241189572571696

الخميس، 20 مايو 2010

الأبعاد الجيوبوليتيكية للحوار العربي التركي الإيراني





د. مصطفى اللباد

تمهيد
لا تملك ترف أن تكون محايدا في الحوار العربي التركي الإيراني، فالروابط التاريخية والوجدانية تظل حاضرة في خلفية المشهد، فأن تكون مواطنا مصريا فهذا ينبع ببساطة من كونك ولدت من أبويين مصريين. ورغم تلك البساطة فإن تقلبات التاريخ تترك أثارها على وضعيتك القانونية والوجدانية أيضا، والمثال على ذلك أن أبي عاش شابا ليكون مواطنا في دولة الوحدة المصرية السورية، أي في الجمهورية العربية المتحدة.

أما جدي الذي ولد في نهايات القرن التاسع عشر كمواطن في مملكة مصرية تندرج –ولو شكليا- في الدولة العلية العثمانية، فقد كان مواطنا عثمانيا أو كما يقول الأخوة الأتراك: "عثمانلي وطن داشيم".

تقلب العصور السياسية والأشكال القانونية أمر طبيعي في منطقتنا، وأمر مفهوم أن تلعب الروابط الوجدانية والحضارية والتاريخية دورا مؤازرا في التقريب بين العرب والأتراك والعرب والإيرانيين والأتراك والإيرانيين.

ولكن على الناحية المقابلة ينبغي ملاحظة أن ملامح التاريخ والسياسة الدولية تغيرت بشكل جذري في عالمنا المعاصر، بحيث تصدرت المصالح الوطنية المشهد وأصبحت العوامل الوجدانية توظف كعامل من عوامل السياسة لخدمة المصالح الوطنية، والأمثلة على ذلك كثيرة عند العرب والأتراك والإيرانيين.

علينا النظر أيضا إلى الجوانب الإيجابية في التاريخ وليس فقط استحضار الجوانب السلبية التي لا يمكن أن نلغيها بقرار، بل تخفيف وطأتها بمزيد من الحوار الذي يلحظ المصالح الوطنية لكل الأطراف.


يتوجب علينا جميعا عربا وإيرانيين وأتراكا عدم الاستسهال في إسقاط صفة دينية على هذه الشريحة الجغرافية وعلى نخبها، وحصر إيجابيات هذا الحوار الهام في تيار سياسي بعينه، فهو أمر يناقض المنطق وما استقر من بديهيات العلوم السياسية. فلا توجد نخب إسلامية أو مسيحية أو يهودية، مثلما لا توجد جغرافيا لها ذات الصفات الدينية، بل نتعامل في هذا المنتدى مع نخب عربية وإيرانية وتركية بتعريفها القومي أساسا ولكن على أساس اختلافها في الانحياز الأيديولوجي وليس مع نخب توصف بمعتقدها الديني فقط.

كما أعتقد أننا باعتبارنا عربا مطالبون بالخروج من عقلية "الضحية" المسيطرة على شريحة كبيرة من نخبتنا، وهو الأمر الذي يشل تفكيرنا ويكبل حركتنا إلى الأمام وباتجاه المشاركة في صنع التاريخ، الذي لا يتشكل من "مؤامرات" مثلما لا يتشكل من توالي المصادفات.

ربما ينبغي علينا تذكر التجربة التاريخية لكل من تركيا وإيران، حيث نشأت الجمهورية التركية على أقل من نصف مساحة السلطنة العثمانية التي فقدت أطرافها الأوروبية غربا والأفريقية والآسيوية شرقا وجنوبا.

وعلى ذات المنوال تبلغ مساحة إيران الحالية بالكاد ثلثي مساحة إيران القرن التاسع عشر، بعد أن خسرت أفغانستان جنوبا وأجزاء شاسعة من القوقاز شمالا.

وبالرغم من ذلك لم تمنع تلك الخسائر الفادحة تركيا وإيران من العودة بقوة، بعد أقل من قرن ونصف، للانطلاق في معارج التقدم وصنع تاريخ المنطقة.

الأبعاد الإستراتيجية

توجد الأمم الثلاث العربية والإيرانية والتركية على رقعة جغرافية لها أبعاد جيوسياسية أكثر من أي رقعة غيرها على سطح الكرة الأرضية.

ببساطة نحن نتحدث عن منطقة تمتد في خاصرة العالم مثل الشريحة الأفقية التي تبدأ من المغرب في الغرب وحتى مشهد في إيران شرقا، ومن تركيا في الشمال وحتى اليمن في الجنوب.

وهذه الشريحة الأفقية ليست كمثل غيرها، ليس فقط بسبب احتياطات الطاقة الموجودة في أراضيها، بل لأن هذه المنطقة بسبب موقعها الجغرافي المتحكم في الطرق البحرية الدولية، حددت وما زالت تحدد مسارات الصعود والهبوط للقوى العظمى منذ القرن التاسع عشر على الأقل وحتى الآن.


ويعود السبب في أهمية الطرق البحرية الدولية إلى أن الشطر الأعظم من التبادل السلعي بين دول العالم المختلفة يتم عبر السفن لرخص تكاليف النقل مقارنة بالطائرات، وهو ما يعزز أهمية البحار والسيطرة عليها في حسم الصراعات الكونية. تجد التصورات الجيوبوليتيكية الكونية سياقها الأساس في الصراع الذي تعتبره حتميا بين "التيلوروكراتيا"، أي القوى البرية، و"التالاسوكراتيا"، أي القوى البحرية. جسدت روسيا القيصرية القوى البرية، في حين قادت بريطانيا العظمى القوى البحرية، طوال القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كرست الولايات المتحدة الأميركية نفسها قائدة للمعسكر الغربي بالمعنى السياسي، ولقواه البحرية بالمعنى الجيوبوليتيكي.

أما روسيا قائدة القوى البرية فقد اندرجت تحت عباءة الاتحاد السوفياتي لمواجهة القوى البحرية وزعيمتها الولايات المتحدة الأميركية، ليخوض قطبا الجيوبوليتيك الكوني صراع القرن العشرين الذي ربحته القوى البحرية، كما ربحت صراع القرن التاسع عشر من قبله. لكن التصورات الجيوبوليتيكية الروسية تعتقد أن هزيمة القوى البرية لا تعدو أن تكون ظاهرة مؤقتة، تعود بعدها روسيا إلى أداء رسالتها القارية، تلك التي تأخذ في الحسبان كل العوامل الجيوبوليتيكية التي أغفلتها تجربة روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي السابق، لتحقق في النهاية انتصارها الذي تراه حتميا على القوى البحرية.

وحتى تتحقق الأفكار المؤسسة للجيوبوليتيك الروسي الجديد على أرض الواقع، يجب أن تعمل روسيا على تكوين محاور جيوبوليتيكية جديدة، منها محور موسكو طهران. ويحقق هذا المحور لروسيا -أكبر بلدان العالم من حيث المساحة- والمفتقرة إلى منافذ بحرية على المياه الدافئة التمدد والوصول إلى الخليج العربي، وهو هدف جيوبوليتيكي ظلت موسكو قرونا طويلة تسعى إليه ولا تتمكن من تحقيقه. ووفق هذا التصور تحتل إيران مكانتها لدى موسكو باعتبارها الشريك الوحيد لروسيا في منطقة الشرق الأوسط والذي يسمح لها بالوصول إلى الخليج سياسيا.

على ذات النسق، تركيا لها موقع مركزي في الإستراتيجية الأميركية ليس للاعتبارات الأيديولوجية بل للاعتبارات الجيوبوليتيكية أيضا، ومرد ذلك أن الرقعة الجغرافية التي تنهض عليها تركيا كانت وما زالت لبّ منطقة الأوراسيا ومركز دائرتها.

وتعتبر القوة البحرية الحالية (الولايات المتحدة الأميركية) المنطقة الأخيرة أساسا لسيطرتها الكونية، بسبب أنها تحبس وتحاصر القوة البرية (روسيا) وتمنعها من الوصول إلى البحار المفتوحة.

تطل تركيا بعبقرية على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، كما تفصل روسيا عند البحر الأسود وتمنعها من الوصول إلى مياه البحر المتوسط الدافئة وكأنها شريحة جغرافية هابطة من السماء بين البحرين الأسود والأبيض. من ناحيتها تمتلك الدول العربية مفاتيح أساسية في الصراع الجيوبوليتيكي العالمي ولا يمكن تصنيف إمكاناتها فقط في خانة موارد الطاقة من نفط وغاز.

فالدول العربية تطل على المضايق المتحكمة في السلسلة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الأوسط شرقا وحتى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية غربا، أي في مضايق هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق. وتشكل هذه المضايق عنق الزجاجة للسلسلة البحرية الأهم في نصف الكرة الغربي، تأسيسا على ذلك لا يمكن حصر أهمية الدول العربية في النفط والغاز فقط، بل إن جغرافيتها السياسية لا تقل عن -إن لم تتفوق على- الأهمية الجيوبوليتيكية لكل من إيران وتركيا في حسم الصراعات الكونية.

تأسيسا على ذلك تعد الشريحة العربية الإيرانية التركية الشرط الأساسي للسيطرة على جغرافيا العالم، وهو ما يصنع مشتركا جيوبوليتيكيا بين الأطراف الثلاثة يمكن إضافته إلى مشتركات الثقافة والجغرافيا والتاريخ بينها، وصولا إلى درجات أعلى من التنسيق والتعاون الإقليميين. وربما يكون البدء في تكوين "مجلس حكماء" من المثقفين والمتخصصين والشخصيات السياسية كآلية من آليات فض المنازعات بالمنطقة، بداية الطريق الطويل نحو إعادة اكتشاف سكان المنطقة لمصالحهم المشتركة.
_______________
مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية- القاهرة.
المصدر: الجزيرة
اقرأ المزيد

حدود القوة.. نهاية الاستثنائية الأمريكية

مناقشة: صفوت الزيات
في كتابه هذا (حدود القوة.. نهاية الاستثنائية الأمريكية)، الذي ظهر في دور الكتب في أغسطس/ آب 2008، يتقصى آندرو باسيفتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن أبعاد الأزمات الثلاث الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تواجه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وقد قادت تلك الأزمات أمريكا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين إلى حرب كونية افتقدت فيها وضوح الرؤية وأهدرت فيها –ومازالت- مصادر الثروة والقوة معا، وكشفت عن تواضع وحدود القوة الأمريكية في إعادة تشكيل العالم وإجباره على التوافق مع نمط الحياة الأمريكية. ويرى باسيفتش في هذا الأمر دعوة للأمريكيين إلى تفحص هذا النمط والعمل على تغييره قبل أن يصل التلف فيه وبسببه إلى تخوم اللاإصلاح. والغريب أنه، وخلال أسابيع فقط من بدء نشر هذا الكتاب، تحققت نبوءة (وقت الحساب يقترب) التي جاءت في مقدمته الرائعة، عندما عصفت بالولايات المتحدة ومعها العالم أعنف أزمة مالية واقتصادية منذ الكساد العظيم. ولم تكن بعيدة عن أسبابها، إن لم تكن في القلب منها، فاتورة الاستنزاف القائم لحرب أمريكا الطويلة، التي أعلنتها في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في افتتاحية مشروع إمبراطوري تبدو أطلاله الآن ماثلة على مشارف أُفق ليس ببعيد. الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة قراءة فاحصة لما كشف عنه وحذر منه آندرو باسيفتش.
أزمة إسراف
أزمة سياسية
أزمة عسكرية
أزمة إسراف

نمط الحياة الأمريكية، الذي جاء في ثلاثية توماس جيفرسون في وثيقة إعلان الاستقلال عام 1776، بعناصره: الولَع بالحياة، والحرية الفردية، والسعي الدائم للسعادة. وقد ترجم الأمريكيون هذه العناصر إلي ممارسات وأخلاق قائمة على إمتاع الذات، وهي التي قادت -كما يرى باسيفتش- إلى الثغرة الحادثة اليوم بين احتياجات الإمتاع الذاتي للشعب الأمريكي وبين قيود الموارد المتاحة لتأمينها. وهو ما يمكن أن يوصف بدقة بأزمة الإسراف الأمريكية التي تدفع الولايات المتحدة دوما إلي التطلع خارج حدودها.
التاريخ الأمريكي إذن، كما وصفه الرئيس تيودور روزفلت عام 1899، "كان تاريخاً للتوسع" سعياً وراء سد تلك الثغرة، وقد بدأ ذلك التوسع بالفعل مع حيازة الرئيس جيفرسون لأراضي لويزيانا عام 1803. وطوال ذلك المسعى فإن الولايات المتحدة لم تبذل ولم تجهد نفسها في تحرير الآخرين كما يحلو لبعض الأمريكيين أن يسرد تاريخهم على أنه قصة أخلاقية. تلك القصة التي يعبر عنها ساساتهم في محاولة لتطهير الماضي وإضفاء "تقليد تحرري عظيم" على هذا البلد. فالتوسع الأمريكي تم بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة في غالبه إدراكا من زعمائهم بأن التوسع يأتي بالوفرة في المواد، والوفرة بالتالي ستوفر ممارسة الشعب لحريته.
ويذكر باسيفتش أن ذروة العلاقة التبادلية بين التوسع وبين الوفرة والحرية جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما بزغت الولايات المتحدة الدولة الأقوى والأغنى والأكثر حرية -في نظر غالبيتها البيضاء- على الأقل. ثم إن العقدين التاليين لتك الحرب شهدا ترسيخاً لهذه الذروة فيما سمي آنذاك بـ"إمبراطورية الإنتاج" التي منحت الولايات المتحدة مستوى عاليا من الاكتفاء الاستراتيجي. غير أن نهم الأمريكيين في إمتاع الذات واندفاع الرئيس ليندون جونسون نحو التورط في فيتنام بإرسال قوات قتالية هناك سنة 1965 امتد نشرها هناك إلى العام 1973، رغم نهي سلفه الرئيس نيكسون عن ذلك، مثل، وخصوصا في هذه الفترة الزمنية نقطة الانقلاب نحو ما سمي بـ"إمبراطورية الاستهلاك". وفي هذه الفترة برزت مؤشرات التردي كصدمة النفط الأولى التي فقدت معها الشركات الأمريكية سطوتها على سوق النفط لصالح كارتل (الأوبك)، كما اتضح للعيان انكشافية الاقتصاد الأمريكي حين شكلت سنة 1975 آخر سنوات تفوق صادراته على مجمل وارداته.
يشدد باسيفتش على أنه بحلول أواخر عقد السبعينات كان الأمريكيون في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة، جاءت تعبيراً عن ثغرة مقيتة بين احتياجات مجتمع الإسراف الاستهلاكي وموارده المحدودة. وهذا الأمر طرح أمام الأمريكيين خيارين لا ثالث لهما، الأول: كبح جماح الشهوة الاستهلاكية والعيش في حدود الموارد، والثاني توظيف القوة الأمريكية المتضائلة آنذاك بفعل آثار الحرب في فيتنام والأزمة الاقتصادية لإجبار باقي العالم على التكيف مع نمط الحياة الأمريكية بتعويض النقص القائم في موارده.
يشير باسيفتش إلى خطابين رئاسيين إبان تلك الفترة روّج كل منهما لأحد الخيارين السالفين: دعا الرئيس جيمي كارتر في خطابه إلى الأمة في 15 يوليو/ تموز 1979، ووسط أزمة اقتصادية شملت معظم فترة رئاسته وزاد منها وقوع الثورة لإسلامية في إيران في يناير/ كانون الثاني مطلع ذلك العام وما نجم عنها من "صدمة نفط ثانية"، دعا إلى الخيار الأول مذكراً بأن الأمة الأمريكية انحرفت عن الطريق القويم حيث "عديدون منا يميلون الآن إلى تقديس لاستهلاك والإشباع الذاتي"، وحيث "تقع الفكرة الخاطئة عن الحرية: حق جلب بعض المزايا لأنفسنا على حساب الآخرين". إن على الأمة –حسب كارتر- الشروع في مسار "الهدف المشترك لاستعادة القيم الأمريكية"، حيث الفكرة الصحيحة للحرية هي: "الحياة وفقاً لقيم دائمة، وتوطيد العزم في العيش على المتاح من الموارد". وطرح الرئيس في خطابه برنامجاً من ست نقاط لإنهاء الاعتماد المفرط على النفط الخارجي باعتبار أن "الطاقة ستكون الاختبار الفوري لقدرتنا على توحيد هذه الأمة". كان كارتر من وجهة نظر باسيفتش في هذا الخطاب رجل دولة ذا رؤية بعيدة، رغم أن كثيراً من الأمريكيين يرونه رئيساً غير كفؤ وسيئ الحظ.

لكن الرئيس رونالد ريغان، القادم لسُدة الرئاسة بانتصار زلزالي في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 1980، قاد الأمة الأمريكية إلى الخيار الثاني حيث الهيمنة على العالم. فالقوة الأمريكية هي الأداة الوحيدة لعلاج ثغرة الاحتياجات والموارد. وهذا إدراك واعٍ من الرئيس ريغان لمفتاح الشخصية الأمريكية: الرغبة في الإمتاع الذاتي وليس في الحرمان الذاتي، إنه المفهوم الكمي للحرية وليس ذلك المفهوم النوعي القيمي للحرية التي دعا إليه سلفه المهزوم.
مثلت سنوات ريغان الرئاسية الثماني عصراً من الرفاهية المبتذلة والإسراف المفرط بفضل تخفيضات الضرائب من جهة وزيادة الإنفاق العسكري من جهة أخرى. وهو الأمر الذي فاقم عجز الميزانية الفيدرالية من متوسط 54.5 مليار دولار إبان سنوات سلفه إلى متوسط 210.6 مليار دولار خلال سنوات رئاسته، فصعد الإنفاق الفيدرالي إلى 1.14 تريليون دولار في العام 1989 بعد أن كان 590.9 مليار دولار في العام 1980، ووصل الاعتماد على نفط الخارج إلى 41% من إجمالي الاستهلاك المحلي.
جاء إذن خطاب ريغان في 23 مارس/ آذار 1983 ليوضح -وإن بشكل متأخر- طبيعة الثورة التي جاء بها، حيث أعلن فيه عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي تعني بناء درع صاروخي منيع يجعل الأسلحة النووية للخصم عاجزة بل ومتقادمة. وفي هذا السياق أسس ريغان لثلاثة أعمدة ترتكز عليها السياسة الخارجية الأمريكية في القادم من الزمان، أولها: أن بقدرة الأمة استناداً إلى التقنيات الحديثة تحقيق مناعة عسكرية وهيمنة كونية طالما سعت إليه. وثانيها أن هذه القوة العسكرية، التي أطلق ريغان العنان لاستثمارات إعادة تحديثها، توفر الرد على الأزمة التي طرحها كارتر بقوة في يوليو/ تموز 1979 بالارتكاز على خيار تطويع العالم بغرض إدامة تدفق الموارد المادية المطلوبة لنمط الحياة الاستهلاكية للشعب الأمريكي دون أدنى تنازل. وثالث هذه الأعمدة أنها مهدت لتلك الحرب الكونية ضد الإرهاب التي سيطلق عنانها بوش الابن بعد عقدين قادمين.
يرى باسيفتش أن سنوات تبذير ريغان جاءت بتأثيرين قويين ومتناقضين إزاء السياسة الخارجية. أولهما: ثمة نجاح معترف به في أن الإنفاق العسكري الذي أطلقه الرجل بلا حدود جاء بانتصار حاسم في الحرب الباردة دفع في النهاية بتفكيك الإمبراطورية السوفيتية على خلفية قناعة تامة بعدم جدوى المنافسة مع الخصم الأمريكي. ثانيهما: أن الاعتماد المتصاعد على موارد الخارج، خاصة النفط، مهد الطريق إلى تورط عميق في العالم الإسلامي قاد في النهاية إلى حرب كونية مفتوحة بلا نهاية في أركان هذا العالم. وسياسات ريغان في دعم الإسلاميين في أفغانستان في مواجهة الاحتلال السوفيتي خلال عقد الثمانينات انتهت بنظام إسلامي متشدد انطلقت منه العمليات الإرهابية ضد الأراضي الأمريكية في صباح الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وانتهت كذلك بالجنود الأمريكيين أنفسهم هناك بعد عقد كامل من خروج السوفييت في موقف مشابه كقوة احتلال ضد شعب مجزئ تسكنه هواجس كراهية فطرية نحو المحتل الأجنبي. وهذه هي نفس السياسات الطائشة التي قادت الولايات المتحدة إلى جحيم الخليج وانتهت بكارثة غزو العراق في العام 2003 على يد بوش الثاني.
وقد يكون صحيحاً أن "عقيدة كارتر" في يناير/ كانون الثاني 1980 أسست لإعادة التوجه العسكري الاستراتيجي الأمريكي نحو الخليج لتأمين مصالح حيوية في هذه المنطقة، لكن ريغان الذي اتجه بجيشه الرائع الذي عمل على تحديثه ليس لاحتواء السوفيت كما روج ولكن إلى الخليج لمنع تكرار "الصدمات النفطية" وضمان تدفق دائم له يؤمن مطالب الإسراف الأمريكي في الداخل. ثم من خلال سياسات مشبوهة اتسمت بردود أفعال طائشة في دعم طرفي الحرب العراقية-الإيرانية أسس الرجل لكارثة أمريكية في الخليج سيتولاها أسلافه لا لتصحيحها ولكن لمزيد من التورط.
هكذا واجه بوش الأب دخول صدام إلى الكويت في أغسطس/ آب 1990، حيث قاد حملة عسكرية وفرت نصراً حاسماً أفرز في نهاية الأمر أوضاعاً هزلية تمثلت في التزامات جديدة ووجود عسكري على الأرض في الخليج، هدف لإبقاء الصدام داخل الصندوق، وطرح لأول مرة لدى العديد من العرب والمسلمين رؤية الولايات المتحدة كقوة احتلال قائم.
وهكذا أيضاً -كما يرى باسيفتش- جاءت سنوات كلينتون متسمة باعتماد سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، ومتسمة كذلك بشهية متصاعدة لاستخدام القوة الجوية وصواريخ كروز في إطار برنامج إنهاك عسكري دون التورط بقوات برية. وجاءت هذه السياسية لتعبر عن إستراتيجية غير مترابطة: حيث أبقت على النظام في العراق من جهة، وتمادت في فرض نظام عقوبات قاس يصعب الدفاع عنه أخلاقياً. وقد نتجت عن تلك العقوبات حياة بائسة لعامة الشعب العراقي وأدت إلى وفاة حوالي نصف مليون طفل كما جاء في تقرير لليونيسيف عام 1996. وقد علقت على ذلك وبصورة غير مسئولة آنذاك المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة مادلين أولبرايت بقولها "اعتقد أن هذا خيار صعب للغاية، ولكن الثمن.. يستحق ذلك"!، فالأمر القائم أنه لا شيء يهم طالما الأمريكيون في الوطن يتمتعون بعقد من الوفرة خلال حقبة كلينتون عندما كانت أسعار النفط منخفضة والنهم للبضائع الآسيوية الرخيصة واستهلاك النفط في تصاعد. لقد قفزت واردات النفط الأمريكية إبان تكلفة الفترة إلى نسبة 50% وزاد عدم التوازن في الميزان التجاري بمقدار أربعة أضعاف وأضيف إلى العجز الفيدرالي الكلي حوالي 1.5 تريليون دولار.
ومن ثم يرى باسيفتش أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عززت فقط قناعة الصقور من المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن بأن هيمنة أمريكية صريحة في الخليج ما هي إلا ضرورة أمن قومي بالدرجة الأولى لإدامة نمط الحياة الأمريكية في الوطن الأم. وهذا ما عبر عنه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في أكتوبر 2001 بقوله: "نحن أمام خيارين، إما أن نغير الطريقة التي نعيش بها أو أن نغير الطريقة التي يعيش هؤلاء الآخرون بها ونحن اخترنا الطريقة الثانية". وهكذا فإن ما لم يفعله الرئيس بوش الأب سنة 1991 فعله الابن سنة 2003 بالسير قدماً نحو بغداد لإزاحة النظام كمحطة أولى في مشروع أكثر طموحاً هو إعادة تشكيل العالم الإسلامي أو على الأقل ما أصبحت تشير إليه الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط الكبير. كل ذلك يتم وفقاً لأجندة الحرية الأمريكية التي تخفي وراءها أجندة توسع، تهدف إلى تحقيق الوفرة وعلاج أزمة الإسراف الأمريكية دون الحاجة لمواجهة الخلل الجاري في نمط الاستهلاك الشره في الداخل الأمريكي، بل ودون حتى تعبئة هذه الأمة في حرب كونية ضد الإرهاب شرعت فيها الإدارة الأمريكية. فالرئيس الابن ظل مصراً على خفض الضرائب وعلى دعوة مواطنيه للانغماس في الترف والتسوق، وعلى عدم إعادة التفكير حتى بإعادة نظام التجنيد الإجباري لعلاج الجهد الهائل الواقع على أفراد عسكريين لا يتجاوز عددهم 0.5% فقط من تعداد الشعب الأمريكي.
هكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها بجنود يقاتلون معارك يائسة في العراق وأفغانستان، وشعب يمارس نمط حياته الإسرافية في الداخل، وإدارة عاجزة أحياناً وغير راغبة في الغالب في تحويل إمبراطورية استهلاك إلى إمبراطورية تحرير كونية كما تزعم. ومع تصاعد فاتورة الحرب المادية والبشرية في الخارج وتعاظم فاتورة العجز بثغرة متفاحشة بين الاحتياجات والموارد في الداخل تبدو حقيقة هذه القوة العظمى العاجزة عن إدراك كون علاج مشكلاتها هذه يكمن في داخل الوطن الأمريكي ذاته وليس في الخليج.
أزمة سياسية

يرجع باسيفتش جذور أزمة النظام السياسي الأمريكي إلى متتالية أزمات الأمن القومي التي بدأت منذ صيف العام 1940 عندما شرع الرئيس فرانكلين روزفلت في تعبئة الأمة لخوض الحرب العالمية الثانية. كما تأكدت ديمومتها في ربيع العام 1947 عندما بدأ الرئيس هاري ترومان سلسلة إجراءات لتهيئة الأمة لحرب عالمية من النوع البارد بعد مرور ثمانية عشر شهر فقط على يوم النصر في الحرب السابقة. هذه الحالة شبه الدائمة في أزمات حقيقية أو متصورة أفرزت نظاماً سياسياً تراجع فيه دور السلطة التشريعية الممثلة في الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، لصالح هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة الفيدرالية، ورئيس إمبراطوري الصلاحيات هو الشاغل الكلي للبيت الأبيض بصرف النظر عن انتمائه الحزبي. وفي ظل تراجع أداء وتواضع أدوات التشريع والرقابة لدى السلطة التشريعية بفعل رغبة أعضاءها في حيازة مزايا حزبية، وبنشاط تشوبه النرجسية والفساد والسعي لضمان إعادة الانتخاب مرة أخرى بوسائل مشروعة وغير مشروعة، فإن الأمر انتهى في واشنطن بمجموعة من السياسيين التنفيذيين الذين يتصف أدائهم -بغض النظر عن الحزب القائم في السلطة- بسوء التقدير والتهور والإسراف فضلاً عن التضليل.
ولتمحيص الخلل في النظام السياسي الأمريكي وجوهر أزمة السياسة يتناول باسيفتش ثلاثة أبعاد أساسية: فكرية تتناول أيديولوجية الأمن القومي، وتنظيمية تستعرض مؤسسة الأمن القومي في الولايات المتحدة، وأخيراً شخصية تتعامل مع نوعية الرجال الحكماء المؤثرين في السياسات الخارجية لهذه القوة العظمى.
في البعد الأول الفكري الخاص بأيديولوجية الأمن القومي يرى باسيفتش أن أسباب الفشل في سياسات الأمن القومي الأمريكية، والتي كشفت عنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما تلاها من تورط في حرب كونية بلا نهاية في الأفق القريب وبلا حدود دنيا للتكلفة البشرية والمادية والأخلاقية، أن أسباب الفشل هذه لا تكمن فقط في نوعية استجابة إدارة بوش لهذه الأحداث وابتكارها ردودا جديدة أكثرها شهرة وأسوأها أثراً "عقيدة الحرب الوقائية"، ولكن وبالأساس ذلك السياق الأيديولوجي لمفهوم الأمن القومي الذي التزمت به كل الإدارات الأمريكية السابقة لإدارته. وكان فضل بوش المعترف به هو صياغته وإعلانه لها بهذه الدرجة من التوهج والحماس والوضوح. وهذه الأيديولوجية المؤسسة على قناعات أربعة أبرزها الرجل في خطاب تنصيبه الثاني في 20 يناير/ كانون الثاني 2005، أولها: أن "التاريخ لديه حتمية واضحة محددة وهي الحرية"، وثانيها أن الولايات المتحدة "منذ لحظة تأسيسها هي التجسيد الدائم للحرية"، وثالثها أن الخالق استدعى الولايات المتحدة لتحقيق النصر النهائي للحرية "إنها المهمة التي من أجلها خلفت هذه الأمة". أما آخر هذه القناعات وأهمها فهو أن "المصالح الحيوية الأمريكية ومعتقداتها العميقة هي الآن مسألة واحدة". وهو ما يعني أن سعي الولايات المتحدة وممارستها التأثير خارج حدودها، أياً كانت الأدوات، يجد تبريره الأخلاقي في كونه عملاً من أجل الحرية، بدءاً من عمليات التوسع التي مارسها الرئيس جيمس بولك في منتصف القرن التاسع عشر ووصولاً إلى غزو العراق وأفغانستان في مطلع القرن الحادي والعشرين.
هكذا إذاً توظف أيديولوجية الأمن القومي في السياق الأمريكي إذ هي الضامن الشرعي لكل ممارسات السلطة التنفيذية، ومصدر الامتيازات الواسعة للرئيس الإمبراطوري ودائرته المقربة في متى وكيف يتم استخدام القوة، ثم هي الوسيلة النافذة لإضفاء المظهر الأخلاقي الجذاب لكل ممارسات تحقيق المصالح الحيوية في الخارج طالما كان الغطاء لها السعي من أجل الحرية والديمقراطية.
في البعد الثاني التنظيمي الخاص بمؤسسة الأمن القومي الأمريكية والتي حددها باسيفتش في أجهزة مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ومكتب وزير الدفاع ورئاسة الأركان والأفرع الرئيسية للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات المختلفة ومكتب المباحث الفيدرالية. يرى الرجل أن كلا من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تشاركان معاً منذ الحرب العالمية الثانية في خلق هذه المؤسسة المتضخمة التي هي في سعي دائم للتوسع التنظيمي والوظيفي. ويشير باسيفتش إلى ثلاث سمات رئيسية لهذه المؤسسة أولها: تقديس السرية في عملها ظاهرياً بدعوي العمل ضد خصوم الولايات المتحدة وفعلياً بهدف التحكم في تدفق المعلومات للداخل الأمريكي لخدمة ما تراه أو ترغب فيه، ولتوجيه الرأي العام نحو ذلك. ثانية هذه السمات: تقديم المصلحة المؤسسية على حساب المصلحة العامة للأمة. والثالثة والأخيرة: التضليل المعلوماتي لخدمة أغراض سياسية على غرار ما حدث في مسألة الزعم بحيازة العراق لأسلحة دمار شامل أو بتقليل حجم الخسائر في المدنيين في كل من العراق وأفغانستان، وإعفاء الزعماء السياسيين والقادة العسكريين الكبار من الخلل الاستراتيجي والميداني في عمليات الخارج.
ويبدو أن عثرات أزمة خليج الخنازير في العام 1961 والتي كشفت عورات كل من وكالة الاستخبارات المركزية ورئاسة الأركان معاً أمام الرئيس كيندي ودفعته إلى ثلاثة ردود أفعال قوضت بالفعل من الدور البيروقراطي التشاوري لهاتين المؤسستين والتزم بها كافة الرؤساء الأمريكيين فيما بعد. وقد تمثلت ردود أفعال كيندي في تغيير قيادات هذين الجهازين بأشخاص يتوافر فيهم الولاء والثقة لشخص الرئيس، ثم خلق بديل استشاري من خارج هذه المؤسسة يوفر للرئيس نصحاً ذا مصداقية، وأخيراً تأسيس كيانات خاصة لإدارة كل أزمة علي حدة.
هكذا ومنذ كينيدي يرى الرؤساء الأمريكيون في مؤسسة الأمن القومي كياناً معطوباً يصعب إصلاحه ويجب الالتفات حوله، لكنَّ بقاءَه في نظرهم يظل أمراً مطلوباً لأنه يوفر المنطق الدائم لترتيبات سياسية معينة هي مصدر للمكانة والتأثير وللثروة معاً.
ويبدو أن هذا ما فعلته تماماً إدارة بوش وهي في طريقها لشن حربها الكونية في استجابتها على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول حيث عمدت إلى تهميش عناصر مؤسسة الأمن القومي المثيرة للمشكلات كما حدث على نحو خاص مع وزارة الخارجية ووزيرها كولين باول. أو تنصيب موالين لها في المناصب الكبرى دون اعتبار لمدى أهليتهم لذلك وهو ما حدث بتعيين متتال لرؤساء أركان من جنرالات متوافقين ومتوسطي القدرة من أمثال ريتشارد مايرز وبيتر باس. وكذلك الإبقاء على جورج تينيت مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية رغم ثبوت فشله في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول حيث المهم هو أن الرجل شغوف بقول ما يريد الرئيس سماعه. وأخيراً الالتفات كلما أمكن حول مؤسسة الأمن القومي بكاملها وهو ما وضح في إنشاء الوزير رامسفيلد لمكتب الخطط الخاصة OSP الذي سيتولى مهمة اصطناع أدلة حول برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقية توفر مبررات شن حرب على هذا البلد.
في البعد الثالث الشخصي الخاص بنوعية الرجال الحكماء النافذين في رسم وصياغة السياسة الخارجية والذين يشكلون الدوائر الصغيرة للمشورة والنصح حول رئيس إمبراطوري يعتبرهم أفضلية مقارنة مع بيروقراطية صعبة المراس مسربة للمعلومات هي مؤسسة الأمن القومي. يرى باسيفتش أن هذه الظاهرة الحديثة في النظام السياسي الأمريكي بلغت ذروتها في إدارة فرانكلين روزفلت إبان أحداث الحرب العالمية الثانية عندما برزت في واشنطن أسماء لامعة تحلقت حول الرئيس في مقدمتها وزير الخارجية ووزير الحرب فيما بعد هنري ستمسون، واتسمت بالاستقامة والحكمة والرصانة وردود الأفعال المعتدلة، وشكلت فيما بينها وجه واشنطن آنذاك. ويشير باسيفتش إلى تحول نحو الأسوأ وقع في سبتمبر/ أيلول 1945 بتولي جورج فورستال وزارة الحرب الأمريكية خلفاً لهنري ستمسون حيث مثل بتركيبته الشخصية المعقدة مزيجاً من عدم الاستقرار وسوء التقدير في المواقف والأزمات والجموح للرد العاجل عند بروز أدنى خطر. وسيؤسس هذا الوضع لوجه واشنطن الجديدة القائم إلي الآن عبر سلالة من أتباعه وتلاميذه الذين تحكمهم عقلية عسكرية ترى في القوة أداة مثالية لحل مشكلات العالم ويشوبهم قلق عصبي من أن الوضع الأسوأ هو الاحتمال الأرجح وأن العمل العاجل السريع لإحباط كارثة قادمة أمر لا مفر منه.
يشير باسيفتش إلى بول نيتزه كوريث مباشر لفورستال الذي هيمن على سياسات الأمن القومي الأمريكية على مدى أربعة عقود تالية، وكانت أبرز مساهماته وثيقة الأمن القومي NSC 68 التي تمثل أحد أهم الوثائق المؤسسة لإدارة الدولة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تقرير سري قدم للرئيس هاري ترومان في ربيع عام 1950 لتوصيف الوضع وطرح الخيارات الإستراتيجية في مواجهة حدثين اعتبرهما الرئيس على درجة بالغة من الأهمية للأمن القومي الأمريكي، أولهما: نجاح السوفيت المفاجئ في أغسطس/ آب 1949 في تفجير جهاز نووي أنهى الاحتكار النووي للولايات المتحدة، وثانيهما: نجاح الثورة الشيوعية في الصين في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول من ذات العام. وقد نجح نيتزه بأستاذية، ليس فقط في تمرير توصياته في الشروع بإعادة بناء متسارعة وهائلة للقوة العسكرية الأمريكية والتي مثلت الخيار الثالث في عرضه للموقف بعد استبعاد خياري الانعزالية أو الإسراع بشن حرب وقائية، وهو ما أطلق عليه آنذاك "عقيدة نيتزه". ولكن نجاح نيتزه الحقيقي كما يراه باسيفتش أنه أسس نموذجاً يقتدي به الرجال الحكماء من نخبة الأمن القومي الأمريكي إلى الآن والذي يشمل على أركان أربعة أولها شيطنة الخصوم، وثانيهما استخدام أسلوب استعراض الخيارات المصطنعة التي تدفع نحو نتائج معدة سلفاً تجعل من المحلل صاحب القرار عملياً. وثالثهما توظيف القيم المثالية كالحرية والسلام للتمويه على المصالح الحيوية الأمريكية، وأخيراً بث الذعر بأساليب عدة لدفع عملية صنع القرار دون إبطاء.
هكذا وجدت أحداث الحادي عشر سبتمبر/ أيلول في انتظارها بول ولفيتز الوريث المباشر لبول نيتزه كما كان الأخير وريثاً مباشراً لجورج فورستال. كان ولفيتز آنذاك الرجل الثاني في وزارة الدفاع في إدارة الرئيس بوش وكان الحدث مبرراً لدى الرجل لإطلاق القوة العسكرية والدعوة بعد ساعات فقط من وقوعه لغزو العراق وإزاحة صدام حسين. لم يكن هدف ولفيتز العراق ونظامها تحديداً بقدر ما كان هدفه وضع معايير جديدة أقل تقييداً لاستخدام القوة العسكرية تعتمد الحرب الوقائية على مستوى كوني كـ"حملة واسعة ومستمرة ضد كل الدول التي تشكل ملاذات آمنة للإرهابيين أو تدعمه". وهو بذلك تجاوز رفض أستاذه نيتزه للحرب الوقائية كمسألة غير أخلاقية، ومن ثم فالتاريخ سيذكر الرجل ليس فقط كمهندس لحرب العراق بقدر ما أنه المسئول عن شرعنة الحرب الوقائية كمبدأ أساسي في السياسة الأمريكية، فضلا عن كونه الملهم لـ"عقيدة بوش الوقائية" باعتبارها أخطر مبادرات الأمن القومي الأمريكية منذ تدشين مشروع مانهاتن لبناء أول قنبلة نووية. وقد أسست هذه "العقيدة" لحرب كونية مفتوحة بلا نهاية، لا في الزمن ولا في التكلفة، بدأت في أفغانستان ومروراً بالعراق ولم تنتج حتى الآن سوى حطام سفينة أمريكية.
أزمة عسكرية

الحرب هي المحاسب الأعظم لمؤسسات الدولة ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول خضعت الولايات المتحدة ومؤسساتها لمثل هذا التدقيق الذي كشف عن ضعف واضح أصاب تلك المؤسسات ومن بينها المؤسسة العسكرية، ويذهب باسيفتش إلى التأكيد على أن اعتبارات الشجاعة والثبات وقدرة التحمل والتكنولوجيا المتطورة لا توفر مقياس لعظمة أي جيش. فالجيش العظيم هو الذي ينجز المهمة التي كلفته الأمة بها، ومنذ أطلق بوش الحرب الكونية ضد الإرهاب فإن القوة العسكرية الأمريكية لم تحقق أيا من المهام المكلفة بها. ففي أفغانستان فشلت في القضاء على القادة الرئيسين للقاعدة أو القضاء على حركة طالبان رغم نجاحها الأول والسريع في إزاحتها عن السلطة في كابول. بينما العراق، ورغم إعلان الرئيس بعد مرور ستة أسابيع من بدء غزو ذلك البلد وعلى خلفية لافتة تزعم أن "المهمة قد أنجز " وبأن "العمليات القتالية الرئيسية قد انتهت"، فإن أوضاع الأمن وفوضى عدم الاستقرار السياسي لا تؤشر بحال على انتهاء مهمة تحويل هذا البلد إلى ديمقراطية تعددية مستقرة.
إن ثقة إدارة بوش المفرطة بفعالية القوة العسكرية الأمريكية كانت أمراً مبالغاً فيه وتقديراً استراتيجياً سيئاً أدى بالولايات المتحدة إلى دفع أثمان بشرية ومادية غالية. وثبت أنه حتى في عصر تقنية الستيلث ("stealth": تكنولوجيا لا زالت سرية وتسمح للقاذفة الطيران فوق الرادارات المعادية دون اكتشافها)، والذخائر الدقيقة، والاتصالات الفورية فإن القوة العسكرية ليست هي الدواء العام لكل الأمراض، وأنه حتى في عصر القطبية الواحدة تبقى لتلك القوة حدودها وأوجه قصورها.
يطرح باسيفتش في البدء ثلاثة أوهام كبرى دفعت لهذا التقييم الأمريكي المفرط لجدوى القوة العسكرية الأمريكية. أولها: أن الولايات المتحدة ابتكرت طريقة أمريكية جديدة للحرب تأسيساً على معطيات نجاحاتها التقنية والعملياتية في جعل قواتها أكثر دقة وتمييزاً، ومن ثم أعمق إنسانية في ممارستها للصراع المسلح. وهو ما أشار إليه الرئيس بوش بشيء من الثقة بقوله "بخليط من استراتيجيات مبتكرة وتكنولوجيات متقدمة فإننا قد أعدنا تعريف الحرب وفقاً لشروطنا.. في هذا العصر الجديد من القتال يمكننا استهداف نظام وليس أمة".
ثاني هذه الأوهام: أن هناك الآن مجموعة مبادئ يتشارك فيها الزعماء المدنيون والقادة العسكريون الأمريكيون حول استخدام القوة العسكرية الأمريكية، وهي المبادئ التي عبرت عنها بصورة رسمية "عقيدة واينبرغر/باول " التي حددت معايير أساسية حول متى وكيف يتم استخدام هذه القوة، حيث الولايات المتحدة ستقاتل فقط حال تعرض مصالحها الحيوية للخطر. وأن الأهداف ستكون محددة ويمكن تحقيقها. وأن الموارد المطلوبة ستعبأ لتحقيق نصر سريع وحاسم يتبعه خروج فوري برشاقة ودون نهايات رخوة.
ثالث هذه الأوهام: أن العسكرية الأمريكية والمجتمع الأمريكي بتوافقهما على صيغة القوة العسكرية الكل تطوعية قد عالجا مظاهر الانشقاق التي حدثت إبان حرب فيتنام، حيث يبقى للعملية العسكرية الآن احترافيتها المهنية، ويظل للمواطن الأمريكي العادي حريته الفردية في اعتبار الخدمة العسكرية مسألة خيار شخصي.
يشير باسيفتش إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما تلاها كشفت زيف هذه الأوهام الثلاثة، فطريقة الحرب الأمريكية الجديدة أبرزت عورات هائلة في ميادين القتال، والتوافق المدني/العسكري حول مبادئ استخدام القوة العسكرية قد أجهض أحياناً لصالح رؤية الزعماء المدنيين، وأحياناً أخرى لصالح احتكار الجنرالات العسكريين، بينما بدأ انصراف الأمريكيين لنمط حياتهم العادية وسط حرب كونية تشنها بلادهم على تخوم بعيدة دليلاً على وهم مصالحة المجتمع الأمريكي مع مؤسسته العسكرية.
يقودنا باسيفتش في سبر غوره لأزمة العسكرية الأمريكية إلى استعراض الدروس الخاطئة الثلاثة التي ذهبت إليها معظم التحليلات والدراسات العسكرية لما واجهتة ومارسته العسكرية الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. بل نجده يصفها بالأوهام الجديدة التي تتساوى في خطورتها مع تلك التي عرضها آنفا.
أول هذه الدروس: أن الحروب الصغيرة على نحو ما جرى ويجري في العراق وأفغانستان من قتال للتمرد وبناء الأمم ستكون هي شكل الحروب القادمة التي على العسكرية الأمريكية التهيؤ لها على حساب الحروب التقليدية الكبيرة الحجم على غرار ما حدث في حرب "تحرير الكويت" سنة 1991 والتي ستكون الاحتمال الأقل.
ثاني هذه الدروس: هو إعادة مجال الحرب لرجال العسكرية المحترفين من الجنرالات الكبار وعدم تقييدهم بتدخلات زمرة مدنيين لا يدركون طبيعة الحرب وجوهرها كما فعلوا من قبل إبان حرب فيتنام.
ثالث هذه الدروس: إصلاح العلاقة بين المجتمع الأمريكي وعسكريته وذلك بنبذ مسألة القوة الكل تطوعية القاصرة على متطوعين محترفين وعودة نظام التجنيد الإجباري ومن ثم تقليد الجندي/المواطن مرة أخرى، وهو الأمر الذي سيعالج مشكلات عملياتية مرتبطة بنقص أعداد الجنود المطلوبة، ومشكلات سياسية خاصة بغياب الاهتمام الشعبي بالحرب والرقابة الشعبية لها، فضلاً عن مشكلات أخلاقية أهمها عدالة توزيع التضحية في القضايا الوطنية للأمة.
في تفسيره لخطأ الدرس الأول يرى باسيفتش أن السمة المميزة للحروب الصغيرة ليس في مداها أو مدتها وإنما يكمن في غرضها. فهي بطبيعتها حروب امبريالية تشنها القوي الكبرى ليس دفاعاً عن نفسها وإنما لتأكيد هيمنتها على شعوب أخري. والحديث عن أن هذا النوع من الحروب يحدد المستقبل العسكري للقوة الأمريكية يتجنب الإجابة عن السؤال الأكبر حول جدوى الاستمرار في هذه الحروب على ضوء نتائج تكلفتها المريرة في العراق وأفغانستان. فلماذا إذاً لا نسعى لتغيير سياستنا لتكون أكثر واقعية وقابلية للتحمل بدلاً من الاعتماد على قوة عسكرية تأكدت محدودية فعاليتها؟!
ويذهب بنا باسيفتش في شرحه لخطأ الدرس الثاني، إلى أنه وعلى عكس المطروح من القول بأن الجنرالات العسكريين حرموا حرية التخطيط ومرونة التنفيذ في ممارستهم لقيادة جيوشهم في العراق وأفغانستان، فإن قراءة فاحصة لمذكرات الجنرال تومي فرانكس بعنوان "جندي أمريكي" تشير إلى أن الرجل كان المسئول الأول منذ البداية إلى النهاية عن حرب العراق وأفغانستان، وأن خطط غزو هذين البلدين عكست بالكامل مفهومه لشن الحملات العسكرية. ومن ثم فإن الأخطاء التي حصدتها الولايات المتحدة في هاتين الحربين -وما زالت- هي حصاد تدني نوعية القيادات العسكرية العليا لديها كسياق عام لا يقتصر فقط على أحداث ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ولكنه يمتد ليمثل ظاهرة كاملة الدلائل في حقبة ما بعد الحرب الباردة. والشاهد على ذلك عثرات كل من الجنرالين شوارتسكوف وباول إبان حرب "تحرير الكويت" سنة 1991، وويسلي كلارك في حرب كوسفو في البلقان سنة 1999، وفيما بينهما الأخطاء الفادحة للجنرالين توماس مونتغمري وويليام جاريسون في مقديشو سنة 1993 والتي أدت إلى انهيار سياسة إدارة الرئيس كلينتون في الصومال بكاملها.
في تفسيره لخطأ الدرس الثالث والخاص بضرورة عودة نظام التجنيد الإجباري، يرى باسيفتش أن كلا من التكلفة المادية الباهظة المطلوبة لمضاعفة حجم قوة الجيش الأمريكي وانعكاساتها على ميزانية الدفاع السنوية التي قد تصل آنذاك إلى مستوى تريليون دولار سنوياً هو أمر يصعب تحمله. كذلك فإن الجنرالات والأدميرالات الكبار في العسكرية الأمريكية يرون في هذه النوعية من الجنود إشكالية أكثر من عائد قيمة عملياتية قد يحصدونها منهم، ويبدو أن توجه البنتاغون نحو شركات الأمن الخاصة أو ما أصبح يعرف بجيوش المتعاقدين الأمينين هو مؤشر على استبعاد تكرار مسألة التجنيد الإجباري مرة أخرى.
في النهاية يقودنا تحليل باسيفتش الخصب عن أزمة العسكرية الأمريكية إلى حقائق أربع يرى فيها أنها الدروس الصحيحة في كل ما جرى من أحداث وجاء من نتائج في استخدام هذه القوة العسكرية بهذه الصورة التي شهدها العالم في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. أول هذه الحقائق أن للحرب طبيعتها الدائمة والثابتة والتي يصعب السيطرة عليها أو محاولة كبحها، فالحرب خليط من عدم اليقين الكامل والخطر وهي عالم الفرصة كما ذكرها المنظر العسكري الروسي الأشهر فون كلاوز فيتز منذ قرنين من الزمان. والحديث عن كون تطورات تقنية أفرزت الحاسبات والإنترنت وذخائر التوجيه الدقيق قد أحدثت تغييراً في طبيعة الحرب هو محض افتراء ودليل خطأ تعثرت فيه رؤى ساسة وتصورات ضباط الكبار. ويكفي في هذا المجال الإشارة فقط إلى ما فرضته استخدامات العبوات المتفجرة البدائية الصنع من خسائر وقيود علي القوات الأمريكية ومعها الحليفة في ميادين قتال الشرق الأوسط لتؤكد على أن الحرب تظل اليوم، كما كانت دائماً، مراوغة وغير مروضة، مكلفة، صعبة السيطرة، مليئة بالمفاجآت وتطرح نتائج غير متوقعة، بينما يبقي المعتوهون فقط هم من يتصورون غير ذلك.
ثاني هذه الحقائق: الجدوى المحدودة للقوة العسكرية، فسواء أهدفت الولايات المتحدة من وراء استخدامها هذه القوة تحقيق أجندة الحرية في العالم الإسلامي، أو إحكام سيطرتها عليه وإخضاعه، فإن الثابت أن هذه القوة لم تحرر شعوب الشرق الأوسط الكبير ولا وضعت قبضة الولايات المتحدة على طريق الهيمنة عليه. ويبقى الأمر المنتظر تورطاً مستمراً لسنوات وعقود قادمة هناك دون نتائج حاسمة فقط بتكاليف دائمة وانشقاقات متتالية في جهة التحالف الغربي.
ثالث هذه الحقائق هي حماقة الحرب الوقائية أو ما يعرف بـ"عقيدة بوش"، فعلى مدى زمن طويل ابتعدت الولايات المتحدة عن فكرة الحرب الوقائية لمواجهة تهديد وشيك لاعتبارات أخلاقية وإستراتيجية معاً. وحتى عندما أنهى السوفييت في العام 1949 الاحتكار الأمريكي للسلاح النووي وطرحت جهات في الداخل الأمريكي أفكارا عن خيار تنفيذ ضربة أولى وقائية لإزالة ذلك الخطر النووي مرة واحدة وللأبد اعتماداً على تفوق استراتيجي حازم آنذاك فإن النظرة الحذرة وقتها لتبعات هذا العمل جنبت الولايات المتحدة والعالم معاً حريقاً نووياً هائلاً، لكن تلك النظرة الحذرة غابت عن هؤلاء الحمقى الذين هيمنوا على الإدارة الأمريكية فيما بين العامين 2002 و 2003 ليقودوا الولايات المتحدة إلى حرب كونية بلا نهاية وبتكاليف فاقت بكثير توقعات أي من هؤلاء الحمقى.
آخر هذه الحقائق هو أن المستويات العليا في الحكومة والعسكرية الأمريكية يفتقدان فن الإستراتيجية صياغة وتنفيذاً؛ الأمر الذي يشكل معضلة جوهرية فشلت الولايات المتحدة في مكافحتها منذ أن حرمها انهيار الاتحاد السوفيتي من خصم مستقر، وفاقم الأمر فيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول. ويرجع باسيفتش الأمر إلى قصور في كلتا النخبتين السياسية والعسكرية معاً، فالنخبة السياسية التي عليها تقع المسئولية الرئيسية في صياغة الإستراتيجية الكبرى استغرقت في خلط الأوهام الأيديولوجية حول تحقيق هيمنة كونية وتشكيل العالم على صورة أمريكية بخطوط الإستراتيجية الكبرى. بينما قصرت النخبة العسكرية دورها على المسائل العملياتية المرتبطة بالحملات والمعارك وجعلت من مجال الحرب بكامله منطقة استثنائية قاصرة عليها فقط وتناست أن القتال بالطبع هو جزء من الحرب ولكنه ليس كل الحرب التي تبقى في الأساس عملاً سياسياً بالدرجة الأولى حيث يبقى تبرير شنها وجدوى عوائدها مسألة خاصة بالسياسيين الذين تنازلوا عن ذلك في واشنطن.
_______________
باحث عسكري وضابط سابق في الجيش المصري
المصدر:مركز الجزيرة للدراسات
اقرأ المزيد

الأربعاء، 19 مايو 2010

مناهج البحث العلمي.. إشكالية الاستيعاب والاستخدام

الاثنين, 17 مايو 2010 07:06 أ. عبد القادر سعيد عبيكشي

لم أكن لأكتب هذه الورقة لو لم أرى أن الأمر حقيقة تحول إلى إشكالية وجب الوقوف عند أبعادها وأسبابها، ذلك أن الظاهرة المعنية بالقول قد أصبحت تعرف اتساعا وفي نفس الوقت نعيشها من دون فهم لها، وعليه فإن تتبعها بالتحليل والنقد، قد يمنحنا جانبا من معالجتها بصورة مستعجلة وصحيحة في آن واحد.
إن الأصل في هذه الإشكالية قد لا يكون مهما للبعض، ولكن لمن سلك طريق العلم والبحث والمناقشة، يجد أنها مُهمة بل وبالغة الخطورة إن لم يتم تداركها، والتي يمكن صياغتها –الإشكالية- على النحو التالي: لقد أصبحت مناهج البحث العلمي لدى طلبتنا في الجامعة اليوم، عبارة عن درس كغيره من الدروس التي تلقن لهم، تحفظ وترد في الامتحانات السنوية، بمعنى أنهم غير مدركين ومستوعبين لأهميتها، ضف إلى ذلك عدم قدرتهم على توظيفها في بحوثهم التطبيقية التي تنجز في حصص الأعمال الموجهة أو الملتقيات أو الندوات العلمية، مما يعني أن المنهج العلمي لا يمثل بالنسبة لهم أي إضافة في حياتهم البحثية، بل هو عبء وجب إيجاد الحلول للتخلص منه، أو تمريره على الأستاذ.
وهو ما يعني أن الطالب اليوم في جامعاتنا – والحكم ليس بالتعميم- غير مدرك لأهمية مناهج البحث العلمي ودورها في ضبط البحث وتحديد أدواته واعتباره الطريق الموصل إلى نتائج علمية سليمة، وبالتالي فإن أي تلقين لهذه المناهج دون أن بتم ربطها بالأهمية العلمية والوظيفية في خطوات البحث، لا يمكن أن يؤدي إلى أي فائدة من تضمينها في مناهج أقسام العلوم الاجتماعية و الإنسانية.
إلا أن ما يراد من خلاله في هذه الورقة ليس القول أن الأستاذ لا يقدم أو أنه قاصر على تقديم درسه للمناهج، ولكننا نقول أن الحالة أصبحت معقدة أكثر من أن تحمل لأستاذ المنهجية لوحده، فالإشكالية المطروحة، تتداخل فيها جزئيات عديدة، نجد في آخرها أن الطالب هو نتيجتها السلبية، ولذلك فالتحليل المعني في هذه الورقة لا يوجه أي اتهام أو تقصير إلى أي أستاذ، بل نحاول فهم الحالة وتشخيص آليات الخروج منها.
فالمنهج أو المناهج البحثية هي قواعد متبعة ووسائل مستخدمة في السعي للوصول إلى الحقيقة، (1) أي أن المنهج هو مجموعة متراصة ومترابطة من الخطوات العلمية الواضحة والدقيقة التي يسلكها الباحث في المناقشة أو المعالجة للظواهر الاجتماعية أو السياسية أو الإعلامية أو غيرها(2).
ومن دون غوص في النظريات والأقوال المفسرة للمنهج وطبيعة خلفيته الفكرية وأن كل النتائج هي نتاج لطبيعة المنهج، وهذا الأمر يحتاج أيضا بحثا في أنواع المناهج المستخدمة في دراساتنا وجامعاتنا، إلا أن المنهجية البحثية بما لديها من مكونات متواصلة مترابطة فيما بينها، والتي ترتب على النحو التالي:
1. الإطار المفاهيمي أو المرجعي: أي مجموع المفاهيم الناظمة لطبيعة الموضوع المراد دراسته، من خلال توضيحها وتبيانها وحتى تبنيها من قبل الباحث.
2. تقنيات البحث ووسائله: وهي مجموع الخطوات العلمية التي يمر بها البحث من إشكاليات وتساؤلات وفرضيات و دراسة عينات وإجراء تجارب وتسجيل ملاحظات وبناء إقترابات وغيرها.
3. الخطوات المنطقية والإجرائية التي تتم بين العنصرين(3): أي حالة الربط بين العصرين السابقين من أجل القيام بجهد بحثي صحيح ومن أجل الوصول إلى نتائج متوافقة مع المنطلقات.
وبناء على هذه المراحل فالمناهج البحثية هي الخط الناظم والذي تبنى عليه أساسات هذه المنهجية إذا اعتبرنا أن المنهجية خطوات فنية أو إجرائية تعطي للبحث صورته العلمية باقترانها مع المنهج، إلا أن المتابع لطبيعة تعامل طلبة الجامعات (والحكم ليس بالتعميم) مع هذه المناهج يجد أن الأمر لا يرتبط أبدا بهذا التسلسل ولا بهذا الفهم، بل إن المناهج العلمية التي يستخدمها طلبتنا في إطار منهجيتهم البحثية، أصبحت لا تزيد لبحثهم أي توجيه أو ترابط منطقي بين مقدماتهم ونتائجهم، بل إن الأمر أصبح عبارة عن استئناس بها داخل البحث وفقط، فيشير لها الطالب على نحو أنني سأستعمل المنهج الوصفي أو المنهج التاريخي، أو منهج دراسة المضمون، أو قد يستعمل أكثر من منهج في الدراسة، ولكن في حقيقة الأمر تجد أن البحث لا يعكس بتاتا أسس المنهج المستعمل، بل إنك تبحث على المنهج المستعمل في الدراسة فلا تكاد تراه، وهو ما يعد انحرافا خطيرا في البحث العلمي بكل مراحله، فالطالب يبدي رغبة أو يعطي التزاما باستعمال منهج ما في البحث لكن نجد أن الأمر غير متطابق أو غير مطبق، فهو لا يملك المقدرة على ربط بحثه بصورة فعلية بخطوات المنهج، ولا يستطيع أن يبرر إستعمالته الخارجة عن المنهج المعين سلفا، أو الأسباب التي دفعته إلى تغيير منهجه البحثي مع تقدم البحث، لأن الحالة تفسر بكل بساطة على أن هناك غياب فهم واضح ودقيق للمناهج البحثية، وعدم قدرة على إمكانية تطبيقها إن لم نقل غياب تصور ذهني للطالب على أن هذه المناهج البحثية التي تدرس في حصص (المنهجية العلمية) أو (تقنيات البحث العلمي) ولا يمكن أن نطبقها كما تم أخذها، وأن أمر تلقينها لا يتجاوز رفع العتب من قبل معدي المناهج الأكاديمية.
وفي حقيقة الأمر مهما ذكرنا من أخطاء في تعامل الطلبة والباحثين مع المناهج البحثية فإن هذا لا ينسينا أن الحالة هذه نتاجها أمر واحد فقط، وهي الإهمال الذي يعاني منه البحث العلمي في بلداننا،وقد يقال كيف ذلك، لأن البحث لو كانت له قيمة فعلية واهتمام جاد، لما كان هناك بحوث تمرر في دراسات عليا لا تجد فيها أي ارتباط بين مقدمات ونتائج، أو بين الفصل ومباحثه أو بين الخطة والمضمون، أي أنه بإهمال كامل لمعاينة جدية ودقيقة للبحث العلمي طفت إلى الأعلى حالات عدم الاهتمام بمواد تدرس لا يمكن أن تكون لها أي قيمة أمام تدهور في نصوص بحثية أصحابها أبدعوا في كل شيء إلا في استعمال المنهج المؤدي إلى النتائج السليمة، ما دفع الكثير من الأساتذة وحتى الطلبة إلى عدم الاهتمام الجدي بهذه الأدوات العلمية والبحثية، ظنا من الجميع أن المناهج يكفي الاستئناس بها في صفحات المقدمة ولا نحتاجها في نهايات بحوثنا، بالإضافة إلى ربط المنهجية فقط بأساليب التوثيق العلمي واعتبارها هي المنهج والمنهجية وفقط.
وقد أضيف سبب آخر وهو التلقين النظري لهذه المناهج أو حتى للمنهجية البحثية، إذ أن الطالب لما يأخذ المنهج التاريخي ولا يطبق عليه بصورة سليمة وصحيحة وبإشراف الأستاذ المستوعب لهذه المناهج، فإن الفائدة المرجوة من تدريس هذه المناهج لا يمكن أن يتحقق، وهذا ما أثر بصورة مباشرة على استعمال المنهج العلمي أو البحثي في جامعاتنا.
إلا أن الخروج من عدم الاستيعاب والاستعمال لهذه المناهج البحثية ليس أمرا مستحيلا أو يحتاج إلى تنظير يطول ويعرض، بل إن الأمر يحتاج فقط إلى ربط للجانب النظري الذي يأخذه الطالب في حصص الأعمال الموجهة، وأن يتم تطبيقه بصورة علمية، وهنا يمكن أن يضاف إلى هذه التخصصات الاجتماعية والإنسانية حصصا وورشات تطبيقية أو حصص مخابر بحثية، يكون الغرض منها تكوين الطالب بصورة صحيحة في كيفية بناء الخطة البحثية والفرضية والسؤال والإشكالية واختيار المنهج ومن ثم آليات تطبيق المنهج الذي هو السبيل الموصل إلى نتائج تتوافق مع المقدمات أو تجيب على إشكالية البحث الرئيسية، أي أن الالتزام بالجانب النظري وبمحاضرات تلقى عن منهج دراسة الحالة، أو منهج تحليل المضمون دون أن يكون له فهم عملي أو تنزيل واقعي، فإن المشكلة ستزداد تفاقما أكثر مما مضى، وسيأتي اليوم الذي ستلغى فيه هذه (حصص المنهجية) بالأساس من مقررات جامعاتنا، لأن مناهج البحث العلمي حتى ذلك الوقت سيصبح يقال عنها أنه لم يعد لها أي أدوار تلعبها في تثمين البحث العلمي وترقيته وتطويره، بل هي روتين قد يكبل الباحث ولا يساعده، وهذا ما بدأت أسمعه وبكل صدق لدى كثير من الزملاء في ميادين عدة.
________________________________________
الهوامش:
1. محمد شلبي ، المنهجية في التحليل السياسي،ط1. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية ، 1997، ص 12
2. عامر مصباح، مهجية البحث في العلوم السياسية والإعلام،ط1.الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2008،ص 13
3. محمد شلبي، المرجع السابق الذكر، ص 13
http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=3204:2010-05-17-07-09-11&catid=24:sceintific-articles&Itemid=21
المصدر / معهد المناهج
اقرأ المزيد

الرؤية الإستعمارية لألكسيس دي توكفيل، الجزائر أنموذجا


إضافة صورة


الاثنين, 17 مايو 2010 14:57 أ. عفاف عنيبة
عثرت فى "الرسالة الثانية عن الجزائر" لألكسيس دي توكفيل* على الملامح البشعة للإحتلال الفرنسي عبر قلم وفكر رجل ينظر إليه على أنه أحد أكبر الشخصيات الفرنسية عبر القرون!! بعد شهور من مطالعتي للكتاب رأيت أن من واجبي أن أحرر مادة محاضرة حول الرؤية الإستعمارية لألكسيس دي توكفيل ومساهمته الفعلية في رسم معالم خطة إحتلال الجزائر. فالرجل إعتبر إستعمار الجزائر فرصة ذهبية لفرنسا لتقيم هناك مستعمرة نموذجية تحقق لبلده الإمتداد والنفوذ الضرورين لقوة فرنسا المتعاظمة.
1- النظرة الإستعلائية لألكسيس دي توكفيل:
أول ما يسترعي إنتباهنا عندما نقلب نظرنا في الفكر السائد في القرن السابع والثامن والتاسع عشر ميلادي في أوروبا هي نظرة الإستعلاء التي تطبع الفكر الغربي. فمفكرون وأدباء مثل الأديب السياسي ألفونس دي لامارتين أو فيكتور هوغو، أو ألكسيس دي توكفيل السياسي والمؤرخ وعالم الإجتماع نراهم يحللون ويفكرون وفق معايير تحقر من شأن الشعوب غير الأوروبية، معتبرين إياها خارجة عن السياق الحضاري والتاريخي لأوروبا مسيحية متقدمة ومتطورة في جميع المناحي الحياتية. ففكرة إحتلال الجزائر كانت تداعب مخيلة الكثيرين من رجال السياسة والفكر الفرنسيين بإعتبارهم في حاجة الى إمتداد جغرافي وإقتصادي وثقافي ليجلبوا ما سموه بالحضارة إلى الشعوب المتوحشة وهكذا محوا بجرة قلم الوجود الحضاري للدولة العثمانية والتي كانت آنذاك تعرف فترة انحطاط بالنظر إلى تخلي السلاطين العثمانيين عن قيم العدل والفضيلة وطلب العلم المستمدة من الشريعة الإسلامية ولجوءهم إلى محاولات إصلاح تارة رمزية وتارة أخرى مستنسخة من الغرب المسيحي العلماني والتي لا تتلاءم وخصوصيات ومكونات وعقيدة المجتمعات المسلمة التي كانت تنضوي تحت لواء الدولة العثمانية. فالتباين على مستوى التطور العلمي كان شاسعا بين أروبا النهضة والرحلات الإستكشافية والإصلاحات السياسية وبين عالم إسلامي إستبدت به الأهواء وقد تخلى عن سر إزدهاره لأكثر من 700 سنة ألا وهو العمل بمبدأ الإجتهاد والتجديد وفق متغيرات العصر وتحكيم مبدأ العدل وطلب العلم.
فذلك الإنحطاط الذي كان يسود ربوع العالم الإسلامي أتاح الفرصة لإستقواء أوروبا المسيحية الصليبية التي لم تغفر للمسلمين وحضارتهم ودينهم أنهم هددوها في عقر دارها بحيث وصلوا عبر البريني الفرنسية إلى بواتية وإلى أسوار فيينا في 1529م، حاملين معهم نظام وفلسفة حياة مخالفين لرسالة البابا والكنيسة الكاثولوكية في روما. فقد كانت هناك جماعتين تتنازعهما رغبة الإنتقام. المجموعة الأولي هي ما يسمي برجال الدين والكهنوت المسيحي التي أرفقت جيش فرنسا بجيش آخر من القسيسين والمبشرين المسيحيين والمجموعة الثانية السياسيين والمفكرين الفرنسيين الذين كانوا ينظرون إلى ما وراء البحر والأطماع تحدوهم في ضم أرض ودولة أزعجتهم سيطرتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط. فالنظرة الإستعلائية التي قادت رجال مثل دي توكفيل إلى تأليف رسائل حول كيفية مساعدة الدولة الفرنسية على إحكام قبضتها على الجزائر هي من كانت ولازالت وراء عدم إعتراف فرنسا بجرائمها وماضيها الإستعماري البشع في الجزائر وباقي مستعمراتها!!
وكما جاء في مقولته المشهورة "لا نستطيع أن نحكم أمة لمجرد أننا هزمناها." فقد كلفت السلطات الفرنسية المفكر دي توكفيل بدراسة المجتمع الجزائري بغية تسهيل إدارة الدولة الفرنسية لشؤون مستعمرتها الجزائر. فدائما ما تسند مهمة دراسات المجتمعات المزمع إحتلالها لرجال مستعدين للدوس على ضمائرهم وقيم الحق والعدل لينجزوا المهمة القذرة. وفي معظم الأحيان يغلب على هذه الدراسات طابع العنصرية بإعتبار أن الشرائح الإنسانية المدروسة ينظر لها كأنها جماعات لا إرادة لها ولا شخصية وحتى حينما يأخذ بعين الإعتبار عامل الهوية والإرادة المستقلة، نرى هذه الدراسات تدعو إلى كسر هذه الإرادة وطمس معالم الهوية وهذا ما وقع في الجزائر. فالجيش الفرنسي إصطدم بقبائل جزائرية وبسكان عاصمة لم ينكسروا أمام الإنسحاب العثماني وما بيعة الأمير عبد القادر الجزائري على قيادة القبائل في وجه جيش الإحتلال إلا تعبير صارخ عن الإرادة الصلبة للجزائريين بعدم الإعتراف بالهزيمة أمام فرنسا. وأورد فقرة جاءت في كتاب "تاريخ الجزائر": " وإن كانت الجيوش الفرنسية وجدت مقاومة عنيفة في ميناء سيدي فرج، فعندما دخلوا مدينة الجزائر وجدوها صامتة يسودها سكون رهيب ووجدوا أنها خالية وكانت دهشة الفرنسيين لهذه المقابلة عظيمة، إرتسمت أثارها على وجوههم وظهرت على حركاتهم. وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي الشهير كاميل روسيل (لم يحاول الفرنسيون أن يخفوا إنطباعات غريبة مع أن المدينة لم تكن خالية تماما فهنا تشهد تاجرا يقبع أمام دكانه المغلق، وهناك تلمح أشباح نساء إسرائيليات فوق سطوح المنازل، وفي ملتقي الطرق، كانت جماعات قليلة من الجزائريين والأتراك تدخن في صمت ثقيل) ولئن كانت هذه المناظر كلها تمثل للفرنسيين مشاهد للفرجة إن الجزائريين لم يعيروا الفرنسيين أدنى إهتمام، وكأنهم لم ينتبهوا فعلا لوجودهم. ثم قال كاميل روسيل: إن هذا الإحتقار الواضح الذي قوبل به جنود الإحتلال الفرنسي هو الذي جعل هؤلاء المنتصرين، يستغربون ويتعجبون من هذا الوضع. لقد كان هذا المنظر من مظاهر الإحتفاظ بالكرامة، وهذا الهدوء الرزين الذي لجأ إليه الجزائريون، هو الذي أقلق الفرنسيين إذ بدا لهم كأنه تحد جارح لإنتصارهم."
2- أكذوبة المهمة الحضارية لفرنسا:
ونبدأ بأول جملة تكشف القناع عن المهمة الحضارية لفرنسا فى الجزائر: "عندما نكون قد تعرفنا على اللغة، الأحكام المسبقة وتقاليد العرب، وبعد ما نكون قد ورثنا إحترام الرجال، الإحترام الذي يحملونه دائما نحو حكومة مستقرة، سيكون متاح لنا أن نعود شيئا فشيئا إلى عاداتنا وفرنسة البلاد من حولنا." هذا ما كتبه ألكسيس دي توكفيل فرنسة البلاد! فرنسة الجزائر، فرنسة الشعب الجزائري ولا يفهم من الفرنسة فقط تثبيت اللغة الفرنسية على اللسان الجزائري بل تتعدى مهمة الفرنسة إلى التمسيح وهذه شهادة للسفير التركي المتقاعد السيد أونارت :"عندما زرت الجزائر، إسترعى إنتباهي وأنا أتجول فى طول وعرض هذا البلد حرص المحتلين الفرنسيين على تشويه معالم العمران الجزائري الأصيل بوضع أمام المساجد والبنايات ذات الطابع الإسلامي بنايات وعمران ذات طابع غربي فرنسي صرف وهذا في محاولة منهم لطمس معالم الشخصية الجزائرية المسلمة!" فالإحتلال الفرنسي كان أحد أبشع أنواع الإستعمار فقد هاجم منذ البداية أسباب تماسك ووحدة الشعب الجزائري والنتيجة كانت فظيعة بحيث كاد هذا الشعب تحت ضربات الفرنسة والتمسيح أن يفقد أسباب عزته ورموز هويته ومضامين إنتماءه الديني. غير أن القدر وإرادته الذاتية في المقاومة نجحت في إنتشاله من الجب الذي أوقعته فيه سياسة فرنسا الرامية إلى سلخه عن جذوره. إلا أن سياسة السلخ التي عملت فرنسا على نهجها تجاه الشعب الجزائري بكل فئاته، تصدى لها كبار المفكرين والأدباء الفرنسيين، ففيكتور هوغو كان ينظر إلى الجزائر على أنها أرض تقطنها مجموعة من المرتزقة والقرصان!! فكان يرى وهو الساخط على مستوى تدني الحريات فى بلده فرنسا، أقول كان يرى فيكتور هوغو أن فرنسا لها دور تنويري فى الجزائر!!
ومن حق الشعب الجزائري على أمثاله من شعراء وكتاب ومفكري فرنسا أن يأخذوا بيده ليخرجوه من حالة التوحش الذي كان عليها ليصل إلى بر الأمان بفضل علم وثقافة فرنسا الراقية!! مدهش!! نحن من إفتتنا بأشعار فيكتور هوغو بمصائب غفروش رمز الثورة الفرنسية ومعاناة جان فال جان فى رائعته "الأشقياء" هذا الرجل الفرنسي لم يستطع إخفاء الوجه القبيح الخفي للإستعمار والعنصرية والحقد الصليبي على الجزائر وشعبها. فما تكبدناه على مدى قرن وثلاثة عقود من الإحتلال الوحشي لا نستطيع أن نستعرضه في بضعة صفحات، فأخطر ما نعانيه إلى حد اليوم هو حالة الإستلاب التي تعيشها الشخصية الجزائرية، فنشأت أجيال الإستقلال مبتورة الجذور أو هكذا أريد لها. فهي لا تحسن الحديث باللغة العربية ولا ترى في إنتماءها لدين الإسلام وحضارته إستردادا لمكونات شخصيتها التي عملت فرنسا الإحتلال على إقتلاعها بقوة الحديد والنار تارة وبسياسة الحيلة والمكر تارة أخرى. فصار الجزائري متغربا وغريبا على ذاته وهذا بإرادة قسرية منه، فألكسيس دي توكفيل كان يرى أن الجزائر أرض صالحة للإستغلال ولمد فرنسا بقوة عسكرية وسياسية ستسهل عليها مهمة الإستيلاء على بقية أجزاء العالم الإسلامي الذي كان يعرف إنحطاطا رهيبا. والتنافس كان على أشده بين فرنسا والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بريطانيا العظمى!! فالرجل كان مقتنعا تماما بأنه بوسع فرنسا إستعمال وسائل أخرى غير الحرب لكبح جماح الشعب الجزائري وإحكام قبضة الإحتلال عليه، فهو كعالم إجتماع ومفكر كان يري في تشريح المجتمع الجزائري بتسليط الضوء الشديد على تركيبته الإجتماعية وعلى منظومة قيمه وخصائص دينه، إمكانية ترويضه دون الحاجة إلى سلاح العسكر الفرنسي. لهذا حرص دي توكفيل على مساندة مهمة فرنسا الإستعمارية بدراسة المجتمع الدراسة العلمية التي سنكتشف فيما بعد أنها كانت أقوى سلاح في أيدي فرنسا الإستعمار لتتمكن من مواجهة عداء الجزائريين لوجودها والذي عمل بعضهم على الإلتفاف حول الأمير عبد القادر ضد فرنسا والبعض الآخر تمترس خلف الباي أحمد في قسنطينة وبعضهم فضل مواجهة جيوش الإحتلال بالرجوع إلى إمكاناته الذاتية وخبراته ولنا في مقاومة البطلة لالا تسومر أفضل مثال على ذلك.
من بين الملاحظات الخطيرة التي دونها دي توكفيل في رسالته الثانية وهي تتعلق بجهل فرنسا لواقع الجزائر آنذاك، أرد لكم هذه الفقرة (لم تكن لدينا أي فكرة واضحة عن مختلف الأعراق التي تقطن بها ولا أخلاقهم، لم نكن نعرف كلمة عن اللغات التي كانت تتكلمها شعوبها، البلد ذاته، ثرواته، أنهاره، مدنه و مناخه لم نكن نعرف شىء عن كل هذا...) ما يهمنا من هذه الفقرة حديث دي توكفيل عن إختلاف الأعراق واللغات والشعوب، ألا يتهيأ لكم أن الرجل لم يكن يتكلم عن الجزائر بل عن بلد كما كان يريد أن يراه هو؟ منذ متى كان ينظر الشعب الجزائري فى 1830 إلى نفسه أنه عدة أعراق وعدة شعوب وله عدة لغات في وقت واحد ؟ فهذا محض خيال. نعم كانت هناك تعددية عرقية في الجزائر ولكن في ظل الإسلام كان الناس إخوة في الله ولا فضل على بعضهم البعض إلا بالتقوى، و كيف يوصف شعب وحده الدين إلى عدة شعوب؟؟؟ و كيف تعددت اللغات التي كان يتحدث بها بينما كانت العربية هي اللغة التي تربط بين كل الجزائرين على إختلاف أعراقهم ومشاربهم. فاللغة العربية كانت لغة بلاط الأمير عبد القادر الجزائري وهو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، فكيف بهذا الفرنسي دي توكفيل يزعم أن للجزائر عدة شعوب وأعراق وعدة لغات؟ نحن نشهد عبر هذه الفقرة تصميم الإستعمار الفرنسي المبكر في تشتيت وتجزأة وتفرقة ما كان يمثل وحدة متماسكة. فمفتاح السيطرة لدى القوى الإستعمارية كان الإحتكام إلى سياسة فرق تسد. فالمفكر السياسي الفرنسي تعمد تجاهل عامل جد مهم في الهوية الجزائرية، أن الحماية العثمانية للجزائر كانت مسلمة وأن غالبية السكان من بربر كانوا يدينون بالإسلام، والخلافات التي كانت تنشب من حين إلى آخر بين رموز الحماية العثمانية وبين رؤساء القبائل لم تتحول قط إلى نزعة جماعية للجزائرين إلى التخلص من الوجود العثماني. فإستنجاد الجزائريين بالعثمانيين في القرن الخامس عشر لمواجهة الإحتلال الإسباني عبر في الأساس عن الوعي التام للجزائريين بأن ما يهمهم قبل كل شيء هو أن تبقي أرضهم تحت راية الإسلام أمام الإعتداءات الصليبية الإسبانية المتكررة على السواحل الجزائرية، وتوجه الجزائريين إلى قبطان عثماني ماهر كخير الدين عروج (و هو من أصول يونانية وأسلم مع إخوانه) مكنهم من إنقاذ جزء كبير من أراضيهم وإنتزاعها من أيدي الإسبان. ولنعود الى محتوى الفقرة المذكورة في الأعلى لنستشف الإرادة المبيتة لدى توكفيل في خلق على الأرض واقعا مختلفا عما كان عليه قبل الإحتلال الفرنسي للجزائر ولا ينبغي لنا أن ننسى أن الجيش الفرنسي في بداية غزوه للجزائر تمركز في المناطق الساحلية وجيوب ضيقة من الداخل، مما جعله يستنجد بأمثال دي توكفيل ليرسم له الخطوات القادمة في توغله داخل الأراضي الجزائرية. أول ما عمل الرجل على تبيانه هو معرفة خصائص وصفات سكان الجزائريين وأظهر عبر ما قاله آنفا الرغبة الدفينة في البحث عن نقاط القوة والضعف لمختلف الجماعات البشرية وإظهار الكيفية التي ستسهل على المحتلين عملية الإحتلال دون إراقة كبيرة لدماء جنودهم !!
سيصطدم قارىء الرسالة الثانية عن الجزائر بتشخيص مريب، منذ البداية كان التصنيف البشري لسكان الجزائر قائم على نية غير بريئة، فهؤلاء بربر وأولئك عرب فنقرأ هذه الفقرات: "القبائلي إيجابي أكثر أقل إيمانا وأقل حماسة بكثير من العربي، فعند القبائل الإنسان هو تقريبا كل شيء والمجتمع تقريبا لا شيء وهما أبعد للإنصياع بشكل جماعي لقوانين حكومة واحدة شكلت منهم على أن يتبنوا نظامنا." و هذا الوصف ظالم لإخواننا البربر لأن أهم المماليك التي توالت في الجزائر منذ الفتح الإسلامي كانت بربرية بالأساس، لماذا هذا الوصف الخبيث الذي يريد أن يوحي لنا صاحبه بأن أبناء جرجرة أسهل على التطويع و التدجين من بقية إخوانهم الجزائرين؟
ثم إن الرجل أوهمنا بأن الدولة العثمانية تركت بلدا ضعيفا واهنا تعمه الفوضى والأحقاد، كيف نفسر إذن تفكير الجزائريين في بحثهم عن زعيم يترأسهم لمواجهة الغزاة؟ فالجزائريون لم يضيعوا وقتهم في محاسبة العثمانيين وتخلفهم عن ممثليهم في الجزائر الذين بذلوا ما بذلوه لصد العدوان، بادروا فورا إلى لم صفوفهم وجمع الأنصار حول لواء المقاومة والصمود. هذا ما كانت عليه الأوضاع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في وطننا. بل كان هناك إيثار فريد من نوعه، ألم يتنازل والد الأمير عبد القادر لصالح إبنه وطالب قبيلته وبقية الوجهاء بمبايعة عبد القادر الجزائري؟ ألم يلتف سكان الشرق حول الباي أحمد ذو الجذور التركية الجزائرية؟ بل ذهب ألكسيس دي توكفيل الى نقد سياسة فرنسا في إعطاء الأمير والباي سلطة على أراضي ومساحات شاسعة في الغرب والشرق والصحراء، فهو لم يكن راض على هذه السياسة وكما قال" إذا ما تنازلنا لهم عن كل هذه الأراضي فنحن نقوي شوكتهم وهذا غير مقبول!" وهذه إحدى الأسباب الرئيسة في تقسيم وزرع بذور الفتنة وسط شعب واحد، فألبوا جزائريين ضد بعضهم البعض وعولوا بشكل كبير على دور الخونة والعملاء وعلى حفنة من المنبهرين بقوة فرنسا وتطورها.
فأقترح توكفيل إنشاء دولة تعمل لحساب فرنسا في الجزائر، محذرا من فوضى القبائل وإنقلاباتها. تحصين الحدود هذا هم آخر عمل الرجل على ضمانه. وفي معرض حديثه عن الموضوع قال حرفيا:
"علينا أن نعود هؤلاء العرب على تدخلنا في شؤونهم فيألفوننا. لأنه بإستطاعتنا تخيل أن شعب متحضر مثل الشعب الفرنسي ودرجة تقدمه قادر على التأثير بشكل لا يقاوم على تجمعات بشرية شبه وحشية فيجبرها على الإندماج فيه !!" الشعب الذي سيطر على حوض البحر البيض المتوسط والذي أرغم الجيش الفرنسي عدة مرات على التقدم والإنسحاب والتراجع يوصف بأنه شبه وحشي! ووحدها أنوار فرنسا المتقدمة تفرض عليه الإندماج والرضوخ للإنضمام إلى فرنسا الحضارة. وهذا ينم عن تجاهل صارخ لتاريخ الجزائر وأسباب قوتها الداخلية والخارجية. فمهما إختلفت القبائل فيما بينها لم تكن مستعدة للسماح للأجنبي بالسيطرة على البلاد. و الأرض التي كان يقتات من قمحها شعب فرنسا المتنور يستحيل عليها أن تنجب شعب من المهزومين والمتواكلين. والقروض الممنوحة للدولة الفرنسية من طرف الدولة الجزائرية ألم تكن تمثل وجه من وجوه الثراء والإستقرار؟ كيف تختزل كل هذه العوامل ليلصق بالجزائر وشعبها وصف قبيح كهذا "تجمعات بشرية شبه متوحشة ؟" هل هي ذهنية الغربي المتعالية والتي ترى دائما في الآخر، مستوي متدني من الإنسانية؟
عمد منذ البداية دي توكفيل الى الحط من شأن سكان الجزائر، بغية تسهيل عملية إخضاعهم. حذر من المخاطر التي تنجم عن تجاوز الواقع كما هو لكنه أعطى المبررات الكافية لجعل هذا الشعب سهل الإنقياد. فحلمه في أن يجعل الشعب الفرنسي والشعب الجزائري شعبا واحدا يتماهي وفكرة ذوبان الثاني في الأول وهذا ما تطالب به فرنسا القرن الواحد والعشرون مهاجريها المسلمين. هل إستساغ الجزائريون هذا المنطق الأخرق؟ أظهروا بما لا يدعو للشك مقاومتهم العنيفة لمثل هذا المنطق. فالجزائري سيظل جزائريا والفرنسي فرنسيا. فهو في موضع يشنع بتنازلات فرنسا كما كان يتهيأ له وفي موضع آخر يدعو للإستفادة من إختلاف الأمزجة والطباع بين أبناء الشعب الواحد لإمتصاص غضبهم وإستغلال كل ما من شأنه أن يضاعف في قدرة فرنسا على الهيمنة والسيطرة. وهو القائل في رسالته:"تقضي مصلحتنا أن تكون هناك حكومة واحدة عند العرب، مصلحتنا أكبر أن لا نتركهم تحت سلطة حاكم واحد. لأن الخطر سيفوق مصالحنا. فيهمنا كثيرا أن لا نترك العرب في فوضي، والذي يهمنا أكثر أن لا نسمح لهم بأن يصطفوا في جبهة واحدة ضدنا." فعارض القضاء على سيادة بعض القبائل المستقلة عن حكم الأمير عبد القادر بل شجع على دفع القبائل إلى المزيد من الإستقلال و الإنفصال عن بعضهم بعض، ففي التفرقة أمن لفرنسا وضمان لمصالحها. فقبول دي توكفيل بمبدأ إحترام إستقلالية بعض الجماعات والتحكم فيها بشكل غير مباشر ما هو إلا طريقة ذكية في كسب ودهم وولاءهم. فعن أي تقدم وأي حضارة نعم بها الشعب الجزائري في ظل الإستعمار الفرنسي البغيض؟ هل هي أوهام منتصرين متغطرسين أم أنها أحلام لمرضى بعقدة التفوق؟
3- تناقضات ألكسيس دي توكفيل:
حاول منذ البداية أن يشجب الحرب كوسيلة للإستيلاء على الأراضي، واصفا ذلك بما يلي: "عدت من إفريقيا بإنطباع أننا نخوض حرب بشكل بربري أكثر من العرب أنفسهم! لم نكن في حاجة لنعوض الأتراك لنكرر ما جعل العالم يمقتهم. فهذا بالنظر إلى المصلحة مضر غير مفيد. كثيرا ما سمعت في فرنسا رجال أحترمهم ولا أؤيدهم أدانوا حرق المحاصيل وسجن المجردين من السلاح من الرجال و النساء والأطفال. فهذه أمور بالنسبة لي أشياء ضرورية و مقرفة. غير أنها لازمة لأي شعب يحارب العرب. أظن أن حق الحرب يجيز لنا حرق المحاصيل في مواسم الحصاد وفي كل الأوقات علينا القيام بهجومات نستولي فيها على الرجال والماشية." هذا الكلام لرجل يمقت الحرب ومعارض للإستعباد وإبادة الهنود !! هذا التناقض العجيب بين قناعات متضادة دلالة على الحكم بمقياسين وميزانين. فما يصلح لهؤلاء لا يصلح لأولئك. أودت هذه الإزدواجية بمصداقية المؤسسة السياسية والعسكرية الغربية. فقد كان يري دي توكفيل أن الإستعمار الفرنسي يصطدم بثلاث عقبات رئيسية وهي على التوالي:
1- سيطرتهم على الإنديجانا ( الأهالي السكان الأصليين)، حدود هذه السيطرة، وسائلها و مبادئها.
2- إدارة الأوروبيين، حدودها و ضوابطها.
3 - الإستيطان، مكانه، أشكاله و طرقه. فهو كان يري أنه كلما سنحت الفرصة لمعرفة البلاد وسكانها الأصليين ستظهر ملحة الفائدة والحاجة الى إستقرار شعب أوروبي في أرض إفريقيا وفي هذا السياق لا خيار لهم ولا قرار!
إرتبطت الرؤية الإستعمارية دائما بحاجة الغرب في إستغلال ثروات الآخرين. يعتقد الغرب المؤسساتي أن ليس هناك أفضل من الحضارة الغربية لقيادة وإدارة العالم هكذا دون إستشارة وتفويض من أحد! والصدام الذي ينجر عن مثل هذه المواجهة غير المتكافئة ولد حالة إختلال مستديمة. فمن جهة حضارة ودول وجيوش على درجة عالية من التقدم والعنجهية وفي الجهة المقابلة شعوب وحضارات مغلوبة على أمرها متخلفة ومتعطشة للحرية والمساواة. ويستحيل عندئذ أن تنمو علاقة طبيعية بينهما، هذا ما إنعكس على شخص ألكسيس دي توكفيل. في سعيه للإستفادة من تجربة الديمقراطية الناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية نراه يشيد بتجربة فذة في نظره هذا وعندما قرر الإستجابة لطلبات الحكومة الفرنسية لتقديم دراسة حول إمكانات نجاح الحملة الفرنسية على الجزائر، قفز همه مباشرة إلى إعتبارات أنانية تسحب الحضارة على بني جنسه و تنفي على الآخرين صفة النضج و الأهلية. قام فكره على مقومات عنصرية شئنا ذلك أم أبينا. ففي نظره يصلح وحده مع العرب الحرق والسبي والمعاملة الإنسانية اللائقة حكر على مساجين أمريكا !! دي توكفيل إبن بيئته وفكره نابع عن إتجاهات فكرية وفلسفية سادت القرن السابع و الثامن والتاسع عشر في أروبا النهضة والثورة الصناعية. بالرغم أنه كان بإمكانه أن يضع نفسه في منأي عن تأثيراتها إن أراد ذلك حقا. هنا يجدر بنا طرح أسئلة جادة : هل الحرية مفهوم إنتقائي ينطبق على هذا الشعب دون الآخر، على جنس دون آخر؟ هل فلسفة الأنوار وصفة ناقصة ؟ هل مباديء المساواة والعدالة قيم نسبية تتعاطي مع الأوضاع والشعوب بمزاجية ؟ هل التفوق الحضاري رخصة إمتياز لدول دون أخري؟ هل نجانب الحقيقة إذا ما قلنا أن التاريخ الإستعماري حول حقوق طبيعية وبديهية إلى حقوق مكتسبة ومستحقة ؟ تفتح لنا هذه الأسئلة آفاق واسعة ولا يسعنا الولوج إليها إلا بنهج الموضوعية و الإنصاف.
الخاتمة :
أختم بهذا الإقرار أو الإعتراف لألكسيس دي توكفيل: " أصبح السكان المسلمون أكثر شقاءا ووحشية وفوضوية مما كانوا عليه قبل أن يتعرفوا علينا./.../ لا يجب أن نكره الإنديجان على إرسال أبناءهم لمدارسنا. لنعينهم على رفع مستوي مدارسهم. و على مضاعفة عدد معلميهم، و على تكوين رجال قانون ودين والتي لا تستغني عنهم الحضارة المسلمة كما هو الحال معنا." هذا الكلام لرجل داهية كما وصفه أوليفي لاكور غراند ميزون في كتابه القيم " إستعمروا... أبيدوا" ظاهر كلامه نوايا طيبة وباطنه ما هو إلا تعبير عن رغبة في المزيد من إحكام قبضة الإستعمار الفرنسي على السكان الأصليين الجزائريين المسلمين، فقد كان ينظر إلى كل وسيلة تعزز من تسلط وهيمنة الفرنسيين على مصير الإنديجانا. فالسياسي الفرنسي دي توكفيل طوال تعامله مع الحالة الجزائرية إنطلق من رؤية عنصرية لا تؤمن بحق الآخر في تقرير مصيره بشكل مستقل ووصف الوصاية الفرنسية كشرط ضروري لإستقرار جنوب البحر الأبيض المتوسط.
هكذا نختم هذا البحث المتواضع الذي أردناه محاولة منا لإستجلاء معالم فكر مهد وقنن لظاهرة الإستعمار الغربي الصليبي لمساحات شاسعة من العالم العربي الإسلامي وإن إنسحب عسكريا هذا الإستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي فهو بقي ثقافيا وسياسيا وإقتصاديا عبر نخب منسلخة تسلمت مقاليد الحكم لتستمر في أداء وظيفة الإستعمار البغيض والذي زاد الأوضاع سوءا تخلف العالم العربي الإسلامي عن ركب الحضارة و المشاركة الواعية في النهضة العالمية لتفرض عليه فرضا عولمة صليبية صهيونية محاربة لقيمه الإسلامية.
________________________________________
* ولد في 1805 و مات في 1859 هو رجل سياسة و عالم إجتماع و مؤرخ فرنسي. من أشهر مؤلفاته "الديمقراطية في أمريكا". نستطيع أن نقول بأن حياته و أعماله جعلت منه أكثر المفكرين تمثيلا لعصر تموقع بين النظام القديم وفرنسا ما بعد الثورة.


المقال مقتبس من موقع معهد المناهج
اقرأ المزيد

الأحد، 9 مايو 2010

مقارنة بين السياسة الخارجية الألمانية والأمريكية: تباين في المحددات والأهداف

محمد ابوغزله

ghazlehm@yahoo.com

الملخص

تهدف هذه الدراسة إلى معرفة مدى انعكاس العوامل الداخلية والخارجية على التباين العام في السياسة الخارجية الأمريكية والألمانية. وقد تم تحليل هذه العوامل وفقا للأطر النظرية المعروفة لمستويات تحليل السياسة الخارجية الثلاث: مستوى النظام الدولي، حيث يشكل هيكل النظام الفوضوي، وطبيعة توزيع القوة داخلة دورا هاما ومحددا أساسيا على السياسة الخارجية الألمانية مقارنة بتأثير اقل على أمريكا بسبب امتلاكها القوة الشاملة من جهة، ومن ثم سيطرتها الأحادية على هذا النظام من جهة أخرى. والمستوى الوطني الداخلي والذي يتمثل في صناع القرار على المستوى الرسمي، والفواعل الاجتماعية كالإعلام وجماعات المصالح على المستوى الاجتماعي غير الرسمي. ومن الواضح وجود اختلاف في طبيعة النخب الحاكمة ونظرتها لدور بلادها على الساحة الدولية، وقد يكون هذا انعكاسا لاختلاف السياق التاريخي والاجتماعي الذي تطورت فيه كل من الدولتين بعد الحرب الثانية. كما أن لجماعات المصالح تأثيرا اكبر على السياسة الخارجية الأمريكية بحكم قدراتها وقوتها المادية من جهة، وارتباطها بالنخب السياسية وصناع القرار في المستويات المختلفة من جهة أخرى. وهناك مستوى مؤسساتي يتعلق بالمنظمات الدولية والأحلاف العسكرية التي تعمل فيها كل من الدوليتين، مثل الأمم المتحدة والناتو. ويبدو واضحا أن تأثير الأمم المتحدة كمحدد للسياسة الخارجية الألمانية اكبر بكثير مما هو الحال بالنسبة لأمريكا لأسباب من أهمها أولا تمتع الأخيرة بحق النقض، وثانيا امتلكها لقدرات عسكرية واقتصادية هائلة، ومن ثم ثالثا سيطرتها شبه المطلقة على النظام الدولي. أما بالنسبة للناتو فيكاد يكون مدى التأثير متساويا إلى حد كبير بسبب تمتع كل من الدولتين بحق النقض داخله. ومع ذلك فان للحلف تأثيرات اقل تقييدا على السياسة الخارجية الأمريكية لأن الولايات المتحدة تملك القدرة على تحدي إرادة وقرارات الحلف حتى في حالة الإجماع الأوروبي، كما أنها غالبا ما تميل إلى العمل المفرد، وبالتالي فإنها غاليا ما تحاول توريط الحلف في نزاعات ليس لأعضائه الآخرين في الأساس دور فيها. أما ألمانيا فهي تميل دائما إلى العمل الجماعي، وتعمل غالبا على إيجاد موقف أوروبي مشترك خاصة في مجالات الدفاع والسياسة، ولهذا فان للحلف دور مقيد اكبر على السياسة الخارجية الألمانية. وكنتيجة نهاية فان التباين بين السياسة الخارجية الألمانية والأمريكية يعود في مجمله إلى الاختلاف في أهداف هذه السياسة، والتصورات المتعلقة بما يجب أن تقوم عليه العلاقات الدولية من جهة، والتباين الكبير في القدرات والإمكانات من جهة أخرى.

مقدمة

تعتبر العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا واحدة من أكثر العلاقات الثنائية أهمية في العالم. فهي علاقة بين دولتين متحالفتين أمنيا من خلال الناتو، وبينهما تعاون مشترك في مختلف المجالات السياسة والاقتصادية والعلمية. ومع ذلك فقد أظهرت الأحداث المتلاحقة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر أن هناك تباينا واضحا بين الدولتين بشان العديد من المسائل الدولية وطريقة التعامل معها. وقد انعكس هذا في سياسة خارجية مختلفة في التصورات والأهداف والوسائل. ولعل هذا الاختلاف يعود إلى حد كبير إلى التباين في المدى أو الإطار المتاح الذي تعمل ضمنه كل من الحكومتين الأمريكية والألمانية. وهذا الإطار محكوم بدوره بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تُمثل في الواقع محددات للسياسة الخارجية لكلا الدولتين. ولهذا لا يمكن فهم التباين بين السياسة الخارجية الألمانية والأمريكية بدون تحليل هذه المحددات ومعرفة مدى تأثيرها في صناعة وتوجيه هذه السياسة. تهدف هذه الدراسة إلى أولا، شرح الأطر النظرية لمحددات السياسة الخارجية عند مستوياتها الخارجية والداخلية: محددات خارجية ترتبط بهيكل النظام الدولي والمنظمات الدولية الرئيسية التي تشارك فيها الولايات المتحدة وألمانيا، وأخرى داخلية تتعلق بصانع القرار، والفواعل الاجتماعيين غير الرسميين كالإعلام وجماعات المصالح؛ ومن ثم ثانيا استكشاف مدى تأثير وانعكاس هذه المحددات على السياسة الخارجية للدولتين. وتنبع أهمية هذه الدراسة من أنها تساعدنا على تحقيق فهم أفضل لدوافع السياسة الخارجية لكلا الدولتين، من جهة، ومن ثم تُسَهَّلُ عملية التنبؤ بسلوكهما الخارجي أو مواقفهما من أية مسائل وقضايا إقليمية أو عالمية قد تحدث في المستقبل، من جهة أخرى.

أولا. الإطار النظري لمحددات السياسة الخارجية

تتأثر صناعة وممارسة السياسة الخارجية للدول بمحددات داخلية وخارجية متعددة. ويمكن مناقشة هذه المحددات عند ثلاث مستويات لتحليل السياسة الخارجية للدول، وهي مستوى النظام الدولي، والذي يشمل هيكل النظام وما إذا كان فوضويا أو تراتبي، وطبيعة توزيع القوة بين فواعله و ما إذا كان -وفقا لهذا التوزيع- ثنائيا أو أحاديا أو متعدد الأقطاب؛ والمستوى الوطني الذي يشمل صانع القرار وطبيعة النظام السياسي على المستوى الرسمي، وجماعات المصالح والإعلام والرأي العام على المستوى الاجتماعي؛ وهناك مستوى ثالث يتضمن الهياكل المؤسساتية الثنائية أو الجماعية التي تشارك أو تتفاعل الدول في إطارها كالمنظمات الدولية و التحالفات أو الاتفاقيات الجماعية و الثنائية.[1]

1. مستوى النظام الدولي: ويتناول هذا المستوى من التحليل موقع الفواعل- أي الدول- وترتيبها في النظام الدولي من جهة، وطبيعة توزيع القوة داخل هذا النظام من جهة أخرى. وينقسم هذا المستوى فعليا إلى مستويات فرعية ثلاث وهي الهيكل العميق، والهيكل ألتوزيعي، والهيكل المؤسساتي.[2]

أ‌. الهيكل العميق: يتميز هذا المستوى- بفروعه المختلفة- بمتانته أو بثباته النسبي. ويتكون بشكل أساسي من عنصرين: العنصر الناظم والعنصر الوظيفي. الأول يشير إلى طبيعة المبدأ العام الذي يحكم أو يميز النظام الدولي: أي هل هو فوضويا أم هراركي تراتبي. وفي هذا السياق يتميز النظام الدولي القائم بأنه فوضوي، أي انه ببساطة يفتقد لأية سلطة مركزية أو حكومة عالمية تملك القدرة والصلاحيات للمحافظة على الأمن والاستقرار الدوليين، وللسهر على تطبيق القوانين والاتفاقيات الدولية. وغالبا ما تُعزى فوضوية النظام إلى مسالة السيادة التي تتمتع بها الدول، وهذا الافتراض يكاد يكون سمة مشتركة لكل أشكال النظريات الواقعية أو نظريات القوة.[3] لكن الفوضوية وفقا لهذا الافتراض لا تعني بالضرورة انعدام النظام. فمفهوم الفوضوية على ارض الواقع يأخذ أشكالا يمكن للدول في إطارها أن تتعاون وان تحل العديد من النزاعات فيما بينها. فهناك قوانين و معاهدات دولية تنظم إلى حد ما العلاقات بين الدول في المجلات المختلفة السياسة والاقتصادية والأمنية-على الرغم من عدم فاعليتها أحيانا، وعدم الالتزام بها أو تطبيقها من قبل بعض الدول خاصة الكبرى، أحيانا أخرى.

أما العنصر الثاني وهو الأداء الوظيفي للوحدات، فهو يشير، وفقا للواقعية الجديدة أيضا، إلى أن الدولة متشابهة في أداها وعملها الوظيفي في النظام الدولي لأنها تمتع بالسيادة[4] ، وهو ما يعني أن الدول ذات السيادة تتصرف بشكل متشابه، بينما تتصرف الدول غير المساوية في السيادة بشكل متباين . إلا أن هذا الافتراض يلقى الكثير من الانتقاد، خاصة وان الواقع يشير في كثير من الأحيان إلى عكس هذا. فالنظام الدولي الحالي يتكون من دول متباينة في السيادة ولهذا فإنها تؤدي وظائف مختلفة ضمن هذا النظام. وهذا ينطبق بشكل واضح على حالة ألمانيا والولايات المتحدة. فعلى الرغم من تمتع الدولتين بالسيادة فإنهما مختلفين في الوظيفة على المستوى الدولي. فتمتع الولايات المتحدة بقدرات هائلة ومكانتها الدولية المرموقة يجعلها اقدر على ممارسة وظائفها على الساحة الخارجية، ومن ثم تحقيق مصالحا وتنفيذ رغباتها، على عكس ما هو الحال بالنسبة لألمانيا.

ولدعم هذا الافتراض نأخذ نظريات العولمة للعلاقات الدولية بإشكالها المختلفة (نظريات التبعية والنظام العالمي) والتي ترى بان الدول القومية غير متساوية وغير متشابهة وان تساوت شكليا في السيادة لأنها مختلفة في القدرات، وبالتالي فإنها تودي وظائف مختلفة ليس فقط في المجال الاقتصادي واستغلال الموارد وإنما أيضا في المجال السياسي و الأمني. فالدول غير القادرة على القيام بوظيفة سياسية كاملة هي في الواقع عرضة لأشكال متعددة من النفوذ والتأثير من الآخرين. وهو ما يدفعها إما إلى إتباع منهج الاعتماد على الذات لضمان حاجاتها الأمنية وهذا أمر نادر، أو تضطر كبديل إلى تعزيز التعاون مع غيرها من الدول وفق إطار الأمن الجماعي، كما هو الحال بالنسبة لألمانيا وأمريكا في إطار الناتو. حتى أن بعض الدول خاصة الضعيفة أو الصغيرة قد تضطر أحيانا للتخلي عن جزء أو حق من حقوقها السيادية لأسباب اقتصادية أو لضمان مساعدات مالية. وهذا يعني أن الدول المستقلة متشابهة من حيث أنها تتمتع نظريا وشكليا بالسيادة، إلا أنها ووظيفيا وعمليا مختلفة، وبالتالي فان أداءها السياسي على المستوى الخارجي يختلف باختلاف الإمكانات و القدرات.

ب‌. الهيكل التوزيعي: هذا الهيكل يمثل المستوى الفرعي الثاني من مستويات هيكل النظام، و يتناول بالتحديد توزيع القدرات التي تتمتع بها الوحدات داخل النظام. بمعنى آخر فان هذا المستوى يشير إلى طبيعة توزيع القوة عبر النظام ، وبالتالي فان النظام الدولي وفقا لهذا التوزيع قد يكون أحاديا (في حالة وجود أو سيطرة دولة عالمية واحدة على النظام الدولي) أو ثنائي (في حالة وجود قوتين عظتين) أو متعدد الأقطاب (في حالة وجود أكثر من دولتين عظميتين).[5] والهيكل التوزيعي عرضة للتغير والتحول أكثر من التغير والتحول في مستوى الهيكل العميق. ومع ذلك فان التحولات في الهيكل التوزيعي ربما يكون لها تأثر كبير على كل من النظام الدولي والوحدات أيضا. ولعل تحول النظام الدولي القائم من ثنائي خلال الحرب الباردة إلى آحادي فيما بعدها خير دليل على هذا الافتراض. وقد كان لهذا التحول تأثيرات جوهرية وانعكاسات خطيرة على مكانة وسلوك العديد من القوى، فهناك دول صاعدة كالاتحاد الأوروبي و الصين واليابان، يُتوقع أن يكون لها دور اكبر في النظام الدولي. كما كان لهذا التحول آثار أخرى تتعلق بالأبعاد المتشعبة لكل من الأمن الوطني والدولي على حد سواء. فالمفهوم العسكري التقليدي للأمن تغير الآن وأصبح يشمل عناصر اقتصادية وحتى أبعادا اجتماعية. كما أن أثار الهيكل ألتوزيعي يمكن رؤيتها وتتبعها أيضا عند مستويات التحليل الأخرى الوطني والتفاعلي.[6]

ت‌. المستوى المؤسساتي: المستوى الفرعي الثالث من مستوى هيكل النظام الدولي هو الهيكل المؤسساتي. يتناول هذا المستوى التفاعلات الثنائية أو الجماعية بين الدول ضمن الأطر أو الهياكل المؤسساتية التي تشترك فيها. وعادة ما يؤدي تكرار هذه التفاعلات إلى تشكيل أنماط تؤثر على سلوك الدول الخارجي. وهذه الأنماط قد تشمل التحالفات والتفاعلات الاقتصادية المتعددة. وعلى الرغم من أن معظم المحللين في العلاقات الدولية لا يرون أن هذا الهيكل يُشكل إطارا فاعلا للنظم الدولية ، فان هذا الإطار لا يمكن تجاهله. وهو يَلقي اهتماما خاصا من الليبراليين الجدد الذين يرون فيه عنصرا ايجابيا يتزايد تأثيره في التفاعلات بين الدول، فهو قد يساعد على تشكيل سلوك الدول ويؤثر على تفاعلاتها، وهذا واضح في حالة التحالف الرسمي بين الولايات المتحدة وأوروبا. فمؤسسة شمال الأطلسي وان كانت حلفا عسكريا إلا انه يمثل أحيانا إطارا سياسيا لتسهيل التعاون بين طرفي الأطلسي ليس فقط في المسائل الأمنية وإنما أيضا المسائل السياسية والاقتصادية. كما يساهم في حل النزاعات والخلافات التي تبرز من حين لآخر بين الدول المتعاقدة. هذا يؤدي بالطبع إلى تطوير وتعزيز مجموعة من المبادئ وقواعد السلوك التي تساعد في المقابل على التنبؤ بسلوك هذه الدول في المستقبل ويوفر مظله سلمية للتعاون طويل الأمد فيما بينها. [7]

وباختصار فان مستوى الهيكل الدولي كما نتناوله هنا يمثل نوعا ما منهجا متجانسا يجمع معا عناصر الواقعية الجديدة والواقعية الهيكلية والليبرالية الجديدة بما فيها الهيكل العميق والتوزيعي والمؤسساتي. هذه المستويات بفروعها المختلفة تساعدنا على تحقيق رؤية أكثر وضوحا عن مكانة الوحدات في النظام الدولي من جهة، وبالتالي معرفة مدى تأثير هيكل النظام الدولي على السلوك الخارجي من جهة أخرى.

2. المستوى الوطني (الخصائص الداخلية): يعتبر مستوى الوطني أو مستوى الوحدة من أكثر مستويات التحليل أهمية في العلاقات الدولية. فالدولة وفقا لنظريات الواقعية هي الوحدة الرئيسية للتحليل في النظام الدولي لأنها ببساطة كانت ولا زالت الفاعل الأول والأخير في جميع أنواع التفاعلات الدولية. [8] وهذا يعني تلقائيا أن الفواعل غير الدول أو فوق القومية اقل أهمية وقد لا تدخل في التحليل أحيانا. ويشمل التحليل عند هذا المستوى العوامل أو بمعنى أكثر خصائص الدولة الداخلية ومن أهمها طبيعة نظام الحكم و نوع الحكومة ، والقدرات أو الإمكانات المؤسساتية، ودرجة الاستقرار الداخلي ومدى التقدم الصناعي والاقتصادي. كما يبحث هذا المستوى من التحليل في دور المؤسسات والقوى المختلفة في المجتمع لمعرفة مدى تأثيرها على سلوك الدولة الخارجية. والتركيز هنا ليس فقط على جماعات المصالح أو البيروقراطية السياسية ولكنه قد يمتد أحيانا ليشمل عوامل أخرى مثل توزيع السلطات والعلاقة بين الدولة والمجتمع وقوة الدولة نفسها. [9] وهنا تبرز الحاجة إلى لتطوير نظريات تتناول بشكل متزامن التفاعلات بين العوامل الداخلية والعوامل الدولية. ولهذا لا بد لصانع القرار أن يوفق بين الأولويات الوطنية الداخلية وبين الظروف الخارجية الدولية. واستخدام هذا المنهج مهم لتحديد الأثر الحقيقي لهيكل السياسة الداخلية على سلوك الدولة الخارجي.

هذا هو الإطار النظري العام الذي تتأثر فيه صناعة السياسة الخارجية للدول، وسنقوم في هذه الدراسة بتوظيف هذا الإطار النظري في تحليل أهم المحددات الخارجية والداخلية التي تؤثر على عملية صناعة وممارسة السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة وألمانيا، وبالتالي تساهم في التباين العام بين السياسة الخارجية لكلا الدولتين.

ثانيا: محددات السياسة الخارجية لكل من ألمانيا وأمريكا

2. مستوى النظام الدولي

أ. الفوضوية كمبدأ ناظم

السياسة الخارجية عبارة عن عملية إدارة منظمة لشؤون وعلاقات الدول مع محيطها الخارجي، ولهذا فمن الطبيعي أن تتأثر بالتطورات والأحداث التي تقع في هذا المحيط. وتهدف هذه السياسة في الأساس إلى حماية وتعزيز المصالح الوطنية،[10] وعادة ما ترتبط أهدافها بالقدرات والإمكانات المتاحة التي تملكها الدولة. وفقا لهذا فان طبيعة وأشكال القوة التي تتمتع بها الدول تُشكل محددا رئيسيا على ممارسة سياستها الخارجية، لأسباب من أهمها أن هيكل النظام الدولي الحالي هو الفوضوية، أي عدم وجود حكومة عالمية أو مركزية تحمي الدول وتحافظ على مصالحها. ولغياب مثل هذه السلطة التي يمكن أن تحمي الاتفاقيات بين الدول وتطبق قواعد القانون الدولي، فان على الدول أن تتحمل مسؤولية حماية نفسها وتحقيق مصالحها، وبالتالي فهي توجه سلوكها الخارجي بما يضمن وجودها السياسي، من جهة، ويعزز مكانتها الإقليمية أو الدولية، من جهة ثانية، وبالنتيجة يحقق مصالحها الوطنية، من جهة ثالثة.

ولان الدول قد لا تتمكن من تحقيق الأهداف القومية بمفردها خاصة في ظل غياب سلطة عالمية مركزية، فهي -وان كانت لا تستطيع أن تعتمد كليا على غيرها من الدول لحماية وجودها و خدمة مصالحها-، تحتاج إلى التفاعل مع محيطها الخارجي. وقد تختلف هذه الحاجة باختلاف الظروف والإمكانات. فإذا كانت الدول القوية اقدر على توفير الحماية لنفسها وتامين وجودها، فان الدول الضعيفة أو الأقل قوة قد لا تستطيع تحقيق هذا إلا من خلال التعاون مع غيرها من الدول، والدخول في تحالفات ثنائية أو جماعية، أو الانضمام إلى منظمات فوق قومية تساعدها على تعويض النقص في قدراتها ومن ثم توفير الحماية لوجودها والمحافظة على مصالحها.

وبالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالولايات المتحدة وألمانيا فان للفوضوية انعكاسات سلبية كبيرة على الشؤون الخارجية الألمانية. فبينما لا يوجد تأثير يذكر لمثل هذا الواقع على خيارات السياسة الخارجية الأمريكية فان غياب سلطة عالمية يُمثل في الحقيقة محددا هاما على السياسة الخارجية الألمانية، بل وقد يدفع صناع هذه السياسة أحيانا إلى تبني مواقف تتعارض والمبادئ التي يؤمنون بها أو تقوم عليها علاقات بلادهم الدولية. فإمكانات ألمانيا العسكرية والاقتصادية المتواضعة نسبيا مقارنة بقدرات الولايات المتحدة الهائلة، يدفعها إلى التركيز على العمل في اطر جماعية من خلال أوروبا والأمم المتحدة من اجل تحقيق مصالحها والتعامل مع المسائل الدولية التي تهمها. أما بالنسبة للولايات المتحدة فالأمر مختلفا تماما، فتمتعها بمركز السيطرة العالمية يعوضها عن غياب السلطة المركزية ويمنحها قدرة اكبر على التحرك والتصرف في الساحة الدولية.

ب. هيكل النظام/توزيع القوة عبره

بالإضافة إلى المبدأ الناظم الذي يتمثل بالفوضوية وغياب سلطة عالمية، فان هناك قيد آخر للنظام الدولي على ممارسة السياسة الخارجية للدول وهو الهيكل ألتوزيعي للنظام، أي طبيعة توزيع القوة عبره (أحاديا أو ثنائيا أو متعدد الأقطاب). ويُشكل هيكل النظام الدولي محددا هاما وقيدا أساسيا على السلوك الخارجي للدول. فبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، اختفت القطبية الثنائية وأصبحت الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة في العالم. وبكلمات أكثر دقة، تحول الهيكل ألتوزيعي للنظام الدولي من ثنائي القطبية (أي سيطرت قوتين عظميين) إلى أحادي القطبية (أي سيطرة قوة عظمى واحدة). وهذا الاستنتاج يتوافق وفرضيات العديد من نظريات العلاقات الدولية. فوفقا لنظرية الواقعية الهيكلية التي قدمها "كينث ويلتز" فان الدولة العظمى الوحيدة يجب أن تتمتع بجميع أنواع وأشكال القوة.[11] وهو ما ينطبق بشكل كبير على الولايات المتحدة الآن. فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 أصبحت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تملك جميع أشكال القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية. ولأول مرة في التاريخ الحديث تكون فيه الفجوة في القدرات بين الولايات المتحدة والقوة الثانية في العالم وهي روسيا شاسعة بهذا الشكل. أما نظرية توازن القوى التي انبثقت من الواقعية الكلاسيكية فترى أن النظام الأحادي هو النظام الذي تكون فيه الدولة العظمى قوية جدا إلى درجة لا يمكن لأية قوة أو تحالف آخر أن يحقق التوازن معها. وبالتالي يصبح شرط الأحادية القطبية هو عدم وجود قوة موازنة وهو ما ينطبق على نظام ما بعد الحرب الباردة. فأمريكا تملك قاعدة قوة متكاملة، ولا يُتوقع من القوى الصاعدة الأخرى الحليفة وغير الحليفة أن تنازعها قوتها العسكرية أو سيطرتها شبه المطلقة على النظام الدولي.

فعلى الرغم من القوة الصينية المتنامية خاصة في المجال الاقتصادي، ومن امتلاك روسيا لترسانة عسكرية ضخمة فان كل المعطيات تشير إلى أن اقرب قوة يمكنها تحقيق هذا التوازن هي أوروبا الموحدة، ولكن هذا سيأخذ وقتا طويلا ربما تكون فيه قوة الولايات المتحدة قد انحسرت أو تراجعت بشكل كبير خاصة في ظل الفشل الذي تعاني منه في العراق وأفغانستان. وبالتالي لا يبدو في الوقت الحاضر أن هناك احتمالية لتشكيل قوة أو تكتل عالمي موازن. ولا يرتبط هذا الاستنتاج بالضرورة بعدم قدرة الأطراف المعنية على تحقيق هذا؛ ولكنه متعلق أيضا بطبيعة العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة وهذه القوى من تكامل اقتصادي واعتماد متبادل وتفاهم امني تجاه العديد من القضايا الدولية. فاليابان ودول الاتحاد الأوروبي هم في الحقيقة حلفاء لأمريكا، والصين وروسيا يتمتعان بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة. [12]

أما نظرية استقرار السيطرة، فتنظر إلى الأحادية القطبية كتفوق لا يكمن مناقشته. فالولايات المتحدة أصبحت منذ 1990 تملك تقريبا كل أشكال النفوذ المتوفرة في التاريخ الدولي المعاصر، وهي بهذا تتمتع بقوة ليس من السهل تحقيق التوازن معها. ولهذا فان احتمال قيام حلفاء الولايات المتحدة أو دولا صاعدة أخرى كالصين وحتى روسيا بادوار قيادية على مستوى النظام الدولي ستبقى ضئيلة على الأقل في المدى المنظور، ذلك أن التفاوت الهائل في القدرات يثير الشكوك حول ليس فقط قدرة هذه القوى على تحدي الولايات المتحدة أو تحقيق التوازن معها، وإنما أيضا حول الرغبة الحقيقة للقيام بذلك. [13] وبناء على هذا، فان الولايات المتحدة قادرة على ممارسة النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري على المستوى العالمي بشكل لا تتمتع به أية دولة أو قوة أخرى في العالم بما فيها ألمانيا أو حتى الاتحاد الأوروبي الذي يملك قدرات كامنة قد تمكنه من مجارة أمريكا أو موازنتها عالميا على المدى البعيد خاصة إذا تمكن من تحقيق الوحدة سياسيا واقتصاديا. [14] وبغض النظر عن التوقعات المستقبلية، وفي ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة تسيطر على كل معايير القوة، وان الاتحاد الأوروبي ليس موحدا بعد فان النظام الحالي سيتسمر أحاديا لبعض الوقت، ومن ثم ستبقى أمريكا أكثر الدول قدرة على ممارسة النفوذ العالمي. ومن الطبيعي أن يكون لهذا الواقع انعكاسات على سلوك وتحرك الأطراف الأخرى في النظام ومنها ألمانيا. فالنظام الأحادي يمثل محددا أساسيا في السياسة الخارجية الألمانية، ويحد من الخيارات المتاحة للحكومة الألمانية خاصة عندما يكون هناك تعارض في وجهات النظر أو اختلاف واضح في التصورات. وهذا على عكس ما كان عليه الأمر خلال الحرب الباردة، حيث أعطت الثنائية القطبية مساحة اكبر لحلفاء الولايات المتحدة للتحرك. أما الآن وفي ضل السيطرة الأحادية الأمريكية شبه المطلق على النظام الدولي، فان على ألمانيا الموازنة بين تحالفها مع الولايات المتحدة -الذي قد يتطلب أحيانا تقديم تنازلات أو ربما إتباع السياسات الأمريكية تجاه بعض المسائل العالمية-، من جهة، ومصالحاها القومية التي قد تتطلب معارضة هذه السياسات أحيانا، من جهة أخرى.

ج. المستوى المؤسساتي الثنائي/ الجماعي

قلنا مسبقا انه لا يوجد هناك دولة تستطيع العيش بمفردها منعزلة عن العالم بسبب حالة الاعتماد المتبادل المتنامية بين الدول، وهذا ما يدفع الدول إلى التعاون فيما بينها من خلال الاتفاقيات الثنائية أو أو اللجوء إلى التنظيم الدولي والإقليمي.[15] فالدول تحاول تنمية قدراتها وخدمة مصالحها من خلال عضويتها ومشاركتها في المؤسسات الدولية المختلفة. وان كان هذا ينطبق إلى حد كبير على الدول الصغيرة أو الأقل قوة والتي تحاول حماية نفسها ومصالحها بل وربما ممارسة النفوذ من خلال هذه الهياكل، فانه ينطبق أيضا على الدول الأخرى التي تتمتع بإمكانات اقتصادية وعسكرية كبيرة. والتعاون المتعددة الأطراف لا ينفي أو يلغي أو يقلل من دور العلاقات الثنائية، بل على العكس، فغالبا ما يكون رافدا لها. إلا أن الواقع يشير إلى انه كلما كانت الدولة أقوى على الساحة الدولية، أي أنها تتمتع بإمكانات وقدرات هائلة تمكنها من توجيه السياسات الإقليمية أو الدولية والتأثير في سلوك الآخرين، كلما زادت احتمالات تحركاتها بشكل فردي. ولعل هذا ينطبق مرة أخرى على حالة الولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة، فسيطرتها الأحادية على النظام الدولي بحكم تمتعها بقدرات هائلة، كما سبق واشرنا، وسيادة ثقافة بين النخب الحاكمة تقوم على الهيمنة يجعلها أكثر استقلالية من غيرها من الأمم على الساحة الدولية، وبالتالي فان تعاونها في إطار المنظمات الدولية والعمل متعدد الأطراف اقل بكثير من تعاون الدول الأقل قوة مثل ألمانيا. ولهذا فإننا نجدها تتصرف على المستوى العالمي بشكل منفرد في اغلب الحالات، كما فعلت في غزو العراق، حيث قامت باستخدام القوة العسكرية بدون أي تفويض من الأمم المتحدة؛ بل وقامت بالغزو في ظل معارضة عالمية رسمية وشعبية غير مسبوقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتعاونها في مجالات أخرى كالبيئة أو القانون الدولي أو حتى قضايا حقوق الإنسان: ففي مجال البيئة وعلى الرغم من أنها المصدر الأكبر للغازات المنبعثة المسئولة-كما يشير العديد من علماء البيئة- عن التدهور البيئي العالمي، فقد رفضت حتى الآن التوقيع على معاهدة كيوتو؛ وفي مجال القانون الدولي وعلى الرغم من أنها تعتبر نفسها زعيمة "للعالم الحر" ودائما ما تتحدث عن حكم القانون والعدالة الدولية فإنها رفضت التوقيع على قانون المحكمة الجنائية الدولية؛[16] وفي مجال حقوق الإنسان وعلى الرغم من أنها تعتبر نفسها الدولة الديمقراطية الأولى في العالم والحامية لحقوق الإنسان، فإنها تتعامل مع أسرى الحرب بأبشع الوسائل وأكثرها احتقارا لكرامة البشر كما فعلت في أبو غريب وغوانتنامو. فالولايات المتحدة تتبنى مبدئيا مفهوم للتعاون الدولي أو العمل متعدد الأطراف مختلفا إلى حد كبير عن مفهوم ألمانيا. فبينما تركز ألمانيا على الجانب المعياري في العلاقات الدولية، أي الالتزام بالمعايير والقيم مشتركة التي تعارفت عليها الأمم في العصر الحديث، و تطبيق القانون الدولي، واحترام حقوق الإنسان على مستوى عالمي، فان إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي وضعها بوش الابن عام 2002 تقوم على التحرك المفرد،[17] والعمل خارج إطار الشرعية الدولية، بل وتعطي الولايات المتحدة الحق بالقيام بكل ما تراه يخدم مصالحها القومية حتى وان كان ذلك على حساب الكرامة الإنسانية. وحتى عندما تعلن عن رغبتها في العمل متعدد الأطراف، كما فعلت بعد ورطتها في العراق، فهي تسعى لذلك عندما يتوافق والمعايير والشروط الأمريكية. ويتضح الاختلاف بين الولايات المتحدة وألمانيا في هذا السياق من خلال العمل في إطار المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومن خلال الأحلاف العسكرية كحلف الناتو.

فالأمم المتحدة لها تأثير على السياسة الخارجية للدول من خلال وسائل مختلفة منها العقوبات واستخدام القوة العسكرية. وهي لهذا تمثل محدد هاما للسياسة الخارجية للعديد من الدول، خاصة الدول الصغيرة وتلك التي لا تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن. وبالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بألمانيا والولايات المتحدة فان هناك تباين واضحا بين المفهوم الألماني والأمريكي للعمل الجماعي أو متعدد الأطراف. فألمانيا تؤكد دائما على دور الأمم المتحدة، وتحاول من خلالها العمل على التأثير في السياسة الخارجية للدول الأخرى. وهي بدون شك اقل قدرة على تحقيق هذا لأنها لا تتمتع بنفس النفوذ الذي تتمتع به أمريكا، ولهذا فهي تسعى لتعويض النقص في هذا المجال من خلال الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن.[18] أما الولايات المتحدة فهي تحاول ممارسة النفوذ في الأمم المتحدة وتعمل على توجيه العمل الجماعي نحو خدمة مصالحها الذاتية وتحقيق رؤيتها الخاصة للمسائل الدولية المطروحة. ولهذا نجدها تعمل في غالب الأحيان خارج إطار الشرعية الدولية، بل وتتصرف بشكل منفرد حتى في القضايا الحساسة التي تهم السلم والأمن الدوليين الذين هما في الأساس من اختصاص مجلس الأمن التابع لهذه المنظمة. ولان الولايات المتحدة تتمتع بحق النقض وتمتلك وسائل متنوعة للنفوذ داخل هذا الإطار ألأممي، فان تأثير الأمم المتحدة على السياسة الخارجية الأمريكية اقل بكثير من تأثيرها على السياسة الخارجية الألمانية؛ بل قد ينعدم هذا التأثير في غالب الأحيان بالنسبة لأمريكا: فمن جهة، لا تستطيع الأمم المتحدة أن تفرض عقوبات على عليها لأنها تملك حق النقض، وتتمتع بقدرات كبيرة للرفض والمقاومة، ومن جهة أخرى فان الأمم المتحدة لا تستطيع العمل فعليا بدون الولايات المتحدة خاصة في ظل هذا الواقع الدولي المختل لأنها تعتمد على دعمها ليس فقط سياسيا وماليا، وإنما أيضا امنيا وعسكريا.

أما بالنسبة لحلف الناتو فهو يشكل محددا هاما آخر من محددات السياسة الخارجية لأعضائه بما فيهم ألمانيا والولايات المتحدة. وهناك جوانب متعددة لهذا التأثير منها على سبيل المثال ان تضطر الدول المتحالفة إلى الدخول في نزاعات ليست في الأساس طرفا فيها. [19] كما أن هناك مشكلة تتعلق بعملية اتخاذ القرار، أي مبدأ الإجماع، الذي يمكن من خلاله لأية دولة عضو أن تعطل إرادة ورغبات الدول الأخرى. وعلى الرغم من أن الناتو قد فقد الكثير من أهميته بسبب انتهاء الحرب الباردة فانه لا زال المنظمة العسكرية الأكبر في العالم وهو في توسع مستمر، وتتمتع الولايات المتحدة فيه بموقع متميز، و تحاول أن تستخدمه كوسيلة لخدمة سياساتها الأمنية وتنفيذ خططها العسكرية في العالم. ولهذا فهي تتصرف ضمن إطار الناتو فقط عندما يتماشى هذا مع رغباتها وتوجهاتها.

أما ألمانيا فهي تنظر إلى الناتو كمنظمة أمنية دفاعية في الأساس، هدفها حماية أوروبا. ولهذا فهي تحاول استخدام الناتو كوسيلة لتفعيل دور أوروبا عالميا من جهة وللتأثير على سياسات الولايات المتحدة، من جهة أخرى.[20] فألمانيا، على عكس ما هو حالها في الأمم المتحدة، تملك حق النقض في حلف الناتو، وهو ما يساعدها-علاوة على كونها اكبر الدول الأوروبية مساحة وسكانا وقدرات اقتصادية-، على التأثير في قرارات الحلف وعلى توجهات الولايات المتحدة في إطاره. ومع ذلك، فان أمريكا تتمتع على الأقل بنفس قدرة التأثير التي تتمتع بها ألمانيا في هذه السياق، فهي تملك أيضا حق النقض، وتستطيع عرقلة أي قرارات يرغب الحلف في اتخاذها حتى في حالة وجود إجماع أوروبي داخله، وبالتالي فان لأمريكا موقع في الحلف يُمكنها من التأثير في قرارات السياسة الأمنية في أوروبا. وبالنتيجة فان للناتو تأثيرا كبيرا على السياسة الخارجية الألمانية، بينما يقل هذا التأثير كثيرا في حالة الولايات المتحدة.

2. المستوى الوطني

أ. الفواعل المركزيين الرسميين/ مستوى صانع القرار

يلعب صانع القرار سواء كان فردا أو مجموعة دورا هاما في عملية صناعة القرار الخارجي للدول، بل انه قد يكون في كثير من الأحيان العامل الأكثر حسما في اتخاذ هذا القرار ليس فقط في الدول غير الديمقراطية التي غالبا ما يكون فيه الحاكم الفرد هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في صناعة وممارسة السياسة الخارجية لدولته، وإنما أيضا في النظم الديمقراطية التي تَجَذَّرَ فيها مبدأ المشاركة السياسة وتداول السلطة منذ قرون كالولايات المتحدة وألمانيا. فما هو دور صناع القرار في التباين بين السياسة الخارجية الأمريكية والألمانية؟

طبيعة الحكومة والإطار الهيكلي

كما هو الأمر بالنسبة للعوامل المرتبطة بمستوى النظام الدولي، فان درجة تأثير الأشخاص الرئيسيين في عملية صناعة القرار تتباين هي الأخرى. فبالنسبة لألمانيا فان للمستشار دور أساسي في صناعة السياسة الخارجية؛ إلا انه لا يملك حق احتكار هذه العملية كما هو الحال في النظم الرئاسية كأمريكا. فلوزير الخارجية في ألمانيا دور فاعل يعتمد بشكل كبير على طبيعة الائتلاف الحكومي الذي قد يكون فيه المستشار من حزب، كما هو الأمر بالنسبة للمستشارة الحالية أنجيلا ميريكل ( من الحزب المسيحي)، ووزير الخارجية من حزب آخر، كما الحال بالنسبة لشتايمر (من الحزب الاشتراكي). وبالتالي فان طبيعة العلاقة بين المستشار ووزير الخارجية تلعب دورا أساسيا في صناعة وتوجيه وممارسة السياسة الخارجية الألمانية.[21] فعلاقة الانسجام والتفاهم الواضح بين المستشار الاشتراكي فيلي براندت ووزير خارجيته المسيحي فالتر شيل في الفترة من عام 1969-1974 ساعدت على إيجاد سياسة خارجية موحدة ومشتركة فيما يتعلق بالصراع بين الشرق والغرب تقوم على مبدأ تخفيف حدة التوتر. وكذلك الأمر بالنسبة لتحالف شرودر(اشتراكي)-فيشر (الخضر–يساري) الذي مكَّن ألمانيا من تبني سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة.

أما في أمريكا فان الرئيس والذي يعتبر أيضا رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة هو الذي يسيطر ويتحكم بالسياسية الخارجية. كما انه يعين أعضاء الحكومة والذين عادة ما يكونوا من نفس الحزب- و يشترط بالطبع موافقة مجلس الشيوخ على التعيين. إلا أن سيطرة الرئيس ودوره المركزي في عملية صناعة وممارسة السياسية الخارجية لا يعني عدم وجود فواعل مؤثرين آخرين. فوزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ووزير الدفاع لهم دور هام في هذه العملية، وقد تنامى هذا الدور بشكل خاص خلال الحرب الباردة بسبب تزايد أهمية ومفهوم السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن طبيعة الصلاحيات الدستورية التي يتمتع بها الرئيس في هذا المجال والتي من ضمنها الحق بترشيح وتعيين هذه الفواعل، فان الرئيس يبقى الأساس في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولا تملك الفواعل الأخرى ضمن الحكومة معارضة إرادة الرئيس. بينما قد لا يستطيع المستشار في ألمانيا اتخاذ قرارات على المستوى الخارجي بدون موافقة حزبه من جهة، وشركائه في الائتلاف من جهة أخرى. ومن هنا فان طبيعة الحكم وتقاسم الأدوار والمسؤوليات التي يفرضها وجود الائتلاف بين الأحزاب الرئيسية يُعتبر محددا هاما لعملية صناعة السياسة الخارجية الألمانية أكثر مما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة.

السياق التاريخي وتأثيره على رؤية صناع القرار لدوره ودور بلاده

بالإضافة إلى الاختلاف في هيكل اتخاذ القرار الخارجي، نجد أن هناك تباينا في النشأة السياسة والتاريخية للنخب السياسة في كل من الدولتين. فهناك عوامل متعددة تؤثر على الأفراد الفاعلين في عملية صناعة وتوجيه السياسة الخارجية. فما يميز الفرد شخصيته وتاريخه. ولان البشر لا يستطيعون العيش بمفردهم منعزلين فهم بحاجة إلى التفاعل مع غيرهم من البشر. وبالتالي فإنهم يتأثرون بالمحيط الاجتماعي الذي يتفاعلون معه، ومن ثم بالسياق التاريخي الذي يعيشون فيه.[22] وللظروف الاجتماعية والسياق التاريخي دور هام في تطوير مفاهيم الفرد عن العالم، وفهمه وتفسيره للواقع الدولي الذي يعيشه. ومن خلال هذه المفاهيم يَتشكل تصوره لطبيعة دوره الشخصي من جهة، ودور بلاده على الساحة الدولية من جهة أخرى. ولا شك أن هذه المفاهيم تتأثر وتتشكل بدورها بفعل عوامل أخرى كالقيم السائدة والمعتقدات الدينية والمبادئ والايدولوجيا المسيطرة والخبرات المكتسبة أيضا. ولهذا فان فهم السياق التاريخي الذي يعيشه الأفراد صناع القرار مهم جدا لفهم السياسة الخارجية لكل من ألمانيا والولايات المتحدة.

فبالنسبة لألمانيا، فقد كانت قوة مسيطرة في أوروبا، ونتيجة لاختلال توازن القوى لصالحها مرتين: الأولى في بداية القرن العشرين، والثانية في الربع الثاني منه، نشأت حربين عالميتين. وكانت النتيجة ليس فقط تدمير ألمانيا وهزيمتها، وإنما أيضا احتلالها وتحميلها المسؤولية الكاملة عن الحرب وعن كل ما صاحبها "كالمجازر التي تقول إسرائيل أن النظام النازي قد ارتكبها بحق اليهود في أوروبا."

وبالتالي فان هزيمة ألمانيا في الحرب وتحميلها المسؤولية الأولى عنها شكل دافعا أساسيا للنخب الألمانية بضرورة تبني سياسة خارجية حكيمة لا تقوم على استخدام القوة أو العنف، أو الرغبة في الهيمنة العالمية أو حتى السيطرة الإقليمية. وبسبب هذا تشكلت رؤية جديدة في ألمانيا على المستويين الرسمي والشعبي تقوم على تبني سياسة سلمية بحته، والتركيز على الاقتصاد والتجارة. وبالفعل بدأت تتشكل تقاليد للسياسة الخارجية الألمانية مختلفة تماما عن تلك التي سادت لعقود منذ تأسيس الرايخ الأول وحتى انتهاء الحرب الثانية. وقد عملت أول حكومة ألمانية بعد الاحتلال عام 1949 بقيادة اديناور على تكريس هذا التوجه، واستمرت الحكومات المتعاقبة الاشتراكية منها والمسيحية في تبني سياسة خارجية هادئة جدا تقوم على مبادئ من أهمها العمل المتعدد الأطراف واحترام الشرعية الدولية وعدم الانخراط في أي نزاعات مسلحة .[23]

أما بالنسبة لأمريكا فان الأمر مختلفا إلى حد كبير، فهي دولة منتصرة في الحرب وظهرت على أثرها كقوة عظمى ومسيطرة في النظام الدولي، ساعدها على تحقيق ذلك قدراتها الاقتصادية الضخمة وترسانتها العسكرية الهائلة. ثم جاءت الحرب الباردة وأعطت الولايات المتحدة الفرصة لإبراز دورها العالمي الجديد كقائد للعالم الغربي في صراعه مع الشرق. وفي ظل الأحداث المتلاحقة التي شهدتها فترة الحرب الباردة خاصة في العقدين الأولين منها سادت في أمريكا مبادئ وسياسات تقوم على الهيمنة والسيطرة العالمية. وعلى الرغم من أن أحداث الحرب الباردة هي التي أدت بشكل أساسي إلى ظهور ثقافة الهيمنة، فان هذا النهج اخذ يَتكرَّس بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة تسعى إلى صياغة العالم وفقا لقيمها وخدمة لمصالحها الخاصة. وقد انعكس هذا الواقع بشكل واضح على طبيعة النخب والزعامات السياسية التي حكمت الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وهي نخب في مجملها تؤمن بالسيطرة الأمريكية وسيادتها المطلقة على النظام الدولي. وكان من نتيجة هذا أن أصبحت الولايات المتحدة تتصرف كيفما تشاء دون مراعاة للشرعية الدولية، وتتبنى سياسات هدفها الأساسي إعادة صياغة العالم وفقا للرؤية الأمريكية.

انعكاس السياق التاريخي والاجتماعي على صفات النخب السياسة واختيار صناع القرار

لقد ارتبط السياق التاريخي الذي عاشته ألمانيا وأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية بظهور قيادات سياسية وصناع قرار مختلفين في التوجه والنظرة لدور بلادهم على الساحة الخارجية. فالتقاليد السياسة الجديدة في ألمانيا بعد الحرب والتي تقوم على تبني الوسائل السلمية في حل النزاعات وتحقيق التعاون الدولي في المجالات المختلفة والعمل متعدد الأطراف، تَطَلب ظهور قيادات سياسية تتمتع بصفات وقدرات معينة تمكنها من خدمة المصالح الألمانية بعيدا عن الانخراط في صراعات إقليمية أو دولية.[24] فالصفات والقدرات الشخصية للسياسي أو صانع القرار تلعب دور أساسيا في عملية تنظيم وتوجيه السياسة الخارجية. ونتيجة لهذا ساد شعور عام في ألمانيا بان من يتولى السلطة السياسة والمواقع الرفيعة يجب أن يتمتع بمهارات معينة أهمها الحنكة السياسية والقدرة على الحكم والحزم والذكاء كشروط أساسية يجب أن يتمتع بها السياسي الألماني خاصة في المراكز العليا في الدولة كالمستشار وأعضاء الحكومة.[25] ولهذا فان الوصول إلى السلطة في ألمانيا ومراكز صناعة القرار تختلف إلى حد كبير عما هو الحال في أمريكا من حيث أن التركيز يكون منصبا بشكل رئيسي على الصفات القيادية التي تؤمن وتتبني سياسات معيارية سلمية أكثر أخلاقية، وبعيدة عن الرغبة في الهيمنة الإقليمية أو العالمية. أما في أمريكا فغالبا ما يكون صناع القرار الرئيسين من ذوي الخلفيات العسكرية، ويرتبطون في نفس الوقت بجماعات المصالح. بل إن الوصول إلى أي منصب سياسي بارز بما فيه منصب الرئيس وعضوية مجلس الشيوخ والنواب يتطلب بالدرجة الأولى علاقات معينه ضمن الأطر الحزبية من جهة، وضمن اطر جماعات الضغط والمال من جهة أخرى. ولهذا أصبح النموذج السائد لصناع القرار في الولايات المتحدة يتأثر من حيث المبدأ بالعلاقة بجماعات المصالح ورجال الأعمال.[26] وبالتالي فان الصفات الشخصية التي يتمتع بها الرئيس ومعاونيه من جهة، وعلاقة هذه الشخصيات بجماعات المصالح المختلفة يلعب دورا أساسيا في صناعة وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية. ولقد رأينا هذا بشكل واضح في العديد من قرارات السياسة الخارجية ومنها قرار غزو العراق الذي كان لطبيعة النخب الحاكمة وتوجهاتها العسكرية والرغبة بالهيمنة والسيطرة العالمية دورا حاسما في اتخاذه.

ب. الفواعل الاجتماعيين غير الرسميين

هناك محددات داخلية أخرى للسياسة الخارجية للدول غير صناع القرار أو المستويات الرسمية من أهمها الرأي العام والإعلام والأحزاب السياسة وجماعات المصالح أو الضغط. فللفواعل والقوى الاجتماعية تأثير على عملية صناعة السياسة الخارجية في كل من الولايات المتحدة وألمانيا وذلك من خلال المعارضة أو الموافقة على ما تقوم به السلطة في علاقاتها الخارجية. فالرأي العام ووسائل الإعلام تؤثر على توجهات السياسة الخارجية للحكومة وصناع القرار في كلتا الدولتين. وكلا الفاعلين مترابطين بشكل كبير. فوسائل الإعلام تعمل على توعية الرأي العام بتوجهات السياسة الخارجية السائدة، كما أنها في الوقت نفسه -وبسبب عدم استقلاليتها التامة- تساهم بشكل أساسي في توجيه وتشكيل الرأي العام حول هذه السياسة، وهو ما يعتبر أمرا هاما بالنسبة لصانع القرار من اجل الحصول على الدعم الشعبي وأحيانا التشريعي لتوجهات سياسته الخارجية. وبالتالي فان الإعلام يلعب في الواقع دور الوسيط أو الرابط ما بين الرأي العام وصناع السياسة الخارجية.

إما بالنسبة للرأي العام نفسه فتأثيره يظهر في عملية صناعة القرار من خلال درجة الموافقة الشعبية على السياسة الخارجية وعلى سلوك الحكومة و المؤسسات الأخرى المؤثرة أو الفاعلة في هذه السياسية. ولهذا فان درجة تأثير الرأي العام والمدى المتاح له للتعيير عن نفسه يُشكل محددا من محددات السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة وألمانيا.[27] إلا أن درجة تأثيرها في الولايات المتحدة أكثر بكثير مما هو الحال في أمريكا لأسباب من أهمها سيطرة وسائل الإعلام الواسعة و إمكاناتها الهائلة، وارتباطها بجماعات المصالح المختلفة التي تحاول توجيه الرأي العام وفقا لمصالحها الخاصة أو رؤيتها الذاتية للأحداث.

كما أن هناك تأثير لفواعل داخلية أخرى في السياسة الخارجية مثل الأحزاب السياسة وجماعات الضغط بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية التي يتنامى دورها بشكل واضح بفعل العولمة. إلا أن درجة تأثير هذه الفواعل أو العوامل في الولايات المتحدة تختلف عما هو الحال في ألمانيا. ففي أمريكا لا تمثل الأحزاب محدد أو قيد كبيرا على السياسة الخارجية. فالفصل بين السلطات يقلل من تأثير الحزب على الرئيس أو أعضاء حكومته. أما في ألمانيا فان للأحزاب وبسبب خيارها السياسي وشغل أعضاها للبرلمان والحكومة تأثير اكبر على السياسة الخارجية. ومع ذلك فان تأثيرها بشكل عام لا يكون حاسما لان قراراتها تتشكل وتتخذ عادة من قبل قيادة الحزب.

أما بالنسبة لجماعات المصالح فتحاول أن تؤثر في السياسة الخارجية عن طريق اللوبيات التي غالبا ما يكون لها تأثير على الفاعلين الرسميين في السلطة التنفيذية والتشريعية، آو من خلال السيطرة غير المباشرة أو التلاعب والتأثير في الرأي العام. إلا أن درجة تأثير هذه الجماعات ودورها كمحدد للسياسة الخارجية يعتمد بشكل كبير على مجموعة من المعايير منها مدى انتشارها و تعبئتها، وقدرتها على التكييف، ومواردها البشرية والمادية، ومن ثم احتمالات دخولها العمل السياسي مباشرة.[28] وعلى عكس ما هو الحال في ألمانيا فان هذه المعايير متوفرة في جماعات المصالح الأمريكية بشكل كبير، ولهذا غالبا ما يكون لها دور محوري في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية. فارتباط هذه الجماعات بالنخب السياسة في الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي، ومن ثم ودعمها المادي والمعنوي للسياسيين والمرشحين في الانتخابات يساعدها على لعب دور أكثر فاعلية في صناعة وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية. ولم يعد خافيا على سبيل المثال تأثير اللوبي اليهودي في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. بل إن كل مرشح للانتخابات يسعى لكسب رضا هذه القوة ودعمها في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وغالبا ما تميل الكفة لصالح المرشح المدعوم من قبل هذا اللوبي. كما ظهر دور هذه الجماعات في قرار غزو العراق، فنائب الرئيس الأمريكي نفسه كان مديرا لأكبر شركات النفط الأمريكية، وقد كان الداعي والمنظر الأول للحرب.

النتيجة

هناك تباين بين السياسة الخارجية الأمريكية والألمانية فيما يتعلق بالعديد من المسائل الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التباين يعود من حيث المبدأ إلى الاختلاف في الأهداف من جهة والقدرات من جهة أخرى، إلا انه يرتبط أيضا بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تُمثل محددات للسياسة الخارجية لكلا الدولتين. فعلى المستوى الداخلي، هناك اختلاف بين الدولتين فيما يتعلق بصانع القرار، من جانبين: الأول يرتبط بالأطر التي يتم فيها صناعة وممارسة السياسة الخارجية. ففي ألمانيا تعتمد هذه العملية على طبيعة ألائتلاف الحاكم الذي قد يكون فيه المستشار من حزب ووزير الخارجية من حزب آخر، وبالتالي غالبا ما تكون السياسة الخارجية الألمانية انعكاسا لطبيعة وقواعد هذا الائتلاف. أما في الولايات المتحدة فالرئيس يسيطر على عملية السياسة الخارجية وهو صانع القرار الأول، وعادة ما يكون معاونيه -خاصة وزراء الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي - من نفس الحزب، علاوة على أنهم يُختارون مبدئيا من قبل الرئيس. الثانية، تتعلق بصفات صانع القرار نفسه، والبيئة الاجتماعية والسياق التاريخي الذي يوجد فيه، و من خلاله يَنظر إلى دوره ودور بلاده في الساحة الدولية. ففي ألمانيا يتطلب الوصول إلى مكان بارز وجود مواصفات شخصية تتمتع بالحكمة والحنكة السياسة وتتوافق والقيم التي سادت ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب الثانية. أما في أمريكا فان صناع القرار الرئيسين ومعاونيه غالبا ما يكونوا من ذوي الخلفيات العسكرية، كما يتطلب وصولهم إلى السلطة علاقات قوية بجماعات المصالح ورجال الإعمال، على عكس ما هو الحال في ألمانيا. أما فيما يتعلق بالفواعل الاجتماعيين غير الرسمين كالإعلام والرأي العام وجماعات الضغط فهي تتمتع بتأثير اقل على السياسة الخارجية في ألمانيا مقارنة بالولايات المتحدة.

أما على المستوى الخارجي، فان هيكل النظام الدولي القائم يُمثل محددا كبير على سلوك ألمانيا الخارجي، على عكس ما هو الحال بالنسبة لأمريكا التي تنفرد بالسيطرة على هذا النظام. فالنظام الأحادي الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بقدرات عسكرية واقتصادية ضخمة يُمكنها من السيطرة على مجريات النظام الدولي، بل وتوجيه التفاعلات الدولية بما يخدم أو يتماشى والرغبات والمصالح الأمريكية. وهذه السيطرة تُشكل في الحقيقة قيدا أو محدد على سلوك ألمانيا الخارجية حيث لا تملك الإمكانات المماثلة التي تؤهلها لموازنة أمريكا، أو التأثير في القرار الدولي فيما يتعلق في العديد من المسائل الدولية كما تفعل الولايات المتحدة.

كما يظهر التباين في تأثير هذه المحددات من خلال العمل في الأطر المؤسساتية الدولية كالأمم المتحدة، والأحلاف العسكرية كحلف شمال الأطلسي (الناتو). فتمتع الولايات المتحدة بدور مهيمن في الأمم المتحدة وامتلاكها لحق النقض في مجلس الأمن يُقلل من تأثير هذه المنظمة على سياسة أمريكا الخارجية. بل إن الولايات المتحدة عادة ما تعمل خارج هذا الإطار بشكل منفرد، يساعدها على ذلك تمتعها بإمكانات القوة الشاملة والسيطرة على النظام الدولي. أما ألمانيا وعلى الرغم من دورها المتنامي في إطار الأمم المتحدة وسعيها المتواصل للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن فهي لا تتمتع بنفس النفوذ الأمريكي في المنظمة الدولية؛ ولأن ألمانيا تتبنى سياسة خارجية معيارية تعتمد بشكل عام على العمل متعدد الأطراف، فان الأمم المتحدة تُعتبر محدد لسياستها الخارجية. فرغبة ألمانيا في العمل المشترك ودعوتها الدائمة لحل النزاعات والخلافات الدولية بالطرق السلمية و في إطار جماعي أو أممي يُشكل في الواقع محددا من محددات السياسة الخارجية الألمانية. أما في إطار الناتو وعلى الرغم من تمتع كلا الدولتين فيه بحق النقض، فان أمريكا لا زالت تتمتع بنفوذ كبير في الحلف، وعادة ما تسعى لاستغلاله لخدمة مصالحها ودعم سياساتها العسكرية في العالم. ولهذا فان تأثير التحالف كمحدد على السياسية الخارجية الأمريكية اقل من تأثيره على السياسة الألمانية. فألمانيا تسعى للعمل وفق الإطار الأوروبي ليس فقط امنيا وإنما أيضا سياسيا واقتصاديا، ولهذا فهي تحاول أن تتبني سياسة خارجية منسجمة مع التوجهات الأوروبية العامة، وهذا في النهاية يُشكِّلُ محددا هاما على السياسة الخارجية الألمانية بينما لا نجد مثل التأثير في حالة الولايات المتحدة.



[1] Timothy Dunne, “Realism,” in Baylis and Steve (ed.), The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations, Oxford: Oxford University Press, 1999, p. 117, 122.

[2] Michael E. Brown, Sean M. Lynn-Jones, and Steven E. Miller, (eds.), The Perils of Anarchy: Contemporary Realism and International Security, Cambridge, MA: MIT Press, 1995.

[3] Barry Buzan, Charles Jones, and Richard Little, The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism, New York: Columbia University Press, 1993; Barry Buzan, "Rethinking System and Structure," in Buzan, Jones, and Little, Ibid. pp. 20-25.

[4] K. Waltz, “The Emerging Structure of International Politics,” International Security, Vol. 18, No. 2, Fall 1993, pp. 44-45.

[5]لمزيد من التفصيل انظر:

Kenneth Waltz, “The Stability of A Bipolar World,” Daedalus, Vol. 93, No. 3, Summer 1964, pp. 881-909; Karl W. Deutsch and J. David Singer, "Multipolar Power Systems and International Stability,” World Politics, Vol. 1, April 1964, pp. 390-406; Charles W. Kegley, Jr. and Gregory A. Raymond, “Must We Fear a Post-Cold War Multipolar System?” The Journal of Conflict Resolution, Vol. 36, September 1992, pp. 573-582.

[6] William B. Moul, “Balances of Power: Analogy, Arguments, and Some Evidence,” In David G. Haglund and Michael K. Hawes (eds.), World Politics. Power, Interdependence & Dependence, Toronto: Harcourt Brace Jovanovich, 1990, p. 58.

[7] Mohammad Abo Kazleh, The Inter-relationship between Economics and National Security: Links between Security and Non-security Issues in US-Japan Alliance Relations. Munich: GRIN Scholarly Publishing, 2006.

[8] لمزيد من التفصيل انظر: Hans Mouritzen, “Kenneth Waltz: a Critical rationalist between International Politics and Foreign Policy,” In Iver B. Neumann and Ole Wæver (eds.), The Future of International Relations. Masters in the Making, London: Routledge, 1997, pp. 66-67.

[9] Peter A. Gourevitch, “Squaring the Circle: The Domestic Sources of International Cooperation,” International Organization, Vol. 50, No. 2, Spring1996, pp 350.

[10] Thomas Jäger and Beckmann, Rasmus: “Die internationalen Rahmenbedingungen deutscher Außenpolitik“, in: Jäger, Thomas/Oppermann, Kai/Höse, Alexander (Hrsg.): Deutsche Außenpolitik, Wiesbaden i.E., pp. 2, 16.

[11] Thomas Jäger. Deutsche und amerikanische Außenpolitik im Vergleich. Köln: Jeannine Hausmann, 2007. p 12.

[12] William C. Wohlforth, Transatlantic Relations in a Unipolar World”, in: Occasional Papers Series, Nr. 41 (2002), available at http://www.gcsp.ch/E/publications/Issues_Institutions/TA_Relations/Occ_Papers/41-Wohlforth.pdf. accessed on 01.03.2007), p. 2.

[13] Wohlforth Ibid. p.3.

[14] Jaeger and Beckmann: Ibid., p. 21.

[15] W. Michael Reisman. "The United States and International Institutions”, in: Ikenberry, G. John (Hrsg.), American Foreign Policy, New York 2002, p. 41.

[16] Kai Oppermann and Alexander Höse, "Die innenpolitischen Restriktionen deutscher Außenpolitik“,

in: Thomas Jäger, Kai Oppermann and Alexander Höse (Hrsg.): Deutsche Außenpolitik, Wiesbaden i.E.,

p. 40.

[17] George W. Bush, National Security Strategy of the United States, Washington, DC: The White House, September 2002, p. 1.

[18] Gunther Hellmann, “Ex occidente Lux…Warum der deutsche Anspruch auf einen ständigen Sitz im UN-Sicherheitsrat schlecht begründet ist und wie Deutschland auf anderem Wege _dauerhaft mehr Verantwortung übernehmen’ kann“, in: Politische Vierteljahresschrift, Jg. 45 (2004), Heft 4, p. 482.

[19] Thomas Jäger and Rasmus Beckmann, "Die internationalen Rahmenbedingungen deutscher Außenpolitik“, in: Thomas Jäger, Oppermann, Kai and Alexander Höse (Hrsg.), Deutsche Außenpolitik, Wiesbaden i.E., p. 32.

[20] Beverly Crawford, Power and German Foreign Policy Embedded Hegemony in Europe, Macmillan Publishers Limited, Hampshire, 2007, pp. 1-3.

[21] Lecture by Professor Dr. Christian Hacke, "Die Bedeutung von Personen und ihren Beziehungen im deutsch-amerikanischen Verhältnis nach dem Zweiten Weltkrieg" {The Concept of Persons and their relations in the German-American relationship after the Second World War} 09.11.2006 im Rahmen des Hauptseminars Deutsche und amerikanische Außenpolitik im Vergleich des Lehrstuhls für internationale Politik und Außenpolitik der Universität zu Köln.) p. 11.

[22] Ibid. p. 11

[23] Beverly Crawford. Power and German Foreign Policy Embedded Hegemony in Europe, Macmillan Publishers Limited, Hampshire, 2007.

[24] Hacke, Ibid. p. 12

[25] Thomas Jäger, "Deutsche und amerikanische Außenpolitik im Vergleich“ Jeannine Hausmann, Köln Wintersemester 2006/2007, p. 11.

[26] Jäger, Ibid., p. 12.

[27] Kai Oppermann and Alexander Höse, "Die innenpolitischen Restriktionen deutscher Außenpolitik“, in: Thomas Jäger, Kai Oppermann and Höse Alexander (Hrsg.): Deutsche Außenpolitik, Wiesbaden i.E., p. 54.

[28] Oppermann and Höse, Ibid. p. 59.
المصدر مجلة علوم انسانية
اقرأ المزيد