانية في الصراع بمكانة خاصة لتكون رموزا وطنية تتجاوز بسمعتها وشعبيتها دائرة السلطة الحاكمة وتستجيب للمخيلة الشعبية الطامحة إلى الالتفاف حول أبطال وطنيين قادرين على كسر الطوق المحكم حول الاستئثار بالسلطة وتحفزهم على القيام بحركات إنقاذية داخلية انقلابية.

- واقع التجربة المريرة التي عانتها الحركات والأحزاب السياسية، التي استلمت السلطة عبر جناحها العسكري الحزبي، والتي وجدت نفسها ملحقة به ومهمشة، [مما] جعلها تتراجع عن مجرد التفكير بالعمل الحزبي داخل القوات المسلحة. كما تعلمت ذلك الأحزاب و الحركات السياسية الثورية الأخرى، وأحجمت أيضا عن توخي العمل مع العسكريين عبر الانقلابات العسكرية، من أجل إحداث التغيير المنشود. يضاف إلى ذلك تراجع العمل الحزبي المنظم في الساحة العربية نتيجة الهزائم المتكررة التي عانت منها فصائل حركة التحرر العربي بتياراتها المختلفة.

- مصادرة الحياة السياسية و الفكرية والثقافية عمليا من قبل أنظمة الحكم وتطويع الحركات السياسية المعارضة والسماح لتيارات منها بالدخول إلى البرلمانات طالما أنها تشكل أقلية غير فاعلة وتضفي على الحكم طابعا ديموقراطيا شكليا.

- سيادة المنطق الإقليمي في التعامل مع القضية القومية خاصة منذ عام 74 في مؤتمر الرباط، حيث تم تفويض منظمة التحرير الفلسطينية بالتمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتكريس التنازل العربي رسميا من المشاركة الفعالة في القضية القومية و تكريس الفصل التعسفي بين الشأن الوطني الداخلي و الشأن القومي وإزالة مفاعيل التأثير الطبيعي لقضية فلسطين المركزية في تثوير الواقع الداخلي لكل قطر عربي.

- انعدام الحاجة لدى الأطراف الخارجية الدولية بالتخطيط أو العمل على إحداث انقلابات عسكرية كوسيلة مفضلة للإتيان بأنظمة حكم متعاونة أو تابعة لها. إذ أن التحولات الدولية والإقليمية أسهمت في جعل العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي تتعاون بصورة طوعية معها. وتضمن عدم تعرض مصالحها للخطر.

دور المؤسسة العسكرية في الدولة الحديثة

هناك انطباع شائع وخاطئ باستقلالية وحياد المؤسسة العسكرية عن السلطة والنظام السياسي في الدول الغربية الحديثة. ويساهم في تعزيز هذا الانطباع ترسخ مؤسسات المجتمع المدني في هذه الدول وانحسار دور الزعماء العسكريين الذين تبوءوا السلطة في العديد من الدول الغربية الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن بإلقاء نظرة فاحصة على هذه الدول يتبين لنا أنها تشهد تدخلا واضحا ونفوذا متزايدا من قبل القوات المسلحة في السلطة السياسية بصورة مباشرة أو عبر ممثليها أو حلفائها في المجمع الصناعي الحربي الذي يحتل مرتبة الصدارة في توجيه الاستراتيجية العالمية لهذه الدول ومثال الولايات المتحدة الأمريكية شديد الدلالة على تعاظم دور ونفوذ المجمع الصناعي الحربي في تعزيز اتجاه إدارة بوش الجمهورية لضمان التفوق العسكري الأمريكي المطلق للولايات المتحدة وفرض الهيمنة والسيطرة على العالم. لقد أتقن العسكريون وحلفاؤهم السياسيون في العالم الغربي الصناعي اللعبة السياسية الداخلية لدرجة لا يحتاجون معها للقبض على زمام السلطة السياسية مباشرة وبصورة مكشوفة، ويفضلون البقاء وراء الستار وخلف الواجهة المدنية التي تتحرك وفقا ل مشيئتهم. ولقد أضحى الكونغرس الأمريكي مضربا للمثل في الارتهان لإرادة المجمع الصناعي الحربي عندما يصوت لزيادة الميزانية العسكرية بصورة دائمة ويضيف عليها اعتمادات جديدة تتجاوز ما يقترحه العسكريون.

سيطرة العقلية الانقلابية في العمل السياسي العربي

بالطبع يختلف الأمر في العالم العربي غير الصناعي والذي ترعرعت في معظم دوله – وبنسب متفاوتة - المؤسسة العسكرية في ظل سلطات الانتداب الأجنبي قبل نيل الاستقلال السياسي الشكلي واستمرت المؤسسة في نمط تكوينها وتطورها تعتمد على خبرات دول الانتداب الفرنسي والبريطاني ولاحقا الأمريكي، ولا تزال النخبة العسكرية تتلقى تعليمها وخبرتها العسكرية في المعاهد الغربية من خلال إرسال البعثات التعليمية والتدريبية إليها.

وشكلت تداعيات الصراع العربي- الصهيوني منذ قيام إسرائيل – الكيان الوظيفي الاستيطاني- في قلب العالم العربي حافزا إضافيا لتعزيز مكانة المؤسسة العسكرية في بلدان خط المواجهة أو حتى البعيدة جغرافيا عنه وبحجج الإعداد لمواجهة المشروع الصهيوني تلقت المؤسسة العسكرية القسط الأوفر من الإنفاق الداخلي كما ذكرنا سالفا. ولم يكن مفاجئا أن تندرج معظم الانقلابات العسكرية التي شهدها العالم العربي في إطار التبرير كردّ على عجز الحكومات وتخاذلها في مواجهة المشروع الصهيوني، ولا تخلو بيانات الرقم واحد من التعرض لمحاربة للفساد الداخلي والتبعية للأجنبي والخيانة الوطنية والقومية تجاه قضية فلسطين المركزية. لقد نشأت الانقلابات العسكرية أيضا في ظل ترسخ العقلية الانقلابية داخل الأحزاب الثورية بكافة اتجاهاتها العقائدية وبررت اللجوء إلى العمل داخل المؤسسة العسكرية بذرائع مختلفة، ولكن الأمر الجوهري هو انعدام الممارسة الديموقراطية داخلها وعدم إيمانها العميق بحركة الجماهير المنظمة رغم خطابها الدعائي التحريضي الداعي إلى تأطير الجماهير وتوعيتها وتنظيمها في اتحادات ونقابات ومؤسسات. لقد توهمت هذه الأحزاب أن بإمكان ها اختصار الطريق الطويل وتحقيق الثورة والتغيير من فوق. ولا شك أن تفضيل هذه الأحزاب والحركات للانقلابات العسكرية على التحرك الجماهيري والانتفاضة الشعبية يعكس أيضا نزعتها النخبوية التسلطية وافتقارها إلى روح التضحية والاستعداد لتحمل تبعات ومشقات النضال الجماهيري الثوري الذي يستوجب الاستعداد للسجن والتعذيب والنفي وحتى الموت.

سيناريوهات التغيير في المستقبل ودور المؤسسة العسكرية

يبدو أن الشغف العربي بالعسكريتاريا مغروس في التكوين النفسي والثقافي للفرد في مجتمعاتنا العربية الريفية/الزراعية الطابع أساسا. لقد كان طموح الفتية بأن يصبحوا ضباطا أو طيارين عندما يبلغون، وحتى مع عملية التحديث والتمدن المشوهة للمجتمعات العربية - بحيث تحولت إلى مجتمعات مدينية كبرى معظمها محاطة بأحزمة البؤس - بقيت هذه الطموحات طاغية رغم تحول الناشئة إلى إضافة مهنة المهندس والطبيب وموظف الحكومة إلى قائمة تمنياتهم المستقبلية.
وربما ساعد إرث الانتداب الفرنسي والبريطاني العسكري وقبله الحكم العثماني العسكري في ترسيخ حفر صورة مبهرة للبذلة العسكرية والنجوم اللامعة التي ترافقها، وتدافعت هذه الصور عبر الأجيال المتعاقبة تمنح مرتدي البذلة مكانة خاصة تستوجب الاحترام والمهابة وترمز إلى السلطة والنفوذ والامتيازات وتنتزع الإعجاب والاعتزاز.

وليس مستغربا في هذه الحالة أن يكون مفهوم النخبة أو الصفوة في المخيلة الشعبية العربية منذ أواسط القرن العشرين قد انحصر بمرتدي البذلة العسكرية أكثر من اقترانه بنخبة الفكر والثقافة والأدب والعلوم والطب والهندسة . وجاءت الانقلابات العسكرية على أيدي الضباط لتزيد من ترسيخ هذه المخيلة. ولم يتم طرد هذه الانطباعات من الذهنية الجماعية العربية بصورة نهائية رغم فشل أنظمة الانقلابات العسكرية في تحقيق الإنجازات الداخلية التي وعدت بها الجماهير أو تحقيق الكرامة القومية والانتصار على المشروع الصهيوني.

وليس مستغربا أيضا أن نسمع عن آراء تتردد في أوساط الشارع العربي تفيد بأنه سيتعاطف مع أي تغيير يحصل في العالم العربي حتى لو جاء على صهوة دبابة، لأن الشارع يتحسر على غياب الطليعة الحزبية المنظمة القادرة على إحداث التغيير الثوري ويتألم لتشتتها وهامشية دورها، لكنه أيضا سئم من العجز والإفلاس العربي الرسمي و يرغب في رمي أي حجر من أحجار التغيير في هذه البحيرة العربية الراكدة والآسنة، علّه يجد سبيلا لوقف الانحدار إلى قعر الهاوية، وتذكّره يوميا المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني بحالة المهانة و الإذلال التي يعيشها قوميا واقتصاديا ولا يجد أمامه من يحاول ردع الهجمة الصهيونية الشرسة غير الأجساد الفلسطينية المتفجرة . فبقدر ما يعبر عن سخطه الشديد لاستقالة المؤسسة العسكرية العربية عن الفعل القومي لن يكون مستاء من أي تحرك داخلي تقوم به لإحداث تغيير ما في المعادلة الداخلية القائمة رغم تحفظه التقليدي على تجربتها حتى الآن .

قد يتهم البعض هذا الطرح بأنه انسجام مع المشاعر العفوية الجماهيرية وتسويق للتغيير بواسطة الانقلابات العسكرية، و لكن القراءة المتأنية لخريطة القوى السياسية العربية المرشحة لإحداث التغيير في العالم العربي في المرحلة الراهنة تدفع المرء إلى ترجيح احتمالات حدوث موجة جديدة من الانقلابات العسكرية في العشر سنوات القادمة وتستند هذه القراءة إلى الاعتبارات التالية:

- لا تزال المؤسسة العسكرية هي الإدارة الأكثر تنظيما وانضباطا وجاهزية بحكم موقعها الرئيسي في الهيكلية التنظيمية للمجتمعات العربية وبقدر ما هي ضامن أكيد واحتياطي حاسم لضبط الوضع الداخلي إلا أنها مرشحة للانقسام وعرضة للتململ الداخلي تحت وطأة مواجهة الأزمة العميقة الاقتصادية والمعيشية المرشحة للانفجار الوشيك.

- عدم حل معظم النظم العربية لمسألة الخلافة والانتقال السلمي للسلطة والغياب المريب حتى الآن لتحديد هوية الرجل الثاني أو الخليف العتيد وعدم رضا وامتعاض المؤسسة العسكرية من إمكانية اللجوء إلى تأسيس حكم وراثي عائلي في العديد من النظم الملكية العسكرية (الجمهورية).

- لن تكون الأنظمة الملكية التقليدية بمأمن من تدخلات المؤسسة العسكرية خاصة في ظل أوضاع تنجم عن غياب القيادات التاريخية فيها وتنازع مراكز القوى داخل الأسر الحاكمة على تركة الحكم وإمكانية لجوء أطراف منها للمؤسسة العسكرية لترجيح كفتها في السيطرة على الحكم.

- سيبقى سلاح الطيران وكبار الضباط فيه المصدر الرئيسي والحاسم لتدخل المؤسسة العسكرية بحكم دوره المميز وتركيبته الفريدة في دول العالم الثالث، إضافة إلى الإمكانات الواسعة و الامتيازات التي يتمتع بها قياسا ببقية فروع القوات المسلحة.

إن الوضع الاستثنائي للمؤسسة العسكرية والأمنية في العديد من البلدان العربية قد يتحول تدريجيا إلى المدخل الطبيعي وربما الوحيد المتاح لهز لأوضاع الرسمية إذا لاحت مؤشرات انهيار النظام و فقدان تماسكه تحت وطأة التحرك الجماهيري الغاضب والقادم من تفاقم الأحوال المعيشية وتفشي البطالة واستمرار توفر صاعق التفجير القومي بعدم التوصل إلى حل عادل ودائم للمسألة القومية المركزية. إن اشتداد الضغوط السياسية والاقتصادية على الأنظمة العربية التي تعاني من المديونية واستمرار انعكاس النتائج السلبية للكونية/العولمة والركود الاقتصادي العالمي، وارتهان هذه الأنظمة لضوابط وقواعد صندوق النقد الدولي و متطلباته سيفرض عليها عاجلا أم آجلا البدء باسترجاع العديد من المنافع والخدمات المميزة التي يتلقاها أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية من جيشها الاحتياطي من الموظفين العسكريين والمدنيين كما أن الهزات النقدية التي ستنشأ بسبب التضخم و ارتفاع أسعار المواد الأساسية وانخفاض القدرة الشرائية وقيمة العملة الوطنية ستؤدي إلى هز صورة الاستقرار وستكون "صرخة" أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية أقوى واندماجهم أسرع في حركة الشارع الجماهيرية خاصة عندما يتعذر على السلطات إحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية خلال فترة مستديمة من التحرك الشعبي.

ربما يكون هذا السيناريو مغرقا بالتفاؤل حيال إمكانية انتقال المؤسسة العسكرية إلى خيارات بعيدة عن حماية النظام القائم ولكنه يبقى احتمالا واردا يستوجب على القوى والمنظمات والأحزاب السياسية التي تنشد التغيير الديمقراطي والجذري في العالم العربي أن تدخل في حساباتها الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة العسكرية سلبا أو إيجابا في معركة التغيير وألا تدير ظهرها كليا لقطاع واسع من المجتمع وتصنفه بصورة أبدية في المعسكر العادي. إن عملية إخراج الجيش من المعادلة السياسية الداخلية هي محاولة غير واقعية أو منطقية وعملية الفصل بين الجيش والسلطة والسياسية في العالم العربي ستبقى محاولة لإحلال الرغبات الذاتية مكان الواقع العملي السائد، بانتظار أن يتم إعادة بناء حقيقية وتشكيل مؤسسات المجتمع المدني واعتماد التعددية السياسية والسماح بتشكيل الأحزاب وإصلاح الأنظمة الانتخابية واحترام الحريات والحقوق المدنية.


محلل وباحث مقيم في واشنطن

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق