241189572571696

الاثنين، 22 مارس، 2010

الوطن العربي وموازين القوي الإقليمية

د. محمد السيد سليم *
قضايا السياسة الدولية .....
نحاول في تلك الدراسة الموجزة أن نحدد أثر الوضع الراهن لموازين القوي الإقليمية ضد العرب علي مستقبل الوطن العربي، وماهي الأدوات التي يمكن اتباعها لتصحيح تلك الموازين، بحيث تنتج أثرا أفضل علي الأمن الوطني لكل دولة عربية وعلي الأمن القومي العربي. تنطلق الدراسة من افتراض أساسي، هو أن العبرة في تحقيق السلام الإقليمي هو بحال ميزان القوي بين الأطراف الإقليمية. فقد شاع في حقبة ما بعد الحرب الباردة مقولة غربية تسمي 'السلام الديمقراطي'، مؤداها أن العبرة في تحقيق السلام الإقليمي هي بتحويل النظم السياسية إلي الديمقراطية، لأن الديمقراطيات لا تتحارب .

بل يذهب بعض أنصار تلك المقولة إلي أن السلاح النووي لدي الدول الديمقراطية هو سلاح آمن، أي أنه لا يشكل تهديدا لأحد، بعكس السلاح النووي لدي الدول التسلطية. وهي كلها مقولات أيديولوجية وليست إمبريقية، إذ لا يمكن اعتبار مقولة السلام الديمقراطي مفسرة للسلام الإقليمي أو العالمي. فيمكن تقديم قائمة من الحروب التي نشبت بين أنظمة ديمقراطية، من أهمها في القرن العشرين حروب الاستقلال الأيرلندية بين عامي 1919 و1921، والحرب بين بولندا وليتوانيا سنة 1920، واحتلال فرنسا وبلجيكا لمنطقة الرور في جمهورية فيمار عام 1923، والحرب بين فنلندا وبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، والحروب العربية - الإسرائيلية سنة 1948، والصراع بين الولايات المتحدة وجواتيمالا سنة 1954، والحرب بين بيرو وإكوادور سنة 1995، وغيرها. وفي القرن الحادي والعشرين، الحرب بين روسيا وجورجيا سنة 2008 حول أوسيتيا الجنوبية. ويمكن أن نضيف إلي ذلك العدوان الإسرائيلي علي غزة في ديسمبر سنة 2008 من حكومة إسرائيل، بزعامة أولمرت المنتخبة ديمقراطيا، علي حكومة فلسطين في غزة، بزعامة هنية والمنتخبة ديمقراطيا أيضا. من ناحية أخري، فإن المرة الوحيدة التي استعمل فيها السلاح النووي كان من خلال دولة ديمقراطية هي الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 ضد أهداف مدنية يابانية، رغم أنه لم تكن ثمة حاجة إلي استخدام هذا السلاح، لأن الولايات المتحدة كانت تعلم بعزم اليابان علي الاستسلام. كما أن إسرائيل كادت تستعمل السلاح النووي ضد مصر وسوريا خلال حرب أكتوبر سنة 1973.

انطلاقا من هذا الافتراض، فإن هذه الدراسة تثير سؤالين، أولهما: كيف يؤثر ميزان القوي علي السلام الإقليمي? وكيف يؤثر ميزان القوي الشرق أوسطي علي مستقبل الوطن العربي? سؤالان سنحاول الإجابة عليهما علي التوالي.

أولا- الرؤي النظرية لأثر حالة ميزان القوي علي السلام الدولي :

ما هو تأثير التفاوت أو التكافؤ في توزيع القوي بين الدول علي احتمالات السلام والحرب فيما بينها? يقدم أدب السياسة الخارجية ثلاث نظريات مختلفة تحاول الإجابة علي هذا السؤال. تؤكد النظرية الأولي أن التكافؤ في توزيع القدرات (العسكرية والاقتصادية) بين دولتين من شأنه تحقيق الاستقرار النسبي في العلاقات بينهما. ويعتبر كينسي رايت هو أهم أنصار هذه المدرسة التي يطلق عليها اسم مدرسة 'السلام من خلال التكافؤ'. يتأسس منطق هذه النظرية علي أن تكافؤ القدرات يؤدي إلي إحساس كل طرف بصعوبة تحقيق مكسب حاسم علي الطرف الآخر من خلال الحرب، كما أنه يقلل من الشعور بالتناقض في مستوي القوة، والذي يغذي من النزعات العدائية لدي الدول(1). أما النظرية الثانية، التي يدافع عنها اينس كلود، فتري أن التوازن في القوي هو موقف غير مستقر، وأن عدم التكافؤ في توزيع القدرات هو الذي يحقق الاستقرار ويزيد احتمالات السلام. فالدولة الضعيفة لن تجرؤ علي شن الحرب، لأنها تدرك أنها لن تحقق نصرا، كما أن الدولة القوية ليست بحاجة إلي شن الحرب، لأنها تستطيع تحقيق أهدافها إزاء الدولة الضعيفة بأدوات أخري أقل تكلفة، كالضغط الاقتصادي والدبلوماسي. وأخيرا، فإن أي تغيير طفيف في القدرات لن يؤدي إلي تغييرفي ميزان القوي، بينما قد يؤدي تغير محدود في قوة أي من الطرفين المتكافئين إلي اعتقاد هذا الطرف بأن التوازن أصبح لصالحه، مما قد يدفعه إلي شن الحرب. وتسمي هذه النظرية باسم 'نظرية تفوق القوة'(2). وقد دافع عنها أيضا سينجر، وبريمر، وستكي، من منطلق أن عدم التكافؤ في توزيع القدرات يزيد من تأكد الدول من احتمالات نتائج التفاعل الصراعي، ومن ثم فإنه يؤدي إلي استقرار العلاقات بين تلك الدول(3). كما يذهب جاسبار إلي أن احتمالات التكامل الإقليمي بين الدول تزداد كلما اتسم ميزان القوي بين الأطراف بتفوق طرف علي الآخر(4). وتقدم النظرية الثالثة، التي يدافع عنها أورجانسكي، تصورا ثالثا للعلاقة بين تكافؤ القدرات واحتمالات الصراع، يستند إلي مفهوم ديناميكي لميزان القوي، أساسه 'نظرية تحول القوة'. تقول النظرية إن احتمالات نشوب الحرب بين دولتين، إحداهما قوية والأخري أقل قوة، تزداد عندما تنمو قوة الأخيرة إلي حد يمكنها من تحدي الدولة الأقوي، خاصة إذا كانت تلك الدولة غير راضية عن حال عدم التوازن. يقسم أورجانسكي الدول إلي أربع مجموعات طبقا لمعيارين هما، القدرات، ودرجة الرضاء عن وضع الدولة في النسق الدولي. هذه المجموعات هي الدول القوية والراضية، والدول القوية وغير الراضية، والدول الضعيفة والراضية، والدول الضعيفة وغير الراضية. يقول أورجانسكي إن دول المجموعة الثانية هي أكثر الدول احتمالا للدخول في صراعات دولية وحروب شاملة. فالدول الواقعة في المجموعات الثلاث الأخري إما راضية عن وضعها الدولي، وبالتالي ليست في حاجة إلي الحرب، وإما ضعيفة إلي حد لا يمكنها من شن الحرب. كما أنه حينما يحدث تحول في ميزان القوة، بحيث تمتلك الدولة الضعيفة وغير الراضية قدرات جديدة تمكنها من تحدي الدولة القوية المهيمنة، فإنها تبدأ في تحدي تلك الدولة. وفي الوقت ذاته، فإنه حينما تشعر الدول المهيمنة بتحول توازن القوي لغير صالحها، فإنها قد تسعي إلي محاولة وقف هذا التحول عن طريق توجيه ضربة إجهاضية للدولة التي تزداد قوتها(5). ويقدم سوليفان تحليلا مختلفا للنظرية ذاتها، فيقول إن العبرة في أثر ميزان القوي ليس في الميزان ذاته في حالة سكون، سواء كان متكافئا أو غير متكافيء، ولكن العبرة بحالة الميزان حينما يتحول من حال إلي حال. فعدم التكافؤ الشديد في القدرات بين دولتين يؤدي إلي إقلال الصراع أو احتمالات الصراع بينهما. ولكن ما إن يتجه الميزان بين الدولتين نحو التكافؤ، تزدد احتمالات الصراع. ولكن حينما تصبح الدولتان متكافئتين في القدرات، تبدأ احتمالات الصراع بينهما في النقصان، كما تقل حدة الصراع، إذا ما نشب. ومن ثم، فالعلاقة بين توزيع القدرات واحتمالات الصراع ليست علاقة خطية، كما تصوره النظريتان الأولي والثانية، ولكنها علاقة تأخذ شكل المنحني(6).

ولا تقدم لنا الاختبارات التطبيقية التي أجريت علي العلاقة بين القدرات والصراع تأكيدا أو نفيا قاطعا لأي من تلك النظريات. ولكن يمكن أن نخلص إلي عدة نتائج، أهمها أن عدم توازن القوي يدفع الدول الأقوي إلي المبادرة بالحرب، بافتراض ثبات العوامل الأخري علي ما هي عليه، فالدول الأقوي هي في الأغلب الأكثر ميلا إلي اللجوء إلي الحروب. من ناحية أخري، فإن أثر ميزان القوي يعتمد علي مدي ارتباطه بالأبعاد الأخري للعلاقات الدولية. كذلك، فالعبرة هي بتحول ميزان القوي، سواء من خلال اكتساب إحدي الدول قدرات جديدة، أو من خلال فقدان الدولة الأقوي بعض قدراتها، مع عدم امتلاك الدول الأخري قدرات جديدة. الحالة الأولي هي حالة اكتساب إيران في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قدرات نووية جديدة، مما يهدد هيمنة الغرب علي ميزان القوي في منطقة الخليج العربي. وهذا ما يفسر سعي الغرب إلي وقف هذا التحول عن طريق الترغيب والتهديد. والحالة الثانية هي حالة فقدان إيران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979 قدرات عسكرية، مما شجع العراق علي استغلال تلك الحالة لشن الحرب علي إيران. ومن ثم، نخلص إلي أن أي علاقة للقوة تتسم بالتحول (عدم الاستقرار) -سواء أكانت الدولتان تتجهان نحو التكافؤ أو نحو عدم التكافؤ- تؤدي إلي حرب بين الطرفين بشكل يفوق علاقة القوة التي تتسم بالثبات (الاستقرار)، وأنه إذا اندلعت الحرب في موقف التحول، فإنه من المحتمل أن تكون تلك الحرب شاملة.

تفترض النظريات السالفة أن القدرات محل التحليل هي القدرات التقليدية، وهي بذلك لا تشمل حالات الدول التي تمتلك القدرات النووية، أي حالة ميزان الرعب. ويمكن القول إن إدخال القدرات النووية في معادلة القدرات بين دولتين يؤدي إلي تغير سياسات تلك الدول، سواء اتسمت المعادلة بالتكافؤ أو عدم التكافؤ. ويقصد بالتكافؤ، في هذا السياق، قدرة كل دولة علي امتصاص الضربة النووية الأولي، وتوجيه ضربة نووية ثانية قاتلة، وذلك علي غرار حالة توازن الرعب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبان عصر الحرب الباردة. أما عدم التكافؤ، فإنه ينصرف إلي قدرة دولة واحدة علي توجيه ضربة أولي قاتلة للدولة الأولي. وتؤدي حالة التكافؤ في القدرات النووية إلي الإقلال من احتمالات الحرب السافرة المباشرة بين الدولتين وإلي لجوء كل دولة إلي تحقيق أهداف سياستها الخارجية تجاه الدولة الأخري من خلال أطراف إقليمية، فيما يسمي 'الحروب بالوكالة'. أما عدم التكافؤ، فإنه يؤدي إلي عدوانية الدولة التي تمتلك القدرة النووية، بما في ذلك احتمال استخدام تلك القدرة علي غرار ما فعلت الولايات المتحدة ضد اليابان عام 1954.

ثانيا- موازين القوي الشرق أوسطية :

انطلاقا من التحليل السالف، يمكن رصد موازين القوي الشرق أوسطية علي ثلاثة مستويات، الأول: هو الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط، والثاني: هو موازين القوي الإقليمية في الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. أما الثالث، فهو التحولات في موازين القوي في الشرق الأوسط.
وبصفة عامة، يمكن ابتداء رصد ثلاث ظواهر أساسية في تلك الموازين، أولاها: الخلل الشديد لصالح الأطراف غير العربية، وهي إسرائيل وإيران وتركيا، والثانية: أن هذا الخلل كان موجودا دائما بفضل الدعم الغربي للدول غير العربية في الشرق الأوسط من ناحية، ونتيجة للتفرق العربي، حيث تتصرف كل دولة عربية كوحدة مستقلة، والخفة التي بموجبها تعامل العرب مع مسألة توازن القوي، وتوازن الرعب. وأخيرا، فإن هذا الخلل قد زاد بشكل واضح منذ نهاية نظام القطبية الثنائية، نهاية الدعم السوفيتي لبعض الدول العربية، وتكرس بشكل أكبر بعد الغزو الأمريكي للعراق، والذي أدي إلي خروج العراق من المعادلة الإقليمية، ودخول إيران وإسرائيل كفاعلين أساسيين في المعادلة العراقية، وتحالفهما مع بعض القوي السياسية العراقية.

1- الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط :

تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر أقاليم العالم من حيث كثافة الوجود العسكري الأجنبي فيها، بل إن القوي الغربية، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، أصبحت قوي شرق أوسطية بعد غزو العراق سنة 3002. ويتسم الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط بعدم التوازن، إذ إنه بالأساس وجود غربي. فلا توجد قوات روسية أو صينية أو حتي هندية في المنطقة. كما أن الوجود الغربي ذاته غير متوازن، إذ إنه في معظمه أمريكي مع وجود بريطاني وفرنسي محدود. وأخيرا، فإن الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي غير متوازن، لأنه مركز أساسا في منطقة الخليج العربي، حيث توجد أهم مصالح الدول الغربية، وهي النفط.

وفي البحرين، توجد قيادة الأسطول الخامس الأمريكي، وتعد قاعدة الجفير من أهم القواعد الأمريكية في الخليج العربي، كما توجد في قاعدة علي السالم في الكويت ومعسكر عريفجان قواعد عسكرية أمريكية. وللولايات المتحدة تسهيلات عسكرية في قاعدة الشهيد موفق الجوية بالزرقاء في الأردن. وفي قطر، توجد واحدة من أهم القواعد الأمريكية في الخليج، وهي قاعدة العديد. هذا بالإضافة إلي قاعدة مصيرة العسكرية في سلطنة عمان. وكانت الولايات المتحدة بعد غزو العراق قد أعادت نشر قواتها من قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية إلي قاعدة العديد في قطر، ولكنها لا تزال تستخدم هذه القاعدة. كذلك، فقد أنشات فرنسا قاعدة بحرية لها في إمارة أبو ظبي بالإمارات افتتحت سنة 8002. كما أن لفرنسا وجودا عسكريا قويا في جيبوتي. وبحكم عضوية تركيا في حلف الأطلنطي، فإن أراضيها وقواعدها الجوية متاحة لدول الأطلنطي، وأهمها قاعدة إنجرليك الجوية، وقد استعملتها الولايات المتحدة ضد العراق في حرب الخليج الأولي سنة 1991، هذا بالإضافة إلي التسهيلات العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة في مصر، واليمن، وجيبوتي، وإسرائيل(7).

ولا يقتصر الوجود العسكري الأمريكي علي الشرق الأوسط، ولكنه يشمل المناطق المحيطة به، خاصة في قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي، والقواعد الأمريكية في اليونان، وإيطاليا، والبرتغال، وإسبانيا، بالإضافة إلي القواعد البريطانية في دييجو جارسيا، وقبرص، وجبل طارق.

2- موازين القوي التقليدية وغير التقليدية في الشرق الأوسط(8) :

أ- موازين القوي التقليدية:

لا نود أن نورد أرقاما عن الناتج القومي وعدد السكان وأعداد القوات، والمدرعات، والطائرات، والسفن التي تمتلكها كل من دول الشرق الأوسط. ونحيل في ذلك إلي دراسة كوردسمان عن التوازن العسكري في الشرق الأوسط، التي أشرنا إليها. وهي توثق هذه الأعداد، فضلا عن توثيق درجات الاختلاف في درجات التدريب والاستعداد. ولكن تأمل تلك الأرقام يوضح أن موازين القوي التقليدية بين دول الشرق الأوسط مختلة لصالح القوي غير العربية. فإسرائيل تستطيع هزيمة أي ائتلاف من جيوش الدول العربية المجاورة بفضل ترسانات الأسلحة التي تصنعها، والتي تمدها بها الدول الغربية، وبفضل تفوقها في الحروب الجوية، واستعمال الصواريخ متوسطة المدي، فضلا عن امتلاكها لقوة بشرية خفيفة الحركة تستطيع نقل المعركة إلي أرض الطرف الآخر بسهولة. وبدون الوجود العسكري الغربي في الخليج العربي، تستطيع إيران أن تهزم أي تكتل من دول مجلس التعاون الخليجي بفضل القوة البشرية الضخمة التي تمتلكها، والمسلحة تسليحا جيدا، والممثلة في الحرس الثوري، والقوات النظامية. كما أن تركيا تستطيع أن تهزم سوريا في أي مواجهة بينهما. ولعلنا نتذكر أن سوريا قبلت طرد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، من أراضيها، عندما هددتها تركيا بالحرب. ومن ثم، فإن التوازن الحقيقي في القوي التقليدية هو بين الدول غير العربية في الشرق الأوسط، هذا رغم ترسانات السلاح المتراكمة لدي بعض الدول العربية الخليجية. فتقدر قيمة مشتريات السلاح السعودية والمصرية من الولايات المتحدة بين عامي 2005 و2008 بنحو 11 مليار دولار، و5 مليارات علي التوالي. ولكن تلك الترسانات مشروطة بعدم استعمالها ضد إسرائيل، وإنما ضد عدو مشترك للدولة العربية والدولة الغربية الموردة للسلاح. ومن ثم، فلا تأثير له علي التوازن العربي - الإسرائيلي.

ب- موازين القوي غير التقليدية :

كذلك، فموازين القوي غير التقليدية مختلة لصالح إسرائيل. فهذه الدولة تمتلك ترسانة نووية، أكد قادة إسرائيل امتلاكها خلافا لما يعتقده البعض من أن إسرائيل تتبع سياسة الغموض النووي. فقد أشهرت إسرائيل امتلاكها السلاح النووي، وإن كان بشكل أقل درامية مما فعلته الهند وباكستان. ففي سنة 1996، صرح جدعون فرانك، رئيس هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية 'بأن إسرائيل ستطلق صواريخها الحاملة للرءوس النووية، إذا ما تأكدت أن هناك صوايخ قادمة إليها'. وأضاف أن 'الدولة يمكنها أن تتخلي عن قدراتها النووية فقط إذا وصلت إلي 'يوتوبيا' مع جيرانها تشبه العلاقة بين البرازيل والأرجنتين'. وقد صرح فرانك بذلك لصحيفة هآرتس التي قالت، عند نشر تلك التصريحات، إنها قد حصلت علي الموافقات الأمنية قبل نشرها. وفي سنة 1996 أيضا، صرح إسحاق موردخاي، وزير الدفاع الإسرائيلي، بأن 'إسرائيل لديها أسلحة نووية تكتيكية، وأنها مستعدة لاستعمالها'(9). وتمتلك إسرائيل أدوات نقل الأسلحة النووية التي تمكنها من أن تطال أي دولة في الشرق الأوسط. فلديها الصاروخ أريحا-2، ويصل مداه إلي حوالي 4000كم، كما أن لديها غواصات من طراز دولفين أمدتها بها ألمانيا، وهي غواصات قادرة علي حمل أسلحة وإطلاق أسلحة نووية.

أما إيران، فإنها تمتلك التكنولوجيا النووية، حيث إنها حققت تقدما في مجال تخصيب اليورانيوم وتوفير الوقود النووي اللازم لمحطاتها النووية، وهي بذلك قادرة علي التحول إلي قوة نووية في المستقبل، إذا قررت ذلك، كما فعلت الهند وباكستان. كما أن لدي إيران صواريخ شهاب-4 ذات المدي الذي يبلغ 4000كم.

بالنسبة لتركيا، فقد كانت تخطط لكي تتحول إلي قوة نووية، وشرعت في شراء مفاعلين من طراز كاندو بقوة 700 ميجاوات لكل مفاعل. ولكنها في عهد حزب العدالة والتنمية، أعلنت رسميا تخليها عن تلك الفكرة بإعلان لرجب طيب أردوجان، رئيس الوزراء التركي، في 16 ديسمبر سنة 2009، حيث قال، 'نحن لا نريد سلاحا نوويا، لا في منطقتنا ولا في أي مكان آخر. نحن ضد امتلاك إيران أسلحة نووية، ولكننا ضد امتلاكها من دول أخري أيضا'. وتعوض تركيا امتلاك السلاح النووي بامتلاكها المظلة النووية الأطلنطية، واتباعها دبلوماسية توافقية إقليمية.

أما الدول العربية، فليس لديها إلا برامج نووية بدائية. فمصر لديها مفاعلان نوويان لأبحاث بقدرة 2 و23 ميجاوات علي التوالي، ولا تستطيع تخصيب اليورانيوم. كما أنها قامت بإلغاء برنامجها النووي سنة 1986، بعد أن كانت قد صدقت علي اتفاقية منع الانتشار النووي في فبراير سنة 1981، دون أن تحصل علي ما كانت تخطط للحصول عليه مقابل التصديق، وهو المفاعلات النووية الستة بقدرة 600 ميجاوات لكل مفاعل. وقد أدي ذلك إلي بعثرة الكوادر العلمية النووية المصرية. ولدي مصر قدرات صاروخية، أهمها صاروخ سكود-س ومداه حوالي ألف كم.

ويمكن القول إن البرامج النووية، التي شرعت الدول العربية في طرحها خلال العامين الأخيرين، هي مشروعات الهدف الحقيقي من الإعلان عنها هو أن تكون ستارا و مبررا للتوقيع، والتصديق علي 'البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار النووي'. فالدول الكبري تريد أن تستثمر لحظة الخلل الراهن في موازين القوي لإدخال الدول العربية في إطار البروتوكول الإضافي، بعد أن نجحت في إدخالها إلي إطار معاهدة منع الانتشار النووي، في الوقت الذي ظلت فيه إسرائيل خارج هذين الإطارين. ذلك أنه تبين للدول النووية أن إجراءات التفتيش الدولي علي الدول النامية غير النووية، طبقا لاتفاقية منع الانتشار النووي سنة 1968، ليست كافية، وأنه في ظل إجراءات التفتيش التي أقرتها الاتفاقية، كانت دول، مثل العراق، علي وشك امتلاك التكنولوجيا النووية. وبالتالي، توصلت الوكالة الدولية إلي ما سمي 'بالبروتوكول الإضافي'، أي أنه بروتوكول ملحق بالمعاهدة، ولكن يلزم الموافقة عليه من الدول الأعضاء في المعاهدة، لكي يصبح ساريا ينص البروتوكول علي حصول الوكالة الدولية علي معلومات كاملة عن أي أنشطة نووية في الدولة، بما في ذلك الصادرات والواردات من المواد النووية. كما ينص علي حق مفتشي الوكالة في الوصول إلي أي مكان لتفتيشه (حتي ولو قالت الدولة إنه لاصلة له بالأنشطة النووية)، وذلك في فترة زمنية قصيرة قد تصل إلي ساعتين، علي أن يشمل ذلك حق مفتشي الوكالة في الدخول الفوري إلي الدولة، والتوجه مباشرة إلي المكان المطلوب تفتيشه. ومن ثم، فإن البروتوكول الإضافي يضع الدول غير النووية الموقعة عليه تحت الوصاية الفعلية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوقيعه يلغي آخر ورقة سياسية تساوم بها الدول العربية إسرائيل. فقد ظل موقف معظم الدول العربية حتي الآن يربط بين توقيع البروتوكول الإضافي بتوقيع إسرائيل معاهدة عدم الانتشار النووي. وسيكون السيناريو القادم علي النحو التالي: ستوالي الدول العربية الإعلان عن أنها قد وقعت اتفاقات مع القوي الكبري لتزويدها بالتكنولوجيا النووية، وأن تنفيذ تلك الاتفاقات يتطلب توقيع البروتوكول الإضافي والتصديق عليه، وإلا فإننا سنحرم الأجيال القادمة من التكنولوجيا النووية. وستحشد هذه الدول أدواتها الإعلامية للترويج لتوقيع البروتوكول الإضافي باعتباره عملا قوميا، وستقوم تحت هذا الغطاء بالتوقيع والتصديق علي البروتوكول الإضافي. وبعد ذلك، يتم افتعال مواقف جديدة تبرر عدم السير في طريق التكنولوجيا النووية، لأن متغيرات جديدة قد طرأت، ولا يبقي للعرب بعد ذلك سوي دخول مصيدة البروتوكول الإضافي.

سيناريو مشابه سبق أن حدث في مصر في فبراير سنة 1891. ففي هذا التاريخ، انطلقت في الصحافة المصرية حملة التصديق علي معاهدة منع الانتشار النووي. وفي جلسات التصديق علي المعاهدة في مجلس الشعب، انطلق نواب الحزب الوطني للإشادة بالتصديق علي المعاهدة، واعتبار أن هذا التصديق عمل قومي سيدخل مصر إلي العصر النووي. رد إبراهيم شكري، زعيم المعارضة وقتها، محذرا من أن إسرائيل لم توقع المعاهدة، وأن مصر يجب أن تتريث إلي حين توقيع إسرائيل عليها. ولكن كمال حسن علي، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية المصري آنذاك، طمأنه بأن إسرائيل قد صوتت لصالح المشروع المصري المقدم إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. اعتبر كمال حسن علي وقتها أن مجرد موافقة إسرائيل علي المشروع المصري، بكل التحفظات التي وضعتها عليها، يكفي لطمأنة مصر علي أن إسرائيل قد وافقت بالفعل علي نزع سلاحها النووي، وهو ما لم يحدث منذ سنة 1981 وحتي الآن. وبعد انتهاء جلسة التصديق التي أدخلت مصر إلي القفص النووي، لم تحصل مصر علي أي تكنولوجيا نووية، إذ سرعان ما ضغطت الولايات المتحدة علي الشركات الدولية لعدم بيع أي مفاعلات لمصر، كما ضغطت علي مصر للتخلي عن البرنامج النووي، وهو ما تم سنة 1986، ولكن بعد أن دخلت مصر إلي المصيدة النووية مجانا(10).

وحتي إذا تم تطبيق الاتفاقات التي وقعت أو يتم التخطيط إلي توقيعها، فإنها لن تثمر عن قدرة ردع نووية عربية، لأن تلك الاتفاقات (كما حدث في حالة الدول التي وقعت اتفاقات بالفعل) تنص صراحة علي توقيع البروتوكول الإضافي، وهو ما فعلته بعض الدول العربية، وهي ليبيا، والعراق، والكويت، والإمارات. كما أن تلك الاتفاقات تنص علي أن تستورد الدولة العربية المفاعل، علي أساس نظام 'تسليم المفتاح'. فلا تشارك في تصنيعه، كما تفعل الهند في المفاعلات التي تستوردها، كما تستورد الوقود النووي جاهزا وتعيده مرة أخري، وبالتالي لا تكتسب الدولة العربية أي خبرة تكنولوجية في تخصيب اليورانيوم.

من ناحية أخري، فإن جميع المشروعات الغربية لضبط التسلح في الشرق الأوسط تركز علي نزع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية دون نزع الأسلحة النووية. ولما كان النوع الأول من الأسلحة هو المتوافر لدي بعض الدول العربية، فإن الدول الغربية تعمل لنزعه بهدف تكريس التفوق الإسرائيلي في مجال أسلحة الدمار الشامل(11).

وقد قبل عدد من الدول العربية هذه المشروعات دون إعلان. فقد صدقت كل الدول العربية (عدا مصر وسوريا) علي اتفاقيتي نزع الأسلحة الكيميائية ونزع الأسلحة البيولوجية، دون أن تقرن ذلك بتوقيع وتصديق إسرائيل علي اتفاقية منع الانتشار النووي، مما كرس الخلل في ميدان أسلحة الدمار الشامل لصالح إسرائيل.

3- التحولات في موازين القوي في الشرق الأوسط :

بالإضافة إلي الخلل في ميزان القوي الشامل ضد الدول العربية، فإن هناك تحولا متزيدا في اتجاهين، الأول: انتقال ميزان القوي بشكل متزايد لصالح دول الحزام الشمالي في الشرق الأوسط، والثاني: هو ظهور جماعات مسلحة جديدة مؤثرة في موازين القوي.

فيما يتعلق بالاتجاه الأول، يري آلستير كروك أن ميزان القوي يتحول لصالح تركيا وإيران. فقد حدث صعود تركي واضح في الشرق الوسط منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلي السلطة في تركيا. وقد أبرمت تركيا عددا من الاتفاقات مع سوريا والعراق وإيران، كما أنها تعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، كما بدأت علاقاتها بإسرائيل في التدهور. وفي المقابل، فإن قوة دول 'الحزام الجنوبي'، أي مصر والسعودية، في أفول بالمقارنة بقوة دول الحزام الشمالي. وبالتالي، توقع أن العقوبات الغربية علي إيران لن تنجح، وأوصي الغرب بالتكيف مع الواقع الجديد، إذا كان يريد حماية أمن إسرائيل أو ضمان إمدادات الطاقة(12). ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه الغرب والدول العربية الخليجية هو تحول موازين القوي في الخليج العربي لصالح إيران، وهو ما يفسر سعي الغرب بقوة إلي منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ويعد من أهم التطبيقات لنظرية تحول القوة التي أشرنا إليها سابقا.

من ناحية ثانية، فقد تصاعد تأثير الجماعات المسلحة في موازين القوي في الشرق الأوسط. ففي لبنان، ظهر حزب الله سنة 1982 في سياق الغزو الإسرائيلي للبنان، وتحول بسرعة ليصبح قوة عسكرية يعتد بها ليس فقط في لبنان، ولكن أيضا في الشرق الأوسط. وقد استطاع حزب الله أن يصمد أمام العدوان الإسرائيلي سنة 2006، بل ويهدد إسرائيل في العمق. والحق أن ظاهرة وجود جماعات مسلحة، ليست بدول وتؤثر في موازين القوي في الشرق الأوسط، ليست جديدة. فقد ظلت الجماعات الفلسطينية المسلحة تؤثر منذ سنة 1965 وحتي الآن في تلك الموازين. وبينما كانت فتح تقود تلك الجماعات ما بين سنتي 1965 و1993، فإن حماس أصبحت الآن تقود التأثير في التوازن الفلسطيني - الإسرائيلي. وقد استطاعت الصمود أمام الغزو الإسرائيلي سنة 2008. الجديد هو أن الجماعات المسلحة لم تعد فلسطينية خالصة، وإنما ظهر حزب الله اللبناني، والمتمركز في جنوبي لبنان، في المعادلة، بل إن دوره فيها فاق دور الجماعات الفلسطينية. ويمتلك حزب الله ترسانة من الصواريخ استعملها بفعالية ضد إسرائيل في حرب سنة 2006، كما يمتلك قوة بشرية مدربة علي خوض معظم أشكال المعارك(13).

وعلي مستوي آخر، هناك جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة لنظام الجمهورية الإسلامية، وهي جماعة ظهرت سنة 1965 لمعارضة الشاه، وأسهمت في سقوطه، ثم تحولت إلي معارضة نظام الجمهورية الإسلامية. وقد دعمها العراق في عهد الرئيس صدام حسين، ووفر لها معسكرات التدريب والإقامة، ولكن النظام الجديد في العراق انقلب عليها ويعمل علي طردها من البلاد.
كذلك، فهناك حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقد تأسس في السبعينيات في تركيا علي أساس إنشاء دولة كردستان. ويمتلك الحزب تسليحا وكوادر عسكرية مكنته من خوض معارك ضد الجيش التركي منذ إنشائه وحتي اليوم. وقد قل تأثير الحزب بعد القبض علي رئيسه، عبدالله أوجلان، ولكنه عاود نشاطه مرة أخري بعد ذلك.

وأخيرا، يجب الإشارة إلي ظهور جديد لجماعة جديدة، هي جماعة الحوثيين في اليمن. وقد تأسست الجماعة في الثمانينيات كحركة ثقافية شيعية زيدية، ولكنها تحولت مع تحقيق الوحدة اليمنية إلي الأنشطة السياسية. ولما حظرت الحكومة أنشطتها، بادرت بالدخول في مواجهة عسكرية مع الحكومة اليمنية، اعتبارا من سنة 4002. وقد اتسع نطاق المواجهة العسكرية بين الطرفين ليشمل السعودية اعتبارا من سنة 2009، مما يهدد بخلق جبهة مواجهة مسلحة للسعودية في الجنوب، كما يهدد وحدة اليمن، خاصة أنها تخوض قتالا في جنوب اليمن ضد ما يسمي 'بالحراك الجنوبي' الداعي إلي فصل الوحدة اليمنية(14).

ويري البعض أن الجماعات المسلحة المشار إليها ليست إلا واجهات لدول شرق أوسطية أو قوي أجنبية. فحزب الله وحماس هما واجهة لإيران، كما أن حركة مجاهدي خلق مرتبطة بالسعودية. وهناك قدر من الصحة في هذا التقدير، ولكن لا يمكن قبوله تماما، لأن أساليب تلك الجماعات في خوض المعارك العسكرية والسياسية لا توحي بأنها مجرد امتدادات لقوي خارجية، ولكنها قوي محلية توافقت مصالحها مع بعض القوي الخارجية.

ثالثا- أثر موازين القوي الشرق أوسطية علي الوطن العربي :

يمكن حصر ثلاثة مجالات كبري لتأثير موازين القوي الشرق أوسطية علي الوطن العربي هي:

1- أثر الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي:

هناك مدرستان فيما يتعلق بأثر الوجود العسكري الأجنبي في بعض الدول العربية. تري المدرسة الأولي أن هذا الوجود يمثل ضمانة أمنية للدول العربية في مواجهة القوي الإقليمية التوسعية، سواء العربية أو غير العربية. فالوجود الأجنبي العسكري في دول الخليج العربية هو الذي أدي إلي إنهاء الغزو العراقي للكويت سنة 1991، كما أن هذا الوجود يشكل حاليا رادعا لتطلعات إيران الإقليمية، وهو في النهاية الضمان الأخير أمام سعي إيران لتحقيق هيمنتها الإقليمية. فلما كانت دول الخليج العربية لا تمتلك القوة اللازمة لردع القوي الأخري، فإنها لابد أن تعتمد علي القوي الأجنبية لحماية أمنها. ويضيف أنصار تلك المدرسة أن الوجود العسكري الأجنبي لم يحدث ضد إرادة الدول المضيفة، وإنما هي التي دعت القوي الأجنبية لإقامة تلك القواعد لشعورها بعدم قدرتها بمفردها علي تحقيق أمنها. فقطر هي التي دعت الولايات المتحدة إلي قاعدة العديد. كما أنه حينما طلبت السعودية من الولايات المتحدة إنهاء معظم وجودها في قاعدة الأمير سلطان، فإن الولايات المتحدة بادرت بالخروج. وهذه القواعد موجودة بموجب اتفاقات ثنائية، وليست موجودة في إطار احتلال، كما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر(15).

أما المدرسة الثانية، التي نميل إليها، فتري أن الوجود العسكري الأجنبي يشكل خطرا علي الأمن العربي. من ناحية أولي، فإن هذا الوجود، حينما يكون دائما، يؤثر سلبا علي حرية القرار العربي. حيث تتمتع الدولة التي تقيم الوجود العسكري بنفوذ هائل علي الدولة المضيفة فيما يتعلق بصفقات السلاح، بل والعلاقات الإقليمية، خاصة حين تستخدم الدولة، صاحبة القواعد، تلك القواعد في شن هجوم علي دولة مجاورة، كما حدث في حالة انطلاق الغزو الأمريكي للعراق من القواعد الأمريكية في الكويت. من ناحية ثانية، قد يؤدي الوجود العسكري الأجنبي إلي تحول الدول المضيفة للقواعد إلي ساحة للمواجهة العسكرية، إذا قامت الدولة صاحبة القواعد بشن هجوم علي دولة أخري، انطلاقا من قواعدها العسكرية في المنطقة، وهو الأمر الذي تخشي دول مجلس التعاون الخليجي حدوثه في حالة اندلاع مواجهة غربية - إيرانية في الخليج. من ناحية ثالثة، فبما أن الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي هو وجود غربي، فإنه لابد أن يصب في صالح إسرائيل، باعتبار أنها جزء من المشروع الغربي. ولابد أن نشير أخيرا إلي تصريح دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق في مايو سنة 2003، أي بعد غزو العراق مباشرة، حيث برر غزو العراق بإيجاد ميدان لقواعد عسكرية أمريكية تحل محل القواعد الأمريكية في السعودية، بعد أن أبدت الأخيرة رغبة في تقليصها(16).

2- أثر الخلل في موازين القوي لصالح إسرائيل علي الأمن القومي العربي :

لا يمكن تفسير رفض إسرائيل التوصل إلي تسوية سلمية متوازنة ورفضها مبادرة السلام العربية، بكل ما تضمنته من تنازلات، إلا في ضوء الخلل في موازين القوي لصالحها، وفي ضوء الدعم الغربي لها، وهو أحد الأسباب الأساسية لهذا الخلل. وهو ما يجعل الدول العربية في المشرق تتخوف من أي احتمال للمواجهة مع إسرائيل. وهو الأمر الذي تجلي في أزمة العدوان الإسرائيلي علي قطاع غزة سنة 2008، حيث قالت بعض القيادات السياسية إن أي محاولة للتدخل في تلك الحرب كانت ستعني تكرارا لسيناريو يونيو سنة 7691. وبالتالي، فليس هناك ما يمنع إسرائيل من الإصرار علي تسوية بشروطها الخالصة، بما في ذلك اعتراف العرب بها كقوة نووية شرعية علي قدم المساواة مع الدول الخمس الكبري. أي أن ينشأ شرق أوسط يعترف بالهيمنة الإسرائيلية، مما يعني تفكيك النظام العربي. ومن ثم، فالخلل في موازين القوي هو السبب الرئيسي لانعدام السلام المتوازن في الشرق الأوسط، وهو هدف لن يتحقق إلا في واحدة من حالتين، أولاهما: تحقيق التوازن في القوي، ثانيتهما: القبول العربي بالسلام الإسرائيلي.

3- أثر التحولات في موازين القوي :

سبق أن أشرنا إلي تحولين في موازين القوي في الشرق الأوسط، هما التحول لصالح دول الحزام الشمالي، والتحول لصالح الجماعات المسلحة. سيؤدي تحول ميزان القوي في الخليج العربي لصالح إيران إلي دفع الدول الغربية إلي محاولة منع هذا التحول بكافة الطرق، بما فيها الطرق العسكرية. ومن ثم، فإنه من المرجح -إذا أصرت إيران علي برنامجها النووي- أن تحدث مواجهة عسكرية في الخليج العربي، ستؤثر سلبا علي أمن دول مجلس التعاون الخليجي. الاحتمال الآخر هو أن تعقد إيران صفقة مع الدول الغربية، يتم بموجبها السيطرة علي البرنامج النووي الإيراني، ولكن مقابل اعتراف الغرب بالدور الإقليمي المحوري لإيران، علي غرار ما كان عليه الأمر في عهد الشاه. وهو احتمال وارد ولا تقل نتائجه خطورة عن الاحتمال الأول، عدا أن تلك النتائج ستكون سياسسية وليست عسكرية.

من ناحية أخري، فإن ازدياد دور الجماعات المسلحة الفلسطينية واللبنانية في التوازن العسكري من شأنه أن يشكل قوة ردع لإسرائيل، لا تستطيع الجيوش النظامية العربية توفيرها، لأن الجيش الإسرائيلي مدرب أساسا علي خوض حروب نظامية. وبالتالي، فإنه يعمل لصالح تحقيق التوازن مع إسرائيل. ففي الحربين اللتين خاضتهما إسرائيل ضد حزب الله وحماس، لم تحقق إسرائيل نصرا، مما أدي إلي تآكل قوة الردع الإسرائيلية. كما يمكن القول إن سمعة إسرائيل الدولية ساءت بشدة نتيجة الحرب. ولكن معظم الدول العربية غير راغبة في الاعتراف بقوة تلك الجماعات ودورها، بل تعمل صراحة من أجل محاصرتها ونزع سلاحها، إما بضغوط غربية - إسرائيلية، أو لأسباب أيديولوجية، حيث إن لتلك الجماعات انتماءات فكرية إسلامية لا ترضي عنها معظم الدول العربية. من ناحية أخري، فهذه الجماعات لا تخضع لمنطق القواعد الدولية التي تعمل الدول الغربية علي تكريسها، ومنها قاعدة اعتبار تلك الجماعات بمثابة حركات إرهابية يجب نزع سلاحها دون أن يقترن ذلك بحل الصراع العربي - الإسرائيلي، أو بنزع شامل للسلاح في الشرق الأوسط، مما يعقد من مشروعات تحقيق الأمن الإقليمي.

رابعا- الاستراتيجيات العربية للتعامل مع الخلل في موازين القوي الشرق أوسطية :

أفاض الباحثون في تحديد الاستراتيجيات العربية اللازمة لتصحيح الخلل في موازين القوي الشرق أوسطية. ومن أبرز هؤلاء ياسين سويد في كتابه 'الوجود العسكري الأجنبي في الخليج'، وهي تتعلق بتحقيق الاكتفاء الاقتصادي الذاتي العربي، وتفعيل جامعة الدول العربية، وتشكيل الجيش النظامي الخليجي وغيرها. ولكن تنفيذ أي من تلك الاستراتيجيات يتطلب توافر مشروع عربي متكامل لتنفيذها، وهو ما لا يتوافر في الوقت الراهن. فالدول العربية تتصرف من منطلقات محلية بحتة، أساسها بقاء النظام السياسي واستمراره مهما تكن التكاليف. ولا يهمها في ذلك تحقيق التوازن الاستراتيجي، إنما المهم هو رضاء القوي الغربية عنها. وفي ضوء ذلك، نفهم تخلي ليبيا عن برامجها بخصوص أسلحة الدمار الشامل إلي حد الوقيعة بمن ساعدوها، من أمثال العالم الباكستاني عبدالقدير خان. ونفهم عداء ما يسمي بالدول العربية 'المعتدلة' للجماعات المسلحة التي تشكل عصب المقاومة العربية لإسرائيل. بل واستعداد بعض الدول العربية للاصطفاف مع إسرائيل في جبهة مناوئة لإيران لإجبارها علي التخلي عن برنامجها النووي، ومساهمة بعض الدول العربية في محاصرة حركة حماس في غزة، بل وحثها إسرائيل علي ألا تسمح بانتصار حماس في المواجهة معها في سنة 2008. وهو الأمر الذي كشفه الرئيس الفرنسي، ساركوزي، أثناء زيارته لإسرائيل في ذروة العدوان علي غزة. من المفهوم أن تلك الدول تواجه ضغوطا هائلة عليها في ظل نظام القطبية الأحادية، وأنها تسعي للتكيف مع تلك الضغوط، والإقلال من آثارها السلبية. ولكن محاولات التكيف تكرس الخلل وتعمقه.

وعلي مستوي ميزان القوي في ميدان أسلحة الدمار الشامل، فقد فات أوان بناء قدرة نووية عربية، لأن الدول العربية صدقت علي اتفاقية منع الانتشار النووي، كما أنها تخضع لرقابة غربية إسرائيلية صارمة يصعب الفكاك منها. وكما قلنا، فإن البرامج النووية العربية المعلن عنها لا تهدف إلي بناء قدرة ردع نووية عربية، ولكنها ستفرض مزيدا من القيود علي الدول العربية، لأنها تتطلب الانضمام إلي البروتوكول الإضافي. كما أن كل الدول العربية (عدا مصر وسوريا) انضمت إلي اتفاقيتي نزع السلاح الكيميائي والبيولوجي دون مقابل قدمته إسرائيل.

ومن ثم، فإن الحديث ينبغي أن يكون في إطار ما هو 'ممكن'، بافتراض أن ثمة رغبة عربية في تصحيح موازين القوي. وما هو ممكن ينصب في التخلي عن مشروع الاصطفاف مع الغرب وإسرائيل ضد المشروع النووي الإيراني، ما لم يكن ذلك الاصطفاف مقرونا بوضع القدرة النووية الإسرائيلية في إطار الصفقة. فلا يمكن الإصرار علي وقف البرنامج النووي الإيراني من دولة تمتلك الأسلحة النووية خارج إطار اتفاقية منع الانتشار النووي. من ناحية أخري، فعلي مصر وسوريا أن تصرا علي عدم الانضمام إلي اتفاقيتي الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو البروتوكول الإضافي لاتفاقية منع الانتشار، مالم تنضم إسرائيل إلي تلك الاتفاقية. كذلك، فإن عداء بعض الدول العربية لجماعات المقاومة المسلحة ينبغي أن يتوقف، وأن تقترن المطالبة بنزع سلاح تلك الجماعات بموضوع ضبط التسلح في الشرق الأوسط. وأخيرا، فإن تعديل ميزان القوي ليس مسألة عسكرية فحسب، وإنما يتضمن أيضا جوانب سياسية، لعل أبرزها هو السياسات العربية التي تشجع إسرائيل علي التمادي في طلب التنازلات. وأبرز تلك السياسات 'مبادرة السلام العربية' التي أضرت التوازن أكثر مما أفادته، ويجب الإعلان عن سحبها. كما أن الدول العربية ينبغي أن تصر علي الدخول في المشروعات الإقليمية الأوروبية في الوطن العربي كمجموعة واحدة، وألا تسمح لأوروبا بتقسيم العرب إلي جبهتين: خليجية ومتوسطية. ضف إلي ذلك أنه علي الدول العربية الدخول في مشاركات استراتيجية مع القوي الصاعدة في الشرق الأوسط، والتي يوجد بينها وبين العرب قدر من التوافق، ونقصد بذلك تركيا. ففي خلال السنوات العشر الأخيرة، انتقلت العلاقات العربية - التركية من حالة التوتر إلي حالة التقارب التي تطرح احتمال المشاركة الاستراتيجية بين العرب والأتراك. وزاد ذلك التقارب مع وصول حزب العدالة والتنمية إلي الحكم في تركيا سنة 2002. وهناك عدد من العناصر التي يمكن استنادا إليها بناء علاقات استراتيجية عربية - تركية، ولكن عناصر أخري يمكن أن تعطل تلك العلاقات. ويطرح ذلك قضية الأسس اللازمة لتحويل العناصر الإيجابية إلي مكونات لبناء العلاقات الاستراتيجية العربية - التركية، وتفادي الأثر السلبي للعناصر المعطلة. ولعل الأساس الأول لبناء علاقات استراتيجية عربية - تركية هو أن تنشأ تلك العلاقات علي أساس شبكة مصالح متبادلة. فهناك مصالح تركية مهمة في مجال عضوية الاتحاد الأوروبي، وإمدادات الطاقة، والقضية القبرصية، والقضية الكردية. كما أن هناك مصالح عربية في مجال حل الصراع العربي - الإسرائيلي، وأمن الخليج العربي، وتدفق مياه دجلة والفرات إلي سوريا والعراق. هناك أيضا مصالح مشتركة فيما يتعلق بالقضية الكردية، وقضية التنمية. ومن المهم التوصل إلي تحديد القضايا التي يتفق علي العمل فيها معا، وحدود هذا العمل، وأولوياتها، والقضايا المختلف عليها، والحفاظ علي الاختلاف عند حده الأدني. وأتصور أن قضية الطاقة هي من أهم القضايا التي يمكن البدء بها. من ناحية ثانية، فإنه من المهم أن تتحول شبكة المصالح إلي بلورة أطر مؤسسية. ولا يقصد بتلك الأطر بناء مؤسسات تنظيمية معقدة، ولكن بناء جهاز إداري فعال يشرف علي متابعة تنفيذ ما اتفق عليه. وهناك بالفعل عدد من المؤسسات العربية - التركية التي يمكن الاستفادة منها. إن بناء مثل تلك المشاركة لن يعدل جذريا من الخلل في التوازن. فتركيا لا تضع علاقاتها مع العرب بديلا لعلاقاتها مع إسرائيل، كما قال وزير خارجيتها، ولكن التوافق العربي التركي من الممكن أن يكون خطوة عملية أولي في طريق تصحيح الخلل في التوازن(17).

الهوامش :

(1) Quincy Wright، A Study of War، (Chicago: University of Chicago Press، 1969)، pp. 756-757.
(2) Inis Claude، Power and International Relations، (New York، Random House، 1962)، p. 56.
(3) J. David Singer. S. Bremer، and J. Stucky. زCapability distribution، uncertainty، and major war: 1820 1985'، in Bruce Russet، ed. Peace War، and Numbers، (Sage: Beverly Hills، 1972)، pp. 19-48.
(4) Genna Gasper، زPower preponderance، institutional hegemony، and the liklehood of regional integrationس، Jean Monnet-Robert Schumann Paper series، (7) 21، July 2007.
(5) A.F.K. Organski، World Politics، (New York: Alfred Knopf، 1968)، p. 29.
(6) Michael Sullivan، International Relations، Theories and Evidence، (Englewood Cliffs، N. J.، Prentice- Hall، 1976)، pp. 166-167.
(7) راجع محمد عبد السلام، الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط .. لماذا وكيف؟
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/44F524F4-2571-
487D-A5A4-4713B3719F.46htm
وأيضا :
Zdzislaw Lachowski، Foreign Military Bases in Eurasia، (Stockholm، Stockholm International Peace Research Institute، SIPRI Policy Paper No. 18، April 2007).
(8) للمعلومات التفصيلية عن القدرات العسكرية لدول الشرق الأوسط، راجع:
- Anthony Cordesman، The Military Balance in the Middle East، (Washington D.C.، Center for Strategic and International Studies، 2003).
- Dore Gold، زMiddle East proliferation، Israeli missile defense، and the ABM Treaty debateس،
www.jcpa.org/j1/j.1430htm
(9) نقلا عن الهيرالد تريبيون في 19 ديسمبر سنة 1997
http://www.iht.com/articles/19/12/1997/diplo.t_.1php?page=1
وكذلك راجع
- Nadia El-Shazly and R. Hinnebusch، 'The Challenge of Security in the post-Gulf War Middle East System،' in Raymond Hinnebusch، A. Ehtishami، eds.، The Foreign Politicies of Middle Eastern States، (Boulder: Lynne Rienner، 2002)، p. 85).
وفي 11 ديسمبر 2006 أعلن أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل، استنكاره لسعي إيران لامتلاك السلاح النووي 'مثل أمريكا وفرنسا وإسرائيل وروسيا'.
(10) Mohammad Selim، سEgyptس، in James and Katz and O. Marwah، Eds. زNuclear Power in Developing Countriesس، (Lexington: DC Health، 1982)، pp. 135-160.
وأيضا :
محمد السيد سليم، كشف المستور في البرامج النووية العربية
http://www.al-araby.com/docs/article.2142177146html
(11) Mohammad Selim، 'Towards a New WMD Agenda in the Euro-Mediterranean Partnership: An Arab Perspectiveس، Mediterranean Politics، (London)، 5(1)، spring 2000، pp. 133-157.
(12) آلستير كروك، تحول ميزان القوي في الشرق الأوسط، البيان، (الإمارات)، 13 ديسمبر سنة 2009.
(13) Patrick Devenny، زHezbollah's strategic threat to Israelس Middle East Quarterly، Winter 2000، pp. 31-38.
وأيضا :
إبراهيم غالي، حزب الله بين المقاومة ومتاهات السياسة اللبنانية، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، سلسلة كراسات استراتيجية رقم 173، مارس سنة 2007).
(14) جماعة الحوثيين في اليمن
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/29DFC95B-1B57-4533-840C-EBEB265E98B.1htm
(15) محمد عبد السلام، المصدر السابق.
(16) Mohammad Selim، زChanges in Middle Eastern Power after the Anglo-American Invasionس، in Jisturo Terashima، Yasushi Kosugi، Kiichi Fujiwara، eds.، The Iraqi War، (Tokyo: Iwanami Shoten Publishers، 2003)، pp. 54-62.
وراجع في وجهة النظرالتي تري أن الوجود العسكري الأجنبي خطر علي الأمن العربي، ياسين سويد، الوجود العسكري الأجنبي في الخليج، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004).
- محمد العجاتي، القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي
www.ageg.net/book/export/html/87
(17) محمد السيد سليم، موقع تركيا من بين البدائل الاستراتيجية المتاحة للوطن العربي
- بحث مقدم إلي ندوة الحوار العربي - التركي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في استنبول، 21-22 نوفمبر سنة 2009.

------------------
* أستاذ العلوم السياسية.
www.siyassa.org.eg/asiyassa/Index.asp?CurFN...htm...

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق