241189572571696

السبت، 8 مايو، 2010

مدى مسؤولية الغرب عن مظلوميتنا



راشد الغنوشي


هل يحق لنا أن نعاتب الغرب لظلمه للإسلام وللمسلمين وفي بلادنا الإسلامية من هم أشد ظلما منه؟
1- الظلم من حيث أتى منكر، اجترحه قريب أم بعيد. فإذا ضربك أخوك فليس مشروعا لجارك أن يفعل ذلك بك أيضا. ويبقى صحيحا ما تقول العرب من أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة. ولكن يبقى الأمر مدعاة للأسى أن بلغ التضييق على دعاة الإسلام في بعض بلاد الإسلام إلى الحد الذي يضطرهم فيه إلى الاحتماء من ظلم بني جلدتهم بدول على ملة أخرى، وأن تكون المساجد في تلك البلاد تتمتع بحريات لا تتمتع بها في بعض بلاد الإسلام.

فقد عزل في الأيام الأخيرة إمام جمعة في أحد مساجد تونس بسبب أنه انتقد الجدار الفولاذي وقطعت أرزاق عدة أئمة في بلاد إسلامية أخرى للسبب ذاته، أو لأسباب أخرى تتعلق بتجاوز الإمام حدود السياسة الرسمية في البلد، بينما خطباء المساجد في بلاد الغرب -مع ما دخل على عملهم من رصد، وبالخصوص بعد أحداث العنف الحمقى الشهيرة- يتمتعون بحريات أكبر في التعبير عن ضميرهم الديني والإنساني.
والمعروف أن حظر الحجاب في بلاد إسلامية مثل تونس سبق حظره في فرنسا، ومع ذلك فتطبيقه في هذه الأخيرة أقل صرامة من الأولى إذ يقتصر هنا على المدارس الثانوية بينما يطال هناك كل مؤسسات الدولة، بل يمزق في الشارع من فوق رؤوس حاملاته، في تحد صارخ للدين وللحرية الشخصية.
2- ذلك ما جعل كثيرا من البلاد المنتسبة للإسلام عبئا وكلاّ عليه، إذ هي لا تكتفي بتعليق أحكامه بل قد تناصبها العداء وتلاحق الدعاة بالتضييق وتسليط الإعلام للإساءة إلى سمعتهم وإلصاق تهمة الإرهاب بهم والتعاون عليهم مع أجهزة الأمن الدولية، فضلا عن تقديمها أبشع الصور والنماذج الشاهدة على الإسلام لا له، ولا يقتصر الأمر على استهداف الحجاب، فهذا أهون الأمر، وإنما يتعداه إلى جملة حقوق الإنسان الكبرى في العدل والأمن على نفسه وأهله وماله وحقه في المشاركة في الشؤون العامة، ففي هذه المجالات لا شك أن النظم المطبقة في البلاد الغربية، على ما فيها من شرور، هي على الصعيد الداخلي في التعامل مع المواطنين، أقرب لروح الإسلام ومقاصد نظامه الاجتماعي في العدل والشورى واحترام كرامة الإسلام، من كل الأنظمة المنتسبة للإسلام دون استثناء.
الأمر الذي جعل المنظمات الإنسانية الدولية تلاحق هذه الحكومات المنتسبة للإسلام بتقارير متواترة ودورية مثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان، تزويرا للانتخابات وإدمانا على التعذيب الذي هو -حسب تقارير أمنستي حول تونس مثلا- والأمر ينطبق على غيرها "ممارسة منهجية تجد الدعم من أعلى هرم السلطة".
إلى جانب قمع حرية ونهب الثروات العامة.. إلى انتهاك سائر حقوق المواطنين.. إن الإسلام العظيم مثقل مرهق بتصرفات المنتسبين اليه، وأذكر زفرة جزائرية غاضبة سمعتها من المفكر العظيم أستاذنا مالك بن نبي رحمه الله، وكان بصدد الحديث عن أمراض المسلمين، قال "تمنيت وأنا أتأمل في أمراض المسلمين وكيف تحوّلوا شهادة على الإسلام وعقبة في طريق كل باحث عنه، إذ في طريقه إلى القرآن تتعثر أقدامه في المسلمين، فلا يصل إليه للنهل مباشرة من ينابيعه الصافية، تمنيت لو لم يكن هناك مسلمون أصلا بمن فيهم شخصي". هي كلمة غيور غاضب.
3- ورغم أن ثورة المفكر لها ما يبررها مما يأتيه مسلمون حمقى من أعمال باسم جهاد لا يبالي باستهداف عشوائي لأطفال ونساء وأشخاص لا صلة لهم بالحرب على الإسلام، مما لا يمكن تسويغه من دين ولا من عقل ولا من خلق، ومع ذلك يبقى عموم المسلمين خيرا من عموم غيرهم، فيهم خشية لله سبحانه والاستعداد للموت في سبيله، وفيهم الرحمة والإخوة والتضامن العائلي واحترام إنسانية إنسان كرمه الله، وذلك حتى وإن أخطأ بعضهم الطريق.
4- وهذه الروح الإنسانية بمنآى من كل نزوع عنصري هو ما يلفت كثيرا من الغربيين ويجذبهم إلى الإسلام ، رغم تقدمهم المادي وتأخر المسلمين، ومن ذلك ما كشفته دراسة تحليلية لأكثر من ألف من الغربيين المهتدين للإسلام قامت بها مؤسسة "فنار" القطرية المتخصصة في دعوة الأجانب للإسلام، كشفت الدراسة أن الغالبية العظمى منهم لفت نظرهم للإسلام وحبّبهم فيه معاشرتهم لمسلمين، بعضهم أميون أو محدودو الثقافة ولكنهم يتوفرون على بعد إنساني غدا ضنينا في المجتمعات المادية الحديثة التي نعتها فيلسوف العلوم السياسية المعاصرة المفكر جون كين بالمجتمعات المتوحشة وليست بالمجتمعات المدنية.

في عاصمة التمدن الحديث باريس لقي منذ بضع سنوات عشرات الآلاف من العجّز حتفهم في بيوتهم مختنقين بسبب ارتفاع درجات الحرارة، معزولين محرومين من كل صلة رحم أو لفتة إنسانية.

5- أما في مجتمعات الإسلام على ما في ناسها من خير، يبقى الخلل الأساسي إنما هو في مستوى القيادة المستبدة المدعومة من غرب يحرص على الديمقراطية في بلاده، بينما يتولى دعم أشد الأنظمة دكتاتورية وتخلفا في أمتنا من أجل إخصاء كل محاولة لنهوضها، بالاحتلال حينا وبتسليط بعضها على بعض أحيانا أخرى، مثل تسليط الحكام على الشعوب، وتفجير التناقضات المذهبية والعرقية كما فعلوا في العراق.
وذلك ما يؤكد أن الغرب مدان أشد من حكام المسلمين إذ لولا دعمه لهم -لمصلحته الآثمة- ما تمادوا في ظلمهم، لولا أن دول الغرب قد تجنّدت –مثلا- لنصرة طغمة العسكر في الجزائر يوم أخرجت هذه الدبابات تسحق صناديق الاقتراع ومعها إرادة الشعب الجزائري، زاجّين به في أتون حرب مدمرة وسيل من الدماء، وكذلك فعلت مع مثيله في تونس، إذ فتحت أمامه أبواب الدعم وكافأته باتفاقيات شراكة صبيحة تزييفه للانتخابات.. بل دعمت في الخليج أنظمة أشد تخلفا، ولولا ذاك الدعم غير المجذوذ للدكتاتوريين ما تمكنوا وعاثوا في أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم فسادا.
الغرب ملوم بسبب ازدواجيته، فهو إذ يحرص على سيادة الديمقراطية وحقوق الإنسان في أوطانه وحرص عليها في أوروبا الشرقية، لا يتردد في دعم أشد الأنظمة دكتاتورية وفسادا في أوطان المسلمين. وفلسطين ليست سوى مثل واحد صارخ على حكمه الوحشي على شعب بكامله بالتشريد وإحلال أخلاط محله وتقديم كل الدعم والحماية لتوحشهم. وإلا فما مبرر مقاطعة حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا وفرض الحصار والقتل البطيء على شعب غزة لولا الظلم؟
إن حكامنا الظلمة ليسوا سوى غصن من شجرة الزقوم، شجرة الظلم الغربي. وصدق الفيلسوف غارودي إذ أكد في كتابه "أصوليات" أن كل أصولية في العالم ليست سوى فرع للأصولية الغربية، أصولية اقتصاد السوق والنهب لثروات الشعوب عبر وسائل ناعمة كالبنك الدولي والشركات العابرة للدول والقروض..، فإذا لم تجد، فالعقوبات، التي تبدأ بالمقاطعة والحصار ومن ورائها الأساطيل الحربية الجاهزة للاقتحام والتدمير، بتخويل من مجلس أمن يتحكمون فيه، أو حتى من دونه.
6- هذا لا يعني بحال شمولا للغرب بحكم واحد، فالغرب المعنيّ هنا، القوى الاستعمارية الناهبة لثروات الشعوب المتسلطة عليها، بدءا بشعوبها ذاتها، ولكن بوسائل أكثر نعومة، الداعمة لأشد الدكتاتوريات توحشا.
7- وتبقى في الغرب قوى تحررية هي حليفة لنا في نضالنا ضد الظلم من حيث أتى، من بعيد أو من قريب. وما سقط من الذاكرة خبر عشرات الملايين من أحرار العالم التي خرجت تصرخ في وجه النخب الغربية الحاكمة التي صممت على غزو العراق ظلما وعدوانا وبهتانا، متحدية كل قانون وخلق، إرضاء لشركات النفط والسلاح واللوبيات الصهيونية، وهو ما يجعل الصراع في العالم ليس بالضرورة ذا طبيعة عقدية بين إسلام وكفر، فالذين يحكمون بلاد الإسلام بالظلم والاستبداد والنخب المالية والإعلامية والثقافية وغيرها المتحالفة معهم هم جزء من الأمة فاسد، ظالم لنفسه وللإسلام، ولكن انتسابهم للإسلام لا يعطي مشروعية للسكوت على ظلمهم، بل ذلك موجب الإنكار عليهم بكل ما هو متاح ومجد في دفعهم, فهم بالتأكيد في المعسكر الآخر معسكر الظلمة ونحن في مواجهتهم ولسنا معهم، بينما المقاومون للظلم من كل ملة هم في معسكرنا مثل أولئك المناضلين من أجل سيادة حقوق الإنسان الملاحقين لمنتهكيها والحاملين للواء الدفاع عن الحرية والديمقراطية والعدالة، في بلادنا وفي كل مكان.

هل ترى أن مناضلي حقوق الإنسان في إنجلترا ممن ثاروا في وجه مجرمة الحرب "ليفني" وأوشكوا على اعتقالها رغم موقف حكومتهم المتواطئ هل تراهم وهم غير مسلمين، أقرب إلينا أم أبعد من نخبة الحكم المنتسبة للإسلام في بلاد إسلامية لم تخجل من استقبال مجرمي الحرب الملطخين حتى أخمص أقدامهم بدماء أطفال غزة وصلحائها؟ أو ليس نلسون مانديلا وهوغو شافيز وهما على ملة أخرى وأمثالهما من أحرار العالم الذين خرجوا بعشرات الملايين ضد غزو العراق والعدوان على غزة، هم جزء من معسكرنا وأقرب إلينا من أنظمة فتحت مياهها وأجواءها وخزائنها للغزاة ولم تتردد تقربا إلى القلب الأميركي الصهيوني في محاصرة غزة ومقاومة المقاومة؟
8- لا شك أن هناك عداوة للإسلام في الغرب متغلغلة، ولكن للصراع في العالم أوجها كثيرة لا يختصرها الوجه العقدي، هناك صراعات قيمية بين حق وباطل.. بين عدل وظلم.. بين خير وشر، وصراعات مصالح بين قلة من المرابين الدوليين يتحكمون في الأساطيل المدمرة وشبكات الإعلام الضخمة ومراكز القرار والنفوذ، لتضخيم مصالحهم وحمايتها، مستخدمين كل الوسائل إلى ذلك، بما فيها العقائد.
الإسلام ذاته جيد وحضاري وإنساني إذا لم يعترض طريقهم وتماديهم في النهب والسيطرة على الشعوب، ويكون ممتازا إذا قبل التعاون والعمل في ركابهم. بل هم يحتاجون إليه بل لا غنى عنه. فمن لهم بمن يسوّغ للجماهير خنق غزة بجدار فولاذي إذا لم يكن بيدهم وتحت تصرفهم أزهر ومئات الآلاف من المساجد والخطباء يرددون فتواه.
9- غير أن إدانة الغرب وتحميله مسؤولية فيما يسمى الاستثناء العربي من رياح الديمقراطية العاصفة في العالم، وهو في ذلك ضالع، لا يغير من الحال شيئا، ما ظلت قوى الغرب بزعامة الولايات المتحدة تمضي وراء ما تقّدره مصالح لها في مواصلة دعم الدكتاتوريات ورهن السياسات الغربية في المنطقة لدى إسرائيل. غير أنه:
أ- في خصوص أهمية الأنظمة الدكتاتورية للغرب، هذه القناعة أخذت تهتز، في المرحلة الأولى من حكم بوش الذي وجّه إصبع الاتهام بالمسؤولية على تنامي الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة، وجهها إلى هذه الأنظمة بما فرخت سياساتها العفنة من وباء الإرهاب، فما بدّ من فتح الأبواب والنوافذ للتغيير الديمقراطي، فدخل على تلك الأنظمة هول عظيم من الرعب، إلا أنه ما أن تم اختبار سياسة الانفتاح في مصر وفلسطين حيث حقق الإسلاميون فوزا، حتى بدأ التراجع، وتطمين الأنظمة على مستقبلها وتراجع المطلب الديمقراطي منذ الفترة الثانية لبوش واستمرت مع أوباما، بضغط من اللوبي، العدو الألد لكل تحول ديمقراطي في المنطقة.
ب- أما في خصوص العثرة الإسرائيلية في طريق التحول الديمقراطي فقد أصابها قدر غير قليل من الارتجاج مع أوباما، إذ صرح أكثر من مسؤول أميركي بأن التعنت الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين ضار بالمصالح الأميركية في المنطقة، بل يمثل تهديدا لجنودها المتوحّلين في العراق وأفغانستان، وعقبة في طريق تقديم إغراء ولو شكلي لدول الاعتدال الحليفة، يحفظ شيئا من ماء وجوهها إن بقي فيها ما يحفظ، وذلك من أجل تقديم مبرر لها للانخراط في نوع من الحرب على إيران.
مأزق الأطراف الثلاثة يتعمق ومعهما المأزق الاقتصادي المتجه إلى المزيد من التفاقم، وهو من شأنه أن يقدم فرصا لقوى التغيير، القوى المستضعفة في المنطقة وفي العالم، إذا عرفت كيف تتهيأ لالتقاطها من خلال لمّ شتاتها وتوحيد صفوفها واجتماع كلمتها حول مطلب التغيير الديمقراطي. إذا تحرك الشارع وراء قيادة للتغيير رافعا مطالب التغيير فلن تنزل الدبابات الأميركية لحماية الدكتاتور من التغيير. للولايات المتحدة ما يكفيها ويشغلها من المشاكل، والآتي أعظم أغلب الظن.

10- ولأن للصراع أوجها كثيرة منها الصراع العقدي بين مؤمنين وكافرين وذلك عندما يلتقي الإيمان بالعدل في مواجهة الظلم مقترنا بالكفر أو منفردا فقد يفترقان، إذن يدور المؤمن مع الحق والعدل حيثما دارا. قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة 8) بسبب أن الصراع متعدد الأوجه، مطلوب جهاد متواصل من أجل التكامل بين قيمة الإيمان وقيم العدل، فذلك هو الأصل حتى لا يفرغ الإيمان من أهم محمولاته.
وفي كل الأحوال يبقى العدل والحق مدار الاتفاق أو الاختلاف مدار التحالف أو الافتراق، فالظلمة هم أبدا في معسكر العدو والمظلومون والمستضعفون هم حلفاؤنا ونصرتهم المقصد الأسمى لدعوتنا، ومنطلق رسالتنا. فلقد كان صاحب الدعوة عليه السلام يذوب كمدا على حال المساكين ناذرا نفسه للمرابطة معهم لنصرتهم. قال تعالى "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" (القصص 5).
روى شيخ من شيوخ المستضعفين، سيدنا عمار بن ياسر مشهدا من مشاهد انطلاق دعوة الإسلام في أيامه الأولى "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر" صحيح البخاري.


المصدر: الجزيرة

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق