241189572571696

الثلاثاء، 4 مايو 2010

عـالم من دون قوة

نـايل فيرقيسون.
فورين بوليسي، جويلية/أوت، 2004.
ترجمة: عادل زقاغ.
يجب على الانتقادات الموجهة ضد الهيمنة الأمريكية على العالم أن تبحث عن بديل لهذه الهيمنة، لأنه إذا تنازلت الولايات المتحدة عن دور الهيمنة الذي تضطلع به، فمن سيحل محلها؟ ليست أوربا، ولا الصين، وبالطبع ليست الأمم المتحدة، لأن البديل عن قوة عظمى منفردة ليس، ولسوء الحظ، نموذجا متعدد الأطراف، بل كابوسا يجسد فوضى عصر جديد من الظلمات.
نحن نميل بأن القوة مثلها مثل الطبيعة تمقت الفراغ. وفي تاريخ السياسة العالمية يبدو أنه كان هناك دوما طرف ما يلعب دور المهيمن. وهذا الدور تلعبه حاليا الولايات المتحدة، وقبل قرن من الزمان، كانت المملكة المتحدة هي من يضطلع به، وقبلهما فرنسا، وإسبانيا وغيرهما. لقد صور المؤرخ الألماني المشهور في القرن التاسع عشر ليوبولد فون رانكي التاريخ الأوربي، قائلا أنه صراع مستديم من أجل السيطرة يكون فيه توازن القوى ممكنا فقط عبر النزاعات الدورية.
يبدو أن تأثير علم الاقتصاد في دراسة الدبلوماسية ينحو لتأكيد التصور القاضي بأن التاريخ عبارة عن منافسة بين قوى متبارزة. ففي كتابه الذي حقق مبيعات قياسية، والذي نشره عام 1987 تحت عنوان: صعود وسقوط القوى الكبرى: "التحولات الاقتصادية والنزاعات العسكرية من 1500-2000"، خلص المؤرخ بول كينيدي، من جامعة "ييل"، إلى أن القوتان العظميان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وكغيرهما من الإمبراطوريات السابقة سوف ترزحان حتما تحت تأثير الامتداد المفرط. إلا أنه سرعان ما تحتل القوتان الصاعدتان (الصين واليابان) مكانهما، وكلتا القوتين متحررتين من الميراث البائد لماضيهما العسكري الإمبريالي.
وفي الاتجاه ذاته أيضا، جاء كتاب جون ميرشايمر John Mearsheimer، عالم السياسة من جامعة شيكاغو بعنوان: "مأساة سياسة القوى الكبرى" ليؤكد استنتاجات بول كينيدي. فإذا كانت الولايات المتحدة، بحسب رأيه، قد تخطت تبعات امتدادها المفرط دون أن تنهار، وتمكنت من مواجهة التحدي الألماني والياباني، فإن من مصلحة الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة أن يتباطأ نمو الاقتصاد الصيني. ولا تمثل الصين التهديد الوحيد، حسب توقعات ميرشايمر، بل أن الاتحاد الأوربي يمتلك كل الإمكانيات ليصبح "منافسا هائلا".
وبتعبير آخر، فإن القوة ليست احتكارا طبيعيا، فالصراع من أجل السيطرة يعتبر صراعا دائما وشاملا. أما مصطلح "الأحادية القطبية" الذي أطلقه بعض الملاحظين عقي سقوط الاتحاد السوفييتي، فإنها لن تدوم طويلا، لسبب بسيط ، وهو أن التاريخ يمقت القوة الخارقة. فعاجلا أم آجلا، سيظهر منافسون يتحدونها، لتتكون لدينا مرة أخرى صورة لعالم متعدد الأقطاب ومتعدد القوى.
لكن ماذا لو كان كل هؤلاء المنظرين المحترمين مخطئين؟ ماذا كان العالم يتجه حاليا إلى عهد لا وجود فيه لقوة تلعب دور المهيمن؟ ماذا لو أنه وعوضا عن نظام توازن للقوى، سنشهد عالما تغيب فيه القوى.
مثل هذه الوضعية معروفة في التاريخ. فرغم أن المؤرخين كانوا مهتمين بإنجازات القوى الكبرى – سواء كانت الحضارات، أم الإمبراطوريات أو الدول الأمة- إلا أنهم لم يتغاضوا كليا عن تلك الفترات التي تقهقرت فيها القوى.
أي فرد يرفض الهيمنة الأمريكية يجب أن يضع نصب عينيه أن البديل الحقيقي لغياب الهيمنة الأمريكية ليس عالما متعدد الأقطاب تتنافس فيه القوى الكبرى بل عالم بلا قوة مهيمنة. فاللاقطبية يمكن أن تتحول إلى عصر مظلم جديد وفوضى: وهذا العصر يتميز بالإمبراطوريات الواهنة، والتعصب الديني، وانتشار أعمال السلب في المناطق المنسية من العالم، فضلا عن الركود الاقتصادي وتراجع الحضارة إلى داخل جيوب محصنة.
تبدو الولايات المتحدة قوية إذا ما قيست بحجم اقتصادها، وقوتها العسكرية، وقوتها اللينة على الصعيد الثقافي. لكنها تعاني خللا بنيويا سوف يحد من فعاليتها ومن المدة التي ستستمر خلالها بلعب دور شبه إمبريالي في العالم. يتعلق الأمر بتبعيتها المتزايدة لرأس المال الخارجي في تمويل الاستهلاك الخاص والعمومي. وتاريخيا، من الصعب جدا إيجاد سوابق لإمبراطوريات استمرت لفترة طويلة بعد أن أصبحت معتمدة بشكل مفرط على الاقتراض الخارجي.
الخلل الثاني يقع على مستوى القدرة على التجنيد، فالولايات المتحدة بلد مستورد للموارد البشرية، ولا يمكنها بالتالي أن تجسد طموحاتها في الهيمنة عبر الاستعمار المباشر. وفي الوقت ذاته، فإن جيشها الذي يتشكل الأساس من المتطوعين مشتت عبر العالم كنتيجة للتدخلات العسكرية الكبيرة الجارية في كل من أفغانستان والعراق. وأخيرا، فإن الولايات المتحدة تعاني أيضا مما يمكن تسميته خللا في التركيز، فالمؤسسات التي هيمن عليها الجمهوريون وتقاليدها السياسية، جعلت من صياغة التوافق حول مشاريع طويلة الأمد لبناء الأمة شيئا صعبا. وبخصوص الدور الخارجي، فلم يكتب للتدخلات الأمريكية أن تعيش طويلا، بخلاف القليل من الاستثناءات، حيث أن الجيش الأمريكي بقي 50 عاما في ألمانيا، واليابان وكوريا، إلا أن بقاءه لم يستمر طويلا في الفيليبين، وجمهورية الدومينيكان، وهاييتي وفيتنام، دون أن ننسى لبنان والصومال. وتبدي استطلاعات الرأي الحديثة أن الناخبين الأمريكيين أقل استعدادا للتضحية بدماء الأمريكيين، وبموارد بلادهم في تدخلات خارجية عما كان عليه الحال خلال حرب فيتنام.
1. أوربا العجوز تنمو بشكل أكثر عجزا
بالنسبة لأولئك الذين يحلمون بأن يصبح الاتحاد الأوربي قوة موازية للقوة الخارقة الأمريكية ما عليهم سوى أن يغطوا في النمو العميق. إذ أنه رغم عملية التوسيع الباهرة التي حققها الاتحاد الأوربي هذا العام، فضلا عن الوحدة النقدية التي شملت حتى الآن 12 بلدا، إلا أن المعطيات الديمغرافية قد حكمت سلفا على الاتحاد الأوربي بالأفول من ساحة النفوذ والأهمية الدوليين، فبتدني معدلات المواليد وزيادة توقعات الحياة، فإن متوسط العمر في مجتمعات أوربا الغربية يمكن أن يرتفع إلى الأربعينات في غضون 50 عاما، ليرتفع معه معدل التبعية (أو عدد المواطنين فوق سن العمل نسبة إلى المواطنين في سن العمل) إلى معدلات قياسية، لتصبح معه أوربا في وقت قصير عجوزا بالفعل. إذ بوصول عام 2050، فإنه يتوقع أن يكون واحد من كل ثلاثة إيطاليين، وإسبانيين ويونانيين فوق سن 65 عاما، حتى لو تم السماح بوفود مهاجرين جدد. حينئذ، سيكون الأوربيون بين خيارين أحلاهما مر: أمركة اقتصادياتهم، بمعنى فتح حدود الهجرة مه ما ينطوي عليه ذلك من تغيرات ثقافية وتحويل الدول القومية الأوربية مجموعة مدعومة من بعدد متزايد من المتقاعدين. وفي غضون ذلك، فإن الإصلاحات المؤسساتية الأوربية، تعني أن الدول الأوربية ستستمر في ممارسة صلاحيات معتبرة خارج المجال الاقتصادي، وبالخصوص السياسة الاقتصادية والأمنية.
2. الأزمة الاقتصادية الصينية المقبلة
الملاحظون المتفائلون بخصوص الصين يصرون على أن المعجزة الاقتصادية التي تحققت في العشرية الماضية سوف تستمر بوتيرة النمو المرتفعة، بحيث يتوقع أن يتجاوز على أثره الناتج المحلي الخام للصين مثيله في الولايات المتحدة في غضون ثلاثين إلى أربعين عاما. لكن مع ذلك، لا يبدو أن القواعد التي لطالما حكمت مسار الاقتصاديات الصاعدة ستكون لصالح بكين. أولا، هناك عدم تناسب جوهري قائم بين اقتصاد السوق الحرة المرتكز على الملكية الخاصة وحكم القانون، وبين احتكار السلطة في ظل الشيوعية، والتي تزرع بذور الفساد وتعيق إنشاء مؤسسات ضريبية ومالية ضابطة شفافة. ومثلما هو شائع لدى النمور الآسيوية، فإن الإنتاج يتجاوز بشكل كبير الاستهلاك المحلي مما يجعل الاقتصاد معتمدا بشكل مفرط على التصدير، وأبعد ما يكون بالتالي عن تطوير نظام مالي داخلي فعال، وفي هذا الخصوص، فان الحجم الحقيقي للمشكلات التي يعاني منها القطاع البنكي الصيني تبقى غير معروفة. فالبنوك الغربية التي قدمت قروضا للاستقرار في الصين يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن هذه الاستراتيجية سبق وأن تمت تجربتها منذ قرن في عهد " سياسة الباب المفتوح"، التي دخلت خلالها الشركات الأمريكية والأوربية الصين، لتشهد دمار استثماراتها وسط الاضطرابات التي نجمت عن الحرب والثورة . إذن، ورغم الآمال الكبيرة المعقودة على التنمية في الصين خاصة في الولايات المتحدة، لكنها قد تصاب مرة أخرى بالخيبة. فأية أزمة مالية أو مصرفية قد يكون لها انعكاسات تعصف بالكوكب، بالخصوص عندما يكتشف المستثمرون صعوبة إعادة تحويل الأصول المملوكة لهم في الصين إلى خارجه. ومعروف أنه عندما يستثمر الأجانب أموالهم بشكل مباشر في إقامة المصانع بدلا من المرور عبر أسواق السندات، فإنه لا توجد أية حاجة إلى آليات محلية لمراقبة حركية رؤوس الأموال. وعلى كل فكيف للمرء أن يسترجع مصنعا للفولاذ.
3. تفكك الحضارة الإسلامية
تتجاوز معدلات المواليد في المجتمعات الإسلامية ضعف المعدلات الأوربية، مما يجعل البلدان الإسلامية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط محكومة بالضغط على أوربا والولايات المتحدة في السنوات المقبلة. وإذا كانت التوقعات تشير إلى أن عدد سكان اليمن على سبيل المثال سيتجاوز عدد سكان روسيا بحلول العام 2050 (حسب توقعات الأمم المتحدة وفقا لمعدلات خصوبة ثابتة) فإنه يجب أن يحدث هناك تحسن جوهري في أداء اقتصاديات دول الشرق الأوسط، وإلا فإننا سنشهد موجات هجرة كبيرة من العالم العربي إلى أوربا العجوز.
ومع ذلك، فان الاستعمار الذكي للمسلمين المدن لأوربية – على شاكلة مرسيليا الفرنسية حيث يقطن الوافدون من شمال إفريقيا كل الضواحي – لن يؤدي بالضرورة إلى تصاعد التهديد بقيام "أوربا عربية" Eurabia. إذ أن العالم الإسلامي في الواقع أكثر انقساما من أي وقت مضى، ولا يتعلق الأمر بالاختلاف السني-الشيعي التقليدي، بل إن الفجوة تتسع أيضا بين المسلمين الساعين إلى إقامة علاقات سلمية مع الغرب (ويتجسد ذلك في رغبة الحكومة التركية الالتحاق بالاتحاد الأوربي)، وبين الذين ينطلقون من الخط "الثوري البلشفي الإسلامي" الذي يقوده المارقون من أمثال زعيم القاعدة أسامة بن لادن. وتشير استطلاعات الرأي من المغرب إلى باكستان إلى وجود مستويات عالية من المشاعر المعادية لأمريكا، إلا أن ذلك لم يرق إلى إجماع. وفي أوربا، فان أقلية فقط تبدي حماسا صريحا للمنظمات الإرهابية، أما في بريطانيا فان أغلب الشباب المسلم يفضلون بوضوح الاندماج على الجهاد. إننا أبعد ما يكون عن صدام ثنائي القطبية بين الحضارات وأبعد ما نكون أيضا عن ظهور خلفاء جدد يستطيعون تشكيل تهديد جيوبوليتيكي للولايات المتحدة وحلفائها.
باختصار، فإن كل قوى الهيمنة المحتملة (الولايات المتحدة، وأوربا إضافة إلى الصين) يبدو أنها تحمل بذور أفولها؛ بينما يبقى العالم الإسلامي قوة مشتتة في السياسة العالمية ويفتقد إلى موارد قوة عظمى.
حالة من الظلام والتفكك.
لنفترض أن مآل الأمور سيكون باتجاه السيناريو الأسوأ بحيث يتم إذلال المحافظين الجدد في العراق، وينتهي مشروع إدارة بوش لدمقرطة الشرق الأوسط بانسحاب مهين من العراق، وتنتقل بذلك من وضع الإمبراطورية إلى وضع تصفية الاستعمار في أقل من عامين. ولنفترض أيضا أنه لا توجد قوة طموحة منافسة مهتمة بملء الفراغ الناجم عن التقهقر الأمريكي، ليس للتعاون مع الأوضاع في العراق، بل والتعامل بشكل معقول أيضا مع أفغانستان والبلقان وهايتي، فما هو الشكل الذي سيأخذه عالم دون أقطاب؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لأننا لا نجد في التاريخ سوى فترات قليلة جدا تميزت بعدم وجود خصوم يتنافسون على لعب دور الهيمنة على الصعيد العالمي أو على الأقل على الصعيد الإقليمي. وأقرب نموذج معاصر يحاكي هذا الوضع يتمثل في العشرينيات من القرن العشرين، عندما تخلت الولايات المتحدة عن مشروع "وودرو ويلسون" حول الديمقراطية العالمية والأمن الجماعي المتجسدة في عصبة الأمم. من المؤكد انه كان هناك فراغ كبير في القوة على طول أوربا الوسطى والشرقية بعد أفول إمبراطوريات الرومانوف، والهبسبورغ والهوهتسولرن وأخيرا الإمبراطورية العثمانية، لكن هذا الفراغ لم يدم طويلا، فسرعان ما انقضت الإمبراطوريات العتيقة في أوربا الغربية على الممتلكات العثمانية في الشرق الأوسط، ومن جهتهم أعاد البلاشفة تجميع أجزاء الإمبراطورية القيصرية بوصول العام 1922، ولم تنقض سنة 1936 حتى كان الانتقام الألماني قد بلغ مراحل متقدمة. من هنا فانه ينبغي الغوص أكثر في التاريخ للبحث عن فترات سادت فيها اللاقطبية لمدة طويلة، ولا شك أن حالة اللاقطبية هذه تتجسد فعليا في القرنين التاسع والعاشر ميلادي.
ففي هذه الفترة التاريخية تقهقر ما تبق من الإمبراطورية الرومانية (روما وبيزنطة) من قمة سلم القوة. وكانت زعامة الغرب منقسمة بين البابا الذي يحكم مملكته المسيحية، من جهة، ومن جهة أخرى، ورثاء شارلمان الذي قسم إمبراطوريته التي لم تعش طويلا على أثر معاهدة VERDUN عام 843 م، ولم تشهد هذه الإمبراطورية وصول إمبراطور حقيقي للعرش، إلى غاية تتويج "أوتو" عام 992 م، والذي لم يكن في الواقع سوى أمير ألماني كان يحلم بحكم إيطاليا دون أن يتحقق له ذلك. أما في الجانب الآخر فقد كانت بيزنطة منشغلة بمواجهة تمرد البلغار في الشمال.
بوصول عام 900 م، كانت الإمبراطورية العباسية التي أسسها أبو العباس سنة 750 م، قد وصلت إلى أوج قوتها، لكنها أمست تتجه نحو الأفول ابتداء من منتصف القرن العاشر. وفي الصين أيضا، كانت القوة الإمبراطورية في مرحلة التراجع خلال الفترة التي توسطت حكم سلالتي تانغ وسونغ. كلتا الإمبراطوريتين كانتا تمتلكان موارد هائلة، إلا أن أيا منهما لم تكن لديها طموحات توسعية.
لقد أتاح ضعف الإمبراطوريات العريقة الفرصة لظهور كيانات جديدة. حيث ملأت خانات قبيلة الخزر التي اعتنقت اليهودية عام 740 م فراغ القوة الأورو-آسيوي بين البحر الأسود وبحر قزوين. أما في "كييف" (العاصمة الحالية لأوكرانيا) التي كانت بعيدة عن متناول البيزنطيين، فقد وضع نائب الملك "أولقا" فيها أسس الإمبراطورية الروسية عام 957 م عندما اتبع الكنيسة الأرثوذكسية.
ومن جهتهم، استولى السلاجقة، وهم أسلاف العثمانيين، على سلطنة الروم، وكان ذلك عندما أرخى الخلفاء العباسيون قبضتهم على آسيا الصغرى. وفي غضون ذلك، كان لإفريقيا إمبراطوريتها الصغيرة في غانا؛ كما كان لأمريكا الوسطى حضارتها التي شيدها "المايا". لقد كانت الروابط بين كل هذه الكيانات قليلة جدا إن لم تكن منعدمة، ومثل هذه الحالة تمثل نقيضا للعولمة. فقد كان العالم حينها منقسما إلى حضارات ينعدم التواصل بينها.
كانت إحدى مظاهر هذه الفترة التاريخية غياب أنظمة علمانية قوية مما جعل المسائل الدينية في العادة تخلق تشنجات خطيرة، وكان من الشائع أيضا أن تحدد المؤسسات الدينية الأجندة السياسية. وفي القرنين التاسع والعاشر، كانت الإمبراطورية البيزنطية منهكة بسبب الخلاف حول الدور الذي تلعبه الأيقونات في الصلاة. وأكثر من ذلك، فقد كان البابا في القرن الحادي عشر واثقا كفاية من نفسه بحيث تجرأ على إهانة الإمبراطور الروماني هنري الرابع خلال الصراع الذي نشأ بينهما حول من له الحق في تعيين الأساقفة. وكان لأنظمة الرهبنة الجديدة صلاحيات معتبرة في أرجاء الإمبراطورية المسيحية خاصة نظام Cluniacs القاضي بإنشاء سلطة مركزية على الرهبان. أما في العالم الإسلامي، فقد كان العلماء (رجال الدين) هم الحاكمين الفعليين للبلاد. وتساعدنا المعرفة بهذه الأجواء التي سادت حينها على تفسير النهاية التي آلت إليها هذه المرحلة، والمتمثلة في الحروب المقدسة المعروفة بالحروب الصليبية، التي باشر الأوربيون المسيحيون أولى حملاتها عام 1095.
ومع ذلك، فإن هذا التصادم بين الحضارات لم يكن سوى مثال آخر عن حساسية العالم العديم الأقطاب للغارات العسكرية بعيدة المدى التي تستهدف المراكز الحضارية والتي يشنها أفراد متخلفون. لقد سبق لـ "الفايكنغ" أن أغاروا مرارا على مدن أوربا الغربية في القرن التاسع – وليست الغارات التي شنوها على "نانت" عام 842 م، و"سيفيل" عام 844 م سوى أمثلة قليلة على ذلك. ونجد في التراث أحد الرحالة الإفرنجيين ينتحب على ما يسميه "بالطوفان العارم للفايكنغ" والذي يتجه جنوبا. ومن جانبها كانت بيزنطة تتعرض للسلب والنهب من طرف الغزاة الروس، أسلاف الروس الحاليين، إنهم "قبائل متوحشة وشرسة، ولم تبد أية رحمة أو شفقة"، ينتحب بطريك بيزنطي، "لقد كانوا كبحر هائج يدمر كل شيء في طريقه ولا يبقي على أحد". لقد كانت هذه صورة عن الأوضاع التي سادت عصر الفوضى ذلك.
ومن العجيب أن المستقبل كان يبدو وأنه يكمن في إنشاء وحدات سياسية صغيرة يمكن حمايتها كجمهورية البندقية – الدولة المدينة التي كانت لها سياستها الخارجية الخاصة منذ 840 م – وإنجلترا "ألفريد العظيم" والتي ينظر إليها على أنها كيان يشبه الدولة – الأمة الحديثة في تاريخ أوربا، كان ذلك سنة 886 م.
إخفاق القوة العظمى.
هل يمكن لعالم مستقبلي عديم الأقطاب أن يكون مماثلا لـ "عصر ألفريد"؟ قد يكون ذلك ممكنا مع بعض الاختلافات المهمة والمثيرة للقلق.
من المؤكد أنه يمكن لنا أن نتصور عالما تقوم فيه أعتى قوى العالم (الولايات المتحدة وأوربا والصين) بالتراجع إلى داخل مجالات نفوذها. لكننا نتساءل، ماذا عن الهيئات فوق القومية التي أنشأت تحت القيادة الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية وتطلعاتها المتعاظمة للاستقلالية؟ والحديث هنا عن الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، ومنظمة التجارة العالمية (الغات سابقا) تعتبر كل منها أنها تمثل "المجموعة الدولية" بشكل من الأشكال لا شك أن تطلعاتها للحوكمة العالمية تختلف جذريا عن روح العصور المظلمة؟
على كل، كانت النزعة نحو العالمية جزء لا يتجزأ من التوجهات التي كانت قائمة لدى الفاعلين في تلك العصور. فكل الإمبراطوريات كانت تسعى لحكم العالم؛ بل إن البعض منها لم يكن مباليا بوجود حضارات أخرى. لكن الحقيقة لم تكن أبدا كذلك، فلم نشهد قيام جنة الإمبراطورية المسيحية التي تحتضن الجميع، بل تفككا سياسيا، وهو الواقع ذاته الذي نعيشه حاليا، فالخاصية المحددة لعصرنا ليس تحولا تصاعديا للقوة لصالح المؤسسات فوق القومية، بل هو تحول تنازلي، مع نهاية احتكار الدول لوسائل العنف، وتراجع تحكمها في القنوات الاتصالية، وكنتيجة لذلك، فإن الإنسانية قد دخلت عصرنة تتميز بالتفكك أكثر منه بالتوجه نحو الاندماج.
فإذا كانت حرية تدفق المعلومات ووسائل الإنتاج تقوي الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية (بما في ذلك الكنائس الإنجيلية المختلفة)، فإن التدفق الحر أيضا للتكنولوجيا المدمرة يقوي من جهته كلا من المنظمات الإجرامية والخلايا الإرهابية. ويبدو أن هذه المجموعات تستطيع التحرك في أي اتجاه وفي أي مكان تريد، من هامبورغ إلى غزة. وعلى النقيض من ذلك، فإن نطاق تجسيد تصور المجموعة الدولية لم يأخذ بعدا عالميا على الإطلاق، إنه في الواقع يتجسد في مدن استراتيجية قليلة مثل كابل وبريشتينا. باختصار، فإن من استولى على القوة العالمية إنما هم الفاعلون غير الحكوميون بمن فيهم "نساك" و"فايكنغ" زماننا.
ما الذي يتخلف عن هذا المشهد؟ أهي الإمبراطوريات الواهنة، أم الخصوم من أتباع ديانات مختلفة، أم الفوضى البدائية. هذه هي صورة العصور المظلمة التي سيعود العالم لمعايشتها عندما يصبح بلا قوة خارقة (الولايات المتحدة) فالشيء المثير للقلق هو أن العصر المظلم الجديد سيحمل في طياته مخاطر أكثر بكثير مما شهده القرن التاسع عشر. أن عالم اليوم أكثر سكانا بما يزيد عن عشرين مرة عما كان عليه في القرنين التاسع والعاشر، بحيث أن الاحتكاكات بين المجموعات المتفاوتة في الموارد محكومة بالتعاظم. لقد حولت التكنولوجيات نمط الإنتاج؛ كما أن المجتمعات الإنسانية لم تعد معتمدة على المياه العذبة والحصاد فحسب، بل أيضا على الموارد من الوقود والتي من المعروف أنها تتجه نحو النفاذ، لكن ليس هذا فقط بل إن التكنولوجيا زادت من القدرة التدميرية، وأصبح الآن ممكنا محو مدينة من على الخريطة وليس مجرد سلبها كما كان الحال في القرن التاسع.
منذ أكثر من عقدين ساهمت العولمة (اندماج أسواق السلع والعمالة ورؤوس الأموال) في رفع المستويات المعيشية في كل أنحاء العالم باستثناء البلدان التي نأت بنفسها بعيدا عن عملية العولمة بسبب الاستبداد أو الحرب الأهلية. الحالة النقيض للعولمة والتي يمكن أن تنتج عن عصر جديد من الظلمات، سوف تقود بالتأكيد إلى الركود الاقتصادي، بل وقد تؤدي إلى الكساد، عندما تتأهب الولايات المتحدة لحماية نفسها على أثر 11 سبتمبر ثان يستهدف هذه المرة شيكاغو أو هيوستن، فستكون حينها مجتمعا أقل انفتاحا، وأقل تقبلا للأجانب الباحثين عن العمل، أو الزيارة أو الأعمال. في غضون ذلك، ومع نمو الجيوب الديمغرافية التي يقطنها المسلمون داخل أوربا، فان اختراق المتطرفين الإسلاميين للاتحاد الأوربي لن تمكن مواجهته، بينما تزداد حدة التوتر بين جانبي الأطلسي حول قضية الشرق الأوسط لمستوى الصدام. أما في الصين، فسيؤدي الانهيار الاقتصادي إلى سقوط النظام الشيوعي في أزمة تبطئ تبعا لها القوة الدافعة للبلد تماما مثلما حدث عشية انهيار الإمبراطوريات الصينية السابقة. وكنتيجة لذلك سيخسر المستثمرون الغربيون استثماراتهم، مما يجعلهم يكتفون بهامش ربح ضيق في الداخل عن المخاطرة في الخارج.
آثار عصر الظلمات الجديد سيتم تحسسها على أطراف القوى الواهنة. وستصبح الموانئ الغنية للاقتصاد العالمي من نيويورك إلى روتردام وشنغهاي هدفا للناهبين والقراصنة. بل وسيتمكن الإرهابيون من الإضرار بحرية الملاحة في البحار عبر استهدافهم لناقلات النفط، وحاملات الطائرات، وسفن النقل، وذلك عندما تكون الدول الغربية مهووسة بتامين مطاراتها. وفي غضون ذلك، فإن الحرب النووية المحدودة قد تدمر مناطق عدة، بدء من شبه الجزيرة الكورية وصولا إلى كشمير، وربما تنتهي أيضا بكارثة في الشرق الأوسط. أما في أمريكا اللاتينية، فسيجد المواطنون الفقراء والبؤساء عزاءهم في المسيحية الإنجيلية التي يجلبونها من الأنظمة الدينية الأمريكية. في حين أن أخطر الأوبئة في إفريقيا (الإيدز والملاريا) ستستمر في عملها الفتاك، بينما تعلق شركات الطيران القليلة العاملة في هذه القارة رحلاتها للعديد من مدنها، ومن سيرغب بترك ملاذه الآمن للذهاب إلى إفريقيا؟
لكل هذه الأسباب فإن آفاق عالم بلا أقطاب يفترض أن تثير الريبة في نفوسنا، في الوقت الحالي، أكثر مما أثارته في نفوس ورثاء شارلمان في القرن 9 م. إذا انسحبت الولايات المتحدة من لعب دور الهيمنة العالمية – كنتيجة لصورتها الذاتية الهشة والمتزعزعة بسبب النكسات التي لحقت بحدودها الإمبريالية – فيجب ألا تدعي الانتقادات سواء في الداخل أو الخارج بأننا سندخل في عهد جديد من التعددية القطبية المتميزة بالتناغم أو حتى العودة إلى نظام توازن القوى.
يجب على المرء أن يكون حذرا في أمانيه. فالبديل عن عالم أحادى القطبية الحالي لن يكون تعددية قطبية على الإطلاق، بل لا قطبية أو فراغا عالميا في القوى، ولن تكون القوى الكبرى الأخرى المنافسة للولايات المتحدة، بل قوى خطيرة، من سيستفيد من حالة الفوضى العالمية التي ليست بالشيء الجديد كليا.

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق