241189572571696

الأحد، 21 مارس، 2010

القيادة السياسية كأحد مداخل تحليل النظم السياسية دراسة)

جلال عبد الله معوض
ندوة الاتجاهات الحديثة في علم السياسة: نظرة نقدية، 1986

مقدمة
يمثل متغير القيادة السياسية مدخلا هاما لتحليل النظم السياسية بوجه عام والنظم السياسية في الدول النامية - ومن بينها الدول العربية - بوجه خاص، بالنظر إلي الدور الشخصي الهام الذي تمارسه القيادة الحاكمة في أي من هذه النظم الأخيرة. ونحاول في هذه الدراسة الإجابة عن تساؤلين أساسيين وهما
هل ترتبط أنماط القيادة السياسية بأشكال متنوعة من النظم السياسية؟ وبعبارة أخرى ما هي طبيعة العلاقة بين نمط القيادة السياسية وشكل النظام السياسي ودينامياته وأبنيته؟ هل يمكن القول أن جانبا كبيرا من الاختلاف بين نظام سياسي وآخر مرده إلي التباين بين نمط القيادة الحاكمة؟ أم أن نمط القيادة يمثل متغيرا تابعا لطبيعة النظام السياسي وبيئته الاجتماعية - الاقتصادية؟.
ما هي الإشكاليات التي ينبغي التصدي لها عند الانطلاق من متغير القيادة السياسية كوحدة تحليلية لفهم وتفسير مقومات وعناصر النظم السياسية في الدول النامية ومشكلاتها السياسية والاجتماعية؟.
ولا شك أن محاولة الإجابة عن هذين التساؤلين، يجب أن يسبقها تحليل لطبيعة القيادة السياسية من حيث جوهرها وعناصرها ووظائفها وظروف نشأتها وأساليب وصولها إلي السلطة، فضلا عن عرض أهم ملامح وسمات نمط القيادة السياسية في التراث العربي الإسلامي.
أولا
طبيعة القيادة السياسية
نظرة عامة
يمكن تعريف القيادية السياسية كعملية Process بأنها"قدرة وفاعلية وبراعة القائد السياسي - بمعاونة النخبة السياسية - في تحديد أهداف المجتمع السياسي وترتيبها تصاعديا حسب أولوياتها، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقة للمجتمع، وتقدير أبعاد المواقف التي تواجه المجتمع واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة المشكلات والأزمات التي تفرزها هذه المواقف، ويتم ذلك كله في إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العليا للمجتمع"[1].
وبهذا المعني فإن القيادة السياسية ليست في جوهرها ظاهرة فردية تتعلق بشخص واحد قائد يمارس السلطة السياسية في المجتمع، فمن منطلق التعريف السابق يمكننا القول أن القيادة كطبقة حاكمة تتضمن عنصرين هما القائد والنخبة السياسية، والقيادة كعملية تضم بالإضافة إلي هذين العنصرين الموقف والقيم. وإن كانت دراسات أخرى ذهبت إلي تحديد عناصر القيادة السياسية بشكل مغاير، فدراسة"سيسل جب" Cecila Gibb أشارت إلي القائد والأتباع والمواقف والمهمة كعناصر لعملية القيادة السياسية[2]، ودراسة أودين هولاندر Edwin P.Hollander ذكرت ثلاث عناصر للقيادة وهي القائد والأتباع والمواقف[3]، في حيث اعتبرت دراسة فريد فيدر Fred E.Feidler القيادة عملية تفاعل بين ثلاثة عناصر هي القائد والجماعة السياسية والفاعلية[4].
ورغم ذلك فإننا في الدراسة الحالية للقيادة السياسية كمدخل لتحليل النظم السياسية، نركز على القائد السياسي باعتباره العنصر الأكثر أهمية في العملية القيادية والأيسر عمليا
في تتبع خصائصه وتأثيره، دون أن يعني ذلك الخلط بين مفهومي القيادة السياسية والقائد السياسي لأن الأخير عنصر القيادة التي هي - كما ذكرنا - ليست بالظاهرة الفردية. ولعل من المبررات الأخرى لهذا التركيز على عنصر القائد السياسي في هذه الدارسة ضرورة التمييز بين القائد السياسية كظاهرة فردية وبين النخبة السياسية كظاهرة جماعية تتعلق بجماعة محدودة تؤثر سياسيا على القائد لحثه على اتخاذ قرار معين أو لصرفه عن اتخاذ قرار ما.
* التمييز بين القيادة والرئاسة
رغم أننا في دراساتنا السياسية عادة ما نصف رؤساء الدول على اختلاف أنواع نظمها السياسية وحكوماتها سواء أكانت جمهورية أو ملكية بالقادة، إلا أنه من الضروري أن نميز على المستوى التحليلي بين مفهومي القيادة والرئاسة أو بالأحرى القائد والرئيس. إن القيادة السياسية جانب متميز لممارسة السلطة السياسية حيث أن القائد الحقيقي في ممارسته للسلطة السياسية حيث أن القائد الحقيقي في ممارسته للسلطة يأخذ في اعتباره دائما دوافع وحاجات أعضاء النخبة السياسية والجماهير كبشر ويعتمد في تعامله معهم بالأساس على الإقناع والاقتناع ويستهدف بلوغ الأهداف العامة للمجتمع، بينما من يمارس السلطة دون أن تنطبق عليه حقيقة صفة القائد، أي من يوصف بالرئيس فإنه عادة ما يتجاهل هذه الدوافع ويعامل الآخرين النخبة والجماهير باعتبارهم أشياء من منطلق سلطته القمعية وعادة ما لا يعنيه من ممارسة السلطة المرتبطة بمنصبه الرئاسي سوى تحقيق أهدافه الخاصة.
وبعبارة أخرى إذا كانت الرئاسة تعني في حقيقتها سلطة التوجيه والأمر والنهي النابعة من الاعتماد الكلي على فرض وتوقيع الجزاءات فإن القيادة السياسية لا تعتمد بالأساس أو على الدوام على هذه السلطة الجزائية بل تنظر إلها كإحدى أدواتها من الدرجة الثانية وتعتبر اكتساب ثقة الآخرين بطريق الإقناع أداتها الأولي مستغلة في ذلك ما تتمتع به من خصائص وقدرات ذاتية نفسية وسلوكية[5].
- وظائف القائد السياسي
يمثل القائد السياسي محور العملية السياسية والظاهرة القيادية لأنه من ناحية يشغل قمة النظام السياسي، وعليه من ناحية ثانية أن يؤدي عدة وظائف لها آثار هامة في حياة وتطور النظام والمجتمع السياسي. ومن أهم هذه الوظائف ما يلي[6]
1 - دور القائد كأداة للتغيير المجتمعي بمعناه الواسع التنمية الشاملة. ويرتبط ذلك الدور بوظيفة القائد في تحديد أهداف المجتمع وصنع القرارات. وهنا تبرز أهمية اتصاف القائد بالبراعة في تقويم المواقف وحسن التوقيت عند اتخاذ القرارات وإجادة اختيار الأعوان.
2 - دور القائد كأداة للتخطيط. أن أي تغيير يستهدف تحقيق الأهداف والقيم العليا للمجتمع لابد وأن يستند إلي التخطيط بمعني تحديد الأهداف وترتيبها وتقدير المواقف وأبعادها وعناصرها وتحديد عناصر القوة والضعف في المجتمع وتحديد المسائل الملائمة للتحرك. ويجب على القائد في هذا الصدد أن يستعين بأهل العلم والخبرة والاختصاص وأن يأخذ في اعتباره ردود أفعال الجماهير إزاء الخطط والسياسات وما سوف تؤدي إليه الأخيرة من توقعات ومطالب جديدة، وأن يهتم بخلق التفاعل والتجاوب مع الجماهير لضمان مشاركتها والتزامها بمساندة وتنفيذ هذه الخطط والسياسات.
3 - دور القائد كأداة لتسوية الخلافات بين القوى والجماعات المختلفة في المجتمع، وهنا يجب على القائد أن ينظر إلي نفسه على أنه يعلو الجميع، وحتى إذا وصل إلي السلطة اعتمادا على فئة أو طبقة أو طائفة أو حزب معين كان عليه بمجرد تولية السلطة وأعباء القيادة أن يتخذ موقف الحياد والتوفيق بين الجماعات المختلفة دون انحياز أو محاباة للجماعة التي ينتمي إليها، ولكن ذلك الحياد لا يعني بأي حال من الأحوال سلبية ولا مبالاة القائد إزاء قهر الجماعات الغنية القوية القومية لما عداها من جماعات.
4 - دور القائد كنموذج للمثاليات الاجتماعية. ويرتبط هذا الدور بالقيم، فعلي القائد أن يمثل بالنسبة للنخبة السياسية وللمجتمع المحكوم نموذجا وقدوة سلوكية، وبحيث يعبر في سلوكه العام والخاص عن القيم والمبادئ الأخلاقية التي يتمناها المجتمع في أفراده وبالأحرى في قائدة.
5 - دور القائد كرمز للمجتمع وآماله وشرفه وكرامته. هذا الدور عادة ما يرتبط بنمط القائد البطل الزعيم الجماهيري الكاريزمي. ونجد مثالا واضحا له في مظاهرات 9 - 10 يونيو 1967 في مصر عندما التفت الجماهير حول قائدها رغم مرارة الشعور بالهزيمة، ولكن في أحوال أخرى قد يصير القائد المشجب أو كبش الفداء عندما تلتقي الجماهير على عاتقه مسئولية الإخفاق والهزيمة.
6 - دور القائد في خلق الشعور بالثقة والاطمئنان والكرامة وتقدير الذات في نفس الفرد العادي في مواجهة ما يعاني منه لذلك الفرد من توتر وإحباط وخوف نتيجة للصراعات والمواقف الاجتماعية وبهذا المعين يصير القائد أحد ميكانزمات الدفاع سواء بطريق الإسقاط أو بطريق الإحلال. ويقصد بالإسقاط سعي الفرد لتخطي حلة التوتر والإحباط من خلال النظر إلي ذاته كامتداد للقائد السياسي موضع الإعجاب والتقدير، بينما يقصد بالإحلال محاولة الفرد التخلص من شعوره بالإحباط الناشئ عن فشله في تحقيق أهدافه الخاصة من خلال إحلال الأهداف العامة التي تبناها القائد السياسي ونجح في تحقيقها محل هذه الأهداف الخاصة.
وحتى ينجح القائد في أداء هذه الوظائف، يجب أن يجمع بين خصائص وقدرات ذاتية معبرة عن النبوغ السياسي من قبيل الحساسية والذكاء والفطنة والتدبر وسعة الأفق وبين قدرة على تطويع خصائصه الذاتية وأساليبه في الحركة والتعامل بما يتفق مع خصائص ومقتضيات
مواجهة كل موقف من المواقف التي تواجه المجتمع، وعلي القائد أن يدرك أيضا أن القيادة عملية اتصال أساسه الإقناع والثقة وليس القهر أو المناورة وأنها عملية تفاعل ومشاركة، وعلي القائد أيضا أن يخلق الترابط بين قراراته وسياساته وبين قيم ومثاليات المجتمع حتى يصير أداة التعبير عن هذه القيم التي يشكل الانتماء إليها جوهر الضمير التاريخي والوعي الجماعي.
- ظروف نشأة القيادة السياسية وأساليب الوصول إلي السلطة
إن القيادة السياسية، وبخاصة القيادة الجماهيرية الكاريزمية، تعبر في نشأتها عن تفاعل عوامل شخصية واجتماعية وتاريخية. تتعلق العوامل الشخصية بالسمات النفسية والسلوكية للقائد من قبيل: السيطرة أو الخضوع، الذكاء أو عدمه، القدرة الابتكارية أو عدمها، الثقة بالذات أو عدمها، قوة الشخصية أو ضعفها، سعة الأفق أو ضيقه، الميل للعنف أو التسامح، الاستعداد أو عدم الاستعداد للمخاطرة، وتتأثر هذه السمات بعملية التنشئة الاجتماعية خاصة على المستوى الأسري وبالخلفية التعليمية والمهنية للقائد. وتتعلق العوامل الاجتماعية بطبيعة البناء الاجتماعي والأزمة التي يعاني منها المجتمع. وتتعلق العوامل التاريخية والثقافية بطبيعة الخبرات التاريخية للمجتمع. وترجع الفاعلية النسبية التي تميزت بها القيادات الكاريزمية مثل جمال عبد الناصر ونهرو و ماوتسي تونج إلي قدرة كل قيادة منها على أن تحقق التفاعل بين خصائصها الشخصية وخصائص الإطار الاجتماعي والثقافي وقدرتها على تكتيل الجماهير وتقدمي القدرة الصالحة لها وقدرتها على التعبير عن الوعي الجماعي[7].
وتتنوع أساليب وصول القيادة إلي السلطة من نظام سياسي إلي آخر، وتؤثر هذه الأساليب تأثيرا كبيرا في نمط القيادة السياسية وخصائصها وسياساتها وأساليبها في ممارسة السلطة وفي التعامل
مع القضايا الإنمائية(الداخلية) والإقليمية والخارجية. ورغم أننا سنشير في موضع لاحق من هذه الدارسة بشيء من التفصيل إلي موضع القيادة السياسية من حيث نمطها وخصائصها من العلاقة بين السياسات الداخلية والإقليمية والخارجية، إلا أنه من الضروري هنا أن نتذكر ما يلي
1 - إن وصول القيادة إلي السلطة اعتمادا على دعم أجنبي، سواء أكان هذا الدعم من جانب الدول الرأسمالية الغربية وشركاتها دولية النشاطات شيلي - غانا أو من جانب الاتحاد السوفيتي أفغانستان، هذا الأسلوب يجعل هذه القيادة في علاقة تبعية اقتصادية وسياسية للقوة الأجنبية التي دفعت بها لي السلطة وتضمن لها الاستمرار في الحكم طالما ظلت هذه القيادة قوية وقادرة على حماية مصالح هذه القوة الأجنبية وإلا أطاحت بها الأخيرة وأحلت محلها قيادة أخرى أكثر ولاء وخضوعا وقدرة على رعاية مصالحها أفغانستان.
2 - أن وصول القيادة إلي السلطة اعتمادا على انقلاب عسكري عادة ما يجعل القيادة تتصف في ممارسة السلطة بالقمع والاوتوقراطية. وقد تلجأ بعض هذه القيادات إلي عسكرة نظمها السياسية من خلال تعيين كبار الضباط الموالين في المناصب العليا السياسية والإدارية العراق في عهد عبد الكريم قاسم، في عملية التطهير والتصفية أو من خلال موازنة قوة الجيش النظامي بقوات عسكرية شبه نظامية العراق وسوريا في ظل الحكم البعثي.
3 - إن وصول القيادة إلي السلطة اعتمادا على دعم قبلي أو عشائري، كما هو الحال في أقطار الخليج والأردن والعديد من أقطار أفريقيا السوداء، هذا الأسلوب والذي عادة ما يرتبط به توريث السلطة يجعل القيادة قبلية في أساليب ممارستها للسلطة سواء
من حيث الاعتماد على مساندة القبيلة التي تنتمي إليها القيادة والقبائل الأخرى القوية المرتبطة بها بروابط نسب ومصاهرة وحماية مصالحها المتميزة وتعيين أبنائها - وخاصة من أقارب القائد المباشرين - في المناصب الهامة والحساسة، أو من حيث الاعتماد على هذه القاعدة القبلية في القوات العسكرية النظامية وشبه النظامية.
4 - وبالإضافة إلي الأساليب السابقة، نجد أسلوبا آخر لوصول القيادة إلي السلطة في نظم الدول النامية الجمهورية وهو الأسلوب المتعلق بالانتخابات والاستفتاءات. ونلاحظ أن الأخيرة في غالبية هذه النظم عليمة شكلية غير نظيفة ونتائجها، وبالتالي لا تتسم قياداتها بالديمقراطية الحقيقية في ممارسة السلطة. وإن كانت قلة ضئيلة من هذه النظم، مثل الهند تصير فيها الانتخابات هي السبيل الوحيد لتولي السلطة، وإن كان ذلك لا يمنع التجاء القيادة إلي أساليب غير ديمقراطية في بعض الأحيان في التعامل مع القوى والأحزاب المعارضة.
ثانيا: مفهم القيادة في التراث العربي الإسلامي
قدم التراث السياسي العربي الإسلامي، وبخاصة في الفترة الممتدة من تأسيس الرسول صلي الله عليه وسلم لدولة المدينة حتى استشهاد على بن أبي طالب نموذجا متميزا للقيادة يختلف عن مفهوم القيادية في التقاليد الفكرية الغربية. أن مفهوم القيادة السياسية في هذه التقاليد العربية، وفيما عدا استثناءات محدودة، استند في تأصيله بالأساس إلي فكرة النبوغ السياسي بمعني تميز القائد بخصائص فريدة لا تتوافر في غيره تعبر عن الاستثناء والتميز على نحو تصير معه القيادة بالضرورة ظاهرة فردية تتعلق بفرد قائد يمارس السلطة السياسية في حين تظل الجماهير كما مهلا في العملية السياسية. ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد حديث أفلاطون عن الفيلسوف الحاكم المتميز بسمو العقل والمعرفة
والفضيلة، وحديث ماكيا فيللي عن الأمير الذي يحكم ويقود وتصير إرادته قانونا يضبط الآخرين ويتصف بالمكر والدهاء وبالاعتماد على القوة والحيلة معا في الوصول إلي السلطة والاحتفاظ بها جامعا بذلك بين خصائص الأسد في البطش و الثعلب في المناورة، وحديث هيجل عن البطل السياسي باعتباره الإرادة العالمية أو الروح الخالدة المتجسدة في شخص فرد(قائد - بطل) ليتمكن الأخير من خلال توجيهه للجماعة السياسية من تحقيق الوظيفة الحضارية، وحديث كارليل في مؤلفه الشهير البطولة وعبادة الأبطال عن البطولة السياسية ومحورها الإخلاص وعن دور الأبطال والعظماء في التاريخ، وحديث نيشته عن السوبرمان أو الرجل الكامل...إلخ[8].
وعلي العكس من هذه التصور الغربي لظاهرة القيادة، نجد أن القيادة السياسية في التراث العربي الإسلامي - وعلي وجه التحديد في عهد الخلفاء الراشدين - هي علاقة تفاعلية بيد قائد خليفة - أفتاء - قضاء في إطار مبادئ ومثاليات عليا قيم إسلامية. ويمكن تحديد أبرز ملامح ومبادئ القيادة في ذلك التراث على النحو التالي
1 - مبدأ الاختيار: رغم اختلاف طرق اختيار الخلفاء الراشدين، إلا أن المبدأ الأساسي في هذا الصدد مؤداة أن تولي الخلافة لا يتم إلا بالاختيار عن طريق البيعة بنوعيها، أي بيعة الانعقاد عن طريق أهل الحل والعقد والتي يصير بموجبها المبايع خليفة بعد أن يبذل أهل الحل والعقد الجهد في البحث والتحري واستطلاع أراء الرعية لاختيار الأصلح لتولي الخلافة طبقا لشروط محددة(الإسلام - الذكورة - البلوغ - العقل - الحرية - العدالة) وبيعة الطاعة وهي بيعة عامة من بقية الرعية على الطاقة، هذه البيعة بنوعيها
تمثل نوعا من التعاقد أو التوافق الإرادي بين الخليفة والرعية يعبر عن رضا الرعية عن الخليفة وتعهد الأخير بتوفير الأمان والعدل للرعية[9].
2 - مبدأ مسئولية الخليفة إزاء الرعية: السلطة العليا المطلقة السيادة في الدولة الإسلامية لله وحده الذي هو فعال لما يريد ولا يسأل عما يفعل وله الأمر كله الحاكمية لله، غير أن الرعية من منطلق استخلاف الله للإنسان في الأرض هي صاحبة السلطة المقيدة زمنيا بالحياة الدنيا وموضوعيا بمراعاة شريعة الله. وتختار الرعية بإرادتها الحرة من خلال البيعة من يقودها الخليفة وتفوضه سلطة إدارة وتصريف شئونها بما يحقق مقاصد الشريعة. ويظل الخليفة مسئولا أمام الرعية بموجب عقد البيعة، وللرعية وعلمائها ومجتهديها وأهل الحل والعقد فيها الحق - بل هو في حقيقته واجب - في تذكير الخليفة ونصحه ليظل مراعيا لأحكام الشريعة انطلاقا من المبدأ القرآني المتعلق"بالأمر المعروف والنهي عن المنكر"، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤثر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه، إنه سيكون بعدي أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه فضلا عن المقولة الشهيرة لأبي بكر الصديق عبد مبايعته خليفة:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فن رأيتموني على حق فأعينوني، إن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطلعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"، وكذلك قول"عمر بن الخطاب" عند مبايعته خليفة:"من رأي منكم في أعوجاجا فليقومه، ولا خير فيكم ما لم تقوموا، ولا خير في ما لم أسمع، وثناء عمر على ذلك العربي الذي رد عليه قائلا:"والله يا عمر لو رأينا منك اعوجاجا، لقومناه بحد
إن مبدأ مسئولية الخليفة يؤكد من ناحية حق الرعية وواجبها في مراقبة الخليفة وتوجيهه وتوجيه وتقويمه لأعمال وتطبيق الشريعة بما يحقق العدالة وإلا فلا طاعة في معصية الله، وينبع من ذلك حق الأمة وواجبها في مقاومة طغيان الخليفة متي خرج عن الشريعة وجافي العدالة، ويؤكد هذا المبدأ من ناحية أخرى أن القيادة في التراث الإسلامي واجب والتزام لاحق وامتياز"كلكم راع وكلكم مسئول"[10].
ومن الجدير بالذكر أن علماء وفقهاء الإسلام ذهبوا إلي تحديد عشرة أسباب لعزل الخليفة منها: الفسق، ظلم الرعية، الجنون المطبق، الكفر أو الارتداد عن الإسلام، العجز البدني الكامل عن النهوض بأعباء الخلافة، الوقوع في قهر معجز بمعني تسلط فرد من بطانة أو أسرة الخليفة عليه بحيث يعجزه عن التصرف وإصدار القرارات، الوقوع في أسر عدو قاهر لا أمل في تحريره منه، التحول إلي أنثي.. واختلف هؤلاء العلماء بشأن طريقة عزل الخليفة في مثل هذه الحالات، فذهب جمهرتهم إلي القول بأنه في ضوء الأحاديث النبوية الصريحة في تحريم رفع السيوف على الأئمة لإجبارهم على التخلي عن الحكم وإن جاروا أو فسقوا إلا إذا كفروا بالإسلام فعندئذ يجب على كافة الرعية أن تخرج عليهم، يكون حق عزل الخلفة ليس بيد كل فرد من أفراد الرعية ولكن في يد أهل الحل والعقد وحدهم الذين تتوافر لديهم القدرة على الحكم على أفعال الخليفة ومدى خروجه عن الشريعة والعدالة. وذهبت بعض الفرق الإسلامية، كالزيدية والمعتزلة والخوارج وغالبية المرجئة وبعض علماء السنة مثل"ابن حزم"، إلي القبول بوجوب عزل الخليفة بالثورة المسلحة إذا كفر أو حكم بكفر أو وإني أعداء الإسلام أو ظلم أو أمر بمنكر وذلك انطلاقا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم جواز طاعة المخالفين للشرع[11].
3 - مبدأ الشورى: ويعني ذلك المبدأ ألا تنفرد بعملية صنع
القرارات التي تمس حياة الرعية وشئونها إدارة الخليفة وحده، بما يعنيه ذلك من جماعية اتخاذ القرارات. أن الشورى في الإسلام واجبة وملزمة لقوله تعالي"وأمرهم شورى بينهم"(الشورى، 38) وقوله تعالي لرسوله الكريم"فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر"(آل عمران، 159) والمقصود"بوجوب الشورى" التزام الخليفة باللجوء إلي طلب الشورى، والمقصود"بالزام الشورى" التزام الخليفة باتباع الرأي الذي تميل إليه أكثرية أهل الشورى من العلماء والمجتهدين وأهل الحل والعقد. والشورى واجبة وملزمة بهذا المعني في كل الحالات عدا تلك التي ورد فيها نص قطعي.
ويحفل التراث السياسي الإسلامي في عهد الرسول والخلفاء الراشدين بالعديد من الأمثلة التي تؤكد احترام هذا المبدأ ونزول الفاقد - ولو كان رسول الله - على رأي أهل الشورى ولو كان مخالفا لرأيه. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الآية الكريمة"فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر" نزلت عقد عزوة أحد التي فيها الرسول نزول على رأي أصحابه وخلافا لرأيه في أن يبقي المسلمون بالمدينة للدفاع عنها من داخلها، وثبت أن رأيه كان الأصوب، ومع ذلك نزلت هذه الآية داعية لأن يستغفر لأصحابه وآمرة له بأن يشاورهم في كل أمر لتثبيت وتأكيد مبدأ الشورى في المجتمع الإسلامي رغم سلبية ومرارة التجرية التي مر بها المسمون في غزوة أحد.
ورغم أن هناك بعض الحالات التي لم يلتزم فيها الخلفاء الراشدون الأخذ برأي أهل الشورى، مثل إصرار أبي بكر الصديق على قتال المرتدين ما نعي الزكاة على خلاف رأي عمر بن الخطاب وبعض الصحابة بالتريث في هذا الأمر خوفا عن انكسار شوكة المسملين، إلا أنه لا يجوز أن يستنتج من هذه الحالات عدم وجوب والزام الشورى، فأي خليفة من هؤلاء الخلفاء كان في حد ذاته
قادرا على الاجتهاد بحكم صحبته للرسول في الدين، كما أنه في مثل هذه الحالات ما كان الخليفة يستبد برأيه ويتخذ على أساسه القرار دون إقناع أهل الشورى بصوابه[12].
4 - العدالة والمساواة: العدالة هي القيمة العليا في التراث الإسلامي وأساس الحكم. وتتحقق العدالة بالتزام الخليفة بالشريعة وتجيب عملا بقوله تعالي"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"(المائدة - 45) وقول الرسول"إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة، أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل". وتتحقق العدالة أيضا بالمساواة بين أعضاء الرعية وبينهم وبين الخليفة فما يجمع الجميع هو العبودية لله، وكذلك تتحقق بوجود سلطة قضائية مستقلة محايدة يتساوى أمامها الجميع، وتتحقق بالحد من التفاوت الاجتماعي - الاقتصادي عن طريق الزكاة والتكافل الاجتماعي والنظرة إلي الملكية باعتبارها وظيفة اجتماعية، وتتحقق أيضا باختيار الخليفة للأصلح في شغل الوظائف العامة دون مجاملة أو مراعاة لاعتبارات القرابة والصداقة وغيرها.
وانطلاقا من مبدأ العدالة ومن تكريم الله للإنسان باعتباره خليفته في الأرض قامت الممارسة السياسية الإسلامية على أساس مبدأ المساواة بين الناس بصرف النظر عن الأصول الاجتماعية والعرقية حيث أن معيار التمييز هو فقط التقوى"أن أكرمكم عند الله أتقاكم"(الحجرات - 13). وثمة وقائع عديدة تؤكد التزام الخلفاء الراشدين بمبدأ المساواة أو بالأحرى رفض التمييز والعنصرية، ومن ذلك قصاص عمر بن الخطاب للقبطي المصري من ابن والي مصر"عمرو بن العاص" وقوله للأخر:"متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
5 - مبدأ التوازن بين السلطات: قامت الممارسة السياسية في التقاليد الإسلامية على أساس ما يمكن تسميته بلغة العصر

لغة التوازن بين السلطات، حيث تواجه سلطة الاختيار وتضبطها سلطة الإفتاء وتتوسطهما سلطة القضاء - مع وجود علاقة معينة بين السلطات الثلاث. سلطة الاختيار في يد الخليفة الذي يقوم بتفضيل رأي أو حل على آخر من الحلول والآراء التي يطرحها أهل الشورى في مواجهة المشكلات العامة التي يجب اتخاذ قرارات بصددها. وسلطة الإفتاء، بمعني تخريج الأحكام ووضع القواعد المنظمة للعلاقات الاجتماعية والتوصل إلي حلول لمشكلاتها انطلاقا من مبادئ القرآن والسنة باستخدام القياس والاستحسان والاجتهاد، هذه السلطة في يد الفقيه الذي يملك من ناحية القدرة العلمية والفقهية التي تمكنه من تخريج الأحكام ويعبر من ناحية ثانية عن الضمير الجماعي للرعية. وإذا كان الخليفة يمنح الفقيه سلطة الإفتاء، إلا أن الفقيه عندما يمارس سلطته لا يكون للخليفة أية سلطة أو رقابة عليه. وأخيرا تأتي سلطة القضاء، بمعني الفصل في الخصومات والنزاعات طبقا لأحكام الشريعة، لتتوسط سلطتي الاختيار والإفتاء وإذا كان الخليفة يعين القاضي إلا أن الخليفة ليس له أن يراجع القاضي في حكمه بالإلغاء أو التغيير. وتأتي التعاليم الإسلامية لتحكم ممارسة السلطات الثلاث[13].
6 - الالتزام بالمبادئ الأخلاقية: ويعني ممارسة الخليفة للسلطة من منطلق التزامه بالقيم والاخلاقيات الإسلامية وجوهرها الإيمان والتضحية وتعبيره عنها في حياته الخاصة والعامة على حد سواء، حيث القدرة على مراعاة هذه القيم في الحياة الخاصة شرط لازم لتولي المسئولية العامة عن إدارة شئون الرعية. ومن المعلوم أن الخلفاء الراشدين من منطلق نظرتهم إلي السلطة على أنها التزام ومسئولية وعدم تكالبهم على المصالح الذاتية والدنيوية، عاشوا حياة أقرب ما تكون إلي الزهد والتقشف دون استغلال للسلطة في سبيل تحقيق مصالح شخصية أو أسرية. ويكفي أن نتذكر في هذا الخصوص قول"على بن أبأن يعاونه ماليا:"والله يا أخي ما عندي شيء أعطيك منه"، ورده عليه عندما طلب منه أن يعطيه من بيت المال"يا أخي هذا مال المسلمين في بيت مال المسلمين، ولست أنا ولا أنت ممن يحق له أن يأخذ من بيت مال المسلمين شيئا"[14]... ومن ناحية أخرى اتصف هؤلاء الخلفاء بالحرص الشديد على محاسبة الولاة وعدم السماح لهم باستغلال وظائفهم، ولنتذكر كيف كان"عمر بن الخطاب" يحاسب ولاة الأمصار على ما بأيديهم من ثروات بالقياس إلي ما كان لديهم قبل الولاية ويصادر لصالح بيت المال أية زيادة غير مشروعة في أموالهم، وقد طبق هذا المبدأ"من أين لك هذا؟" على كافة الولاة بما فيهم وإلي مصر عمرو بن العاص الذي أرسل إليه من انتزع نصف ِأمواله وأودعها في بيت المال[15].
وفي ختام هذا الحديث عن خصائص ومبادئ القيادة في التراث العربي الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين، نشير إلي أمرين هامين
1 - أن هذه المبادئ يستتر خلفها مفهوم للشرعية يختلف عن المفهوم السائد للشرعية في المنطقة العربية حاليا وغيرها من مناطق العالم في التقاليد الإسلامية لم يكن هناك أي مجال للحديث عن شرعية سياسية وشرعية قانونية، فلم يكن هناك أي قانون وضعي تسنه هيئة نيابية يمكن أن يستند إليه القائد (الخليفة) في تبرير ممارسته للسلطة" الشرعية والقانونية" بل كانت هناك تشريعة إسلامية الخليفة معتمدة على فاعليته في أداء الوظيفة الحضارية للأمة الإسلامية على المستوى الخارجي أي نشر الدعوة الإسلامية والجهاد وفي تمكين المسلم من تحقيق مثاليته الدينية والحفاظ على وحدة الأمة وتماسكها على المستوى الداخلي هذا المفهوم الإسلامي للشرعية يصير مرادفا لما يسمي حاليا بالشرعية السياسية" ولكن كلمة
ي طالب" لأخيه"عقيل" عندما قصده طالبا منه

"سياسية" هنا يجب فهمها على أنها"إسلامية" حيث العلاقة السياسية أساسها احترام الخليفة للمبادئ العليا الإسلامية وطاعة ومساندة الرعية له في حدود التزامه بهذه المبادئ هذه الشرعية بالمعني السياسي الإسلامي تستند إلي ثلاثة عناصر: عقد البيعة بما يعنيه من اختيار حر للخليفة من جانب الرعية، الاجتماع أو" الوعي الجماعي" واستمرار شروط الخلافة[16].
وعلى العكس من ذلك نجد أن"الشرعية" مشكلة مثارة بدرجة أو بأخرى في كافة النظم السياسية العربية الراهنة، فعلاقات هذه النظم وقياداتها بالجماهير لا تستند إلي الرضا والقبول والثقة (الشرعية السياسية) وإنما عادة ما تستند هذه العلاقات إلي القمع والقهر لو في إطار الشرعية القانونية من خلال حصول القيادة على موافقة المجلس النيابي على ما تصدره من قوانين استثنائية وقوانين طوارئ وأحكام عرفية ومن هنا ينشأ التعارض والتناقض بين الشرعية السياسية والشرعية القانونية وبالإضافة إلي القمع، وتلجأ العديد من هذه القيادات إلي طلب الدعم من قوى أجنبية لحماية نظمها في مواجهة تهديدات من نظم عربية مجاورة أو اضطرابات داخلية تعجز الوسائل عن إخمادها.
مشكلة الشرعية هذه ببعديها المذكورين، أي الاعتماد على القمع والدعم الخارجي، ولم تكن مثارة في التراث العربي الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين، فلم يكن الجيش إداة للأرهاب أو القمع الداخلي وإنما إداة الأمة في نشر الدعوة الإسلامية وحمايتها من الأخطار الخارجية، وكانت القيادة بحكم شرعيتها وعدالتها وعدم فسادها وعدم خشيتها من الرعية التي تربطها بها علاقة ثقة وأمن واطمئنان لا تلجأ إلي أحاطه نفسها بقوات أمنية وعسكرية لحمايتها، ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد ما قاله رسول قيصر الروم عندما جاء إلي المدينة لمقابلة"عمر بن الخطاب"فوجده نائما في ظل شجرة دون قوات تحرسه وتحيه:"عدلت، فأمنت، فنمت" وعندما حدث الخلاف المعروف بين" على بن أبي طالب" و" معاوية بن أبي سفيان" ظن حاكم بيزنطة أن بمقدوره استغلال هذا الخلاف لصالحه، فإرسل إلي"معاوية" عارضا عليه المساعدة ولكن"معاوية" رغم حرصه البالغ على التخلص من" على" والاستيلاء على السلطة رد عليه قائلا:" أصمت وإلا أرسلت جيشا يبدأ من مكة وينتهي في بيزنطة يقوده على بن أبي طالب"[17].
2 - أن قول بعض الدراسات الغربية بأن خصائص القيادات الراهنة وأساليبها في التعامل ما هي إلا امتداد لسمات وأساليب القيادة العربية الإسلامية سواء من حيث ممارسة السلطة من منطلق شخص أو غياب الرسمية والمؤسسية في صنع القرارات أو اعتماد التأثير السياسي على الاقتراب المادي من القائد أو اثارة الصراعات والانقسامات انطلاقا من سياسية الصراع المتوازن (فرق تسد) أو الاعتماد على الإدارة العسكرية والتظاهر بالبسالة والشجاعة أو التبرير الديني للسلطة[18]. هذه القول ينطوي على مغالطة تاريخية وتسوية للتراث السياسي العربي الإسلامية وللنمط القيادي المرتبطه. أن هناك اختلافات جوهرية بين القيادات العربية المعاصرة والقيادات العربية الإسلامية على وجه التحديد الخلفاء الراشدين، سواء من حيث طريقة تولي السلطة أو من حيث الانفراد من عدمه بعملية منع القرارات أو من حيث النظر إلي دور الجماهير (الرعية) في العملية السياسية أو من حيث التعامل مع المثقفين أو من حيث الفساد من عدمه أو من حيث الشرعية[19].
ثالثا: أنماط القيادات السياسية وأشكال النظم السياسية
لا شك أن عملية تحليل النظم السياسية وتصنيفها ودراسة أشكالها وملاحظة ما بينها من اختلافات قديمة قدم التحليل
السياسي ذاته، فهي ترجع إلي"أر سطو" في دراسته للدساتير الإفريقية، وعادت لتبرز على يد"شيشرون" وغيره في عهد الرومان و"ماكيا فيللي" في عصر النضة و" مونتسكبو" في عصر التنوير وسلسلة طويلة من مفكري القرن التاسع عشر مثل"توكفيل" و"جون ستيورات مل" و"موسكا" وغيرهم وإذا كان الأمر قد صنع القرارات إلي نظم ملكية (حكم الفرد) ونظم ارستقراطية أو أوليجاركية (حكم القلة) ونظم ديمقراطية (حكم الغالبية)، فإنه منذ بداية القرن التاسع عشر ظهرت عدة محاولات لإدخال عناصر ومعايير جديدة للتصنيف مثل مصدر الشرعية وطريقة ممارسة السلطة وغايات النظام السياسي.
والواقع أن هذا الاتجاه نحوتبني معايير جديدة لتصنيف النظم السياسية والذي تدعم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تطورات اكاديمية ومواقعية من قبيل غزو المنهاجية السلوكية للعلوم الاجتماعية بما فيها علم السياسة وتزايد الاعتماد على المنهج المقارن في التحليل السياسي وظهور الدول الاشتراكية في شرق أوروبا وبروز الدول النامية[20].، هذا الاتجاه واكبه اتحاه آخر لتصنيف أنماط القيادات السياسية طبقا لعدة معايير منها دور القائد في العملية السياسية، السمات النفسية والسلوكية للقائد، مصدر شرعية سلطة القائد وموقف القائد من قاضايا التنمية والتغيير وبالنظر إلي أن القيادة السياسية تمثل عنصرا هاما في النظام السياسي لأية دولة للتصنيفات السائدة لأنماط القيادات السياسية يفيد كثيرا في دراسة وتحليل ومقارنة خصائص وعناصر وديناميات العملية السياسية ومشكلاتها في النظم السياسية المختلفة.

1 - تصنيف القيادات السياسية حسب دور القائد في العملية السياسية
أعتمد العديد من الباحثين على هذا المعيار في تصنيف القيادات السياسية سواء إلي ثلاث أنماط (أو تقراطية - ديمقراطية - غير متداخلة) أو إلي نمطين (تسلطية - ديمقراطية) ومن المعبرين عن الاتجاه الأول" روجر بيلوز" و" أحمد ماهر البقري" وعن الاتجاه الآخر" جابرييل الموند" و"بنجهام باول".
تصنيف"بيلوز" و"البقرى"
ميز" روجربيلوز" بين الأنماط الثلاث التالية للقيادات السياسة[21].
أ - القيادة الاوتقراطية: القائد يصنع كافة القرارات والسياسات ويحدد وسائل تنفيذها، ويصعب التنبؤ بما ستكون السياسيات في زل هيمنة دور القائد في العملية السياسيةن ولا يسمح القائد بأية مشاركة حقيقية من جانب المجتمع المحكوم ولكنه قد يسمح بمشراكة شكلية هامشية لإضفاء طابع مصطنع من الشرعية على احتكاره للسلطة، وهذا القائد أناني يمركز العالم حول ذاته ولا يبالي بدوافع ومطالب المحكومين، وقد تكون مثل هذه القيادة في الاحتفاظ بالسلطة والاستمرار في الحكم، ولكنها ليست خلاقة أو مبدعة ولا يمكنها أن تخلق الشعور بالاهتمام والتعاطف في الجماعة أو أن تحرك أعضاء الجماعية كفريق عمل متكامل نحو تحقيق الأهداف العامة.
ب - القيادة الديمقراطية: القائد لا ينفرد باتخاذ القرارات وصنع السياسات، ولكنه يفسح المجال لمشاركة المحكومين ويرحب بالمناقة العامة واقتراح الحلول والبدائل، ويملك على التفاعل مع المحكومين والاستجابة لمطالبهم وهذه القيادة أكثر فاعلية من القيادة والوتقراطية، لأنها خلاقة مبدعة بناءة معبرة عن الحساسية
والاهتمام وقادرة على توفير الإطار الاجتماعي النفسي والسياسي الملائم للمشاركة والعمل الجماعي وفي ظل هذه القيادة تتوفر للمحكومين درجة كبيرة من الرضا والاتفاق حول القيم والأهداف الأساسية وأولوياتها، ولهذا يتصفون بالقدرة على التكتل خلف القيادة في مواجهة الأزمات والمواقف المصيرية.
ج - القيادة غير المتدخلة المعبرة عن مبدأ" دعه يعمل" القائد لا يشارك بدور حاسم في صنع القرارات والسياسات أو تقييم ومناقشة المشكلات العامة، ولكنه يكتفي بتقديم ما قد يطلب منه من معلومات ويتمتع أعضاء المجتمع بقدر كبير من حرية الحركة ومثل هذه القيادة تعبر عن السلبية، ولهذا تصير أقل كفاءة وانجازا من القيادة الديمقراطية بل ومن القيادة الأوتقراطية.
وسلك" د. أحمد ماهر البقرى" نفس الدرب في تصنيف القيادة السياسية إلي ثلاثة أنماط: القيادة الاستشارية الديمقراطية القيادة التسلطية والقيادة الفوضية باطلاق العنان وانتهي إلي تأكيد فاعلية النمط الاستشاري الديمقراطي للقيادة واتفاقه مع القيم الإسلامية[22].

تقويم
الانتقاد الأساسي الذي يمكن توجيهه إلي التصنيف المذكور يتلخص في أنه إذا كان من الممكن الحديث عن قيادة سياسية ديمقراطية وأخري اوتقراطية، فإن النمط الثالث للقيادة المعبر عن عدم التدخل وعدم الاهتمام لا يمكن تصور وجوده في الواقع السياسي الفعلي، فالقيادة السياسية تعبر بطبيعتها عن علاقة تفاعل ذات أبعاد ومستويات متنوعة ويمثل القائد السياسي مهما كان ضعف وزنه السياسي طرفا أساسيا في هذه العلاقة التفاعلية.
تصنيف" الموند - باول"
في مؤلفهما الصادر عام 1966 بعنوان" السياسة المقارنة: مقترب تنموي" ميز العالمان الأمريكيان"جابرييل الموند" و" ج. بنجهام باول" بين نمطين للنظم السياسية وهما نمط النظم الديمقراطية ونمط النظم التسلطية. واعتمدا في هذا التصنيف إلي حد كبير على نفس المعيار سالف الذكر في تصنيف القيادات، رغم أشارتهما إلي أن معايير تصنيفهما تتعلق بما إذا كان الضبط السياسي يمارس من أعلى (النمط التسلطي) أو من أسفل (النمط الديمقراطي) ومدي توافر المنافسة السياسية ودرجة استقلالية النظام الفرعي الذي يتكون من الأحزاب السياسية وجماعات المصالح ووسائل الأعلام وغيرها من منظمات وأبنية المنافسة والمشاركة السياسية ومواجهة الضبط السياسي ويمثل هذان النمطان (الديمقراطي والتسلطي) بداية ونهاية خط متواتر ويتحدد وضع أي نظام سياسي على هذا الخط طبقا للمعايير سالفة الذكر وخاصة مدي استقلالية النظام الفرعي وبهذا المعني يضم النمط الديمقراطي الديمقراطيات المعبرة عن أقصي درجات الاستقلالية(بريطانيا) والديمقراطيات محدودة الاستقلالية (الجمهورية الفرنسية الرابعة) والديمقراطيات منخفضة الاستقلالية المكسيك والديمقراطيات التعبوية (نيجيريا قبل عام 1966) بينما تندرج في النمط التسلطي: النظم التسلطية التحديثية (البرازيل) والنظم التسلطية المحافظة(أسبانيا فرانكوـ سورياـ المغرب) والنظم التسلطية التعبوية (غانا نكروماـ سوريا العراق) والنظم التسلطية الشمرلية المحافظة(ألمانيا النازية) والنظم التسلطية الشمولية الراديكالية (الاتحاد السوفيتي) [23].
تقويم
يلاحظ في مجال تقويم تصنيف" الموند - باول" أنه من الصعوبة بمكان تحديد موضع النظم السياسية المختلفة على هذا الخط المتواتر، وبخاصة في المنطقة الممتدة من الديمقراطيات منخفضة
الاستقلالية إلي النظم التسلطية التعبوية، فإذا كان هذان أن العالمان وضعا المكسيك ضمن الديمقراطيات منخفضة الاستقلالية إلا أن النظام السياسي المكسيكي أقرب في الحقيقة إلي التسلطية التحديثية بحكم هيمنة حزب المؤسسات الثورية الحاكم. وتجمع تونس أيضا بين سمات النظم التسلطية التحديثية والديمقراطيات التعبوية والديمقراطيات محدودة الاستقلالية. وتقدم الهند بواكستان وتركيا ومصر أمثلة أخرى لصعوبة وضع النظم السياسية على نقاط محددة هذا الخط المتواتر.
ومن ناحية أخرى ينبغي أن نلاحظ أمرا هاما ينطبق على تصنيفات القيادات السياسية عموما وبخاصة حسب معيار دور القائد في العملية السياسية وكذلك معيار السمات النفسية والسلوكية للقائد. ونعني بذلك أنه بصرف النظر عن مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدولة أو شكل نظامها السياسي ومدى ديمقراطيته ومدى نضج وفاعلية واستقلالية المؤسسات السياسية ودرجة سلطة القائد السياسي، فإن دور القائد في صنع القرارات يتعاظم أثناء الأزمات السياسية الحادة وبخاصة الأزمات الخارجية. ويقصد بالأزمة السياسية"موقف سياسي مفاجئ غير متوقع يشكل بالنسبة للقائد السياسي تهديدا أساسيا للأهداف القومية، مع وجود فترة زمنية محدودة لاتخاذ القرار. ومن شأن موقف الأزمة أن يؤدي إلي تعظيم دور القائد لعدة أسباب أهمها[24]
1 - أن موقف الأزمة باعتباره موقفا يتطلب قرارا سريعا ينبغي اتخاذه، يؤدي إلي عملية تصعيد تلقائي لسلطة اتخاذ القرار إلي القائد الأعلى، فالأزمة لا تتيح الوقت الكافي للتشاور مع كافة المؤسسات السياسية، بل أحيانا نجد المؤسسات نفسها مدفوعة إلي تفويض السلطة الكاملة والنهائية للقائد، ومن ذلك تفويض مجلس الأمة كافة سلطاته لجمال عبد الناصر أثناء أزمة 1967.
2 - أن فترة الأزمة باعتبارها تتضمن تهديدا للأهداف القومية ولمستقبل القائد نفسه، تولد نوعا من الضغط النفسي على القائد كما يتخذ القرار بسرعة وحزم في مواجهة الأزمة اعتمادا على مفاهيمه ومدركاته الذاتية بالأساس، حيث لا يسمح له الوقت لانتهاج المسلك العقلاني في اتخاذ القرار بمعني جمع المعلومات عن أبعاد موقف الأزمة وتقدير مزايا وتكاليف كل بديل والتنبؤ بردود أفعال الطرف الآخر إزاء كل بديل.
ومن هنا فإننا نتوقع أن القرارات المتخذة أثناء الأزمات تعكس إلي حد كبير شخصية القائد السياسي، بعكس القرارات المتخذة في المواقف المعادية غير المتأزمة والتي تمارس فيها المؤسسات السياسية دورا أكبر أو يلعب الحساب العقلاني فيها دورا واضحا.
2 - تصنيف القيادات السياسية حسب السمات النفسية والسلوكية للقائد
هناك تصنيفات عديدة للقيادات السياسية طبقا لخصائص النفسية والسلوكية للقائد السياسي في تفاعله مع النخبة السياسية والجماهير والموقف والقيم. وهي تصنيفات تعكس إلي حد كبير أثر المنهاجية السلوكية في التحليل السياسي بوجه عام، وتعكس أيضا انفتاح العديد من علماء السياسة على العلوم الاجتماعية الأخرى وبخاصة علم النفس. وسف نعرض بالتفصيل تصنيف ف.ج.بيلي للقيادات العربية طبقا لهذا المعيار، ونعرض بإيجاز بعض التصنيفات الأخرى المطروحة في هذا المجال، ثم نعقب على ذلك ببعض الملاحظات.
- تصنيف"بيلي"
أكد"ف.ج. بيلي" F.G. Balley أن القيادة السياسية محورها قدرة القائد على اتخاذ القرارات في مواجهة الموقف وإقناع

الآخرين من أعضاء النخبة السياسية والجماهير بهذه القرارات، وبهذا المعني تصير القيادة في جوهرها عملية إقناع. وعلي أساس أساليب القائد في الإقناع وسماته النفسية والصورة التي يكونها لنفسه وينقلها إلي الآخرين وطبيعة الظروف التي يعمل في إطارها ميز"بيلي" بين ثلاثة أنماط للقيادة في النظم العربية[25]
(أ) القائد البراجماتي الخبير البيروقراطي: هو قائد عقلاني قادر على تحديد المشكلة وتقدير الخيارات والبدائل المتاحة وتكاليفها وعوائدها، ثم يتخذ القرار المناسب ويقنع الآخرين بتنفيذه، وهو قادر فقد على شئون المجتمع لتستمر عجلة الحياة على ما هي عليه دون أن يملك القدرة أو الطموح في توجيه المجتمع نحو طريق جديد، ويتصف بالحرص المتأني في اتخاذ القرارات، ويعتمد في إقناع أعضاء النخبة والمجتمع بصلاحية وعقلانية قراراته على أسلوب النقاش المنطقي، ويعتقد بإمكانية حل أية مشكلة في إطار القواعد والمؤسسات الرسمية القائمة، ويري أن تسوية أي صراع ناشئ عن تعارض المصالح تكون بالتوفيق وتنازل كل طرف من أطراف الصراع عن بعض مصالحة من أجل التوصل إلي اتفاق، وإذا ما تعذر ذلك يجب الانتظار حتى يحين الوقت الذي يثوب فيه المتصارعون إلي رشدهم ويحكمون عقولهم، ولا يثق بالأيديولوجيات الجامدة وكلنه قد يرفع شعارات أيديولوجية في بعض المناسبات، ويتسم في تعامله مع معارضيه بالمرونة والكياسة ورفض الخصومة والعداء، وهو أقرب ما يكون لي رجل علاقات عامة. ومن نماذج هذا النمط في المنقطة العربية للحبيب بروقيبة.
(ب) القائد الكاريزمي: قائد يعبر عن روج الأمة إرادتها العامة، يتصف بالحيوية والتصميم وقوة الإرادة الصلابة والحسم وإنكار الفشل، ورغم عنقه مع خصومه إلا أنه كريم في التعامل مع أتباعه وأنواعه، ويعتمد في إقناع الآخرين(الجماهير - النخبة) على مخاطبة مشاعرهم وعواطفهم استنادا إلي قوة علاقته العاطفية بهم، وعادة ما يعتمد في مواجهة المشكلات على الحلول الجذرية الشاملة دون الحلول الجزئية
المحدودة كما يفعل القائد البراجماتي: ويشعر دائما بأنه في سباق مع الزمن لأحداث التغييرات الجذرية التي يحلم بها، ولذلك فإنه - على عكس القائد البراجماتي - لا يهتم إلا بالمشكلات الكبرى تاركا المكلات الصغرى وتصريفها لأعوانه وأتباعه، وهو على عكس القائد الراجماتي لا يلتزم بأي قواعد روتينية أو ضوابط مؤسسية، كما أنه يتسم بالتسلط والاستبداد حيث يحدد لشعبه الطريق الذي يجب السير فيه دون مناقشة، والنموذج الواضح لهذا القائد في الوطن العربي جمال عبد الناصر.
(جـ) القائد الوسيط - المنظم Borker، Entrepreneur يشبه هذا القائد رجل الأعمال أو المنظم الاقتصادي، يحاول المواءمة بين مصالح ومواقف القوى والأطراف المختلفة في المجتمع والتي يؤدي دور الوسيط بينها، ولا يميل إلي وضع خطط كلية في مواجهة المشكلات تكون نتائجها محددة بالنجاح الكامل أو الإخفاق الشامل ولكنه يفضل الخطط الجزئية المرحلية، وهو على عكس القائد البراجماتي البيروقراطي لا يتقيد بقواعد شكلية جامدة ولذلك يملك القدرة على المناورة وحرية الحركة، وهو كالبراجماتي وعلي عكس الكاريزمي يعتمد في الإقناع على مخاطبة العقل والمنطق وليس القلب أو العاطفة، وهو على عكس البراجماتي لا يقنع الأطراف المتصارعة بالتوصل إلي اتفاق من خلال تنازل كل طرف عن جزء من مصالحه لأنه عادة ما يتحيز إلي صف الطرف الأقوى. وإذا كان القائد الكاريزمي يزداد احتمال ظهوره واستمراره في ظروف الأزمات، وإذا كانت الظروف الملائمة لظهور واستمرار القائد ويتحرك في إطار ظروف تجمع بين خصائص المواقف المعادة والمتأزمة. وأشار"بيلي" أيضا إلي"بورقيبة" كنموذج لهذا النمط القيادي في الوطن العربي.
- تصنيفات أخرى
من الباحثين الغربيين الآخرين الذين اعتمدوا عل هذا المعيار في
تصنيف القيادات ودراسة خصائص النظم السياسية المرتبطة بها، نذكر"جيمس بيرنز" James M.Burns الذي ميز بين القائد المفكر والقائد المصلح والقائد الثوري والقائد البطل والقائد الأيديولوجي[26]. و"ليستر سلجمان" Laster G. Seligman الذي ميز بين البطل القومي والقائد التوفيقي أو الوسيط السياسي[27].
ومن الباحثين العرب الذين قدموا إسهامات هامة في هذا الخصوص نذكر"د. حامد ربيع" الذي ميز بين القائد الزعيم والقائد الديمقراطي والقائد البيروقراطي والقائد الدبلوماسي والقائد المصلح والقائد العقائدي والقائد المثير للقلاقل أو المهيج السياسي[28]. و"د.محمد خدوري" الذي ميز بين أربعة أنماط للقادة في الوطن العربي وهم القائد العسكري والقائد التقليدي والقائد العقائدي والقائد الفكري[29]، "د. خليل أحمد خليل" الذي ميز بين القائد المؤسسي والقائد الملتزم بالأعمال القيادية والقائد المصطفي المفضل والقائد البطل صاحب الشخصية المركزية الساطعة[30].
- تقويم
في ختام هذه الحديث عن تصنيف القيادات السياسية طبقا لسماتها النفسية والسلوكية، نشير إلي ملاحظتين هامتين
1 - أن تأثير السمات النفسية للقائد في صنع السياسة يزداد في موقف الأزمات السياسية، كما سبق القول، وفي حالة غموض الموقف السياسي، وذلك بصرف النظر عن شكل وطبيعة النظام السياسي ومؤسساته. ويظهر أثر غموض الموقف في تعظيم التأثير الشخصي للقائد في صنع السياسية بشكل واضح في مجال السياسة الخارجية حيث يكون الموقف غامضا إذا كان موقفا جديدا تماما لم يسبق للقائد أن واجهة مثل موقف إعلان الحرب، أو إذا كان موقفا معقدا بدرجة كبيرة بحكم تعدد أطرافه وكثرة وتناقض المعلومات المتوفرة عنه على نحو يصعب
معه تفسير الموقف، أو إذا كانت المعلومات المتاحة نادرة إلي الحد الذي يصعب معه التصرف على الموقف، ويمكن تفسير ذلك بالنظر إلي أنه في حالة الموقف الجديد وحالة ندرة المعلومات يمتد القائد فقط على مفاهيمه ومدركاته الذاتية للتوصل إلي قرار، وفي حالة الموقف المعقد والمعلومات المتناقضة التي يحتمل الموقف في ظلها أكثر من تفسير يفسر القائد الموقف في ضوء خصائصه ومدركاته الذاتية[31].
2 - إن بحث أثر شخصية القائد في العملية السياسية ينبغي ألا يقتصر على دراسة السمات النفسية والسلوكية للقائد بالمعني سالف الذكر، ولكن يجب أن يتطرق أيضا إلي بحث الخصائص البيولوجية للقائد وحالته الصحية التي تؤثر كثيرا في قدرته على التعامل مع مواقف الأزمات بما تنطوي عليه من ضغوط نفسيه وعصبية شديدة. وعلي سبيل المثال يمكن أن نفترض أن إدراك محمد رضا شاه لإصابته بمرض مميت كان له أكبر الأثر في اتخاذ قرار الفرار من"طهران" في مواجهة الثورة الإيرانية.
3 - تصنيف القيادات السياسية حسب مصدر الشرعية
قدم"ماكس فيبر" تصنيفا مميزا للقيادات السياسية حسب مصدر شرعية السلطة، وقد اعتمد على هذا التصنيف - بعد إدخال بعض التعديلات عليه - العديد من الباحثين الغربيين والعرب في دارسة قيادات ونظم الدول النامية. وسوف نقتصر هنا لعي عرض تصنيف"ماكس فيبر" ودراسة"جيمس بيل" و(كارل ليدن) للنظم والقيادات العربية ودراسة"مايكل هدسون" لأزمة الشرعية في النظم العربية.
- تصنيف:"ماكس فيبر"
تحدث"ماكس فيبر Max webber عن ثلاثة أنماط مثالية للسلطة وهي نمط السلطة التقليدية ونمط السلطة الكاريزمية ونمط السلطة القانونية العقلانية، وميز بينها على النحو التالي[32]
(أ) نمط السلطة التقليدية: يرتبط بالمجتمعات الشرقية، وعرفته أيضا أوروبا في العصور الوسطين، وفيه تكون السلطة متعمدة على الاعتقاد بقدسية الأعراف والتقاليد وشرعية سلطة وهيمنة القائد وتميز مكانته في ظلها، وتكون للقائد سلطة شخصية مطلقة تصل إلي حد الاستبداد ويدين له أعضاء المجتمع بالطاعة والولاء،. ويندرج في إطار هذا النمط ثلاثة أنماط فرعية هي: النمط الأبوي Patriarchal ويسود في المجتمعات التقليدية البدائية حيث يصير على أساس تعامل القائد مع أعضاء المجتمع وهو المنطق الأبوي في التعامل مع الأبناء - أي السلطة المطلقة وحق الأمر والنهي والتوجيه من جانب الأب والطاعة العمياء والالتزام دون مناقشة من جانب الأبناء - وتكون العلاقة بين القائد والمجتمع علاقة شخصية مباشرة لا تتخللها أي أجهزة بيروقراطية أو تنفيذية، النمط الرعوي القبلي العشائري Patrimonial ويظهر مع تطور بناء بيروقراطي تنتشر فروعه في كافة أرجاء المجتمع مع تزايد تعقد وتنوع وظائف القائد والضعف النسبي في العلاقات الشخصية الأسرية وتصير علاقة القائد بأعضاء المجتمع يغلفها طابع سلطة شيخ القبيلة أو زعيم العشيرة وتنساب هذه العلاقة عبر شبكة معقدة من البيروقراطيين الموالين والخاضعين للقائد الذي يعتمد في تدعيم حكمه على أسلوب توزيع الغنائم على الموالين وذلك نظرا لإدارته واحتكاره للثروة المالية في المجتمع، وأخيرا النمط الإقطاعي وهو النمط التقليدي للسلطة الذي ساد القارة الأوروبية في العصور الوسطي.
(ب) نمط السلطة الكاريزمية: ترتبط هذه السلطة بزعيم بطل مهاب تاريخي صاحب رسالة له خصال وفضائل يعتبرها أعضاء المجتمع خارقة للطبيعة ومعبرة عن تمتعه بمساندة قوى عليا(إلهية)، ويوصف هذا القائد لذلك"بمبعوث العناية الإلهية". ارتبط هذا النمط في المجتمعات التقليدية البدائية بالسحر والكهنة والحكماء والأنبياء وقادة القنص وأبطال الحرب، وارتبط في المجتمعات الحديثة ببعض القادة السياسيين سواء من قادة الدول أو زعماء الأحزاب السياسية
أو رؤساء الكتل البرلمانية. وفي هذا النمط يصير شرعية سلطة القائد هو اعتقاد وإيمان الجماهير - والقائد نفسه - بتمتع القائد بهذه الخصال والصفات الفريدة، وتصير الطاعة مرتبطة بثقة الجماهير في قائدها وإيمانها بتميزه وقوته وبطولته، ومن هنا ترتبط السلطة ارتباطا وثيقا بشخص القائد الذي لا يتقيد بأي قواعد أو ضوابط قانونية حديثة أو عرفية متوارثة والذي يعتمد على التأثير العاطفي في الجماهير ويتصرف كأنه الوحيد القادر على تقرير مصير المجتمع وتجسيد أهدافه.
(جـ) نمط السلطة القانونية العقلانية: يرتبط هذا النمط بالدول القومية الغربية الحديثة، حيث تتم ممارسة السلطة من منطلق قانوني عقلاني في ظل نظام قانوني تشريعي يحدد اختصاصات القائد وعلاقته بالمواطنين وحقوق وواجبات الأخيرين والذين لا تربطهم بالقائد علاقة شخصية أساسها الولاء لشخصه، وإنما أساس طاعتهم لقراراته هو مدور هذه القرارات بموجب الاختصاصات المحددة له قانونيا.
وقد أشار"فيبر" إلي أن المجتمعات تنتقل من النمط التقليدي للسلطة إلي النمط الكاريزمي أو النمط القانوني، وأن هذا الانتقال لا يشكل حتمية تاريخية بالمعني الماركسي ولكنه نتاج ملاحظة تطورات التاريخ، فمن خلال متابعة الظروف التاريخية التي حدث فيها مثل هذا الانتقال استنتج"فيبر" أن المجتمع التقليدي عندما يبدأ في التحلل تفقد الجماهير ثقتها وإيمانها بالقائد وبالأبنية وبالقيم وبالعلاقات التقليدية وتعاني من حالة قلق وتوتر وقد تلجأ من أجل تخطي هذه الحالة إلي طلب الخلاص على يد زعيم أو بطل تضفي عليه صفات فريدة وترتبط به عاطفيا ووجدانيا~، وعقب اختفاء هذا الزعيم الكاريزمي عادة ما يتحول خليفته - متي كان مفتقدا لمقومات الكاريزما - إلي تأسيس سلطته وشرعيته على المصدر القانوني.
وبالنظر إلي أن تصنيف"فيبر" للقيادات حسب مصدر شرعيته السلطة أساسه تقديم أنماط مثالية، فإن الواقع السياسي الفعلي قد تختلف فيه مصادر الشرعية بدرجات متفاوته. وهذا صحيح حتى في
بعض النظم السياسية الغربية(ديجول في فرنسا وكيندي في الولايات المتحدة)، ولكن يظل الوزن النسبي لأحد هذه المصادر الثلاث للشرعية هو العنصر المحدد للشرعية السياسية، وهذا المصدر في النظم الديمقراطية الغربية هو المصدر القانوني أو ما يسمي بالشرعية الدستورية القانونية.
ومن ناحية ثالثة يلاحظ أنه رغم تمييز فيبر في حديثه عن النمط التقليدي للسلطة بين النمط الأبوي والنمط الرعوي، إلا أن القيادات السياسية في نظم الدول النامية وخاصة الدولة العربية تجمع في معظمها بين خصائص هذين النمطين وتقدم نمطا مميزا يعبر عن مفهوم الحكم الأبوي - الرعوي Patrimonal Rule، حيث العلاقات بين القائد وما عداه النخبة - الجماهير هي علاقات بين الأب والأبناء بين السيد والأتباع والخدم وقوامها الولاء الشخصي، وحيث القائد يمثل البؤرة التي تتركز فيها القوة السياسية ومنها تشع وتنبعث هذه القوة إلي العناصر الأكثر ولاء لشخص القائد، وحيث تصير الأجهزة البيروقراطية المدنية والعسكرية وفي كثير من الأحيان الهيئات التشريعية والقضائية والأحزاب السياسية مجرد امتداد لشخص القائد[33].
- دراسة"بيل" و"ليدن" للسياسة في الشرق الأوسط
تقودنا هذه الملاحظة الأخيرة إلي تحليل"جيمس بيل" James A. Bill و"كارل ليدن" Carlo Leiden لخصائص العملية السياسية والنظم والقيادات السياسية في الوطن العربي و الشرق الأوسط، حيث أكد هذان العالمان أنه بصرف النظر عن الأنماط التي يمكن أن تصنف إليها القيادات العربية، فإن كافة هذه القيادات تعبر في ممارسة السلطة عن الحكم الأبوي - الرعوي، ففي أي نظام سياسي دائرة ضيقة Inner Circle من المستشارين والسكرتاريين الخصوصيين الوزراء والقادة العسكريين وأهل الثقة من الأقارب وغيرهم، ورغم خضوع وتبعية وولاء أعضاء هذه الدائرة للقائد الأعلي
Top Leader إلا أنهم يمثلون لمن هم دونهم درجة وتأثيرا قادة فرعيين Sub - Leaders، وإذا كانت العلاقات الأفقية بين هؤلاء القادة الفرعيين أساسها التنافس والصراع في ظل اتجاه القائد الأعلى إلي وضوح والقادة الفرعيين أساسها ولاء الأخيرين وخضوعهم لشخصه، ويتنافس هؤلاء القادة الفرعيون فيما بينهم لإظهار قوة الولاء للقائد الأعلى ومحاولة التواجد دائما بالقرب منه، والقائد الأعلى بدوره يشجع ذلك التنافس والصراع حتى تظل له السلطة العليا، ولكن متى حاول أحد أعضاء هذه الدائرة أن يتحدى سلطة القائد الأعلى أو أن يحيط نفسه بشعبية أو بعصبة - شلة مؤثرة لتصير له قاعدة للتأثير السياسي مستقلة عن شخص القائد، فإن الأخير يستعبده من الدائرة الضيقة ويستبدله بآخر من المنافسين له وقد لا يتردد في استئصاله بقسوة وعنف[1].
وأكد بيل و ليدن أن القيادات العربية كتعبير عن نمط الحكم الأبوي - الرعوي تتسم بست خصائص تؤثر بشدة في العملية السياسية في النظم العربية، وهذه الخصائص[25]
(أ) ممارسة السلطة من منطلق شخصي أو ما يسمي"تشخيص السلطة" Personalism، بمعني تمتع القائد بسلطة شخصية مطلقة في صنع القرارات رغم الوجود الشكلي للمؤسسات السياسية. ولا تختلف هذه السلطة كثيرا عن سلطة الأب في نطاق الأسرة خاصة في ظل تشبيه العديد من القادة العرب في النظم الملكية(الحسن الثاني) والجمهورية السادات أنفسهم بالآباء ومجتمعاتهم بالعائلات، وتتضخم هذه السمة في البلدان العربية ذات التكوينات القبلية كالأردن وبلدان الخليج.
(ب) الاقتراب Proximity من القائد كمحدد للتأثير السياسي، ففي ظل هيمنة دور القائد في العملية السياسية يصير السبيل الوحيد والفعال للتأثير السياسي هو الاقتراب من القائد وملازمته بصفة دائمة، مما يفسر لنا تزايد التأثير السياسي لأعضاء أسرة أو قبيلة القائد والأسر والقبائل التي تربطها بالقائد روابط مصاهرة وتزايد التأثير السياسي للخدم والسكرتاريين والأطباء الخصوصيين، وكذلك شدة التنافس بين الوزراء والمستشارين وغيرهم من أجل التواجد بجوار القائد في أي مناسبة وملازمته أينما ذهب ولا طول فترة ممكنة.
(جـ) عدم الرسمية Informality، بمعني أن عملية صنع القرارات لا تتم في إطار تنظيمات ومؤسسات رسمية وقواعد وضواب
رسمية محددة، ولكنها تتم في إطار العلاقات الشخصية علاقات القائد/ الأتباع وتتخللها المناورات والدسائس التي تحاك في الخفاء خلف الكواليس، ولا يتم القائد في أي نظام عربي ببناء، وتطوير مؤسسات سياسية ذات فاعلية حقيقية سواء في صنع القرارات أو في ممارسة الضبط والرقابة السياسية، وعادة ما يستتر هذا الهيكل الشخصي غير الرسمي لصنع القرارات خلف الهيكل الرسمي الشكلي مع وجود عناصر معينة تابعة وموالية للقائد تحتل مكانة عليا داخل الهيكل الرسمي كي تخلق قنوات اتصال بين هذين الهيكلين، الأمر الذي يدعم من هيمنة القائد.
(د) الصراع المتوازن Balanced Conflict، بمعني لجوء القائد إلي إثارة الصراعات والانقسامات بين أعضاء النخبة السياسية(الدائرة الضيقة) لمنع ظهور بؤر ومراكز للقوة والتأثير مستقلة عن شخص القائد، مع أتباع نفس الأسلوب فرق تسد سواء في التعامل مع القوى والجماعات المعارضة لمنعها من التكتل في جبهة قوية معارضة أو في التعامل مع الجيش خاصة عن طريق إقامة تنظيمات شبه عسكرية لموازنة وضبط قوة الجيش مثل سرايا الدفاع في سرويا.
(هـ) القوة العسكرية Milirary Power، وتعني أمرين أولهما اعتماد القيادات العربية على الجيوش والتنظيمات شبه العسكرية لحماية وتأمين استمرارها في الحكم وقمع الاضطرابات واسعة النطاق التي تعجز القوات الأمنية عن مواجهتها، ويتعلق الأمر الآخر بتأسيس العديد من القيادات العربية لشرعيتها على أساس ما أظهرته من بسالة وشجاعة في المعارك(جمال عبد الناصر - عبد العزيز آل سعود - الملك فيصل - الملك حسين) وحتى عندما تفتقد بعض هذه القيادات فرصة أظهار الشجاعة في ميدان القتال فإنها لا تتردد في استغلال ِأي مناسبة لإظهار قوتها ورباطة جأشها ولو كانت هذه المناسبة متعلقة بالنجاة من محاولة اغتيال أو انقلاب عسكري الحسن الثاني - جعفر نميري.
(و) التبرير الديني للسلطة، بمعنى تأسيس ممارسة السلطة على المنطق الديني - الإسلامي، كإدعاء القيادة الأردنية والقيادة المغربية الانحدار من نسل النبي، واستناد القيادة السعودية إلي المبادئ الوهابية واستناد العمانية إلي المذهب الإباضي، فضلا عن تظاهر كافة القيادات العربية باتفاق سياساتها مع القيم الإسلامية.
ومن الجدير بالذكر أننا في دراستنا للعلاقة بين القيادة والتنمية في الوطن العربي اعتمدنا بدرجة كبيرة في تحديد خصائص القيادات العربية على النمط الأبوي والرعوي للحكم وسمات ممارسة السلطة المرتبطة به كما عبرت عنها دراسة بيل وليدن والتي استفاد منها أيضا د. حامد ربيع في تحليله للمشكلة الإنمائية في المنقطة العربية[36]. بيد أن الفارق الأساسي بين هاتين الدراستين العربيتين وتكل الدراسة الأمريكية يتمثل في رفض الفكرة التي تضمنتها تلك الدراسة الأخيرة ومؤداها إرجاع سمات القيادات العربية المعاصرة إلي خصائص النمط القيادي العربي الإسلامي بتطبيقاته المتنوعة بما فيها القيادة المحمدية والخلفاء الراشدين، ولهذا تضمنت دراستنا تحليلا للاختلافات الجوهرية بين خصائص القيادات العربية المعاصرة والقيادات العربية الإسلامية من أجل الرد علي التصور الذي طرحه هذان العالمان الأمريكيان[37]. ومن سار علي نهجها من الباحثين العرب[38].
- تحليل"مايكل هدسون" لأزمة الشرعية في النظم العربية
في إطار ذلك الحديث عن تصنيف القيادات السياسية طبقا لمصدر شرعية السلطة، ينبغي أن نشير إلي الدراسة الهامة التي قام بها"مايكل هدسون" Michael C. Hudson بعنوان السياسية الغربية البحث عن الشرعية[39].
في هذه الدراسة حدد هدسون ثلاثة مسالك لبناء الشرعية في النظم العربية وهي
(أ) المسلك الشخصي بمعني اثر القيادات الكاريزمية في خلق الشرعية وتوفيرها للنظام برمته(ناصر)، وبمعني ممارسة معظم القيادات العربية للسلطة من منطلق أبوي.
(ب) المسلك الإيديولوجي بمعني تبني بعض القيادات العربية أيديولوجيات سياسية لتبرر شرعية سلطاتها وتعبر عنها أحزاب عقائدية(قيادات العراق وسوريا واليمن الجنوبية والجزائر).
(جـ) المسلك البنائي الهيكلي بمعين التجاء بعض القيادات العربية إلي دعم شرعيتها من خلال تبني مبدأ سيادة القانون وبناء مؤسسات سياسية وأحزاب وجماعات مصالح لتصير - ولو شكليا - قنوات للمشاركة السياسية.
وميز هدسون بين نمطين للنظم العربية، وهما النظم الملكية ذات الشرعية التقليدية والنظم الجمهورية ذات الشرعية الثورية باستثناء لبنان، وأكد أن النظم الملكية العربية، رغم قبول بعضها للتكليف مع المبادئ والأبنية الديمقراطية(المغرب - الكويت)، تتسم السلطة فيها بالطابع الأبوي والرعوي والقبلي، فقائد أي نظام منها يمارس السلطة من منطلق تصوره لنفسه كأب المجتمع ويعتمد في حكمه علي الروابط والانتماءات القبلية، ويوظف معظم قادة هذه النظم الإسلام كمصدر لتبرير الشرعية ويعتمدون بشدة علي الأجهزة القمعية والدعم الأجنبي التنمية بالحذر البالغ وخاصة فيما يتعلق بقضيتي العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. وتتصف قيادات النظم العربية الجمهورية باستثناء القيادة اللبنانية بتبرير السلطة علي أساس الشرعية الثورية سواء بمعني انقلاب، وتختلف هذه القيادات أيضا عن قيادات النظم الملكية في سعيها لتطوير أسس جديدة للشرعية مثل تبني أيديولوجيات سياسية ورفع شعارات القومية والعلمانية والمساواة والتحديث وإقامة تنظيمات جماهيرية
حزبية ونقابية، ولكن هذه القيادات ورغم تظاهرها بالعصرية تمارس السلطة من منطلق أبوي تقليدي، وهي رغم سماحها بإقامة مؤسسات سياسية للمشاركة تحتفظ بسلطة شخصية مطلقة وهيمنة كاملة علي العملية السياسية، وهي عاجزة واقعيا عن تنفيذ ما ترفعه من شعارات نظرا لضعف قدرتها، فضلا عن اعتمادها علي القمع الداخلي وأحيانا الدعم الخارجي لتأمين استمرارها في الحكم.
وبالنظر إلي ما يتصف به الإطار الذي قدمه"هدسون" في تحليله لأزمة الشرعية في النظم العربية من شمول وتكامل، فقد اعتمد علي هذا الإطار التحليلي أكثر من باحث عربي في دراسة هذه الأزمة ي المنطقة العربية[40].
4 - تصنيف القيادات السياسية حسب موقف القيادة من العملية الإنمائية
توجد مجموعة رابعة من التصنيفات السائدة للقيادات السياسية في الدول النامية تستند إلي معيار موقف القيادة من المشكلات الإنمائية وأساليبها في التعامل معها. ونعرف فيما يلي بالتفصيل لتصنيف"مونت بالمر"، ونشير على عجالة إلي التصنيفات الأخرى المعتمدة على هذا المعيار، وننتهي بتسجيل بعض الملاحظات الهامة في هذا الخصوص.
- تصنيف"مونت بالمر"
ميز"مونت بالمر" Monte Palmer بين ثلاثة أنماط القيادات السياسية في الدول النامية، وأكد اختلاف النظم السياسية المرتبطة بهذه الأنماط والتي حدد خصائصها علي النحو التالي[41]
(أ) نمط القيادات التقليدية: يرتبط بالنظم الملكية الحاكمة في المجتمعات التقليدية ذات التكوينات القبلية والعشائرية مثل الأقطار الخليجية وكذلك اليمن وأثيوبيا وأفغانستان قبل الثورات التي شهدتها
عادة ما تنتمي القيادة التقليدية إلي قبيلة قوية تعتمد عليها في ممارسة السلطة والاحتفاظ بها، كما تعتمد أيضا علي مساندة القبائل الأخرى القوية المرتبطة بها بروابط نسب ومصاهرة، وإن كانت تلجأ إلي إثارة وتعميق الانقسامات والصراعات بين هذه القبائل لإضعاف شوكتها، وتبرر في معظم الأحوال شرعيتها علي أساس المعتقدات الدينية. وتتمثل الغاية الأساسية لهذه القيادة في المحافظة علي السلطة والحصول علي دعم وولاء زعماء القبائل وملاك الأراضي وحماية الأوضاع الاجتماعية القائمة، وقد تتبنى أحيانا بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الجزئية، إلا أنها تعارض أي تغيير جذري، ولذلك لا تقدم علي تطبيق سياسات فعالة لإعادة توزيع الدخول والأراضي أو لتحقيق المشاركة السياسية. وتعتمد هذه القيادة في حكمها علي وسائل متنوعة قهرية واقتصادية، وبخصوص الوسائل القهرية يلاحظ أن القيادة قد تلجأ إلي تسليح القبيلة أو القبائل الموالية لها بأفضل الأسلحة لتكون لها الغلبة علي القائل الأخرى في حالة التمرد(اليمن قبل 1962) وقد تلجأ إلي توسيع قاعدة التجنيد العسكري وزيادة الإنفاق علي الجيش وتزويده بأحدث الأسلحة كي يصير أداتها في البطش بأي معارضة داخلية ولكن قد تظهر داخل الجيش عناصر شابة راديكالية تطيح بالقيادة التقليدية(أثيوبيا)، ويلاحظ بخصوص الوسائل الاقتصادية أن هذه القيادة تتعامل مع موارد الدولة باعتبارها من الموارد الخاصة ولهذا يتم لها الحصول علي مساندة القبائل والعناصر المؤثرة من خلال سياسة توزيع الغنائم(الأموال - الأراضي - الوظائف) والتي تتم أيضا من منطلق فرق تسد.
(ب) نمط القيادات التحديثية الاشتراكية الكاريزمية: تختلف هذه القيادات عن القيادات التقليدية في أنها توجه جهودها نحو تعبئة موارد مجتمعاتها ووضعها في خدمة التنمية الشاملة بما تتطلبه من إدخال تغييرات جذرية علي الأوضاع القائمة، وعادة ما تتصف هذه القيادات بقوة الشخصية وبشدة التأثير في الجماهير مثل ناصر ونيريري ونكروما، وسوكارنو، وهو شي منه، وفيدل كاسترو. وتمر
القيادة الكاريزمية في تطورها بثلاثة مراحل، أولها مرحلة خلق صورة للقائد معبرة عن القوة والبطولة ويساعد علي ذلك نجاح القائد في مواجهة قوى خارجية معادية، وثانيها مرحلة نقل هذه الصورة إلي الجماهير كي تقتنع بانتماء القائد إليها وتعبيره عن مصالحها، وثالثها مرحلة تدعيم هذه الصورة لضمان استمرار الجماهير في الارتباط العاطفي والدعم الكامل للقائد ويتم ذلك من خلال عدة أساليب مثل التأزيم بمعني الاحتفاظ بالجماهير في حالة ثورية لمواجهة المؤامرات الخارجية"الإمبريالية"، ومن الأساليب الأخرى في هذا الخصوص تبني سياسة إقليمية نشطة وتخطيط التنمية وتدعيمها بإنجازات اجتماعية ملموسة وتبني عقيدة سياسية اشتراكية واستئصال الخصوم. ورغم أن هذه القيادات تبدو نظيرا أكثر أنماط القيادات التنمية نتيجة لعدة عوامل منها الطموح الشديد الذي يدفعها إلي محاولة تحقيق عدة أهداف في آن واحد رغم ندرة الموارد المتاحة، فضلا عن هيمنة دور القائد في العملية السياسية ورفضه التعامل مع أهل العلم والخبرة الأمر الذي يؤدي إلي اتصاف القرارات بالتخبط والعشوائية ومن ثم تتفاقم الأخطاء الناجمة عن سوء التقويم والتقدير للمواقف، وكذلك أثر معارضة القائد لظهور وتطور مؤسسات سياسية فعالة في تهديد الإنجازات الإنمائية التي حققها القائد الكاريزمي متي اختفي، ناهيك عن الضغوط الخارجية الغربية علي القائد لتحجيمه أو إسقاطه للتخلص من سياساته الإقليمية النشطة ومهاجمته للاستعمار...إلخ.
(جـ) نمط القيادات التدريجية المعتدلة: تجمع هذه القيادات بين خصائص النمطين السابقين، فإذا كانت مشكلة القيادات التقليدية تنبع من عدم استعدادها للتغيير لإشباع مطالب الجماهير، وإذا كانت مشكلة القيادات الاشتراكية الراديكالية مردها إلي طموحاتها الكبيرة التي تؤدي إلي تزايد المطالب والتوقعات بدرجة تعجز معها هذه القيادات ونظمها السياسية عن التعامل معها بفاعلية خاصة في ظل ندرة الموارد المتاحة
وتزايد الضغوط الخارجية، فإن القيادات المعتدلة مثل"السادات" و"بورقيبة" وبعض قيادات أمريكا اللاتينية الموالية للإدارة الأمريكية تري أن تجاوز هاتين المشكلتين يقتضي انتهاج سياسة الإصلاح التدريجي المعتدل لإشباع المطالب العامة بشكل جزئي تدريجي بما لا يخل باعتبارات الاستمرار والاستقرار مع تبني مؤسسات سياسية علي النمط الغربي وتدعيم العلاقات مع الدول العربية. ورغم أن هذا الخيار الذي تلجأ إليه القيادات المعتدلة يبدو ملائما لتحقيق التنمية، إلا أنه يواجه التطبيق عدة مشكلات منها: - تطور المطالب العامة وخاصة التي يطرحها الشباب والمثقفون والعمال إلي حد المطالبة بالقضاء علي النظم والعلاقات والقوى التقليدية القائمة، وعدم رضا القوى الجديدة المطالبة بالتغيير الشامل عن الإصلاحات الجزئية المعتدلة والتي قد تعارضها أيضا القوى التقليدية المسيطرة باعتبارها خطوة علي طريق القضاء علي اميتازاتها. أضف إلي ذلك أن نجاح سياسية إنمائية رأسمالية أساسها الاعتدال والتدرج يتطلب وجود قوى وطبقات اجتماعية وسطي تمثل الاعتدال بين مواقف ومطالب القوى التقليدية والقوى الجديدة، بينما لا توجد حقيقة مثل هذه الطبقات الوسطي في الدول النامية التي تتسم أبنيتها الطبقية بالانقسام الحاد بين طبقات غنية عليا وأخرى فقرة دنيا وبينهما شرائح اجتماعية ضعيفة وغير متجانسة لا يمكن وصفها بالطبقات الوسطي.
- تصنيفات أخرى
الواقع أن دراسات النظم السياسية والحكومات المقارنة والتنمية السياسية تحفل بتصنيفات أخرى للقيادات السياسية استنادا إلي معيار موقف القيادة من قضايا وأساليبها وسياساتها في التعامل معها، ومن ذلك:
1 - دراسة"بول سيجموند" Paul E. Sigmund التي ميزت بين ثلاثة أنماط للقيادات السياسية في الدول النامية: للقيادات التقليدية المحافظة، القيادات الإصلاحية والقيادات الراديكالية[42].
2 - دراسة(جابرييل الموند) و(بنجهام باول) Almond & powell
التي ميزت بين ثلاثة أنماط للنظم السياسية في الدول النامية طبقا لطبيعة الاستراتيجيات الإنمائية التي تتبناها قياداتها السياسية: النمط التسلطي التكنوقراطى، النمط الديمقراطي الشعبي، والنمط التقليدي الجديد[43].
3 - دراسة(فرانك تاشو) Frank Tachau التي ميزت بين ثلاثة أنماط للقيادات(النخب) السياسية في الشرق الأوسط:القيادات والنخب التقليدية العاجزة عن التكليف مع متطلبات التنمية، القيادات والنخب التقليدية القادرة على التكيف مع هذه المتطلبات، والقيادات والنخب الحديثية الإنمائية العصرية[44].
4 - دراسة"محمد عبد الباقي هرماسي التي ميزت بين ثلاثة أنماط للقيادات السياسية في دول المغرب العربي من حيث موقفها من المشكلات الإنمائية:القيادات التحديثية الليبرالية، القيادات الشعبية التعبوية، والقيادات التقليدية[45].
5 - دراسة" د. نادية رمسيس فرح" التي ميزت بين نمطين للقيادات والنظم العربية حسب مواقفها من قضية الديمقراطية: النمط السلطوي البيروقراطي والنمط التسلطي التقليدي[46].
6 - دراسة"روبرت ويسون" Robert Wesson التي ميزت بين أربعة أنماط للنظم والقيادات السياسية في الثالث: النمط الاشتراكي، النمط الديمقراطي الليبرالي، النمط العسكري، والنمط التسلطي[47].
- القيادات السياسية والعملية الإنمائية: ملاحظة أساسية
في ختام هذا الحديث عن أنماط القيادات السياسية بحسب مواقفها من التنمية، نورد الملاحظات الست التالية
1 - نلاحظ أنه من الصعوبة بمكان التوصل إلي إجابة محددة وقاطعة

علي التساؤل التعلق بماهية أكثر أنماط القيادات السياسية صلاحية لتحقيق التنمية، إذ أن هذا الأمر يتوقف علي طبيعة ظروف وأوضاع المجتمع. وهذا يعني أن نمطا قياديا معينا قد يكون فعالا في تحقيق التنمية في مجتمع معين، لا يصير بالضرورة فعالا وصالحا لتحقيق التنمية في مجتمع آخر له ظروفه ومشكلاته المختلفة، فصلاحية نمط القيادات الإصلاحية الليبرالية للتنمية في المجتمعات الغربية لا تعني صلاحية هذا النمط بالضرورة في كافة المجتمعات العالم الثالث ذات الأوضاع والظروف المغايرة، وكذلك الحال بالنسبة لنمط القيادات الشيوعية.. أن المهم في هذا الصدد هو التأكيد علي أن التأكيد علي أن القيادة الصالحة والملائمة للتنمية هي التي تملك، القدرة علي فهم طبيعة ظروف وقدرات مجتمعها، وفهم طبيعة عملية القيادة ذاتها كتعبير عن وظائف وقيم وتفاعل وتجاوب ومشاركة، وفهم طبيعة العملية الإنمائية كعملية متداخلة ومتعددة الأبعاد والجوانب وعملية تطوير حركي مستمر تتطلب بدايتها واستمرارها ونجاحها توافر إرادة التغيير علي مستوي القيادة السياسية والمثقفين والمجتمع بأسره.
2 - وتقودنا الملاحظة السابقة إلي التأكيد علي وجود درجة كبيرة من الاتفاق بين طبيعة القيادة السياسية والعملية الإنمائية. وهناك علي الأقل ثلاثة جوانب لهذا الاتفاق، أولها يتعلق بالكلية والشمول وثانيها بالحركة والديناميكية وثالثها بعنصر الإرادة وعدم الحتمية. ونعني بالجانب الأول أو القيادة ظاهرة كلية مركبة من عدة عناصر متفاعلة القائد - النخبة - الموقف - القيم، والتنمية بدورها ظاهرة كلية متعددة الأبعاد تنمية سياسية - تنمية اقتصادية - تنمية اجتماعية - تنمية إدارية - سياسة التنمية - إدارة التنمية - المضمون الثقافي للتنمية، وهذه الأبعاد الإنمائية متفاعلة والقيادة السياسية هي محور تفاعلها. ونقصد بالجانب الثاني أن القيادة بطبيعتها ظاهرة ديناميكية تقتضي الحركة المستمرة من القيادة في التعامل مع المواقف المتجددة التي يواجهها المجتمع، بما يتطلبه ذلك من ضرورة تطويع وتكييف أساليب القيادة في التعامل بما يتفق مع خصائص المواقف وسمات وقدرات المجتمع

حتى تصير القيادة فعالة في مواجهة هذه المواقف. والتنمية أيضا عملية تطوير ديناميكي مستمر لا ينتهي عند نقطة معينة وهي تقتضي أيضا الحركة الدائمة من المجتمع بكافة أبنيته الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية وقيادته السياسية لمواجهة المطالب والحاجات المتجددة للمجتمع. ونعني بالجانب الثالث أن التنمية ليست حتمية من حيث حدوثها لأنها تتطلب توافر ذلك العنصر النفسي الداخلي النابع من داخل المجتمع ذاته والذي عادة ما يشار إليه"بإدارة التغيير" أو"إرادة التنمية"، ومتى اتصفت القيادة السياسية بالوعي التنموي - بمعني إدراك طبيعة التخلف القائم وضرورة التغيير والغايات المنشودة وأساليب تحقيقها وبمعني القدرة علي التغيير وتحمل مخاطره - فإن هذه القيادة يمكنها أن تبلور هذه الإرادة وأن تكتل المجتمع حولها في عملية التغيير والتنمية.
3 - نلاحظ أن التمييز بين أنماط القيادات السياسية في الدول النامية طبقا لمواقفها من التنمية، مثل تمييز مونت بالمر بين القيادات التقليدية والقيادات الراديكالية الكاريزمية والقيادات المعتدلة، ليس تمييزا جامدا أو فضلا تعسفيا، بمعني أننا قد نجد في الواقع السياسي الفعلي قيادات تجمع في الممارسة الفعلية للسلطة بين خصائص أكثر من نمط من هذه الأنماط، فهناك قيادات تقليدية المعتدلة كاريزمية(بورقيبة - نهرو) تعتمد في تدعيم سلطتها علي أساليب تقليدية وخاصة تعيين الأبناء والأقارب في المناصب الهامة فيما يعرف بمفهوم"السياسة العائلية".
4 - رغم ذلك، فإن من مزايا التمييز بين أنماط القيادات السياسية في الدول النامية، تمكين الباحث من تفسير ومقارنة جوانب وعوامل الاختلاف والاتفاق بين السياسات الإنمائية ونتائجها في هذه الدول. ويرجع ذلك إلي أن التنمية تمثل في جوهرها عملية اختيار، والاختيار هو جوهر وظيفة القيادة السياسية، وبالتالي فإن اختيار سياسة إنمائية
معينة يعكس إلي حد كبير نمط القيادة السياسية من حيث دورها في العملية السياسية ومصدر شرعيتها وسماتها النفسية والسلوكية وأهدافها وأساليبها في التعامل مع القضايا الإنمائية وتوجهاتها الخارجية. ومن هنا يمكن القول أن المجتمع الذي تحكمه قيادة تقليدية جامدة ترفض أي تغيير ولو كان شكليا وتفرض علي شعبها حالة العزلة أو تغيير، علي عكس مجتمع آخر تحكمه قيادة تقليدية ولكنها تتبنى إصلاحيات اجتماعية واقتصادية وحتى إصلاحات ديمقراطية ولو محدودة لا تمس جوهر وأسس النظم والعلاقات التقليدية القائمة(المغرب - الأردن - أقطار الخليج وإيران الشاهنشاهية)، ولكن التنمية في مثل هذا المجتمع تختلف في عمقها ومساراتها وأساليبها ونتائجها عن التنمية في مثل هذا المجتمع تختلف في عمقها ومساراتها وأساليبها ونتائجها عن التنمية في مجتمع آخر تحكمه قيادة تقدمية راديكالية، كما أن التنمية في ظل هذه القيادة الراديكالية تختلف عن التنمية في ظل قيادة إصلاحية معتدلة. وبالإضافة إلي ذلك فإن علي الباحث أن يأخذ أيضا في اعتباره عند دراسة العلاقة بين القيادة والتنمية تأثير تباين قيادات الدول النامية من حيث أصولها الاجتماعية والمهنية والتعليمية، وحيث يمكنه أن يميز بين تجارب إنمائية في ظل العسكريين أو المدنيين، في ظل قيادات ذات أصول طبقية أو قبلية أرستقراطية أو غير أرستقراطية، في ظل قيادات ذات تعليم وطني أو أجنبي.. إلخ.
5 - ويجب ألا يستنتج أو يفهم من الملاحظة السابقة أن القيادة السياسية هي وحدها التي تؤثر في التنمية دون أن تتأثر بها، فالتنمية بدورها تؤثر في القيادة لأن الركيزة الأساسية لشرعية القيادة والنظام السياسية تتمثل في نجاح وفعالية التنمية بالمعني الشامل: التنمية السياسية بمعني الديمقراطية بما تتطلبه من توفير المستلزمات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية بما تتطلبه من توفير المستلزمات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في العملية السياسية، وتبعني الاندماج السياسي لتسوية الانقسامات والصراعات العرقية والدينية واللغوية، وبمعني الاستقرار السياسي والقدرة علي

استيعاب مطالب القوى الجديدة دون إجبارها علي اللجوء إلي العنف. والتنمية الاقتصادية بمعني بناء قاعدة إنتاجية متنوعة ومتطورة وقادرة علي إشباع الحاجات الاجتماعية الأساسية المتجددة. والتنمية الاجتماعية بمعني وضع حد للتفاوت في الدخول والثروات وأوضاع المعيشة، وبمعني التخطيط والإنماء الحضري، وبمعني التطور التعليمي الكمي والنوعي، وبمعني احترام المثقفين وتمكينهم من أداء أدوارهم الحيوية في العملية الإنمائية.
6 - ونلاحظ بخصوص موضع القيادة السياسية من العلاقة بين السياسة الإنمائية الداخلية والسياسية الخارجية وكذا السياسة الإقليمية، وهي سياسات تربطها علاقات وثيقة حيث يصعب أن نجد دولة لها سياسة خارجية نشطة وهيبة دولية دون نجاح سياستها الإنمائية الداخلية وتمتعها بقسط معقول من الفاعلية علي المستوى الإقليمي، نلاحظ أن القيادة تمثل المحور المركزي الذي يتمركز حوله التفاعل بين هذه السياسات. وعلي سبيل المثال فإن نجاح القيادة في تحقيق تنمية اقتصادية فعالة ومستقبلة يتيح الأساس الاقتصادي المادي اللازم للتحرك النشط للدولة علي الصعيدين الإقليمي والخارجي، ونجاح القيادة في تحقيق التكامل والاندماج القومي يغلق الباب في وجه محاولات التدخل من جانب القوى الإقليمية والخارجية لإثارة الصراعات والحروب الأهلية في الدولة، وقدرة القيادة علي الاستفادة الحقيقية من أهل العلم والخبرة والاختصاص تؤدي إلي اتصاف السياسات الداخلية والإقليمية والخارجية الدولة بالتدبر والعلمية والتخطيط.
ومن الملاحظ، كما هو الحال بالنسبة لدور القائد في صنع السياسة الداخلية، أن دور القائد في صنع قرارات السياسية الخارجية - بما فيها قرارات السياسة الإقليمية - يتوقف علي عدة اعتبارات من بينها أسلوب وظروف وصوله ِإلي السلطة مدى اهتمامه وخبرته بالشئون الخارجية، مدى تمتعه بشخصية مؤثرة جماهيريا، مدى مرونته السياسية أو جموده السياسي، مدى غموض وتأزم المواقف السيايسة الخارجية، فضلا عن
مدى ديمقراطية النظام السياسي من حيث درجة المؤسسية والمسئولية السياسية[48].
ومن الملاحظ أيضا أن إخفاق أيضا أن إخفاق السياسة الإنمائية الداخلية أو تعثرها قد لا يرجع بالأساس إلي عوامل داخلية تتعلق بالدولة نفسها ومشكلاتها وقياداتها وجماهيرها، ولكنها تتبع بالأساس من الضغوط الخارجية التي تستهدف كبح جماح القيادة أو تحجيمها أو إسقاطها من أجل القضاء علي تأثيراتها الإقليمية والخارجية المناوئة لمصالح القوت"الغربية" التي تمارس هذه الضغوط"عبد الناصر - سلفادور الليندي - كوامي نكروما...إلخ).
ومن ناحية أخرى نلاحظ في هذا الخصوص أن التوجهات الخارجية القيادة في اتجاه الكتلة السوفيتية عادة ما تواكبها في الداخل سياسة إنمائية اشتراكية مستندة إلي مركزية التخطيط واهتمام بالتصنيع الثقيل وتزايد دور الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وتعبئة سياسية في إطار نظام الحزب أو التنظيم السياسي الجماهيري أو نظام الجبهة القومية والتي يتزعمها حزب قائد، وهذه السياسة الإنمائية تؤدي بدورها إلي تدعيم العلاقات القائمة مع الكتلة السوفيتية ومناهضة الدول الغربية الإمبريالية علي الصعيد الدولي وانتهاج سياسة إقليمية ثورية نشطة مناوئة للنظم المحافظة الحاكمة في الأقطار المجاورة... وعلي عكس ذلك نلاحظ أن التوجهات الخارجية للقيادة في اتجاه الكتلة الأمريكية الغربية عادة ما يرافقها تبني القيادة في الداخل سياسة إنمائية رأسمالية قائمة علي الليبرالية الاقتصادية ومنح الامتيازات لرؤوس الأموال الخاصة المحلية والأجنبية وعدم تدخل الدولة لتصحيح الاختلالات الاجتماعية والتحول نحو شكل أو آخر من أشكال النظم السياسية والحزبية الليبرالية وهذه السياسة الإنمائية تدعم أيضا الارتباط التبعية علي الصعيد الخارجي بالكتلة الغربية علي حساب العلاقات مع الكتلة السوفيتية وتجعل السياسة الإقليمية تتصف بالمرونة والاعتدال في ظل رفض القيادة الدخول في صراعات مع النظم والقيادات الحاكمة المجاورة لأسباب

أيديولوجية. وهذه الملاحظة تنطبق علي غالبية الدول النامية، بما فيها مصر التي عانت من تحول أو انقلاب عنيف في سياساتها الداخلية والإقليمية والخارجية عقب وفاة عبد الناصر وتولي السادات السلطة وهو تحول لا نزال نعيشه منذ منتصف السبعينات وحتى الآن، ولكن هناك استثناءات محدودة في هذا الخصوص من أهمها الهند التي أثبتت قياداتها السياسية المتعاقبة قسطا من الفاعلية في سياستها الإنمائية الداخلية وسياساتها الإقليمية والخارجية دون الارتباط بعلاقة تبعية بأي من الكتلتين، ويمكن أن يضاف إلي الهند نموذجان آخران لم تتبلور معا لمهما بعد: السودان بعد الإطاحة بنظام نميري وإيران بعد الثورة.
- أنماط القيادات وأشكال النظم السياسية: خلاصة
في ختام التحليل السابق لأنماط القيادات السياسية طبقا للمعايير الأربعة سالفة الذكر، ينبغي أن نشير أن تأثير نمط القيادة في النظام السياسي والعملية السياسية يتوقف - بالإضافة إلي طبيعة نمط القيادة ذاتها من حيث هذه المعايير - علي طبيعة النظام السياسي قد تؤدي إلي تغيير نمط القيادة السياسية ونوعيتها ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلي مصر وسوريا: في مصر ترتب علي السماح بالتحاق أبناء الطبقات غير الأرستقراطية الإقطاعية إلي العسكريين و الطبقات الوسطي الجديدة. وفي سوريا نلاحظ أن الهيمنة السياسية والحزبية والعسكرية الحالية للأقلية العلوية والتي لا تتجاوز عشرة بالمائة من إجمالي السكان، ترجع إلي تطورات اجتماعية عاشتها سوريا منذ الحكم العثماني

ومرورا بالانتداب الفرنسي وانتهاء بالاستقلال وما بعده، حيث كانت الجماعات السنية الإقطاعية والتجارية المسيطرة تفضل إلحاق أبنائها بالوظائف الإدارية المدنية العليا، علي عكس الجماعات الأخرى وخاصة الأقلية العلوية التي كان يري أبناؤها في الالتحاق بالأكاديمية العسكرية السبيل الوحيد أمامهم للرقي الاجتماعي، وأخذ العلويين منذ أوائل الستينيات يسيطرون علي المناصب العسكرية العليا ومنها قفزوا للاستيلاء علي السلطة، وهو ما في انقلاب مارس 1963 وحافظ الأسد عام 1970[49].
ربعا: تحليل عناصر وبيئة ومشكلات النظم السياسية في الدول النامية من منظور القيادة
يشير مفهوم النظام السياسي إلي كافة التفاعلات والعلاقات والأنماط والوظائف والأبنية المعلقة بالظاهرة السياسية في المجتمع، ويرتبط النظام السياسي من الناحية الواقعية بالنظم الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وغيرها. وبعبارة أخرى ينصرف مفهوم النظام السياسي إلي كافة الأبنية والمؤسسات والقوى والجماعات والشخصيات التي تشارك أو تعد مؤهلة للمشاركة في صنع القرارات وتنفيذها وفي التأثير علي الرأي العام وتوجيهه. وبهذا المعني يتضمن النظام السياسي العديد من العناصر كالقائد والنخبة السياسية والأبنية التنفيذية والبيروقراطية والتشريعية والقضائية والأحزاب السياسية وجماعات المصالح ووسائل الإعلام ووسائل الإرغام الأمنية والعسكرية.
ويمكن تحليل النظام السياسية لأية دولة من منطلق علاقة القيادة السياسية بكل من هذه العناصر، بل ويمكن الانطلاق من مفهوم القيادة لدراسة العلاقات بين النظام السياسي والنظم الأخرى المكونة لبيئة هذا النظام. ومثل هذا التحليل له أهمية فائقة في دراسة النظم السياسية في الدول النامية دراسة واقعية، بالنظر إلي هيمنة دور القيادة في العملية السياسية في كل من هذه النظم.

1 - النخبة السياسية
يقصد بالنخبة السياسية جماعة محدودة عدديا يملك أعضاؤها من الأعوان والأتباع القدرة علي التأثير السياسي، سواء بمعني المشاركة بالفعل في صنع القرارات السياسية أو بمعني التأثير علي القائد لصرفه عن اتخاذ قرارات لا تخدم مصالح النخبة أو الجماعات المرتبطة بها. وعادة ما يكون تأثير النخبة في هذه الحالة الأخيرة التي يمكن تسميتها بحالة اللاقرار أكثر خطورة من تأثيرها في حالة اتخاذ القرار، بل وهناك من الباحثين من يعتبر أن عدم اتخاذ قرار في قضية مثارة هو قرار حيث أن كل تنظيم أو بناء سياسي يتضمن انحيازا لقيم ومفاهيم سياسي تسمح لصراعات معينة بالآثار دون غيرها وبإبراز مشكلات بعينها دون غيرها، وهذه هي أحد مجالات سلطة النخبة السياسية وهي قدرة النخبة علي إثارة القضايا التي لا تسبب إحراجا شديدا لها أو لا تؤثر في مصالحها المكتسبة، فالسلطة هي ليست فقط التدخل لإصدار قرار سياسي من طبيعة معينة بل تبدو أيضا في قدرة النخبة في عدم إثارة القضايا أو قدرتها على عدم اتخاذ القرار إذا أثيرت القضية، فعدم اتخاذ قرار في قضية مثارة هو قرار. وبهذا المعني تتضمن النخبة السياسية ثلاث مجموعات من الأفراد: أولئك الذين قاموا بعرض المشكلة علي صانع القرار ومن خلال ذلك تم العرض بشكل معين وفي إطار معلومات محددة الأمر الذي يسمح لهم بإغفال بعض جوانب القضية أو عدم عرض قضايا بأكملها أو التأثير في عرضها، أولئك الذين قاموا بالتداول والبحث والتفكير في البدائل المختلفة والحلول المفتوحة المقترحة للقضية موضع البحث، وأولئك الذين اتخذوا القرار[50].
ويمثل الأعوان Supporters والأتباع Followers القوى المساندة والتابعة للقائد في ممارسته للسلطة. ورغم صعوبة التمييز بين الأعوان والأتباع، إلا أنه يمكن القول أن الأخيرين أقل عمقا
في ارتباطهم النفسي والعاطفي وبحيث أن علاقاتهم به عادة ما تختفي وتتواري بمجرد فقدانه السلطة أو تعرضه للهزيمة، بينما تكون علاقة الأعوان بالقائد علاقة نابعة من عاطفة قوية تجعلهم قوة مساندة ولصيقة للقائد في لحظات ومواقف الانتصار والانكسار علي حد سواء[51].
ويلاحظ أن العضوية في النخبة السياسية في نظم الدول النامية وخاصة النظم العربية لا تقتصر علي شاغلي المناصب الرسمية العليا، بل تضم أيضا ما عداهم من أفراد يملكون ركائز أخرى للتأثير السياسي، وهؤلاء الأفراد - خاصة من أقارب القائد المباشرين - يشكلون أكثر عناصر النخبة تأثيرا ونفوذا، أي أنهم يمثلون العنصر الغالب في"الدائرة الضيقة" المحيطة بالقائد، وهو ما يرجع إلي سمات العملية السياسية في هذه النظم وخاصة طغيان سلطات القائد وهيمنة دوره الشخصي واعتماد التأثير السياسي والانتماء إلي النخبة السياسية علي الولاء الشخصي والاقتراب من القائد. ويلاحظ أيضا في أي من هذه النظم أن النخبة السياسية عادة ما تتصف بالانقسام والتنافس والصراع بين أعضائها نتيجة للجوء القائد إلي تطبيق سياسة الصراع المتوازن(فرق تسد) في التعامل مع النخبة، وتؤدي هذه السياسة أيضا إلي صعوبة استمرار تأثير ووجود عناصر النخبة في ظل اتجاه القائد بشكل مستمر إلي أبعاد أو تقريب وتصعيد كل من هذه العناصر لمنعها من تكوين ركائز للتأثير السياسي مستقلة عن شخصه.
وإذا كانت هذه الناحية الأخيرة، والتي سبق عرضها عند الحديث عن تحليل" جيمس بيل" و"كارل ليدن" لخصائص النظم والقيادات العربية، توضح تأثير القائد على النخبة السياسية، فثمة ناحية أخري يبرز بصددها تأثير طبيعة تكوين النخبة على أساليب القائد وسياساته أن القائد الذي يستند إلي نخبة من العسكرين الشبان عادة ما يتصف في تحركاته الذي يستند إلي نخبة من العسكريين الشبان عادة ما يتصف ي تحركاته وسياساته بالاستفزاز والمغامرة وعدم المرونة وعدم الاستعداد للتوفيق، على عكس قائد آخر يعتمد على نخبة من السياسيين والحزبيين
المتقدمين في العمر تتصف حركته بالاعتدال والمرونة وعدم المخاطرة وعدم اتخاذ قرارات وسياسات تعبر عن التصلب والتطرف والقائد المستبد إلي نخبة سياسية يملك أعضاؤها قسطا معقولا منن الثقافة والخبرة يختلف في أساليبه وسياساته من حيث علمية الحركة والتخطيط لها عن قائد لا يعبر أعضاء نخبته عن أي ثقافة أو خبرة ولا يقبل التعامل مع المثقفين والخبراء، وبالمثل فإن القائد المعتد على نخبة تمثل أرسقراطية قبلية عشائرية أو اجتماعية اقتصادية تختلف مواقفه من قضايا التعبير والتنمية عن قائد آخر النخبة المساندة له إلي أصول اجتماعية غير أرستقراطية الخ.
ويتضح مما تقدم أن النخبة السياسية تربطها علاقة وثيقه بالقائد السياسي وهي علاقة تأثير متبادل، وأن كان من الملاحظ في السواد الأعظم من النظم السياسية في الدول النامية أن تأثير القائد يفوق تأثير النخبة في هذا الخصوص.
ومن الموضوعات والإشكاليات التي ينبغي التركيز عليها عند دراسة النخبة السياسية من منظور القيادة السياسية، ما يلي
تكوين وطبيعة النخبة السياسية، بمعني الخصائص والأصول الطبقية والعرقية والقبلية والثقافية والتعليمية والمهنية لاعضاء النخبة وتأثيرها على أساليب القائد في ممارسة وظائفه وصنع القرارات.
كيفية الانضمام إلي النخبة السياسية (التجنيد السياسي) بمعني مدي تدخل القائد في عملية اختيار أعضاء النخبة لمعرفة ما إذا كان ذلك الاختيار يتم على أساس اعتبارات شخصية أو على أساس اعتبارات الكفاءة والخبرة، ومعرفة ما إذا كانت النخبة معلقة أم مفتوحة أمام المؤهلين للانضمام إليها وممارسة التأثير السياسي بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية والاقتصادية وتتمثل أهمية دراسة هذه المشكلة في أن النخبة متي كانت مفتوحة بالمعني المذكور، يزول أو على الأقل تخف
حدة التعارض بين مفهوم النخبة (حكم القلة) ومفهوم الممارسة السياسية الديمقراطية (حكم الكثرة والمشاركة الشعبية وانتشار السلطة)
(ج) طبيعة العلاقات بين أعضاء النخبة السياسية (تعاون وتماسك أو صراع وتفكك) مع الاهتمام في تفسير طبيعة هذه العلاقات بأساليب القائد في التعامل مع أعضاء النخبة (أسلوب الإقناع والمناقشة واحترما الرأي الآخرـ أسلوب المناورة وآثاره الصراعات انطلاقا من سياسة الصراع المتوازن القمع بمختلف صوره ودرجاته مثل الأبعاد من المنصب أو النقل إلي منصب أدني أو السجن أو الاغتيال أو التشهير أو تقديم أحد أعضاء النخبة ككبش فداء وتحميله مسؤولية إخفاق سياسة معينة الخ)
السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية
عند الانطلاق من منظور القيادة السياسية في تحليل السلطات الثلاث في النظم السياسية بالدول النامية ودراسة مشكلاتها وخاصة تلك المتعلقة بالفاعلية والاستقلالية، يتعين الاهتمام بالجوانب التالية:
دراسة تأثر فاعلية السلطة التشريعية في أداء وظيفة الرقابة والضبط للسلطة التنفيذية بهيمنة دور القائد في العملية السياسية وتعاظم سلطته الشخصية وسيطرته على السلطة التنفيذية من خلال دوره في تعيين وعزل الوزراء مباشرة.
دراسة مدي تأثر فاعلية السلطة التشريعية في ممارسة وظيفة صنع القوانين والتعبير عن الإرادة الشعبية بهيمنة سلطة القائد وتدخله في تكوين المجلس التشريعي، وهذا التدخل يتم عن طريق تزييف نتائج الانتخابات وقمع الأحزاب المعارضة لضمان وصول المرشحين الموالين إلي المجلس واحتكار الحزب أو التنظيم السياسي الواحد وهو أداة طيعة
في يد القائد لعملية الترشيح لانتخابات المجلس فضلا عن لجوء القائد إلي مواجهة المعارضة النيابية الجادة لسياساته سواء من خلال إسقاط العضوية عن النواب المعارضين أو حل المجلس والدعوة إلي أجراء انتخابات جديدة لتكوين مجلس أكثر ولاء وخضوعا ولا وظيفة له من الناحية الواقعية سوى إضفاء الشرعية علي سياسات القائد والتصديق" الأعمى" على مشروعات القوانين المقدمة من السلطة التنفيذية أو بالأحرى المقدمة من القائد نفسه.
(ج) دراسة أثر لجوء القائد إلي فرض الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وإنشاء المحاكم العسكرية والمحاكم الخاصة الاستثنائية في استقلالية وحياد السلطة القضائية من ناحية وتمتع المواطن العادي بحق التقاضي أمام قضاء عادل مستقل ومحايد ومتخصص من ناحية أخري.
الأحزاب السياسية وجماعات المصالح
من المعلوم أن للتنظيمات السياسية الوسيطة، أي الأحزاب وجماعات المصالح، أهمية كبيرة في توفير قنوات للاتصال السياسي بين قمة النظام السياسي وقاعدته وللتعبير عن الآراء والمطالب والمصالح وتجميعها وللمشاركة الشعبية في العملية السياسية، بيد أن هذه التنظيمات لا موضع لها في بعض الدول النامية مثل دول الخليج، بينما تتسم في حالة وجودها بعدم الفاعلية في السواد الأعظم من نظم الدول النامية ومن الضروري عند تحليل هذه المشكلة من منظور القيادة السياسية التعرض لعدة قضايا مثل:
(أ) أثر جمع القائد بين رئاسة الدولة ورئاسة الحزب وتدخله في شؤون الأخير مثل الحزب الوطني الديمقراطي شفي مصر والحزب الاشتراكي الدستوري في تونس في مدي توافر الديمقراطية داخل الحزب الحاكم وطبيعة علاقة الأخير بالجماهير وبالأحزاب الأخرى في حالة الأخذ شكليا بنظام تعدد الأحزاب.
(ب) أثر تدخل القائد في اختيار وإقصاء قادة جماعات المصالح في فاعلية هذه الجماعات في أداء وظائفها ومدي سماح القائد لهذه الجماعات بالقيام بدور سياسي أو حتى بوظيفتها المتمثلة في الطلبة بتحسين أوضاع أعضائها.
(ج) مدي تأثر هذه التنظيمات في محاولتها لاداء وظائفها السياسية بالأساليب غير الديمقراطية التي يتبعها القائد في التعامل مع هذه التنظيمات وقادتها (التفتيت الداخلي من منطلق سياسة فرق تسد القمع بمختلف درجاته بما في ذلك التصفية الجسدية التجاهل التام لوجود الأحزاب والتعامل مع العسكريين والتكنوقراط..... الخ)
الأجهزة البيروقراطية
يمكن إلي حد كبير تحليل مشكلات الأجهزة البيروقراطية في الدول النامية من منظور خصائص وأساليب القيادات وسياستها، ومن هذه المشكلات ما يلي
(أ) مشكلة الفساد الإداري والتي يمكن تفسيرها في ضوء عدة عوامل من بينها تبني القيادة السياسية لسياسات إنمائية رأسمالية وكذلك عدم فاعلية الإجراءات التي تتخذها القيادة في مواجهة تورط القادة الإداريين في استغلال مناصبهم لتحقيق مصالح شخصية.
(ب) مشكلة ضعف كفاءة وفاعلية الأجهزة الإدارية في تنفيذ أهداف خطط وبرامج التنمية. ومن الممكن أيضا دراسة هذه المشكلة وعواملها في إطار ارتباطها بخصائص وأساليب القيادة السياسية، ومن ذلك دور القيادة في تعيين الموالين أهل الثقة في المناصب الإدارية العليا بصرف النظر عن اعتبارات الخبرة والكفاءة، فضلا عن لجوء القيادة إلي توزيع المسئولية عن تنفيذ ومتابعة أي جانب من جوانب خطة التنمية علي أكثر من وزارة وجهاز وإدارة وإذكاء حدة التنافس بين هذه الجهات ورؤسائها سياسة فرق تسد. أضف إلي ذلك إحدى الدراسات التي

أجريت علي عينة من 52 من القادة الإداريين في مصر والأردن والكويت ولبنان والسعودية والإمارات، أن هؤلاء الإداريين يعبرون في خصائصهم وأساليبهم في التعامل مع مرءوسهم وفي اتخاذهم للقرارات السياسية مثل هيمنة سلطة القائد - الرئيس وممارستها من منظور أبوي وصنع القرارات في إطار العلاقات الشخصية علي الكفاءة وإثارة التنافس والصراع بين المرؤوسين.. إلخ[52].
(جـ) مشكلة تزايد التأثير السياسي للأجهزة البيروقراطية. ومن الجوانب الهامة في تحليل هذه المشكلة بحث أثر السياسات الإنمائية الاشتراكية التي تتبناها بعض قيادات الدول النامية في تعاظم قوة وسطوة البيروقراطيين مع تزايد تدخل الأجهزة الإدارية الحكومية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية دون سماح هذه القيادات بتطوير المؤسسات السياسية القادرة علي ضبط ورقابة هذه الأجهزة، ففي هذا الإطار قد تتحول البيروقراطية إلي جهاز قابض ومسيطر يمارس القوة السياسية ولو بالتحالف مع المؤسسة العسكرية الفعلية علي أجهزة الحكومة والإدارة والقطاع العام الاشتراكي عادة ما تكون في أيدي العناصر البيروقراطية والتكنوقراطية والعناصر العسكرية - المسرحة من الخدمة العسكرية - والمتصفة بالولاء الشخصي للقيادة الحاكمة، فهذه العناصر البيروقراطية سواء ذات الأصول المدنية أو العسكرية بحكم نمو مصالحها الخاصة قد تتحول إلي طبقات عليا جديدة والتي عادة ما توصف بالطبقات البيروقراطية الجديدة. ومن الظواهر الأخرى الجدير بالدراسة في هذه الصدد أثر تعاظم قوة البيروقراطية وممارساتهم المعبرة عن التعالي والسيطرة علي المواطنين في انتشارها ظاهرة تحاشي السلطة والخوف منها، ومن ثم عدم الاهتمام وعدم التجاوب وعدم المشاركة السياسية خاصة من جانب الريفيين والأميين الذين يشكلون السواد الأعظم من سكان الدول النامية.
الأجهزة العسكرية والأمنية
عند تحليل دور الأجهزة العسكرية والأمنية في النظم السياسية بالدول النامية من منظور القيادة السياسية ينبغي التركيز علي عدة مشكلات من قبيل
(أ) مقارنة انفاق القيادة السياسية علي الأجهزة العسكرية والأمنية بما تنفقه علي مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتحليل ما يترتب علي تكليف القيادة لبعض وحدات الجيش بالقيام ببعض المشروعات الإنمائية من آثار سواء أكانت هذه الآثار متعلقة بالروح القتالية للجيش أو بالعائد الفعلي لهذه المشروعات في مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الدول النامية.
(ب) تحليل العوامل الحقيقية لتزايد النفقات العسكرية والأمنية لمعرفة ما إذا كانت هذه العوامل مردها إلي ضرورة مواجهة مخاطر خارجية تهدد الأمن القومي أم رغبة القيادة الحاكمة في تدعيم قدراتها القمعية لقهر القوى الداخلية المعارضة والجماهير متى حاولت الخروج عن سلبياتها وخضوعها.
(جـ) تحليل ما يترتب علي تزايد اعتماد القيادة الحاكمة علي الوسائل القمعية العسكرية والأمنية من معاناة النظام السياسية لمشكلات سياسية مثل انتقاد أو علي الأقل ضعف الشرعية السياسية وكذلك عدم الاستقرار السياسي سواء في شكل الانقلابات العسكرية أو الصدامات العنيفة بين القوات المسلحة النظامية والقوات العسكرية التي تعتمد عليها القيادة في موازنة وضبط قوة الجيش النظامي.
الرأي العام ووسائل الإعلام
من المشكلات التي يجب الاهتمام بها، عند دراسة الرأي العام ووسائل الإعلام الجماهيري في النظم السياسية بالدول النامية من منظور القيادة السياسية، المشكلات الثلاث التالية
(أ) مدى استقلالية وسائل الإعلام عن القيادة الحاكمة وخاصة بصدد دور القيادة في اختيار قادة الأجهزة الإعلامية والنقابات المعبرة عن العاملين بهذه الأجهزة، وكذا دور القيادة في قمع المعارضين من الإعلاميين.
(ب) حدود الرقابة التي تفرضها القيادة علي وسائل الإعلام وأثرها في مضمون الرسائل الإعلامية.
(جـ) دور القيادة في تحويل وسائل الإعلام من وظيفتها الحقيقية المرتبطة بإنضاج الرأي العام والوعي الجماهيري إلي وظيفة أخرى تخدم مصلحة القيادة في الاستمرار في الحكم وتبني سياسات لا تخدم المصالح الجماهيرية. وقد أشارت إحدى الدراسات إلي أن القيادة الحاكمة - في مصر - تلجأ إلي تسخير وسائل الإعلام الرسمية في تزييف وعي الجماهير والهاء الرأي العام من خلال عدة مسالك، ومنها: شغل المواطنين بقضايا ثانوية وأنشطة رياضية لصرف اهتمامهم عن المشكلات الجوهرية، إيهام المواطنين بأن مشكلاتهم تنتج عن أسباب أخرى غير أسبابها الحقيقة مثل إرجاع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية إلي الانفجار السكاني وتكاسل المواطنين وليس سوء التخطيط وتعثر التنفيذ واختلال التوزيع وتفش الفساد، وإيهام المواطنين بأن الوضع أو النظام القائم أفضل ما يمكن أن يكون وتخويفهم من مغبة أي تغيير وتصوير القائد بأنه أفضل القادة زعامة وحكمة ونبوغا[53].
التعليم
يرتبط التعليم ومضمونه ومؤسساته بالقيادة السياسية تأثيرا وتأثرا، ومن ثم فإن تحليل مشكلات التعليم في الدول النامية من منظور القيادة السياسية يجب أن يغطي جانبين أساسين
(أ) تأثير التعليم علي القيادة السياسية، حيث أن القيادات ذات الخلفية التعليمية العسكرية تختلف عن القيادة ذات التعليم المدني في

أساليب التعامل مع الموقف واتخاذ القرارات، كما أن القيادة ذات الخلفية التعليمية والثقافية الغربية تتصف بالانهيار بالنماذج الإنمائية الغربية وبمعارضة عملية إحياء التراث الحضاري القومي - وهو ما يظهر بوضوح في بلدان المغرب العربي وخاصة تونس.
(ب) تأثر التعليم بخصائص القيادة السياسية، فالعديد من مشكلات التعليم في الدول النامية ذات طبيعة سياسية تتعلق بخصائص القيادة الحاكمة وأساليبها في التعامل. ومن هذه المشكلات: مشكلة الأمية التي لا تبذل القيادة جهودا صادقة للقضاء عليها لأن مصلحتها تقتضي الإبقاء علي غالبية الجماهير في حالة الأمية والجهل والسلبية وعدم المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، ضآلة أنفاق القيادة علي التعليم والبحث العلمي بالمقارنة مثلا بإنفاقها العسكري والأمني، دور القيادة في دفع العديد من أصحاب الكفاءات إلي الهجرة إلي الأقطار الغربية، تقييد القيادة لحرية البحث العلمي ومنع الأنشطة البحثية في المجالات الحيوية من خلال إضفاء السرية الكاملة علي البيانات الخاصة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهامة مثل البيانات المتعلقة بتوزيع الدخل القومي بين الفئات الاجتماعية.
النخبة المثقفة
تتكون النخبة المثقفة من فئات متنوعة تضم الذين ترتبط أعمالهم ووسائل ومؤسسات نقل الثقافة في المجتمع مثل مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام، وبهذا المعني تشمل هذه النخبة المدرسين وأساتذة الجامعات والباحثين والكتاب والصحفيين والمفكرين وغيرهم ممن يجب أن يؤدوا وظائف حيوية في العملية الإنمائية: إنضاج الوعي التنموي للجماهير بمعني دور المثقفين في معايشة الواقع القائم ودراسته للتعرف علي مواطن الخلل والضعف فيه ووضح تصورات لأساليب مواجهة هذا الخلل والضعف ثم تهيئة أذهان الجماهير وإنضاج وعيها وإدراكها لمتشارك بفاعلية في تغيير الأوضاع القائمة، الإسهام في تحقيق الديمقراطية من خلال تحرك
المثقفين سواء في إطار النقابات والأحزاب أو في إطار الجهود الفردية من أجل تعزيز وحماية حقوق وحريات الإنسان في مواجهة انتهاك النظم والقيادات الحاكمة لها، وبناء نموذج أصيل للتنمية يعبر عن الذاتية الحضارية للمجتمع بدلا من الاستمرار في علاقات التبعية الثقافية ومحاكاة النماذج الإنمائية الغربية.
ومن الضروري عند تحليل عوامل قصور المثقفين في الدول النامية في أداء أدوارهم الحيوية في العملية الإنمائية، ألا يقتصر الباحث علي العوامل المرتبطة بالمثقفين أنفسهم(الانفصال عن الواقع الاجتماعي وعن الجماهير ومصالحها ومشكلاتها نتيجة لأنانية المثقف وتعاليه علي الجماهير وتهربه من المواجهة المشكلات العامة بدعوى الحياد الأكاديمي - الانقسامات الداخلية بين المثقفين لتباين نوعية التعليم والأصول الاجتماعية والتوجهات السياسية والفكرية - الانفصال عن التراث الحضاري والانبهار بالغرب من جانب بعض المثقفين مع تعصب البعض الآخر بشكل أعمي للتراث دون محاولة تجديده ليصير صالحا لمواجهة مشكلات الواقع[54]. ولكن نبغي علي الباحث أيضا أن يبحث عن عوامل أخرى لهذه القصور ترتبط بموقف القيادة الحاكمة في المجتمع من المثقفين من قبيل
(أ) عدم احترام القيادة للثقافة والمثقفين، نتيجة افتقاد الثقافة وتفضيل الولاء والثقة علي الثقافة والخبرة.
(ب) قمع القيادة للمثقفين الملتزمين الجادين المرتبطين بمصالح الجماهير والمعبرين عن آراء انتقادية، وهذا القمع يشمل الفصل من العمل أو التشهير والاتهام بالعمالة والحقد أو محاصرة الإنتاج الثقافي لهذا القطاع من المثقفين أو الاعتقال أو التصفية الجسدية.
(جـ) دور القيادة في إفساد بعض المثقفين واستمالتهم بشتى المغريات ليصيروا أدوات لتمجيدها وتبرير سياساتها وتسفيه ومهاجمة معارضيها.
البناء الاجتماعي - الطبقي
عند دراسة مشكلة التفاوت الاجتماعي - الاقتصادي التي تعاني منها المجتمعات النامية بدرجة أو بأخرى، ينبغي في تحليل عوامل هذه المشكلة التركيز علي عدة قضايا ترتبط بالقيادة السياسية من قبيل
(أ) مدى فاعلية ما قد تتخذه القيادة من تدابير مباشرة لإعادة توزيع الدخول والثروات لصالح الطبقات والقوى الاجتماعية الدنيا التي تشكل الغالبية السكانية: فرض ضرائب تصاعدية علي الدخول والأرباح الصناعية والتجارية وتقليص الضرائب غير المباشرة التي يقع عبؤها علي كاهل الفقراء ومحدودي الدخول، سن قوانين الإصلاح الزراعي لوضع حد أقصى للحيازات الزراعية وإعادة التوزيع لصالح عديمي ومحدودي الملكية الزراعية، تأميم المؤسسات والمنشآت الصناعية والتجارية الكبرى وإشراك العمال في إدارتها في إرباحها..إلخ.
(ب) تقييم فاعلية التدابير غير المباشرة المتخذة من قبل القيادة بغرض زيادة الدخول الحقيقية لأبناء الطبقات الدنيا، من خلال تقديم الخدمات الأساسية لهؤلاء بالمجان أو بمقابل رمزي ودعم السلع والخدمات الأساسية وفرض نظام للتسعير الجبري للسلع الأساسية وضبط أسعارها حتى لا ترتفع بشكل تزداد معه أعباء المعيشة بالنسبة لهؤلاء الفقراء.
(جـ) دراسة أثر السياسات الاقتصادية الرأسمالية التي تنتجها العديد من قيادات الدول النامية في تفاقم حدة مشكلة التفاوت الاجتماعي الاقتصادي، سواء من حيث المناخ الملائم لظهور وانتعاش الفئات غير المنتجة(الطفيلية)، أو من حيث ما يترتب علي هذه السياسات من مشكلة اقتصادية قد تدفع بالدولة النامية إلي حافة الإفلاس وما يعقب ذلك في العادة من الرضوخ للضغوط الغربية التي تمارس من خلال صندوق النقد الدولي باتجاه إلغاء أو تخفيض الدعم الحكومي للسلع الضرورية.
(د) دراسة العلاقات الشخصية و"الشللية" التي قد تصل إلي حد المصاهرة والدخول في مشروعات مشتركة بين القائد وأعضاء النخبة السياسية وبين أعضاء الطبقات والقوى الاجتماعية العليا، وبحث أثر هذه العلاقات في موقف القيادة السياسية من مشكلة التفاوت الاجتماعي: موقف التجاهل واللامبالاة.
الأقليات
تعاني العديد من الدول النامية من مشكلة عدم الاندماج القومي أو بعبارة أخرى مشكلة الأقليات، بمعني وجود جماعات مختلفة دينيا وعرقيا وأحيانا لغويا داخل المجتمع الواحد، وهذا الاختلاف والذي عادة ما يقترن به تفاوت اجتماعي - اقتصادي وتباين في التأثير السياسي بين هذه الجماعات قد يؤدي إلي اضطرابات عنيفة وحركات انفصالية وحروب أهلية تهدد النظام السياسي برمته(لبنان - السودان - العراق - سريلانكا - الهندزائير).
وبالإضافة إلي تأثيرات القوى الأجنبية منذ العصر الاستعماري وحتى الآن في إثارة وتعميق الانقسامات الدينية والعرقية واللغوية في الدول النامية والدعم الذي تقدمه هذه القوى للحركات الانفصالية في هذه الدول، والاتجاهات النفسية والأفعال السلوكية المعبرة عن التسلط والتعصب والاستعلاء والتحيز والتمييز من جانب أبناء الأقلية أو الجماعة المسيطرة تجاه أبناء الأقليات والجماعات الأخرى مما يفجر في نفوس الأخيرين مشاعر التفرقة والاضطهاد والحرمان والاغتراب والتذمر[55]. فإن مشكلة الأقليات وما تفجره من اضطرابات ترجع في جانب كبير منها إلي خصائص القيادات الحاكمة في هذه الدول وأساليبها في التعامل مع تلك المشكلة.
وثمة أربعة جوانب أساسية ينبغي التركيز علي تحليلها في هذا الخصوص، وهي
(أ) لجوء القيادة الحاكمة إلي القمع العنيف للأقليات، الأمر الذي يؤدي إلي زيادة حدة المشاعر الكراهية والعداء من جانب تلك الأقليات إزاء القيادة الحاكمة ونظامها السياسي وقاعدتها الطائفية، مما يعرقل احتمالات الاندماج أو حتى التعايش السلمي بين سكان المجتمع الواحد.
(ب) اتباع القيادة الحاكمة لنفس السياسة الاستعمارية فرق تسد في التعامل مع الأقليات، بمعني إثارة وتعميق التواترات والصراعات سواء فيما بين الأغلبية والأقلية أو داخل صفوف الأقلية. ومن النماذج الواضحة في هذا الخصوص(جعفر نميري).
(جـ) عدم اتخاذ القيادة الحاكمة للتدابير اللازمة لسد الفجوة الاجتماعية - الاقتصادية بين مناطق تمركز الأقلية أو الجماعة المتميزة التي تنتمي إليها القيادة ومناطق تواجد الأقليات والجماعات المهضومة، مما يؤدي إلي تفاقم شعور هذه الأخيرة بالظلم والاضطهاد والحرمان الناشئ عن إهمال القيادة والنظام السياسي لمطالبها الاجتماعية - الاقتصادية،
(د) عدم فاعلية وجدوى الاستراتيجيات التي تتبناها القيادة في تحقيق التكامل - الاندماج القوى، سواء في شكل الإدماج والصهر بطريق الإكراه المادي والمعنوي أو في شكل الوحدة والتكامل في إطار التعدد والتنوع بما في ذلك منح الاقليات نوعا من الحكم الذاتي.
الشرعية السياسية
من الأهمية بمكان عند تحليل مشكلة الشرعية المثارة بدرجات مختلفة في كافة النظم السياسية بالدول النامية، تفسير هذه المشكلة في إطار قضايا ترتبط بالقيادة السياسية مثل:
(أ) قضية الاندماج سالفة الذكر والتي تؤدي في أكثر من دولة نامية إلي وجود جماعات - أقليات لا تسلم بشرعية النظام السياسي وبحق القائد في الحكم(لبنان).
(ب) قضية التفاوت الاجتماعي ودور القيادة بصددها، تؤثر أيضا تأثيرا سلبيا في رصيد النظام والقيادة السياسية من الشرعية من وجهة نظر الطبقات والقوى الاجتماعية المهضومة.
(جـ) قضية الديمقراطية وموقف القيادة الحاكمة من المؤسسات السياسية والأحزاب والنقابات والمشاركة الشعبية والرأي العام وحقوق الإنسان الأساسية، لها أيضا انعكاسات سلبية علي الشرعية.
(د) قضية اعتماد القيادة علي الوسائل العميقة أو الدعم الأجنبي من أجل استمرار في السلطة، ترتبط أيضا علاقة عكسية بالشرعية.
(هـ) وبالإضافة إلي ما تقدم، فإن شرعية النظام السياسي تتوقف إلي حد بعيد علي مدى تعبير قيادته السياسية عند تقرير المواقف وتحديد وترتيب الأهداف واتخاذ القرارات عن قيم التراث الحضاري القومي والتي تشكل أساس ثقافة المجتمع وضميره التاريخي ووعيه الجماعي وذاته القومية، ومدى ثقة هذه القيادة في قدرة التراث في حاغلة تجديده علي أن يصير منطلق عمليات التطوير والتنمية، ومدى توفير هذه القيادة لمتطلبات إحياء التراث. وهذه الناحية المفتقدة في النظم العربية وقياداتها السياسية كانت موضع اهتمام بعض الباحثين الذين عالجوا أزمة الشرعية في النظم العربية[56].
خاتمة
يتضح مما تقدم أن أحد الاتجاهات الحديثة في دارسة النظم السياسية في الدول النامية يتمثل في الانطلاق في التحليل من مفهوم القيادة السياسية والذي يمكن في التعامل معه استخدام منهج أو أكثر من مناهج دراسة النظم السياسية كالمنهج المقارن والمنهج التاريخي ومنهج صنع القرار والمنهج الوظيفي وغيرها. ويتضح أيضا أن أهمية هذا المفهوم كمدخل لتحليل نظم الدول النامية تبرز سواء بصدد المقارنة بين خصائص وديناميات ومشكلات النظم السياسية في مختلف مناطق العالم الثالث المنطقة العربية - أفريقيا - آسيا - أمريكا اللاتينية بالنظر إلي أن جانبا كبيرا مما يوجد بين هذه النظم من أوجه للاختلاف والاتفاق يرتبط إلي حد كبير بخصائص وأنماط قياداتها السياسية وتوجهاتها الداخلية والخارجية، أو بصدد تحليل سمات وعناصر ومشكلات وبيئة النظام السياسي في أي من الدول النامية أو في مجموعة معينة منها بالنظر إلي الدور المحوري للقيادة في العملية السياسية والارتباطات المتشابكة بين القيادة وهذه العناصر والمشكلات.
ومن مزايا هذا المدخل: تحليل الظاهرة السياسية تحليلا واقعيا حركيا يتجاوز الصف القانوني الشكلي للنظام السياسي ومؤسساته الرسمية، وإبراز أهمية العناصر النفسية والسلوكية في فهم المواقف والقرارات والأفعال السياسية وعملية صنع القرار مما يعكس تأثير المنهاجية السلوكية من ناحية واستفادة التحليل السياسي من إسهامات العلوم الاجتماعية الأخرى وخاصة علم النفس. رغم هذه المزايا إلا أن هناك بعض الأمور والمحاذير التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند الاعتماد علي هذا المدخل، ومن ذلك ما يلي
1 - ضرورة عدم التركيز بشكل مخل علي الطبقة الحاكمة(القائد والنخبة السياسية) وحدها دون غيرها من طبقات وقطاعات المجتمع الأخرى. وقد حاولنا في هذه الدراسة مواجهة هذه المشكلة بتسليط الضوء
علي بعض القضايا المرتبطة بقاعدة النظام السياسي من قبيل العدالة الاجتماعية والاقليا والديمقراطيات والجماعات المثقفة..إلخ.
2 - ضرورة الانطلاق في تحليل نظم الدول النامية من منظور مفهوم القيادة من مفاهيم ومدركات متميزة عن تلك المستخدمة في تحليل نظم الدول المتقدمة ومدركات متميزة عن تلك المستخدمة في تحليل نظم الدول النامية وأساليبها وسياساتها عن قيادات نظم الدول المتقدمة سواء الرأسمالية منها أو الشيوعية، فضلا عن تباين سمات وأبنية وأنماط وعمليات وتفاعلات نظم الدول النامية عن نظم الدول المتقدمة بحكم اختلاف الظروف والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية[57]. ومن هنا كان حرصنا في هذه الدراسة علي إبراز أهم مقومات النمط القيادي في التراث العربي الإسلامي.

الهوامش
1- جلال عبد الله معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية: دراسة في المنطقة العربية، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية(القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 1985)، ص 9-10.
2-
3-
4-
5-
6- أنظر في هذا الصدد:
د. حامد عبد الله ربيع، مقدمة في العلوم السلوكية، حول عملية البناء الفكرية لأصول علم الحركة الاجتماعية(القاهرة: دار الفكر العربي، 1972)، ص 341- 245.
د- خليل أحمد خليل، العرب والقيادة: بحث اجتماعي في معني السلطة ودور القائد(بيروت: دار إحداثه، 1981) ص 29- 34.
7-
8- جلال عبد الله معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، مصدر سابق، ص 3-4.
9- د. محمود الخالق، معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي(بيروت: دار الجيل، الطبعة الأولي، 1984)، ص 90- 98، ص 295.
10- د. حامد ربيع، محاضرات في تطور الفكر السياسي: الفكر الإسلامي(القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 79- 1980)، ص 226- 228.
11- د. محمود الخالدي، مصدر سابق، ص 297- 312، ص 327- 332.
12- د. أحمد كمال أبو المجد، "الشورى والديمقراطية ورؤية الإسلام السياسية، مجلة العربي(الكويت: وزارة الإعلام بالكويت، عدد 257، أبريل 1980) ص 14- 20.
13- د. حامد ربيع، محاضرات في تطور الفكر السياسي، مصدر سابق، ص 229- 231.
14- د. عمر فروخ، الإسلام السياسي والسياسية الإسلامية، مجلة قضايا عربية"(بغداد: دار الحرية، السنة السابعة، العدد الثالث، مارس 1980) ص 129.
15- د. أحمد ماهر البقري، القيادة وفعاليتها في ضوء الإسلام(الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، 1981)، ص 153.
16- د. حامد ربيع(محقق)، سلوك المالك في تدبير الممالك- للعلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع(القاهرة: مطابع دار الشعب، الجزء الأول، 1980)، ص 149.
17- د. حامد ربيع، "الأمن المصري والأمن العربي"، مجلة الأهرام الاقتصادي(القاهرة: مؤسسة الأهرام، عدد 743، 11 أبريل 1983)، ص 14.
18- أنظر علي سبيل المثال: James A. Bill and Carl Leiden, Politics In The Middle East (Boston: Little, Brown and Company, 1979), PP. 190- 175.
19- أنظر مقارنة بين خصائص القيادات العربية الراهنة والقيادات العربية الإسلامية في: جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، مصدر سابق، ص 528- 532.
20- د. علي الدين هلال، مدخل في علم السياسية المقارنة: محاضرات(القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 86- 1987)، ص 14.
21- Roger Bellows, Creative Leadership(Englewood Cliff, N. J.: Prentice Hall, Inc, 1959), PP. 165- 169.
22- د. أحمد ماهر البقري، القيادة وفعاليتها في ضوء الإسلام، مصدر سابق، ص 38- 42.
23-
24- د. محمد السيد سليم، تحليل الدراسة الخارجية(القاهرة: بروفيشنال للإعلام والنشر، 1983) ص 244- 245.
25-
26-
27-
28- د. حامد ربيع، مقدمة في العلوم السلوكية، مصدر سابق، ص 337- 340.
29- د. مجيد خدوري، عرب معاصرون: أدوار القادة في السياسة(بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1973)، ص 184- 274، 303- 308).
30- د. خليل أحمد خليل، العرب والقيادة، مصدر سابق، ص 26- 28، 125- 136، 159- 166.
31- د. محمد السيد سليم، تحليل السياسية الخارجية، مصدر سابق، ص 246.
32-
33-
34-
35-
36- د. حامد ربيع، "الظاهرة الإنمائية وخصائص القيادة في الأمة العربية"، مجلة قضايا عربية(السنة السابعة، العدد الثالث، مارس 1980).
37- جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، مصدر سابق، ص 527- 536.
38- من هؤلاء الباحثين:
د. بشير محمد الخضرا، "النمط النبوي الخليفي: نظرية لمفهوم القيادة عند العرب، مجلة قضايا عربية(السنة السابعة، العدد الثالث، مارس 1980)، ص 169- 179.
39-
40- من هؤلاء الباحثين:
جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، مصدر سابق، ص 487- 542.
د. مني أبو الفضل، محاضرات في النظم السياسية العربية: الشرعية السياسية في النظم العربية(القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 81- 1982)، ص 2- 24.
د. سعد الدين إبراهيم، "مصادر الشرعية في الأنظمة العربية، ورقة مقدمة إلي مركز دراسات الوحدة العربية، ندوة أزمة الديمقراطية في الوطن العربي(ليماسول- قبرص: 26- 30 نوفمبر 1983)، ص 19- 36.
41-
42-
43-
44-
45-
46- د. نادية رمسيس فرح، "احتمالات التطور الديمقراطي في العالم العربي"، مجلة السياسة الدولية(القاهرة، عدد 75، يناير 1984)، ص 85- 88.
47-
48- د. محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، مصدر سابق، ص 239- 246.
49-
50- د. علي الدين هلال، مدخل في النظم السياسية المقارنة، مصدر سابق، ص 104.
51- د. حامد ربيع، مقدمة في العلوم السلوكية، مصدر سابق، ص 345- 346.
52-
53- د. عبد الباسط عبد المعطي، الإعلام وتزييف الوعي(القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1979) ص 47- 59.
54- د. علي الدين هلال، "بعض جوانب أزمة الجماعة الثقافية في مصر"، مجلة قضايا عربية(مارس 1980)، ص 47- 59.
55- لمزيد من التفاصيل عن المشكلات المنهاجية في تحليل العوامل النفسية والسلوكية لمشكلة الأقليات، أنظر:
د. علي عبد القادر، مقدمة في النظرية السياسية(القاهرة: شوليناري، 1974) ص 109- 124.
56- أنظر علي سبيل المثال:
جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، دراسة في المنطقة العربية، مصدر سابق، ص 527- 54.

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق