التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأبعاد الجيوبوليتيكية للحوار العربي التركي الإيراني





د. مصطفى اللباد

تمهيد
لا تملك ترف أن تكون محايدا في الحوار العربي التركي الإيراني، فالروابط التاريخية والوجدانية تظل حاضرة في خلفية المشهد، فأن تكون مواطنا مصريا فهذا ينبع ببساطة من كونك ولدت من أبويين مصريين. ورغم تلك البساطة فإن تقلبات التاريخ تترك أثارها على وضعيتك القانونية والوجدانية أيضا، والمثال على ذلك أن أبي عاش شابا ليكون مواطنا في دولة الوحدة المصرية السورية، أي في الجمهورية العربية المتحدة.

أما جدي الذي ولد في نهايات القرن التاسع عشر كمواطن في مملكة مصرية تندرج –ولو شكليا- في الدولة العلية العثمانية، فقد كان مواطنا عثمانيا أو كما يقول الأخوة الأتراك: "عثمانلي وطن داشيم".

تقلب العصور السياسية والأشكال القانونية أمر طبيعي في منطقتنا، وأمر مفهوم أن تلعب الروابط الوجدانية والحضارية والتاريخية دورا مؤازرا في التقريب بين العرب والأتراك والعرب والإيرانيين والأتراك والإيرانيين.

ولكن على الناحية المقابلة ينبغي ملاحظة أن ملامح التاريخ والسياسة الدولية تغيرت بشكل جذري في عالمنا المعاصر، بحيث تصدرت المصالح الوطنية المشهد وأصبحت العوامل الوجدانية توظف كعامل من عوامل السياسة لخدمة المصالح الوطنية، والأمثلة على ذلك كثيرة عند العرب والأتراك والإيرانيين.

علينا النظر أيضا إلى الجوانب الإيجابية في التاريخ وليس فقط استحضار الجوانب السلبية التي لا يمكن أن نلغيها بقرار، بل تخفيف وطأتها بمزيد من الحوار الذي يلحظ المصالح الوطنية لكل الأطراف.


يتوجب علينا جميعا عربا وإيرانيين وأتراكا عدم الاستسهال في إسقاط صفة دينية على هذه الشريحة الجغرافية وعلى نخبها، وحصر إيجابيات هذا الحوار الهام في تيار سياسي بعينه، فهو أمر يناقض المنطق وما استقر من بديهيات العلوم السياسية. فلا توجد نخب إسلامية أو مسيحية أو يهودية، مثلما لا توجد جغرافيا لها ذات الصفات الدينية، بل نتعامل في هذا المنتدى مع نخب عربية وإيرانية وتركية بتعريفها القومي أساسا ولكن على أساس اختلافها في الانحياز الأيديولوجي وليس مع نخب توصف بمعتقدها الديني فقط.

كما أعتقد أننا باعتبارنا عربا مطالبون بالخروج من عقلية "الضحية" المسيطرة على شريحة كبيرة من نخبتنا، وهو الأمر الذي يشل تفكيرنا ويكبل حركتنا إلى الأمام وباتجاه المشاركة في صنع التاريخ، الذي لا يتشكل من "مؤامرات" مثلما لا يتشكل من توالي المصادفات.

ربما ينبغي علينا تذكر التجربة التاريخية لكل من تركيا وإيران، حيث نشأت الجمهورية التركية على أقل من نصف مساحة السلطنة العثمانية التي فقدت أطرافها الأوروبية غربا والأفريقية والآسيوية شرقا وجنوبا.

وعلى ذات المنوال تبلغ مساحة إيران الحالية بالكاد ثلثي مساحة إيران القرن التاسع عشر، بعد أن خسرت أفغانستان جنوبا وأجزاء شاسعة من القوقاز شمالا.

وبالرغم من ذلك لم تمنع تلك الخسائر الفادحة تركيا وإيران من العودة بقوة، بعد أقل من قرن ونصف، للانطلاق في معارج التقدم وصنع تاريخ المنطقة.

الأبعاد الإستراتيجية

توجد الأمم الثلاث العربية والإيرانية والتركية على رقعة جغرافية لها أبعاد جيوسياسية أكثر من أي رقعة غيرها على سطح الكرة الأرضية.

ببساطة نحن نتحدث عن منطقة تمتد في خاصرة العالم مثل الشريحة الأفقية التي تبدأ من المغرب في الغرب وحتى مشهد في إيران شرقا، ومن تركيا في الشمال وحتى اليمن في الجنوب.

وهذه الشريحة الأفقية ليست كمثل غيرها، ليس فقط بسبب احتياطات الطاقة الموجودة في أراضيها، بل لأن هذه المنطقة بسبب موقعها الجغرافي المتحكم في الطرق البحرية الدولية، حددت وما زالت تحدد مسارات الصعود والهبوط للقوى العظمى منذ القرن التاسع عشر على الأقل وحتى الآن.


ويعود السبب في أهمية الطرق البحرية الدولية إلى أن الشطر الأعظم من التبادل السلعي بين دول العالم المختلفة يتم عبر السفن لرخص تكاليف النقل مقارنة بالطائرات، وهو ما يعزز أهمية البحار والسيطرة عليها في حسم الصراعات الكونية. تجد التصورات الجيوبوليتيكية الكونية سياقها الأساس في الصراع الذي تعتبره حتميا بين "التيلوروكراتيا"، أي القوى البرية، و"التالاسوكراتيا"، أي القوى البحرية. جسدت روسيا القيصرية القوى البرية، في حين قادت بريطانيا العظمى القوى البحرية، طوال القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كرست الولايات المتحدة الأميركية نفسها قائدة للمعسكر الغربي بالمعنى السياسي، ولقواه البحرية بالمعنى الجيوبوليتيكي.

أما روسيا قائدة القوى البرية فقد اندرجت تحت عباءة الاتحاد السوفياتي لمواجهة القوى البحرية وزعيمتها الولايات المتحدة الأميركية، ليخوض قطبا الجيوبوليتيك الكوني صراع القرن العشرين الذي ربحته القوى البحرية، كما ربحت صراع القرن التاسع عشر من قبله. لكن التصورات الجيوبوليتيكية الروسية تعتقد أن هزيمة القوى البرية لا تعدو أن تكون ظاهرة مؤقتة، تعود بعدها روسيا إلى أداء رسالتها القارية، تلك التي تأخذ في الحسبان كل العوامل الجيوبوليتيكية التي أغفلتها تجربة روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي السابق، لتحقق في النهاية انتصارها الذي تراه حتميا على القوى البحرية.

وحتى تتحقق الأفكار المؤسسة للجيوبوليتيك الروسي الجديد على أرض الواقع، يجب أن تعمل روسيا على تكوين محاور جيوبوليتيكية جديدة، منها محور موسكو طهران. ويحقق هذا المحور لروسيا -أكبر بلدان العالم من حيث المساحة- والمفتقرة إلى منافذ بحرية على المياه الدافئة التمدد والوصول إلى الخليج العربي، وهو هدف جيوبوليتيكي ظلت موسكو قرونا طويلة تسعى إليه ولا تتمكن من تحقيقه. ووفق هذا التصور تحتل إيران مكانتها لدى موسكو باعتبارها الشريك الوحيد لروسيا في منطقة الشرق الأوسط والذي يسمح لها بالوصول إلى الخليج سياسيا.

على ذات النسق، تركيا لها موقع مركزي في الإستراتيجية الأميركية ليس للاعتبارات الأيديولوجية بل للاعتبارات الجيوبوليتيكية أيضا، ومرد ذلك أن الرقعة الجغرافية التي تنهض عليها تركيا كانت وما زالت لبّ منطقة الأوراسيا ومركز دائرتها.

وتعتبر القوة البحرية الحالية (الولايات المتحدة الأميركية) المنطقة الأخيرة أساسا لسيطرتها الكونية، بسبب أنها تحبس وتحاصر القوة البرية (روسيا) وتمنعها من الوصول إلى البحار المفتوحة.

تطل تركيا بعبقرية على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، كما تفصل روسيا عند البحر الأسود وتمنعها من الوصول إلى مياه البحر المتوسط الدافئة وكأنها شريحة جغرافية هابطة من السماء بين البحرين الأسود والأبيض. من ناحيتها تمتلك الدول العربية مفاتيح أساسية في الصراع الجيوبوليتيكي العالمي ولا يمكن تصنيف إمكاناتها فقط في خانة موارد الطاقة من نفط وغاز.

فالدول العربية تطل على المضايق المتحكمة في السلسلة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الأوسط شرقا وحتى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية غربا، أي في مضايق هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق. وتشكل هذه المضايق عنق الزجاجة للسلسلة البحرية الأهم في نصف الكرة الغربي، تأسيسا على ذلك لا يمكن حصر أهمية الدول العربية في النفط والغاز فقط، بل إن جغرافيتها السياسية لا تقل عن -إن لم تتفوق على- الأهمية الجيوبوليتيكية لكل من إيران وتركيا في حسم الصراعات الكونية.

تأسيسا على ذلك تعد الشريحة العربية الإيرانية التركية الشرط الأساسي للسيطرة على جغرافيا العالم، وهو ما يصنع مشتركا جيوبوليتيكيا بين الأطراف الثلاثة يمكن إضافته إلى مشتركات الثقافة والجغرافيا والتاريخ بينها، وصولا إلى درجات أعلى من التنسيق والتعاون الإقليميين. وربما يكون البدء في تكوين "مجلس حكماء" من المثقفين والمتخصصين والشخصيات السياسية كآلية من آليات فض المنازعات بالمنطقة، بداية الطريق الطويل نحو إعادة اكتشاف سكان المنطقة لمصالحهم المشتركة.
_______________
مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية- القاهرة.
المصدر: الجزيرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بحث عن التنمية المستدامة ( البحث منقول)

مقدمة الفصل: لقد أستحوذ موضوع التنمية المستدامة اهتمام العالم خلال 15 سنة المنصرمة وهذا على صعيد الساحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية ،حيث أصبحت الاستدامة التنموية مدرسة فكرية عالمية تنتشر في معظم دول العالمي النامي والصناعي على حد سواء تتبناها هيئات شعبية ورسمية وتطالب بتطبيقها فعقدت من أجلها القمم والمؤتمرات والندوات.ورغم الانتشار السريع لمفهوم التنمية المستدامة منذ بداية ظهورها إلا أن هذا المفهوم مازال غامضا بوصفه مفهوما وفلسفة وعملية ،ومازال هذا المفهوم يفسر بطرق مختلفة من قبل الكثيرين ولذلك فقد تم التطرق في هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين:المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامة;المبحث الثاني: محاور أساسية في التنمية المستدامة;المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامةبدأ استخدام مصطلح التنمية المستدامة كثيرا في الأدب التنموي المعاصر وتعتبر الاستدامة نمط تنموي يمتاز بالعقلانية والرشد، وتتعامل مع النشاطات الاقتصادية التي ترمي للنمو من جهة ومع إجراءات المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية من جهة أخرى، وقد أصبح العالم اليوم على قناعة بأن التنمية المستدامة التي تقضي على قضايا التخ

عوامل قوة الدولة

ان لعوامل القوة المتاحة للدولة دور كبير في تحديد مكانتها على الساحة الدولية لكن قبل التعرض لهذه العوامل يجب علينا ان نعرج على بعض المفاهيم إن القوة ـ كما أوضحت تعريفاتها ـ ليست التأثير ، وإنما القدرة على التأثير . وتستند هذه القدرة على امتلاك الدولة إمكانيات (خصائص ، موارد ، قدرات ، مؤسسات) معينة تشكل مقومات القوة القومية Elements of National Power التى تمكنها من التأثير على سلوكيات الدول الأخرى فى الاتجاهات التى تحقق مصالحها، كالمساحة الجغرافية ، وعدد السكان ، والموارد الطبيعية ، والقدرات الإقتصادية ، والقوة العسكرية ، والبنية التكنولوجية ، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية ، والحالة المعنوية للشعب ، وغيرها . لكن ، على الرغم من أن هذه الإمكانيات المتداخلة تشكل فى مجموعها عوامل القوة الشاملة لأى دولة ، فإن هناك اختلافات أساسية فيما بينها ، ترتبط باعتبارات عملية ، تتصل بالقدرة على استخدامها فى عملية التأثير ، خاصة خلال المواقف التى يتعرض ف

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة جابر سعيد عوض ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 20ص. شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها. لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال"بارسونز" parsons، و"هومانز" Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في