241189572571696

الأحد، 21 مارس، 2010

إدوارد سعيد والحرب الباردة الثقافية




سليم بن حيولة
haioula@yahoo.fr
2007 / 7 / 25
شهدت السنين الأولى من القرن العشرين تطورا معتبرا في الدراسات النقدية التي تناولت الاستشراق باعتباره نوعا من أنواع دراسة الآخر، ولكن هذه الدراسات لم تتجه إلى تعرية الأصول المنهجية لهذه الظاهرة وإنما كان جل شأنها الاكتفاءُ بإصدار أحكام عامة وقلَّ أن غاصت في بحث أسُسها المعرفية وقواعدها الإبستمولوجية، وكان هذا النقد صادرا عن بعض المفكرين التقليديين الذين كانت تعوزهم الأدواتُ التحليلية والقواعد النقدية، ولكن وفي جانب آخر ظهر نقد يميل أكثر إلى المنهجية الحديثة يمثله جماعة من المثقفين المحدثين الذين درسوا في أوروبا على الخصوص، وقد اتسم النقد لدى هؤلاء ببعض الجدية وحاولت كتاباتهم الارتقاءَ بالنقاش الدائر حول الاستشراق ويمثل هؤلاء على الخصوص المغربي عبد الله العروي والمصري أنور عبد الملك، بالإضافة إلى حالات مشابهة لدى كل من إيمي سيزار وفرانز فانون واللذَين تمحورت أعمالهما حول معاملة الإنسان الأبيض للسُّود خصوصا في كتاب فانون " بشرة سوداء أقنعة بيضاء" ، وقد كان من شأن هذه الدراسات أن نبهت إلى الألم الذي يعانيه الإنسان غير الأوروبي من جراء المعاملة المؤسساتية الغربية، ولا عجب كذلك أن نجد الاستشراقَ كخطاب مؤسساتي عن الشرق يخضع لعملية نقد من قبل المستشرقين أنفسهم ولعل عمل المستشرق الهولاندي الأستاذ "جاك واردنبرغ"" في دائرة المعارف الإسلامية الحديثة لخير دليل على هذا الاتجاه.
وبالرغم من العدد الهائل من هذه الدراسات إلا أن كتاب " الاستشراق" لإدوارد سعيد يبقى أهمَّها وفي الوقت نفسه يدعونا للتساؤل عن السر وراء هذه الشهرة الكبيرة وتحريكه لعدد هام من الدوائر الاستشراقية ونهض عدد من المستشرقين متصدين له بالنقد، وهذا ما جعلني أُقلب الأمر على أوجهه العديدة فوجدت أنه يعود إلى أسباب معينة نبدأ بأولها وهو مفهومه للاستشراق حيث يرى أنه قائم في ثلاثة مستويات:
أولا، افتراض التناقض الجذري بين الشرق والغرب في مجالات متعددة ثقافية واقتصادية وسياسية ودينية ويضرب لذلك أمثلة على تغلغل هذا الفكر لدى مؤلفين عديدين ينتمون لحقول مختلفة أبرزهم الكاتب المسرحي اليوناني "إسخيلوس" في مسرحيته " الفارسيات" وكذلك الشاعر الإيطالي دانتي أليجيري في مؤلفه " الكوميديا الإلاهية" ، وينتقل إلى الأدب الفرنسي ليجده ملموسا لدى الروائي "غوستاف فلوبير" في " رحلة إلى الشرق" " وكذلك لدى المستشرق الفرنسي إرنست رينان في " التاريخ العام وقواعد اللغات السامية" ليجد ما يشابهه لدى الحاكم العام الاستعماري الإنكليزي بلفور الذي كانت سياسته في الهند نابعة من فصل مستقر في ذهنه بين الشرق والغرب، دون أن ينسى الحديث المنظر كارل ماركس" خصوصا فيما تبلور معه ولدى أتباعه وما عرف بـ" نمط الإنتاج الآسيوي" الذي اعتُبر أحد التكوينات الاقتصادية السابقة على الرأسمالية ترتبت عنه انعكاسات اجتماعية وثقافية، دون أن ينسى إدوارد سعيد الحديث عن تغلغل هذا الفكر لدى أبرز مستشرق أنكلوسكسوني معاصر هو برنارد لويس ومن هنا يظهر أن إدوارد سعيد أعاد قراءة الأعمال الأدبية على الخصوص قراءة ثانية تخلصت من القراءة الجمالية التي لزمتها على مر العصور.
أما المستوى الثاني الذي انتبه إليه إدوارد سعيد هو العلوم المختلفة مثل الانثروبولوجيا وعلوم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ؛ وهي علوم كانت بمثابة مناهج استهدت بها المدارس الاستشراقية في دراستها حول الشرقن وساهمت في الآن نفسه وبقدر كبير في إعطاء طابع خاص للشرق من خلال اعتمادها على التقسيم والتفريعات وجمع الخصائص المشتركة والمختلفة بين الشرق والغرب .
هذان المستويان يلتقيان في المستوى الثالث الذي هو المؤسسة الاستشراقية التي خدمت الاستعمار في البلاد الشرقية وكرست نوعا من خطابات السيطرة والتملك والتقزيم، وهي المرحلة الأخيرة التي وصل إليها الاستشراق فبعد أن كان فرديا ولاهوتيا صادرا عن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية أصبح اندهاشيا مع ترجمة أنطوان غالان لألف ليلة وليلة وتأليف المستشرق برتليمي ديربيلو لـ" المكتبة الشرقية" ليصبح فيما بعد خطابا مؤسساتيا مرتبطا بسياسة معينة ويكرس لاعقلانية الشرق وبدائيته ولا أخلاقيته مقابل الحداثة والعقلانية والتحضر الموسوم بها الغرب، هذه المستويات الثلاثة تلتقي لتكون طريقة للسيطرة يتم بموجبها الاهتمام بالتراث الشرقي وترجمة نصوصه، وظهرت بموجبها مجموعة من الأفكار استُخدمت لإثبات تخلف الشرق ودونيته، وبالتالي وجوب التدخل الغربي لاستعماره تحت ذريعة نقل التحضر والتمدن، والاستشراق، ضمن هذا المفهوم، يغدو مصطلحا يستخدمه إدوارد سعيد ليبين كيفية التناول الغربي للشرق من حيث هو فرع من فروع المعرفة يتناول الشرق بطريقة منتظمة من حيث هو(الشرق) موضوعٌ للتعلم، والاكتشاف، والتطبيق أي السيطرة والاستعمار.
ولكن هناك أمر مهم يجدر بنا الإشارة إليها وهو أن كثيرا من الأمور التي بنى عليها إدوارد سعيد كتابه سبق لعدد من الباحثين والكُتَّاب العرب أن تناولوها؛ فارتباط الاستشراق بالاستعمار الذي بنى عليه إدوارد سعيد كتابه سبق لأنور عبد الملك أن فصله في كتابه " الفكر العربي في معركة النهضة" والذي ذهب إلى أن هدف الاستشراق كان التعرف على الأرضية المعدة للاحتلال وغزو وعي الشعوب، وقضية الإقصاء التي أشار إليها عمر فاخوري في " آراء غربية في مسائل شرقية" في 1925 حين اعتبر الاستشراق جزءا من نفي الآخر الذي هو الشرق ومقدمة للسيطرة عليه وعلى مقدراته. أما النقطة الأخرى والتي وصف فيها العلاقة بين الشرق والغرب على أساس أنها كانت جنسية حيث يمكن القول بأن عددا من المؤرخين وعلماء الاجتماع العرب قبله قد عالجوا قضية التغلل الغربي في الشرق واستخدموا لوصف تلك العملية تشبيها جنسيا حين ولجت الثقافة الغربية في الثقافة العربية واغتصبتها وأصبح العرب اليوم أولادا غير شرعيين لهذا الاغتصاب ، كما أن الكاتب علي أحمد سعيد (أدونيس) تحدث عن التأثير الكبير الذي تركه الاستشراق في الثقافة العربية بشكل مشابه لما أورده إدوارد سعيد، أما صادق جلال العظم فقد أفاض الحديث عن الحقيقة السياسة للاستشراق.
وإذا اعتبَر إدوارد سعيدأن الاستشراق كان صنعة أخذا عن بنيامين دزرائيلي فإن عددا من الباحثين العرب قد رأى قبله أن الاستشراق كان لدى الغرب مشكلة ذهنية ونفسية وفلسفية، قد يكون لطريقة جمع إدوارد سعيد لكل هذه الأموربطريقة ذكية دخلٌ في المكانة التي اكتسبها والشهرة التي وصل إليها، ولكن الأمور قد تتضح أكثر عندما نتعرض للفترة التي أعقبت صدور الكتاب .
ُقوبل الكتاب بعد صدوره بنقد سلبي من قبل الدوائر الاستشراقية والأكاديمية على الخصوص فقد عرضت جريدة لوموند" الفرنسية للكتاب بالنقد والتجريح والاتهام بتشويه الحقائق والمبالغة في الحكم خصوصا في تناوله للاستشراق الفرنسي وحملة نابليون بونبارت على مصر وكان هذا حال عدد من المستشرقين الآخرين من أمثال مكسيم رودنسون وكلود كاهن وألان روسيون وبرنارد لويس، أما مجلة" الجمعية الشرقية الأمريكية" فعلى العكس من ذلك أشادت بالكتاب وبأفكار إدوارد سعيد وأفاضت في الحديث عن نظرته الثاقبة في معاينة الثقافة الغربية ( الأوروبية على الخصوص) لنجد بعدها الحديث عن الكتاب طاغيا على الساحة الثقافية الغربية بالطريقة نفسها التي تحدثت به الكاتبة الإنكليزية فرانسيس ستونر سوندرز" في كتابها "من دفع أجرة العازف ؛ المخابرات المركزية الأمريكية والحرب الباردة الثقافية" والتي رأت فيه أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت وراء الترويج لعدد من المذاهب الفكرية والنقدية والآراء من مثل الحداثة التي رأت أنها كانت إنتاجا ثقافيا أمريكيا وكان القصدُ كان تغريب "عقل العالم" والقضاء على الخصوصيات والهويات الثقافية للشعوب غير الأوروبية، وكذلك تمويلها العديد من التجمعات الثقافية وعددا من المجلات، والوقوف وراء تشجيع البعض من الكتاب والشخصيات من خلال وصفهم بالمتحررين والحداثيين والنقاد الراديكاليين الذين لا يهابون شيئا، وهكذا تربع كتاب إدوارد سعيد على كل الكتب المؤلفة في نقد الاستشراق.
يدعو هذا الأمر إلى التساؤل والدهشة في الآن نفسه ولكن قد يسهل علينا الأمر حين نعلم بأن الولايات المتحدة ساهمت في إخراج الاستعمار الأوروبي من أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر كما أنها عملت على طرده من البلدان الشرقية لتأخذ هي مكانه اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ولا عجب أن كان كتاب إدوارد سعيد مدعوما من قبل الآلية الإعلامية الأمريكية الخفية منها على الخصوص بالطريقة نفسها التي أشارت إليها سوندرز، وربما يكون إدوارد سعيد قد انتبه إلى ذلك وحاول أن يشير إليه دون أن يجهر بأن كتابه استُعمل من حيث لم يكن يقصد وهذا ما تضمنته آراؤه في " تعقيبات على الاستشراق" الذي جمعه صبحي حديدي وفي كتابه " تمثيل المثقف" حيث حاول أن يلطف قليلا من نقده للاستشراق الأوروبي ومن خلاله للثقافة الأوروبية الكلاسيكية ككل، وقد قالت سوندرز في بحثها المشار إليه أننا نتخرك فوق رقعة الشطرنج في حركات نعتقد أنها صادرة عنا وبمحض إرادتنا ولكنها ليست كذلك، والحاصل اليوم هو أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت مكان الكولونياليات الأوروبية تلك عن طريق الهيمنة والسيطرة الاقتصادية على الخصوص بعد أن أزاحتها بينما تجاوزت كل حدود المعقول في تعاملها مع الشرقيين.

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق