241189572571696

الأربعاء، 19 مايو 2010

الرؤية الإستعمارية لألكسيس دي توكفيل، الجزائر أنموذجا


إضافة صورة


الاثنين, 17 مايو 2010 14:57 أ. عفاف عنيبة
عثرت فى "الرسالة الثانية عن الجزائر" لألكسيس دي توكفيل* على الملامح البشعة للإحتلال الفرنسي عبر قلم وفكر رجل ينظر إليه على أنه أحد أكبر الشخصيات الفرنسية عبر القرون!! بعد شهور من مطالعتي للكتاب رأيت أن من واجبي أن أحرر مادة محاضرة حول الرؤية الإستعمارية لألكسيس دي توكفيل ومساهمته الفعلية في رسم معالم خطة إحتلال الجزائر. فالرجل إعتبر إستعمار الجزائر فرصة ذهبية لفرنسا لتقيم هناك مستعمرة نموذجية تحقق لبلده الإمتداد والنفوذ الضرورين لقوة فرنسا المتعاظمة.
1- النظرة الإستعلائية لألكسيس دي توكفيل:
أول ما يسترعي إنتباهنا عندما نقلب نظرنا في الفكر السائد في القرن السابع والثامن والتاسع عشر ميلادي في أوروبا هي نظرة الإستعلاء التي تطبع الفكر الغربي. فمفكرون وأدباء مثل الأديب السياسي ألفونس دي لامارتين أو فيكتور هوغو، أو ألكسيس دي توكفيل السياسي والمؤرخ وعالم الإجتماع نراهم يحللون ويفكرون وفق معايير تحقر من شأن الشعوب غير الأوروبية، معتبرين إياها خارجة عن السياق الحضاري والتاريخي لأوروبا مسيحية متقدمة ومتطورة في جميع المناحي الحياتية. ففكرة إحتلال الجزائر كانت تداعب مخيلة الكثيرين من رجال السياسة والفكر الفرنسيين بإعتبارهم في حاجة الى إمتداد جغرافي وإقتصادي وثقافي ليجلبوا ما سموه بالحضارة إلى الشعوب المتوحشة وهكذا محوا بجرة قلم الوجود الحضاري للدولة العثمانية والتي كانت آنذاك تعرف فترة انحطاط بالنظر إلى تخلي السلاطين العثمانيين عن قيم العدل والفضيلة وطلب العلم المستمدة من الشريعة الإسلامية ولجوءهم إلى محاولات إصلاح تارة رمزية وتارة أخرى مستنسخة من الغرب المسيحي العلماني والتي لا تتلاءم وخصوصيات ومكونات وعقيدة المجتمعات المسلمة التي كانت تنضوي تحت لواء الدولة العثمانية. فالتباين على مستوى التطور العلمي كان شاسعا بين أروبا النهضة والرحلات الإستكشافية والإصلاحات السياسية وبين عالم إسلامي إستبدت به الأهواء وقد تخلى عن سر إزدهاره لأكثر من 700 سنة ألا وهو العمل بمبدأ الإجتهاد والتجديد وفق متغيرات العصر وتحكيم مبدأ العدل وطلب العلم.
فذلك الإنحطاط الذي كان يسود ربوع العالم الإسلامي أتاح الفرصة لإستقواء أوروبا المسيحية الصليبية التي لم تغفر للمسلمين وحضارتهم ودينهم أنهم هددوها في عقر دارها بحيث وصلوا عبر البريني الفرنسية إلى بواتية وإلى أسوار فيينا في 1529م، حاملين معهم نظام وفلسفة حياة مخالفين لرسالة البابا والكنيسة الكاثولوكية في روما. فقد كانت هناك جماعتين تتنازعهما رغبة الإنتقام. المجموعة الأولي هي ما يسمي برجال الدين والكهنوت المسيحي التي أرفقت جيش فرنسا بجيش آخر من القسيسين والمبشرين المسيحيين والمجموعة الثانية السياسيين والمفكرين الفرنسيين الذين كانوا ينظرون إلى ما وراء البحر والأطماع تحدوهم في ضم أرض ودولة أزعجتهم سيطرتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط. فالنظرة الإستعلائية التي قادت رجال مثل دي توكفيل إلى تأليف رسائل حول كيفية مساعدة الدولة الفرنسية على إحكام قبضتها على الجزائر هي من كانت ولازالت وراء عدم إعتراف فرنسا بجرائمها وماضيها الإستعماري البشع في الجزائر وباقي مستعمراتها!!
وكما جاء في مقولته المشهورة "لا نستطيع أن نحكم أمة لمجرد أننا هزمناها." فقد كلفت السلطات الفرنسية المفكر دي توكفيل بدراسة المجتمع الجزائري بغية تسهيل إدارة الدولة الفرنسية لشؤون مستعمرتها الجزائر. فدائما ما تسند مهمة دراسات المجتمعات المزمع إحتلالها لرجال مستعدين للدوس على ضمائرهم وقيم الحق والعدل لينجزوا المهمة القذرة. وفي معظم الأحيان يغلب على هذه الدراسات طابع العنصرية بإعتبار أن الشرائح الإنسانية المدروسة ينظر لها كأنها جماعات لا إرادة لها ولا شخصية وحتى حينما يأخذ بعين الإعتبار عامل الهوية والإرادة المستقلة، نرى هذه الدراسات تدعو إلى كسر هذه الإرادة وطمس معالم الهوية وهذا ما وقع في الجزائر. فالجيش الفرنسي إصطدم بقبائل جزائرية وبسكان عاصمة لم ينكسروا أمام الإنسحاب العثماني وما بيعة الأمير عبد القادر الجزائري على قيادة القبائل في وجه جيش الإحتلال إلا تعبير صارخ عن الإرادة الصلبة للجزائريين بعدم الإعتراف بالهزيمة أمام فرنسا. وأورد فقرة جاءت في كتاب "تاريخ الجزائر": " وإن كانت الجيوش الفرنسية وجدت مقاومة عنيفة في ميناء سيدي فرج، فعندما دخلوا مدينة الجزائر وجدوها صامتة يسودها سكون رهيب ووجدوا أنها خالية وكانت دهشة الفرنسيين لهذه المقابلة عظيمة، إرتسمت أثارها على وجوههم وظهرت على حركاتهم. وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي الشهير كاميل روسيل (لم يحاول الفرنسيون أن يخفوا إنطباعات غريبة مع أن المدينة لم تكن خالية تماما فهنا تشهد تاجرا يقبع أمام دكانه المغلق، وهناك تلمح أشباح نساء إسرائيليات فوق سطوح المنازل، وفي ملتقي الطرق، كانت جماعات قليلة من الجزائريين والأتراك تدخن في صمت ثقيل) ولئن كانت هذه المناظر كلها تمثل للفرنسيين مشاهد للفرجة إن الجزائريين لم يعيروا الفرنسيين أدنى إهتمام، وكأنهم لم ينتبهوا فعلا لوجودهم. ثم قال كاميل روسيل: إن هذا الإحتقار الواضح الذي قوبل به جنود الإحتلال الفرنسي هو الذي جعل هؤلاء المنتصرين، يستغربون ويتعجبون من هذا الوضع. لقد كان هذا المنظر من مظاهر الإحتفاظ بالكرامة، وهذا الهدوء الرزين الذي لجأ إليه الجزائريون، هو الذي أقلق الفرنسيين إذ بدا لهم كأنه تحد جارح لإنتصارهم."
2- أكذوبة المهمة الحضارية لفرنسا:
ونبدأ بأول جملة تكشف القناع عن المهمة الحضارية لفرنسا فى الجزائر: "عندما نكون قد تعرفنا على اللغة، الأحكام المسبقة وتقاليد العرب، وبعد ما نكون قد ورثنا إحترام الرجال، الإحترام الذي يحملونه دائما نحو حكومة مستقرة، سيكون متاح لنا أن نعود شيئا فشيئا إلى عاداتنا وفرنسة البلاد من حولنا." هذا ما كتبه ألكسيس دي توكفيل فرنسة البلاد! فرنسة الجزائر، فرنسة الشعب الجزائري ولا يفهم من الفرنسة فقط تثبيت اللغة الفرنسية على اللسان الجزائري بل تتعدى مهمة الفرنسة إلى التمسيح وهذه شهادة للسفير التركي المتقاعد السيد أونارت :"عندما زرت الجزائر، إسترعى إنتباهي وأنا أتجول فى طول وعرض هذا البلد حرص المحتلين الفرنسيين على تشويه معالم العمران الجزائري الأصيل بوضع أمام المساجد والبنايات ذات الطابع الإسلامي بنايات وعمران ذات طابع غربي فرنسي صرف وهذا في محاولة منهم لطمس معالم الشخصية الجزائرية المسلمة!" فالإحتلال الفرنسي كان أحد أبشع أنواع الإستعمار فقد هاجم منذ البداية أسباب تماسك ووحدة الشعب الجزائري والنتيجة كانت فظيعة بحيث كاد هذا الشعب تحت ضربات الفرنسة والتمسيح أن يفقد أسباب عزته ورموز هويته ومضامين إنتماءه الديني. غير أن القدر وإرادته الذاتية في المقاومة نجحت في إنتشاله من الجب الذي أوقعته فيه سياسة فرنسا الرامية إلى سلخه عن جذوره. إلا أن سياسة السلخ التي عملت فرنسا على نهجها تجاه الشعب الجزائري بكل فئاته، تصدى لها كبار المفكرين والأدباء الفرنسيين، ففيكتور هوغو كان ينظر إلى الجزائر على أنها أرض تقطنها مجموعة من المرتزقة والقرصان!! فكان يرى وهو الساخط على مستوى تدني الحريات فى بلده فرنسا، أقول كان يرى فيكتور هوغو أن فرنسا لها دور تنويري فى الجزائر!!
ومن حق الشعب الجزائري على أمثاله من شعراء وكتاب ومفكري فرنسا أن يأخذوا بيده ليخرجوه من حالة التوحش الذي كان عليها ليصل إلى بر الأمان بفضل علم وثقافة فرنسا الراقية!! مدهش!! نحن من إفتتنا بأشعار فيكتور هوغو بمصائب غفروش رمز الثورة الفرنسية ومعاناة جان فال جان فى رائعته "الأشقياء" هذا الرجل الفرنسي لم يستطع إخفاء الوجه القبيح الخفي للإستعمار والعنصرية والحقد الصليبي على الجزائر وشعبها. فما تكبدناه على مدى قرن وثلاثة عقود من الإحتلال الوحشي لا نستطيع أن نستعرضه في بضعة صفحات، فأخطر ما نعانيه إلى حد اليوم هو حالة الإستلاب التي تعيشها الشخصية الجزائرية، فنشأت أجيال الإستقلال مبتورة الجذور أو هكذا أريد لها. فهي لا تحسن الحديث باللغة العربية ولا ترى في إنتماءها لدين الإسلام وحضارته إستردادا لمكونات شخصيتها التي عملت فرنسا الإحتلال على إقتلاعها بقوة الحديد والنار تارة وبسياسة الحيلة والمكر تارة أخرى. فصار الجزائري متغربا وغريبا على ذاته وهذا بإرادة قسرية منه، فألكسيس دي توكفيل كان يرى أن الجزائر أرض صالحة للإستغلال ولمد فرنسا بقوة عسكرية وسياسية ستسهل عليها مهمة الإستيلاء على بقية أجزاء العالم الإسلامي الذي كان يعرف إنحطاطا رهيبا. والتنافس كان على أشده بين فرنسا والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بريطانيا العظمى!! فالرجل كان مقتنعا تماما بأنه بوسع فرنسا إستعمال وسائل أخرى غير الحرب لكبح جماح الشعب الجزائري وإحكام قبضة الإحتلال عليه، فهو كعالم إجتماع ومفكر كان يري في تشريح المجتمع الجزائري بتسليط الضوء الشديد على تركيبته الإجتماعية وعلى منظومة قيمه وخصائص دينه، إمكانية ترويضه دون الحاجة إلى سلاح العسكر الفرنسي. لهذا حرص دي توكفيل على مساندة مهمة فرنسا الإستعمارية بدراسة المجتمع الدراسة العلمية التي سنكتشف فيما بعد أنها كانت أقوى سلاح في أيدي فرنسا الإستعمار لتتمكن من مواجهة عداء الجزائريين لوجودها والذي عمل بعضهم على الإلتفاف حول الأمير عبد القادر ضد فرنسا والبعض الآخر تمترس خلف الباي أحمد في قسنطينة وبعضهم فضل مواجهة جيوش الإحتلال بالرجوع إلى إمكاناته الذاتية وخبراته ولنا في مقاومة البطلة لالا تسومر أفضل مثال على ذلك.
من بين الملاحظات الخطيرة التي دونها دي توكفيل في رسالته الثانية وهي تتعلق بجهل فرنسا لواقع الجزائر آنذاك، أرد لكم هذه الفقرة (لم تكن لدينا أي فكرة واضحة عن مختلف الأعراق التي تقطن بها ولا أخلاقهم، لم نكن نعرف كلمة عن اللغات التي كانت تتكلمها شعوبها، البلد ذاته، ثرواته، أنهاره، مدنه و مناخه لم نكن نعرف شىء عن كل هذا...) ما يهمنا من هذه الفقرة حديث دي توكفيل عن إختلاف الأعراق واللغات والشعوب، ألا يتهيأ لكم أن الرجل لم يكن يتكلم عن الجزائر بل عن بلد كما كان يريد أن يراه هو؟ منذ متى كان ينظر الشعب الجزائري فى 1830 إلى نفسه أنه عدة أعراق وعدة شعوب وله عدة لغات في وقت واحد ؟ فهذا محض خيال. نعم كانت هناك تعددية عرقية في الجزائر ولكن في ظل الإسلام كان الناس إخوة في الله ولا فضل على بعضهم البعض إلا بالتقوى، و كيف يوصف شعب وحده الدين إلى عدة شعوب؟؟؟ و كيف تعددت اللغات التي كان يتحدث بها بينما كانت العربية هي اللغة التي تربط بين كل الجزائرين على إختلاف أعراقهم ومشاربهم. فاللغة العربية كانت لغة بلاط الأمير عبد القادر الجزائري وهو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، فكيف بهذا الفرنسي دي توكفيل يزعم أن للجزائر عدة شعوب وأعراق وعدة لغات؟ نحن نشهد عبر هذه الفقرة تصميم الإستعمار الفرنسي المبكر في تشتيت وتجزأة وتفرقة ما كان يمثل وحدة متماسكة. فمفتاح السيطرة لدى القوى الإستعمارية كان الإحتكام إلى سياسة فرق تسد. فالمفكر السياسي الفرنسي تعمد تجاهل عامل جد مهم في الهوية الجزائرية، أن الحماية العثمانية للجزائر كانت مسلمة وأن غالبية السكان من بربر كانوا يدينون بالإسلام، والخلافات التي كانت تنشب من حين إلى آخر بين رموز الحماية العثمانية وبين رؤساء القبائل لم تتحول قط إلى نزعة جماعية للجزائرين إلى التخلص من الوجود العثماني. فإستنجاد الجزائريين بالعثمانيين في القرن الخامس عشر لمواجهة الإحتلال الإسباني عبر في الأساس عن الوعي التام للجزائريين بأن ما يهمهم قبل كل شيء هو أن تبقي أرضهم تحت راية الإسلام أمام الإعتداءات الصليبية الإسبانية المتكررة على السواحل الجزائرية، وتوجه الجزائريين إلى قبطان عثماني ماهر كخير الدين عروج (و هو من أصول يونانية وأسلم مع إخوانه) مكنهم من إنقاذ جزء كبير من أراضيهم وإنتزاعها من أيدي الإسبان. ولنعود الى محتوى الفقرة المذكورة في الأعلى لنستشف الإرادة المبيتة لدى توكفيل في خلق على الأرض واقعا مختلفا عما كان عليه قبل الإحتلال الفرنسي للجزائر ولا ينبغي لنا أن ننسى أن الجيش الفرنسي في بداية غزوه للجزائر تمركز في المناطق الساحلية وجيوب ضيقة من الداخل، مما جعله يستنجد بأمثال دي توكفيل ليرسم له الخطوات القادمة في توغله داخل الأراضي الجزائرية. أول ما عمل الرجل على تبيانه هو معرفة خصائص وصفات سكان الجزائريين وأظهر عبر ما قاله آنفا الرغبة الدفينة في البحث عن نقاط القوة والضعف لمختلف الجماعات البشرية وإظهار الكيفية التي ستسهل على المحتلين عملية الإحتلال دون إراقة كبيرة لدماء جنودهم !!
سيصطدم قارىء الرسالة الثانية عن الجزائر بتشخيص مريب، منذ البداية كان التصنيف البشري لسكان الجزائر قائم على نية غير بريئة، فهؤلاء بربر وأولئك عرب فنقرأ هذه الفقرات: "القبائلي إيجابي أكثر أقل إيمانا وأقل حماسة بكثير من العربي، فعند القبائل الإنسان هو تقريبا كل شيء والمجتمع تقريبا لا شيء وهما أبعد للإنصياع بشكل جماعي لقوانين حكومة واحدة شكلت منهم على أن يتبنوا نظامنا." و هذا الوصف ظالم لإخواننا البربر لأن أهم المماليك التي توالت في الجزائر منذ الفتح الإسلامي كانت بربرية بالأساس، لماذا هذا الوصف الخبيث الذي يريد أن يوحي لنا صاحبه بأن أبناء جرجرة أسهل على التطويع و التدجين من بقية إخوانهم الجزائرين؟
ثم إن الرجل أوهمنا بأن الدولة العثمانية تركت بلدا ضعيفا واهنا تعمه الفوضى والأحقاد، كيف نفسر إذن تفكير الجزائريين في بحثهم عن زعيم يترأسهم لمواجهة الغزاة؟ فالجزائريون لم يضيعوا وقتهم في محاسبة العثمانيين وتخلفهم عن ممثليهم في الجزائر الذين بذلوا ما بذلوه لصد العدوان، بادروا فورا إلى لم صفوفهم وجمع الأنصار حول لواء المقاومة والصمود. هذا ما كانت عليه الأوضاع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في وطننا. بل كان هناك إيثار فريد من نوعه، ألم يتنازل والد الأمير عبد القادر لصالح إبنه وطالب قبيلته وبقية الوجهاء بمبايعة عبد القادر الجزائري؟ ألم يلتف سكان الشرق حول الباي أحمد ذو الجذور التركية الجزائرية؟ بل ذهب ألكسيس دي توكفيل الى نقد سياسة فرنسا في إعطاء الأمير والباي سلطة على أراضي ومساحات شاسعة في الغرب والشرق والصحراء، فهو لم يكن راض على هذه السياسة وكما قال" إذا ما تنازلنا لهم عن كل هذه الأراضي فنحن نقوي شوكتهم وهذا غير مقبول!" وهذه إحدى الأسباب الرئيسة في تقسيم وزرع بذور الفتنة وسط شعب واحد، فألبوا جزائريين ضد بعضهم البعض وعولوا بشكل كبير على دور الخونة والعملاء وعلى حفنة من المنبهرين بقوة فرنسا وتطورها.
فأقترح توكفيل إنشاء دولة تعمل لحساب فرنسا في الجزائر، محذرا من فوضى القبائل وإنقلاباتها. تحصين الحدود هذا هم آخر عمل الرجل على ضمانه. وفي معرض حديثه عن الموضوع قال حرفيا:
"علينا أن نعود هؤلاء العرب على تدخلنا في شؤونهم فيألفوننا. لأنه بإستطاعتنا تخيل أن شعب متحضر مثل الشعب الفرنسي ودرجة تقدمه قادر على التأثير بشكل لا يقاوم على تجمعات بشرية شبه وحشية فيجبرها على الإندماج فيه !!" الشعب الذي سيطر على حوض البحر البيض المتوسط والذي أرغم الجيش الفرنسي عدة مرات على التقدم والإنسحاب والتراجع يوصف بأنه شبه وحشي! ووحدها أنوار فرنسا المتقدمة تفرض عليه الإندماج والرضوخ للإنضمام إلى فرنسا الحضارة. وهذا ينم عن تجاهل صارخ لتاريخ الجزائر وأسباب قوتها الداخلية والخارجية. فمهما إختلفت القبائل فيما بينها لم تكن مستعدة للسماح للأجنبي بالسيطرة على البلاد. و الأرض التي كان يقتات من قمحها شعب فرنسا المتنور يستحيل عليها أن تنجب شعب من المهزومين والمتواكلين. والقروض الممنوحة للدولة الفرنسية من طرف الدولة الجزائرية ألم تكن تمثل وجه من وجوه الثراء والإستقرار؟ كيف تختزل كل هذه العوامل ليلصق بالجزائر وشعبها وصف قبيح كهذا "تجمعات بشرية شبه متوحشة ؟" هل هي ذهنية الغربي المتعالية والتي ترى دائما في الآخر، مستوي متدني من الإنسانية؟
عمد منذ البداية دي توكفيل الى الحط من شأن سكان الجزائر، بغية تسهيل عملية إخضاعهم. حذر من المخاطر التي تنجم عن تجاوز الواقع كما هو لكنه أعطى المبررات الكافية لجعل هذا الشعب سهل الإنقياد. فحلمه في أن يجعل الشعب الفرنسي والشعب الجزائري شعبا واحدا يتماهي وفكرة ذوبان الثاني في الأول وهذا ما تطالب به فرنسا القرن الواحد والعشرون مهاجريها المسلمين. هل إستساغ الجزائريون هذا المنطق الأخرق؟ أظهروا بما لا يدعو للشك مقاومتهم العنيفة لمثل هذا المنطق. فالجزائري سيظل جزائريا والفرنسي فرنسيا. فهو في موضع يشنع بتنازلات فرنسا كما كان يتهيأ له وفي موضع آخر يدعو للإستفادة من إختلاف الأمزجة والطباع بين أبناء الشعب الواحد لإمتصاص غضبهم وإستغلال كل ما من شأنه أن يضاعف في قدرة فرنسا على الهيمنة والسيطرة. وهو القائل في رسالته:"تقضي مصلحتنا أن تكون هناك حكومة واحدة عند العرب، مصلحتنا أكبر أن لا نتركهم تحت سلطة حاكم واحد. لأن الخطر سيفوق مصالحنا. فيهمنا كثيرا أن لا نترك العرب في فوضي، والذي يهمنا أكثر أن لا نسمح لهم بأن يصطفوا في جبهة واحدة ضدنا." فعارض القضاء على سيادة بعض القبائل المستقلة عن حكم الأمير عبد القادر بل شجع على دفع القبائل إلى المزيد من الإستقلال و الإنفصال عن بعضهم بعض، ففي التفرقة أمن لفرنسا وضمان لمصالحها. فقبول دي توكفيل بمبدأ إحترام إستقلالية بعض الجماعات والتحكم فيها بشكل غير مباشر ما هو إلا طريقة ذكية في كسب ودهم وولاءهم. فعن أي تقدم وأي حضارة نعم بها الشعب الجزائري في ظل الإستعمار الفرنسي البغيض؟ هل هي أوهام منتصرين متغطرسين أم أنها أحلام لمرضى بعقدة التفوق؟
3- تناقضات ألكسيس دي توكفيل:
حاول منذ البداية أن يشجب الحرب كوسيلة للإستيلاء على الأراضي، واصفا ذلك بما يلي: "عدت من إفريقيا بإنطباع أننا نخوض حرب بشكل بربري أكثر من العرب أنفسهم! لم نكن في حاجة لنعوض الأتراك لنكرر ما جعل العالم يمقتهم. فهذا بالنظر إلى المصلحة مضر غير مفيد. كثيرا ما سمعت في فرنسا رجال أحترمهم ولا أؤيدهم أدانوا حرق المحاصيل وسجن المجردين من السلاح من الرجال و النساء والأطفال. فهذه أمور بالنسبة لي أشياء ضرورية و مقرفة. غير أنها لازمة لأي شعب يحارب العرب. أظن أن حق الحرب يجيز لنا حرق المحاصيل في مواسم الحصاد وفي كل الأوقات علينا القيام بهجومات نستولي فيها على الرجال والماشية." هذا الكلام لرجل يمقت الحرب ومعارض للإستعباد وإبادة الهنود !! هذا التناقض العجيب بين قناعات متضادة دلالة على الحكم بمقياسين وميزانين. فما يصلح لهؤلاء لا يصلح لأولئك. أودت هذه الإزدواجية بمصداقية المؤسسة السياسية والعسكرية الغربية. فقد كان يري دي توكفيل أن الإستعمار الفرنسي يصطدم بثلاث عقبات رئيسية وهي على التوالي:
1- سيطرتهم على الإنديجانا ( الأهالي السكان الأصليين)، حدود هذه السيطرة، وسائلها و مبادئها.
2- إدارة الأوروبيين، حدودها و ضوابطها.
3 - الإستيطان، مكانه، أشكاله و طرقه. فهو كان يري أنه كلما سنحت الفرصة لمعرفة البلاد وسكانها الأصليين ستظهر ملحة الفائدة والحاجة الى إستقرار شعب أوروبي في أرض إفريقيا وفي هذا السياق لا خيار لهم ولا قرار!
إرتبطت الرؤية الإستعمارية دائما بحاجة الغرب في إستغلال ثروات الآخرين. يعتقد الغرب المؤسساتي أن ليس هناك أفضل من الحضارة الغربية لقيادة وإدارة العالم هكذا دون إستشارة وتفويض من أحد! والصدام الذي ينجر عن مثل هذه المواجهة غير المتكافئة ولد حالة إختلال مستديمة. فمن جهة حضارة ودول وجيوش على درجة عالية من التقدم والعنجهية وفي الجهة المقابلة شعوب وحضارات مغلوبة على أمرها متخلفة ومتعطشة للحرية والمساواة. ويستحيل عندئذ أن تنمو علاقة طبيعية بينهما، هذا ما إنعكس على شخص ألكسيس دي توكفيل. في سعيه للإستفادة من تجربة الديمقراطية الناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية نراه يشيد بتجربة فذة في نظره هذا وعندما قرر الإستجابة لطلبات الحكومة الفرنسية لتقديم دراسة حول إمكانات نجاح الحملة الفرنسية على الجزائر، قفز همه مباشرة إلى إعتبارات أنانية تسحب الحضارة على بني جنسه و تنفي على الآخرين صفة النضج و الأهلية. قام فكره على مقومات عنصرية شئنا ذلك أم أبينا. ففي نظره يصلح وحده مع العرب الحرق والسبي والمعاملة الإنسانية اللائقة حكر على مساجين أمريكا !! دي توكفيل إبن بيئته وفكره نابع عن إتجاهات فكرية وفلسفية سادت القرن السابع و الثامن والتاسع عشر في أروبا النهضة والثورة الصناعية. بالرغم أنه كان بإمكانه أن يضع نفسه في منأي عن تأثيراتها إن أراد ذلك حقا. هنا يجدر بنا طرح أسئلة جادة : هل الحرية مفهوم إنتقائي ينطبق على هذا الشعب دون الآخر، على جنس دون آخر؟ هل فلسفة الأنوار وصفة ناقصة ؟ هل مباديء المساواة والعدالة قيم نسبية تتعاطي مع الأوضاع والشعوب بمزاجية ؟ هل التفوق الحضاري رخصة إمتياز لدول دون أخري؟ هل نجانب الحقيقة إذا ما قلنا أن التاريخ الإستعماري حول حقوق طبيعية وبديهية إلى حقوق مكتسبة ومستحقة ؟ تفتح لنا هذه الأسئلة آفاق واسعة ولا يسعنا الولوج إليها إلا بنهج الموضوعية و الإنصاف.
الخاتمة :
أختم بهذا الإقرار أو الإعتراف لألكسيس دي توكفيل: " أصبح السكان المسلمون أكثر شقاءا ووحشية وفوضوية مما كانوا عليه قبل أن يتعرفوا علينا./.../ لا يجب أن نكره الإنديجان على إرسال أبناءهم لمدارسنا. لنعينهم على رفع مستوي مدارسهم. و على مضاعفة عدد معلميهم، و على تكوين رجال قانون ودين والتي لا تستغني عنهم الحضارة المسلمة كما هو الحال معنا." هذا الكلام لرجل داهية كما وصفه أوليفي لاكور غراند ميزون في كتابه القيم " إستعمروا... أبيدوا" ظاهر كلامه نوايا طيبة وباطنه ما هو إلا تعبير عن رغبة في المزيد من إحكام قبضة الإستعمار الفرنسي على السكان الأصليين الجزائريين المسلمين، فقد كان ينظر إلى كل وسيلة تعزز من تسلط وهيمنة الفرنسيين على مصير الإنديجانا. فالسياسي الفرنسي دي توكفيل طوال تعامله مع الحالة الجزائرية إنطلق من رؤية عنصرية لا تؤمن بحق الآخر في تقرير مصيره بشكل مستقل ووصف الوصاية الفرنسية كشرط ضروري لإستقرار جنوب البحر الأبيض المتوسط.
هكذا نختم هذا البحث المتواضع الذي أردناه محاولة منا لإستجلاء معالم فكر مهد وقنن لظاهرة الإستعمار الغربي الصليبي لمساحات شاسعة من العالم العربي الإسلامي وإن إنسحب عسكريا هذا الإستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي فهو بقي ثقافيا وسياسيا وإقتصاديا عبر نخب منسلخة تسلمت مقاليد الحكم لتستمر في أداء وظيفة الإستعمار البغيض والذي زاد الأوضاع سوءا تخلف العالم العربي الإسلامي عن ركب الحضارة و المشاركة الواعية في النهضة العالمية لتفرض عليه فرضا عولمة صليبية صهيونية محاربة لقيمه الإسلامية.
________________________________________
* ولد في 1805 و مات في 1859 هو رجل سياسة و عالم إجتماع و مؤرخ فرنسي. من أشهر مؤلفاته "الديمقراطية في أمريكا". نستطيع أن نقول بأن حياته و أعماله جعلت منه أكثر المفكرين تمثيلا لعصر تموقع بين النظام القديم وفرنسا ما بعد الثورة.


المقال مقتبس من موقع معهد المناهج

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق