241189572571696

الاثنين، 22 مارس، 2010

سياسات القوى الإقليمية تجاه العالم العربي






حسن نافعة
يقع العالم العربي جغرافيا في مركز الكرة الأرضية عند مفترق طرق القارات الثلاث القديمة: أفريقيا وآسيا وأوروبا، فهو يحتل الضفة الجنوبية للبحر المتوسط في مواجهة أوروبا, ويفرد جناحيه على جانبي قارتي آسيا, التي يحتل أجزاء شاسعة من جنوبها الغربي, وأفريقيا, التي يحتل شمالها بأكمله.


ويحيط بالعالم العربي من حدوده الآسيوية ثلاث دول هي إسرائيل وتركيا وإيران, ومن حدوده الأفريقية ثمان دول هي: إثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومالي والسنغال.
ويختلف الجوار الأفريقي للعالم العربي كلية عن جواره الآسيوي، فباستثناء إثيوبيا لا توجد لدول الجوار الأفريقي أية طموحات إقليمية, وهي في مجملها دول صغيرة وتابعة وغير مستقرة تنتمي للعالم الثالث.
أما دول الجوار الآسيوي الثلاث فلكل منها طموحات إقليمية خاصة وتنتمي لمجموعة الدول متوسطة الدخل أو المتقدمة, وترتبط بعلاقات تعاونية أو صراعية متميزة مع الدول الكبرى الطامحة للهيمنة على النظام الدولي.
وقد طرأت في السنوات القليلة الماضية, خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, تحولات جذرية على النظامين العالمي والإقليمي تطرح على العالم العربي تحديات وخيارات جديدة وتفرض عليه بالتالي إعادة صياغة علاقاته بدول الجوار الجغرافي.
وتحاول هذه الورقة رصد أهم معالم ودلالات هذه التحديات والخيارات بهدف إثارة النقاش حولها في هذه الحلقة. ولأن دول الجوار الآسيوي الثلاث: إسرائيل وإيران وتركيا تبدو هي المسرح والمصدر الرئيسي لتلك التحديات والخيارات, فسوف يقتصر عليها حديثنا في هذه الورقة.
إسرائيل
إيران
تركيا
خلاصة وقضايا للحوار
إسرائيل
أولا: نمط السياسات والعلاقات
وتحددها مجموعة من العوامل والاعتبارات يمكن تلخيصها وعرضها على النحو التالي:
1. إسرائيل ليست دولة جوار طبيعية وإنما هي نواة لمشروع صهيوني استيطاني توسعي ما زال في طور التكوين وستتوقف معالمه وحدوده النهائية على المدى الذي يمكن أن تصل إليه قدرات إسرائيل الذاتية وتحالفاتها الدولية الإقليمية.
2. حددت الدول العربية موقفها الرافض لإسرائيل في البداية انطلاقا من إدراكها لانعدام المبررات الأخلاقية والقانونية والسياسية للأسس التي بني عليها المشروع الصهيوني من ناحية, ولما يشكله هذا المشروع من تهديد لأمنها الوطني والقومي من ناحية أخرى, مما دفعها للعمل على منع قيام دولة يهودية على الأرض الفلسطينية بقوة السلاح.
3. أدت الطبيعة التوسعية للمشروع الصهيوني من ناحية, والرفض العربي له من ناحية أخرى, إلى اندلاع سلسلة حروب عربية-إسرائيلية أخذت شكل المواجهة بين جيوش نظامية كانت الغلبة فيها عادة للجيش الإسرائيلي.
4. شكلت حرب 67 بالذات -والتي انتهت بسيطرة إسرائيل على كل فلسطين التاريخية بالإضافة إلى أراض مصرية وسورية وأردنية ولبنانية- نقطة تحول في الموقف العربي الرافض لإسرائيل، كانت بدايته محاولة الفصل بين "إزالة آثار عدوان 67" واسترداد الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وقد جسد القبول العربي للقرار 242 بداية هذا التحول, وأفضى في النهاية إلى إقرار الدول العربية بالإجماع للمبادرة السعودية في قمة بيروت عام 2000 والتي أبدت فيها استعدادها للاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها إذا انسحبت هذه الأخيرة من الأراضي التي احتلتها بعد 67 وقبلت بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
5. فشلت الدول العربية في الإدارة الجماعية لصراعها مع إسرائيل في زمن السلم كما في زمن الحرب. ورغم وجود بعض مظاهر التضامن بين الدول العربية في إدارتها للصراع, إلا أن هذا التضامن كان جزئيا وظرفيا وتوقف حجمه كما توقفت فاعليته على شكل وطبيعة موازين القوى والعلاقات بين الدول العربية في مراحل تطورها المختلفة.
ولذلك اقتصر في معظم الأحيان على جانبه السلبي المتمثل في موقف رافض للاعتراف بإسرائيل أو التعامل معها. غير أن هذا الموقف الرافض راح بدوره ينهار إثر تغيير مصر الساداتية لإستراتيجيتها في إدارة الصراع مع إسرائيل عقب حرب 73 والذي أفضى إلى إبرام مصر لمعاهدة سلام مع إسرائيل عام 79 ظلت وحيدة إلى أن لحقت بها معاهدات أبرمتها أطراف ودول عربية أخرى (اتفاق أوسلو عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية, واتفاق وادي عربة مع الأردن عام 1994).
6.

7. تعثرت "عملية التسوية" نتيجة تباين الإستراتيجيات التفاوضية، فبينما اعتمدت الدول العربية منهج "حل الصراع" دون أن تملك من الأساليب والأدوات ما يسمح لها بالوصول إليه, اعتمدت إسرائيل منهج "إدارة الصراع" و امتلكت من الأساليب والأدوات ما سمح لها بالسيطرة على مساره وتوجيهه بما يتفق والغايات النهائية للمشرع الصهيوني.
وفي سياق كهذا تمكنت إسرائيل من تحويل التسوية إلى "عملية" تسير وفق السرعات والمعدلات التي تتلاءم مع شروطها، وبينما أعلنت الأطراف الرسمية العربية التزامها باعتبار حرب أكتوبر آخر الحروب فإن هذه "العملية" لم تلزم إسرائيل بشيء من هذا القبيل.
وقامت بغزو الجنوب اللبناني عدة مرات في الفترة 78-2000 قبل أن تشن حربا شاملة عليه عام 2006, وحاصرت عرفات رغم ارتباطها معه باتفاق أوسلو حين رفض إملاءاتها في كامب ديفد الثانية قبل أن تقرر التخلص منه نهائيا, لتحول قطاع غزة إلى سجن كبير بعد انسحابها منه, وتقوم حاليا باستكمال جدار عازل يقضم 40% من مساحة الضفة الغربية.
8. لم تتمكن إسرائيل رغم ذلك كله من فرض تسوية بشروطها على العالم العربي. فهناك دول عربية ما تزال صامدة سياسيا, وحركات مقاومة شعبية ما تزال تحمل السلاح في لبنان وفلسطين, وشعوب عربية ما تزال عازفة عن تطبيع العلاقة مع إسرائيل رغم هرولة الأنظمة.
وربما كان أهم ما تحقق من إنجاز على هذا الصعيد, نجاح حزب الله بإجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني دون شروط عام 2000, وصموده وانتصاره في الحرب الانتقامية الشاملة التي شنتها عليه عام 2006 وتكبيده للجيش الإسرائيلي خسائر عجزت عن تحقيقها الجيوش النظامية العربية.
ثانيا: نمط الإمكانات والتحالفات
تعتبر إسرائيل دولة صغيرة جدا من حيث المساحة وعدد السكان إذا قورنت بدولتي الجوار العربي, لكنها تبدو مع ذلك الأكثر نفوذا وتأثيرا في محيطها الإقليمي والدولي. ويعود هذا التأثير إلى قدراتها الذاتية من ناحية, وإلى نمط تحالفاتها من ناحية الأخرى.
فمن حيث القدرات الذاتية:
1. لدى إسرائيل جيش مقاتل يعد الأكبر والأقوى والأحدث تسليحا والأفضل تدريبا في المنطقة. ومن المفارقة أن هذه الدولة التي لا يزيد عدد سكانها عن 2% من سكان الدول العربية, نجحت في تعبئة وحشد عدد من المقاتلين أكبر مما استطاعت جميع الدول العربية حشده في مواجهتها في جميع الحروب.
2. ولديها صناعة محلية قادرة على إنتاج وتطوير جانب كبير من احتياجاتها العسكرية, وتتمتع بالقدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية عن طريق شبكة صواريخ أرو المطورة محليا.
3. تملك إسرائيل ترسانة كبيرة من السلاح النووي تصل إلى مائتي رأس نووي ولديها وسائل حملها إلى أماكن بعيدة تتجاوز أي نقطة في العالم العربي. وتشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل كان لديها قنبلتان نوويتان جاهزتان أثناء حرب 67, وأنها أمرت بتجهيز 13 قنبلة نووية للاستخدام في حرب 73.
4. تعتبر إسرائيل من أكثر دول المنطقة تقدما على الأصعدة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية ويزيد متوسط دخل الفرد فيها على عشرين ألف دولار في العام وبوسعها الحصول على كل ما تحتاجه من دعم مالي ومن خبرات فنية عبر شبكات غير رسمية تديرها جاليات يهودية منتشرة في جميع أنحاء العالم.
أما من حيث نمط التحالفات فقد استطاعت:
1. تأمين الدعم المطلق من جانب قوى الاستعمار التقليدي في المراحل التأسيسية, حيث تولت بريطانيا تشجيع ورعاية موجات الهجرة الأولى وبناء مقومات الدولة اليهودية أثناء مرحلة الانتداب, وتولت فرنسا مساعدة إسرائيل في إطلاق برنامجها النووي في الخمسينات, وتعاون الاثنان معها في شن حرب 1956 التي استهدفت إسقاط نظام عبد الناصر.
2. بناء علاقة تحالف قوية مع الولايات المتحدة, خاصة بعد فشل حملة السويس, ونجاحها في تطوير هذه العلاقة, خاصة على ضوء نتائج حرب 67, لتصل بها تدريجيا إلى مرحلة التحالف الإستراتيجي الذي ازداد مع الأيام رسوخا وقوة.
3. الاستفادة إلى أقصى حد من تصدع وانهيار الاتحاد السوفياتي, عبر موجات الهجرة اليهودية التي تدفقت عليها بالملايين طوال حقبتي الثمانينات والتسعينات.
4. الاستفادة إلى أقصى حد من أحداث سبتمبر/أيلول 2001, عبر نجاحها في تصوير الحركات الإسلامية التي حملت لواء المقاومة المسلحة للاحتلال على أنها حركات إرهابية لا تختلف عن تنظيم القاعدة أو حركة طالبان الأفغانية, ونجاحها في تسويق نفسها على أنها الحليف الأكثر وثوقا للولايات المتحدة في حربها الكونية على الإرهاب.
إيران
أولا: نمط السياسات والعلاقات
وتحددها مجموعة من العوامل والاعتبارات يمكن تلخيصها وعرضها على النحو التالي:
1.

2. علاقات تاريخية مع العالم العربي تتسم بالتنافس والصراع منذ ما قبل الفتح الإسلامي, وتنطوي على مراحل كر وفر بين "عرب وعجم" تبادلوا مواقع النفوذ والتأثير داخل الإمبراطورية الإسلامية وأسفر عن تداخل وتشابك المصالح وأدوات التأثير المتبادل.
فقد أصبحت إيران هي المركز الرئيسي للمذهب الشيعي الذي تدين به أعداد كبيرة من مواطني الدول العربية المجاورة بينما تضم أراضيها في الوقت نفسه إقليما تقطنه أغلبية من أصول عربية (عربستان أو خوزستان).
3. خلفت هذه التفاعلات مشكلات حدودية كثيرة وأدت إلى ظهور مطالب إقليمية توسعية لإيران في مواجهة العديد من الدول العربية. فحتى وقت قريب كانت إيران تطالب بضم البحرين وتعتبرها جزءا من الدولة الإيرانية, ولم تتردد عام 1971 في احتلال جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى التابعة لدولة الإمارات بالقوة المسلحة.

وأدت الخلافات الحدودية مع العراق حول السيادة على شط العرب إلى تجاذبات عنيفة تطورت إلى حرب شاملة بينهما -بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران- استمرت ثمان سنوات.
4. أضفت ثورة إيران الإسلامية لعام 1979 مزيدا من التعقيدات على العلاقات العربية-الإيرانية. فهذه الثورة التي اتخذت منذ اللحظة الأولى موقفا معاديا لإسرائيل ومناصرا للقضية الفلسطينية, فتحت من ناحية آفاقا جديدة لتعاون إستراتيجي مع أطراف عربية رافضة للتسوية بالشروط الإسرائيلية (سوريا وحزب الله وحماس والجهاد).

لكنها فجرت من ناحية أخرى مخاوف لدى دول عربية أخرى بسبب الاحتمالات الخطيرة التي يمكن أن تترتب على تصدير الأفكار الثورية خصوصا داخل أوساط الشيعة العرب, من هنا كان انحياز دول الخليج العربي إلى جانب العراق ودعمها المالي لنظام صدام حسين في حربه على إيران.
5. استطاعت إيران أن تصبح بفعل سياساتها الناجحة من ناحية, وأخطاء الفاعلين الدوليين والإقليمين من ناحية أخرى, طرفا فاعلا في العديد من الأزمات الداخلية العربية خاصة في العراق ولبنان وفلسطين.
6. يثير برنامج إيران النووي مخاوف حقيقية أو مصطنعة لدى العديد من الدول العربية.
ثانيا: نمط الإمكانات والتحالفات
تملك إيران كافة المقومات التي تمكنها من لعب دور إقليمي مؤثر، فمن حيث القدرات الذاتية تعتبر إيران:
1. أكبر دول الجوار العربي مساحة (1,6 مليون كيلومتر مربع) وسكانا (حوالي 70 مليون نسمة) ولديها موارد اقتصادية كبيرة ومتنوعة (احتياطات هائلة من النفط والغاز والمياه والأراضي القابلة للزراعة).
2. ذات ثقل وتأثير فكري وأيديولوجي من خلال قيادتها لتيارات مذهبية وطائفية وثقافية لها امتداداتها المتشعبة فيما وراء حدودها الجغرافية.
3. تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي يمكنها من التحكم في إمدادات النفط المتجه إلى العالم الخارجي عبر مضيق هرمز. وقد ساعدتها هذه الموارد والإمكانات على الصمود في وجه الضغوط الخارجية والعقوبات الأميركية, ومن المتوقع أن تساعدها في المستقبل على الصمود في وجه عقوبات دولية شاملة إذا نجحت الولايات المتحدة في دفع مجلس الأمن إلى فرض مثل هذه العقوبات لحملها على التخلي عن برنامجها النووي.
أما من حيث نمط التحالفات, فيمكن القول إن إيران تنظر إلى الحلف الأميركي-الإسرائيلي باعتباره مصدر التهديد الرئيسي وفي مواجهته حاولت إيران, ونجحت إلى حد كبير في:
1. بناء علاقات متميزة مع كل من روسيا الاتحادية والصين.
2. تحييد الاتحاد الأوروبي أو على الأقل خلق فجوة بين مواقفه والمواقف الأميركية بما يسمح لها بمساحة من هامش الحركة والمناورة.
3. استغلال أخطاء السياسة الأميركية التي مكنتها من التخلص من قوى إقليمية معادية (نظام صدام حسين في العراق ونظام طالبان في أفغانستان) لبناء مواقع نفوذ خارج حدودها في مناطق تتمتع فيها بمزايا سياسية نسبية.
4. استغلال تعنت وصلف السياسة الإسرائيلية والانحياز الأميركي المطلق لها في بناء مواقع أخرى للنفوذ خارج حدودها حتى في المناطق التي لا تتمتع فيها بمزايا سياسية نسبية.
غير أن هذا النجاح في بناء التحالفات ومناطق النفوذ خاصة في العالم العربي, حمل في طياته مخاطر جديدة ومنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة إضافية لتضخيم الخطر الإيراني (الشيعي) والعمل على إقامة محور جديد (سني) في مواجهته تقوده السعودية ومصر والأردن.
تركيا
أولا: نمط السياسات والعلاقات
وتحدده مجموعة من العوامل والاعتبارات يمكن تلخيصها وعرضها على النحو التالي:
1.

2. ذكريات مريرة تركتها علاقات تاريخية اتسمت من ناحية, بتبعية العالم العربي للإمبراطورية العثمانية طوال أربعة قرون تعرض في نهايتها للغزو والاحتلال الأوروبي, ثم بتعاون الحركة العربية من ناحية أخرى, مع بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية.
وقد ولدت هذه التفاعلات نزاعات حدودية حول أقاليم عربية ضمتها تركيا فعلا إلى أراضيها (لواء الإسكندرونة السوري), أو حول ادعاءات بالسيادة على أقاليم عربية لم تتح ظروف ملائمة للاستيلاء عليها (محافظة الموصل العراقية).
3. اعتراف تركيا المبكر بإسرائيل وتعاونها النشط مع الغرب بانضمامها لحلف شمال الأطلسي ومشاركتها في الأحلاف العسكرية التي استهدفت ربط منطقة الشرق الأوسط بالسياسة الدفاعية للمعسكر الغربي وتطويق الاتحاد السوفياتي،عوامل ساعدت على تصاعد حدة الصدام مع التيار القومي في العالم العربي.
4. احتلت المسألة الكردية والمسألة القبرصية بحكم تأثيرهما المباشر على قضايا الأمن والسياسة الداخلية التركية, موقعا مركزيا في سياسة تركيا الخارجية وحددت علاقتها بدول العالم, ومنها الدول العربية على أساس موقفها من هاتين المسألتين.
5. بدأت تركيا تتبنى سياسات أكثر توازنا تجاه الصراع العربي الإسرائيلي بعد هزيمة 67 التي أدت إلى ضعف التيار القومي، وبسبب رغبتها في تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية التي لديها فوائض مالية, خاصة دول الخليج المرتبطة بالسياسات الغربية.
6. لم يحل سعي تركيا الحثيث للانضمام للاتحاد الأوروبي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي, دون التخلي عن طموحها في لعب دور إقليمي في منطقة الشرق الأوسط لموازنة الدور الإيراني، وسعت لتسويق نفسها لدى الغرب باعتبارها قوة إقليمية معتدلة قادرة على كبح جماح التطرف الإسلامي في المنطقة وربما أيضا لعب دور نزيه ومحايد في الصراع العربي الإسرائيلي.
7. لم تحل ارتباطات تركيا القوية بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلف شمال الأطلسي دون تمكنها من لعب دور مستقل في عدد من الأزمات الحادة التي واجهت العالم العربي مؤخرا, وعلى رأسها الأزمة العراقية.
ثانيا: نمط الإمكانات والتحالفات
تملك تركيا عددا من المقومات التي تمكنها من لعب دور إقليمي مؤثر. فمن حيث القدرات الذاتية تملك تركيا من الثقل الديمغرافي ومن درجة ومستوى التقدم الاقتصادي والعلمي ما يضعها في موقع الصدارة في المنطقة.
وتملك وفرة في المياه في منطقة تحتاج إليها بشدة ولديها من المشروعات المائية ما يمكنها من التحكم في دولتين عربيتين جارتين هما العراق وسوريا.
أما من حيث نمط التحالفات فلدى تركيا ارتباطات تاريخية وثقافية وإثنية عميقة بدول الجوار تضعها في القلب من تفاعلات المنطقة. فلم تحل توجهاتها العلمانية وسيطرة الجيش من وراء ستار على العملية السياسية دون تصاعد التيار الإسلامي المعتدل في تركيا نفسها وتمكنه من الحكم منفردا, أو من تولي شخصية تركية قيادة الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
ولم تحل ارتباطاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل وطموحها الشديد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون أن تصبح طرفا مهما في تفاعلات شرق أوسطية تمليها اعتبارات تاريخية وثقافية ومصلحية واضحة.
ولأن الطلب التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوربي يواجه بصعوبات جمة, فإن رفضه المحتمل قد يترتب عليه دفع تركيا لإعادة صياغة الأسس التي تقوم عليها سياساتها وتوجهاتها الخارجية الحالية وبالتالي إعادة صياغة دورها الإقليمي.
خلاصة وقضايا للحوار

يبدو العالم العربي محشورا بين ثلاث قوى إقليمية لكل منها أطماعها الخاصة فيه ولديها وسائل لتحقيقها, في وقت تحتل فيه القوة الوحيدة الطامحة للهيمنة على النظام الدولي (الولايات المتحدة) إحدى دوله الهامة (العراق) وتسببت سياستها فيه في إثارة فتنة تحمل في طياتها مخاطر كبرى على مصيره ومستقبله.
ومن الواضح أنه يصعب وضع هذه القوى الثلاث في سلة واحدة، فإسرائيل دولة دخيلة على المنطقة وبالتالي لا يمكن مقارنتها بدولتين إسلاميتين متجذرتين فيها هما إيران وتركيا تربطهما بالعالم العربي صلات تاريخية وثقافية عميقة, وهي الدولة الوحيدة التي تبدو مصلحتها مؤكدة في اندلاع حروب أهلية في المنطقة كلها.
وللأسف لا توجد دولة عربية أو مجموعة عربية موحدة قادرة على قيادة النظام العربي في الوقت الحاضر للوقوف في وجه هذه الأطماع, أو تبني سياسات قادرة على حل مشكلات المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها.
وهناك من يدفع بالمنطقة نحو اصطفاف دولها حول محورين يوصف أحدهما بالمعتدل والآخر بالمتطرف، غير أن المتأمل للشركاء المحتملين في كل قطب يكشف عن مفارقة خطيرة.
فعلى الجانب المتطرف توجد: إيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد, وعلى الجانب المعتدل توجد: إسرائيل والدول أو الأطراف العربية المرتبطة معها باتفاقيات مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية ودول الخليج العربي المرتبطة بالسياسة الأميركية.
أما تركيا فتعمل على سحب نفسها بعيدا عن نطاق هذا الاستقطاب وتحاول أن تضع نفسها على مسافة متساوية من الجميع. ومن الواضح أن الدول والأطراف العربية جميعها تبدو تابعة داخل هذه الحالة الاستقطابية, حيث تتصدر إيران موقع القيادة الفعلية لمحور التطرف وإسرائيل موقع القيادة الفعلية لمحور الاعتدال. وللتعمية على هذا الوضع يجري تضخيم ما يسمى بالخطر الإيراني وتصويره على أنه يستهدف إقامة "هلال شيعي" في المنطقة.
في هذا السياق سوف يكون من المفيد جدا أن تركز هذه الحلقة النقاشية اهتمامها للإجابة على الأسئلة التالية:
1. هل حقا يوجد خطر إيراني على المنطقة, وما هي أنسب السبل لمواجهته إن وجد، هل يكون ذلك بالعمل على خلق تكتل سني في مواجهته؟ وما موقع إسرائيل داخل هذا التكتل المحتمل؟
2. بافتراض تعدد مصادر التهديد التي يواجهها العالم العربي, كيف يمكن ترتيب الأولويات على مقياس حدتها؟ وما هي المعايير المستخدمة في هذا الترتيب.
3. ما الذي يتعين على العالم العربي القيام به لمواجهة مصادر التهديد هذه في ظل الاحتمالات القائمة باندلاع حروب أهلية واسعة النطاق في كل من فلسطين ولبنان والعراق, وما هو بالضبط موقف القوى الإقليمية الثلاث المتصارعة على النفوذ في المنطقة من بؤر التوتر والأزمات هذه، وأين تكمن بالضبط مصالحها فيها؟
_______________
كاتب وجامعي مصري
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A011D7B8-40FF-4A35-B653-D2E2FDCBA725.htm

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق