241189572571696

الأحد، 9 مايو، 2010

تحولات الواقع الانساني في فكر ابن نبي



د/عبد الحفيظ بورديم (*)
توطئة
تقوم هذه الورقة على استدعاء الانجاز الفكري الذي شيده فقيه الحضارة رحمه الله و الهدف من ذلك هو التفكير المنهجي في الرسالة التي يجب أن يحملها الإنسان المسلم في الألفية الثالثة ، ويقتضي منا ذلك أن نعيد ترتيب العناصر المركبة للحضارة كما اهتدى إليها ابن نبي و هي ( الإنسان +الوقت +التراب)ولن تتحقق لها الفاعلية إلا بمركب الفكرة الدينية التي تحدث التو ثر الايجابي وتهيئ للخروج من دورة التخلف أي مرحلة الغريزة ،وعلى الرغم من أهمية هذه المعادلة ، فإن دواعي التأمل تجعلني اعتذر إلى الأستاذ ابن نبي لأعيد ترتيب العناصر لتصبح (القيمة +الإنسان +الزمن) .
لعلي أكون قد أسقطت التراب لأنه صار في أصله مشكلة و ليس عنصرا أهتدي في ذلك باتساع الكون لمجال حركة الإنسان المسلم ، فالأرض كلها جعلت للرسول ،صلى الله عليه وسلم ، مسجدا وطهورا و المسلم كالغيث أينما وقع نفع ، وقد علمنا كيف أن البلاد الإسلامية كلها نبضت بالحضارة في زمن ، و هي مثال للتخلف مند أكثر من قرنين ، و على الرغم من انفلات الأرض من يد الإسلام في عصور الاستعمار إلا أن الانتساب إلى الحضارة لم يمت في نفس الإنسان المسلم ، هنا تعلو القيمة بديلة عن الفكرة لأن القيمة تقتضي صفة الإطلاق و لو نتتبع سياقها في القران الكريم لوجدنا عجبا .
- الله هو القيوم «الله لا اله إلا هو الحي القيوم " البقرة 255
- الإسلام هو الدين الأقوم " إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات إن لهم أجر كبيرا" الإسراء 9.
- صراط النعمة هو المستقيم " اهدنا الصراط المستقيم " الفاتحة 6
- الإنسان مأمور بالاستقامة " فلذلك فادع واستقم كما أمرت و لا تتبع أهواءهم " الشورى 15.
ثم إن أقرب مسافة بين نقطيتين هي الخط المستقيم ؟ تمتلك القيمة إذن صفة الإطلاق لحصولها على خاصيتي الصدق و الصواب و ليس ذلك إلا لأنها تستمد الوحي في المنطلق و المصب كما يقول الدكتور عبد الرزاق قسوم ،و الإنسان بالتعبير القرآني لا يكون إلا كلا أو عدلا يكون كلا إذا افتقد القدرة على تمثل القيمة، و يصير عدلا حين يملأ واقعه بفقه القيمة ويجسد القيمة في فقه الواقع ، يقودني التأمل في النظم الأسلوبي للآيات الأولى من سورة الرحمن إلى التساؤل عن السر في تقديم تنزيل القران عن خلق الإنسان"الرحمان علم القران خلق الإنسان " لأقول و المجال مجال تدبر إن الإنسان قيمة تتحقق في إطار منظومة القيم القرآنية ، فإذا خرج عنها صار كائنا بشريا و كتلة من اللحم ، هو حينئذ في خسر و أسفل سافلين و أضل من الأنعام ، و على مثال الإنسان يكون الزمان إما للحياة و السير في الأرض و هو الذي يصطلح عليه دورة الحضارة ، و إما للنوم والضرب على الأذان و هو الذي يصطلح عليه مرحلة الغريزة أو التخلف أن التأمل في هذه العناصر الثلاثة يجعل :
- القيمة ثابتة ثبات إيجاب
- الإنسان و الزمن متحولين ينوسان بين الإيجاب و السلب .
اجتهاد ابن نبي :
و لطالما ركز فقيه الحضارة على ضرورة تأمل واقع المسلمين بله واقع الإنسانية كلها فلم يتردد في رصد مشكلاته و أمراضه و أهمها مشكلة الثقافة و لكنه في الوقت نفسه رأى أن رسالة و لكنه في الوقت نفسه رأى أن رسالة المسلم تتحدد في ضرورة إنقاذ الإنسانية و المسلم وحده هو المؤهل لذلك كتب ابن نبي شروط النهضة .
أو قل انه هندس قواعد الانطلاق الحضاري يقودنا هذا إلى مقاربة الاستفهام الأتي: هل تصور ابن نبي مستقبلا للإسلام في زمان الألفية الثالثة ؟ لتحقيق صواب القراءة لا بد من تحليل الواقع لإدراك المستقبل ، ارتأيت أن تتركب من ثلاثة محاور هي :
1- عقدة الانهزام
2- الغرب بفقد المسوغات
3- الإسلام و قيادة العالم
المحور الأول: عقدة الانهزام
افتقد العالم الإسلامي مند بدايات القرن التاسع عشر قوة الانتشار و انكمشت فيه أسباب الريادة فلم يأل العلماء جهدا في إسداء النصيحة مند جمال الدين الأفغاني حيث دعا السعيد النورسي إلى بناء الإنسان ، وشدد محمد عبده على إصلاح الزهر ، لكن عملاقا مثل الكواكبي لم يشخص الداء إلا في آفة الاستبداد و رجح أن بدء النهوض يكون بإقامة مؤسسات الشورى ، مسار العلماء هو مسار المعاناة ذلك أن واقع التردي يؤذيهم مرتين : مرة لشعورهم بقسوته و مرة لشعورهم بغفلة أفراد الأمة .
و هي معاناة كانت تطغى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى وجهه القران الكريم "فلعلك باخع نفسك على أثارهم أن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "الكهف 6 هل يغيب عنا أن الأرض بدأت تتناقص من أطرافها و لازلنا فرائس سائغة لاسترتيجية الاستكبار بالأمس كانت بلاد الإسلام كلها خاضعة في ذلة و اليوم يفرض على اندونيسيا أن تتخلى عن تيمور الشرقية ،ويحضر مثل ذلك في الجزائر و العراق ، و الحديث عن فلسطين مرير.
لم يكن هذا ليحدث لو لا أن الإنسان المسلم خرج من منظومة القيم القرآنية و صار فريسة محكومة بعقدة الانهزام ا و ما كان يسميه مالك بني نبي القابلية للاستعمار ، و هي اخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة في مقاتلها تتحد أمراض القابلية في أربعة : أولها العكوف على الأوثان ثانيهما الولوع بعالم الأشياء و ثالثها الاعتزاز بالأفكار الميتة و رابعها الاستسلام للغريزة ، وجميعها تقتل الهمم وتعطل الطاقات و تشل المبادرات ومن مثل هذا التشخيص اجتهد ابن نبي في تحرير العقل المسلم من النظرة الذرية التجزيئية و استعانته بالنظرة الكلية مكنته من وضع التفسير الثقافي لواقع التردي.
و هو تفسير يجعل التحضير مشروطا بمجموعة من السنن الاجتماعية و النفسية و أن التخلف مشروط بفقدنها أو فقدان و بعضها و قد نضرب لذلك مثلا ، أن القائمين على تسيير أسباب النهوض في الجزائر لا يجدون نموذجا ممكنا إلا في إطار التجربة الأوربية فاختاروا الاشتراكية نموذجا و لان أمثال البشير الإبراهيمي و عبد اللطيف السلطاني حذروا منها و ضعوا في الإقامة الجبرية ثم إذا بالاختيار ينقلب و يصير اقتصادا حرا غير موجه و لا ضابط له ، لقد تم التخلي عن شعارات مثل المجانية و المساواة و تكافؤ الفرص و العدالة الاجتماعية كانت تدغدغ بصورة مرعبة و رهيبة تثبت أن طاقات الفكر معطلة تعطيلا كاملا و لم تبق إلا عبقرية التقليد و هي عبقرية القردة .
و لان الكون لا يحتمل الفراغ صار البناء الثقافي في الغرب يصنع الإنسان الغالب حين منحه مسوغات الانتشار بالتفوق و تأسس في مشاهد الاندفاع للسيطرة على الأرض و لتمكين ذلك توزعت الأدوار بين رجال الكنيسة مثل دوفوكو و رجال العلم مثل وليام مارسيه الحرب و رجال الحرب مثل الجنرال بيجو كل ذلك لفرض الهيمنة المطلقة في مجالات الحياة الثلاثة و هي المجال الديني و المجال العلمي و المجال العسكري و السياسي ، حين تحرك دافع الاستكبار في الغرب وجد شرعية انتصاره في القابلية المشهد الحضاري و الثقافي للقرنين الماضيين ، و هذا يقودنا إلى استكشاف المحور الثاني .
المحور الثاني : الغرب يفقد المسوغات
لكن ابن نبي في محاضرته عام 1972 ، تصور إن معالم الأزمة الحضارية بدأت تتشكل بصفة طاغية و تمثلها " كأنه النهر قرب شاطئ البحر و قد بلغ المصب بعد أن تجمعت فيه جميع روافد من المياه التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد " ص 12. و هنا تتقلص قوة الدفع .
إذا كانت نهايات القرون الوسطى شهدت صدام العقل و الجهل ، فان نهايات القرن العشرين في تحليل ابن نبي تشهد فقد الغرب للمسوغات الأخلاقية و المعرفية نتيجة إقبال الشباب على المخدرات و الانتحار و شيوع العبث الفكري و الأدبي و كلاهما شاهد على أن الإنسان في إطار الحضارة الغربية فقد المعنى ، و هو لدلك قد وصل إلى ما يسميه فقيه الحضارة ى بنهاية التاريخ في قوله " يجب أن ينتهي التاريخ في نقطة ماكي يتجدد التاريخ من نقطة جديدة " ص27 ، هل يتناقض هذا مع الذي نراه من تضخم في تجميع الثروة وتعدد الاكتشافات ؟، يميز ابن نبي بين الإمكان الحضاري و بين الإرادة الحضارية و المر في نشوء الحضارة موكول بالإرادة أولا فهي توجه الإمكان و تضبطه ، لكن الإمكان وحده أشبه بجرعات السم التي تنخر رويدا رويدا حتى تبلغ ذروة الإهلاك و مثاله ثروة البترول ، الم تر كيف صارت نقمة بين أيدينا تستعدي علينا المستكبرين و نحن في غفلة لا هون ؟
المرتكز الأساس إذن هي الإرادة الحضارية أما الإمكان فليس إلا وسيلة صماء قد تصير آفة مدمرة يمتلئ وعي ابن نبي وقد حدد هذين المصطلحين خوفا على المستقبل الإنسانية بعد عام ألفين لأنها وصلت إلى ذروة الأزمة الحضارية الشمالية " لأننا لا ندري هذه الحقيقة كيف تنتهي هذه الحقبة من الزمن " ص 48،يقول ا بن نبي " يجب أن نعلن الإفلاس كي نشعر الناس و خصوصا الشباب بان هذا الإفلاس هو طريق البداية "ص 27 ، و هذا الاستكشاف المحور الثالث :
المحور الثالث: الإسلام و قيادة العالم
لو نتحدث عن المنهج عند ابن نبي و هو أشبه بالآلة التي تولد الأفكار عنده ، لقلنا انه تأمل واع في الكتابين و سعي إلى تنزيل القران في حركة الفكر و حركة الواقع ثم يكون بعد ذلك الاستدلال البر هاني و التمثيل البياني قد توجيه الفكرة من حالة الاقتناع إلى حالة الإقناع ،التوقع المستقبلي عند ابن نبي يستند إلى قراءة القران قراءة تدبر لا قراءة ترتيل لذلك يستشهد بقوله تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركين " الصف (9) .و الآية الكريمة تمنح فقيه الحضارة تفاؤلية سلبها منه واقع التردي ، و من رأى الواقع أصيب بالإحباط لكن الذي يقرأ القران يعلو به الإيمان ليرى المستقبل أفضل من الحاضر ؟و كذلك أيقن الصحابة الكرام يوم حاصرهم الأحزاب في المدينة و هم قلة مستضعفون أن بصرى الشام وقصور كسرى ستدين لهم و لان الدلالة في الآية قطيعة أعاد ابن نبي ترتيلها في حركة الفكر ، و رأى فيه الشاهد على أن " من يسير على الخط الحضاري كأنه يستدرج بأخطائه و باكتشافاته العلمية لتتهيأ لمن يسير على الخط الموازي ظروف ظهوره على مسرح التاريخ" ص35.
و العالم الإسلامي بما يحدث فيه من ارتفاع في عدد السكان اكتساب التجارب الجديدة حتى لو كانت سلبية دليل على أن القاعدة التاريخية والاجتماعية تهيأ لصالحه ، تصور ابن نبي أن بداية الألفية الثالثة ستكون مجالا لنهاية الصراع الإيديولوجي و بداية للصراع الديني و ما أصدقه فقد سقط القطب الشيوعي ، و انتهت الحرب الباردة و لكن منطق القوة استدرج الولايات المتحدة إلى الانغماس في الحرب الشاملة ضد الإسلام و المسلمين كانت عاصفة الصحراء ثم الاعتداء السافر على مصنع الأدوية بالسودان و تحطيم الطائر المصرية في أجواء الأمريكية ثم التدمير الشامل لأفغانستان بدعوى الانتقام تفجيرات 11 سبتمبر ، و التحضير لإبادة الشعب الفلسطيني كله ، و من غريب ما يحدث ن تتحالف الكاثوليكية و البروتستانتية مع اليهودية من جهة و يتحالف الإسلام مع الكنسيتين الأرثوذكسية و القبطية من جهة الأخرى ،لتنقل الصراع إلى التدافع الديني و تتحقق بذلك الآية 82 من سورة المائدة و التي تجعل اليهود و المشركين اشد عداوة للذين امنوا و تجعل أقربهم مودة النصارى لأنهم يستكبرون ، و لو قراء كيسنجر هذه الآية كما قرأها ابن نبي لنصح التحالف الأول بالتخلي عن الاستكبار ، لأنهم بذلك يدفعون الطاقة الكامنة في الكون إلى إعلاء دين الحق و ظهوره على الدين كله .
ظن فوكويا ما إن نهاية التاريخ تثبت الغطرسة الأمريكية و ظن هنتغتون أن تأجيج الصراع الديني يثبت الحضارة اليهودية الكاثوليكية و لكنهما لم يستوعبا أن منطق القوة المستكبرة خربت كل الحضارات السابقة إذا وضعنا تفاؤلية ابن نبي في إطار الزمن الذي أنشاها لأدركنا قيمتها ، التأكيد على التدافع الديني و غلبة الإسلام كان عام 1972 أي سنة قبل الحرب العربية الإسرائيلية و هو زمن كانت الحرب الباردة فيه تقطع الأنفاس و كان العالم الإسلامي رهينة لإحدى القوتين ، و لم يكن شيء يوحي بأن العالم سيتغير في نهاية القرن العشرين و يومها امتلك ابن نبي اليقين الإيماني الذي يسنده العقل البرهاني ،فتوقع أن تنقلب صورة العالم ليتهيأ الإسلام للقيادة ، و لكن ذلك لا يكون إلا بان يتخلص الإنسان المسلم من أمراض القابلية للاستعمار فيغير ما بنفسه حتى يغير الله ما به ، إذ فعل ذلك امتلك الإرادة الحضارية التي تؤهله إلى بلوغ مرحلة الإعجاز فيكون أعلى من ممكنات الحضارة القائمة و قادرا على قيادة العالم و تمكن الوظيفة الكبرى في تخليص المسلم من الكسل ، و تخليص الإنسانية من الاستهتار وضع ابن نبي مسارا يقيس به مرحلة امتلاك النهوض الحضاري وهو الشعور بالقداسة و الإسلام دين القداسة يطبع نفس الإنسان المسلم باحترام الكون من ابسط بذراته إلى أعظم مجراته و قد التفت ابن نبي إلى سلوك القداسة عند الجزائري و كان يتمثل في احترامه قطعة الرغيف فلا يلقيها أرضا و أن وجدها ملقاة سارع إلى تنظيفها و أبعادها عن موضع النجاسات ، و لان فقيه الحضارة رأى أن مثل هذا الشعور بدا يغيب من حياتنا الأخلاقية ، توقع أن أسباب النهوض الحضاري لن تتحقق في البلاد العربية إلا بعد أن تنشأ عند المسلم في آسيا اليوم و اليوم نشهد النمور المتحفزة في ماليزيا و اندونيسيا كأنما تصدق توقعه بل لعل حجاجنا جميعهم يشهدون أن أخلاقهم مثالية ، المهم أن الألفية الثالثة في تخيل ابن نبي هي ألفية الإسلام .
خلاصات :
1- الثلث الأخير من القرن العشرين شهد أزمة حضارية هي نهاية التاريخ الغربي .
2- استبصر ابن نبي أن التاريخ يبدأ تجدده بعد عام 2000 م
3- وهو تاريخ عودة الروح بشروط تغيير ما بالأنفس .
4- الألفية الثالثة ستشهد اندفاع الإسلام لإنقاذ الإنسانية من أزماتها .
________________________________________
(*) أستاذ محاضر بجامعة تلمسان *الجزائر
عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين*مكلف بالثقافة
bourdim@maktoob.com
مقتبس من موقع الشهاب

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق