241189572571696

الأحد، 10 يوليو، 2011

تحولات مفهوم الأمن الإنساني


  
محمد المهدي شنين 
                          
شكل الأمن ولا يزال محور تفكير الإنسان سواء كان فردا أم جماعة ، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأولى والمصلحة العليا للدولة ، فلا يستقيم نظام ولا يقوم اقتصاد دون ترسيخ وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار ، وقد ترك التطور التاريخي وتركب وتعقد الحياة الإنسانية بصمات كبيرة وعديدة على مفهوم الأمن والذي أصبح بدوره أيضا مركبا ومعقدا كما أصبح مرآة عاكسة للتطور المفاهيمي والفكري ، والتغير المتسارع الذي تشهده الإنسانية عبر مراحلها التاريخية وخصوصا مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، وهذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال التعرض لمفهوم الأمن الإنساني محاولين استجلاء ابرز التغيرات التي دخلت عليه وموضحين لأبرز مهدداته
*      مفهوم الأمن الإنساني
الأمن لغة يعني الاطمئنان الناتج عن الوثوق بالغير ، وبالله ومنه جاء الإيمان ، وقد تغير مفهوم الأمن وتعقد بسبب التراكم التاريخي وتعقد الظاهرة الإنسانية ، فيعتبر التحول في مفهوم الأمن نتيجة منطقية لتغير المشهد الدولي حيث تعددت الفواعل على الساحة العالمية كما تنوعت مصادر التهديد داخل وخارج الدولة مما يستلزم مفهوم جديد للأمن يحاول أن يشمل كل هذه الظواهر الجديدة فظهر الأمن الإنساني .
   نجد له تعريف انه " امن الإنسان من الخوف (القهر، العنف، التهميش) والحاجة (الحرمان وعدم التمكين الاجتماعي ) أي محاولة خلق ديناميكية تدمج الإنسان في الأولويات التنموية والسياسية بدل التركيز على استقرار النظام السياسي وبيئته .(1)
كما تعرفه لجنة الأمن الإنساني على انه "حماية أساسيات البقاء بطريقة ترقي من حقوق وحريات الإنسان "(2)
فالفرد جوهر الأمن الإنساني ، إذ يعنى بالتخلص من كافة ما يهدد امن الأفراد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال التركيز على الإصلاح المؤسسي وذلك بإصلاح المؤسسات الأمنية القائمة وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية مع البحث عن سبل تنفيذ ما هو قائم من تعهدات دولية تهدف إلى تحقيق امن الأفراد وهو ما لا يمكن تحقيقه بمعزل عن امن الدول .(3)
أما كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في تقريره للأمم المتحدة عام 2000 والمعنون بـ "نحن البشر" أعطى توصيف للأمن الإنساني كالآتي :
يتضمن امن الإنسان بأوسع معانيه ما هو أكثر بمراحل من انعدام الصراعات العنيفة فهو يشمل حقوق الإنسان ، الحكم الرشيد وإمكانية الحصول على التعليم وعلى الرعاية الصحية وكفالة إتاحة الفرص والخيارات لكل فرد لتحقيق إمكاناته، وكل خطوة في هذا الاتجاه هي أيضا خطوة نحو الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي ومنع الصراعات والتحرر من الفاقة وحرية الأجيال المقبلة في أن ترث بيئة طبيعية صحية هي اللبنات المترابطة التي يتكون منها امن الإنسان وبالتالي الأمن القومي .(4)
وقد حدد محرري تقرير الأمم المتحدة عن الأمن الإنساني في 1994 وهما الباكستاني محبوب الحق والهندي امارتيا سان amartiya sen أبعاد للأمن الإنساني حسب فلسفة الحاجات الإنسانية :
1/ الأمن الاقتصادي : أي ضمان الحد الأدنى من المدخول لكل فرد .
2/ الأمن الغذائي : أي ضمان الحد الأدنى من الغذاء لكل فرد .
3/ الأمن الصحي :أي ضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لكل فرد
4/ الأمن البيئي: أي حماية الإنسان من الكوارث الطبيعية والحفاظ على البيئة من استدمار الإنسان .
5/ الأمن الفردي : ويعني حماية الإنسان من العنف المادي من طرف الدولة /الدول/الفواعل غبر الدولية .
6/ الأمن المجتمعي : الذي يقوم على ضمان الاستمرار في العلاقات الاجتماعية التقليدية والحماية من العنف العرقي/الطائفي .
7/ الأمن السياسي : الذي يضمن للبشر العيش في كنف مجتمع يضمن ويرقي حقوق الإنسان .(5)
فأصبح الأمن الإنساني إطارا موسعا للأمن الوطني مكون من (امن الدولة + امن المجتمع +امن الإنسان)، وقد أنتج مفهوم الأمن الإنساني مجموعة من المبادرات الدولية مثل المبادرات اليابانية ، النرويجية ، الكندية ..والتي جعلته أولوية من أولويات سياستها الخارجية
*      الأمن الإنساني وعلاقته بالمفاهيم الأخرى .
أ/ امن الإنسان وأمن الدولة :
يكمل امن الإنسان امن الدولة في أربعة جوانب:
-       اهتمامه هو الفرد والمجتمع لا الدولة .
-       تشمل التهديدات لأمن الناس ، التهديدات والأوضاع التي لم تكن تصنف دائما على أنها تهديدات لأمن الدولة .
-       نطاق الجهات الفاعلة أوسع من مجرد الدولة وحدها .
-       تحقيق امن الإنسان لا يتضمن مجرد حماية الناس بل يتضمن أيضا تمكين الناس من أن يدافعوا عن أنفسهم .
-       يركز امن الدولة على الدولة على الدول الأخرى التي لديها مخططات عدوانية أو عدائية ، أما امن الإنسان فهو يحول التركيز على العدوان إلى حماية الناس من مجموع تهديدات مختلفة
ب/ امن الإنسان وحقوق الإنسان :
يمثل احترام حقوق الإنسان لب حماية امن الإنسان ويشدد إعلان فيينا لحقوق الإنسان الصادر في 1993 على عالمية وترابط حقوق الإنسان لجميع الناس ، لذلك فحقوق الإنسان وامن الإنسان يعزز كل منهما الآخر ، فأمن الإنسان يساعد على تحديد الحقوق المعرضة للخطر في حالة بعينها ، وحقوق الإنسان تجيب على السؤال التالي : لماذا ينبغي تعزيز امن الإنسان ؟(6)
ج/ امن الإنسان والتدخل الإنساني :
مصطلح التدخل الإنساني مركب من كلمتين التدخل والإنساني فالتدخل يعني التدخل العسكري أي استعمال القوة ، والإنساني يتعلق بالإنسان و خاصة المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي تم في حقها خرق أو انتهاك فادح ، أي استعمال القوة لوضع حد لانتهاك حقوق الإنسان .(7)
من الملاحظ الاختلاف بين التدخل الإنساني والأمن الإنساني لان الأول يكون في حالة انتهاك الفادح للحقوق البشرية بشكل تعسفي أي انه يكون كحل أخير بعد حدوث الخطر ، أما الأمن الإنساني فهو اشمل يحاول عدم الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من خلال ضمان كل احتياجات البشر لتحقيق السلم العالمي .كما أن التدخل الإنساني قد يكون غطاء ووسيلة للتدخل في شؤون الدول .
*      جذور مفهوم الأمن الإنساني
شهدت فترة الحرب الباردة بعض المحاولات المحدودة لدراسة المشاكل والقضايا الإنسانية وفي سنة 1966 طرح بلاتز رؤيته حول الأمن الفردي individual security   في كتاب له بعنوان" الأمن الإنساني بعض التأملات "، وترتكز فرضيته على أن مفهوم الأمن شامل يضم العلاقات الاجتماعية كافة التي تربط الجماعات والمجتمعات ، وأكد أن الدولة الآمنة لا تعني بالضرورة الأفراد الآمنين ، فاعتبرت أفكاره تحدي المستوى النظري للفكر التقليدي المرتكز على امن الدولة ، ولم تثر أفكار بلاتز آنذاك صدى واسع بسبب البيئة الدولية وظروف الحرب الباردة .(8)
كما أثير موضوع الأمن الإنساني في مناقشات لمنظمات ولجان مستقلة وفي بعض المؤتمرات الدولية منها اللجنة المستقلة حول قضايا التنمية الدولية برئاسة فيلي براند ، وعرفت اللجنة بلجنة براند       Brandt comission وتشكلت في 1977بناء على اقتراح روبرت مكنمار رئيس البنك الدولي ، وقد ركزت اللجنة عملها على قضايا الشمال – جنوب وأصدرت تقرير في 1980 أكدت فيه أن المشاكل التي تواجهها البشرية لم تعد مقصورة على المشاكل التقليدية من سلم وحرب إذ توجد أنماط أخرى أكثر خطورة من جوع وفقر ، وأكد التقرير على ضرورة التغلب على الفجوات المتزايدة بين الأفراد والدول لتحقيق الأمن الإنساني ومن ثم السلم العالمي .
كما قدمت اللجنة تقريرا ثان بعنوان " الأزمات المشتركة : تعاون الشمال – جنوب للتعافي العالمي سنة 1983 " تحدثت فيه عن الأمن الغذائي والزراعي والأمن الطاقوي .
ساهمت أيضا بعض لجان الأمم المتحدة في بلورة المفهوم منها لجنة برونتلاند التي عرفت بلجنة الحكم الرشيد العالمي المنبثقة عن مبادرة ستوكهولم للأمن العالمي والحكم الرشيد لعام 1991 والتي دعت إلى مفهوم واسع للأمن يتعامل مع تحديات التنمية والبيئة والزيادة السكانية .(9)
وقد أعدت الأمم المتحدة دراسة سنة 1987 ساهم فيها 23 باحثا خلصت إلى ضرورة إنشاء مجلس مراقبة عالمي تحت رعاية الأمم المتحدة لمراقبة قضايا تهديد الأمن الإنساني .(10)
    ما نستخلصه في هذا الباب أن التطرق لمفهوم الأمن الإنساني قبل نهاية الحرب الباردة لم يسعى لتوسيع مفهوم الأمن بقدر تركيزه على مصادر تهديد امن الأفراد ، فنجد أن الأمن الإنساني لم يطرح في سياق علاقته بمفهوم الأمن القومي والى أي مدى يكمل كل منهما الأخر .
*      تطور مفهوم الأمن في فترة ما بعد الحرب الباردة
شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة بروز مفاهيم أمنية مغايرة للمفاهيم التقليدية للأمن والتي عكست تحولات البيئة الأمنية ، مما افرز جدل حول طبيعة ومكونات مفهوم الأمن وضرورة إضافة متغيرات جديدة له كالأفراد والإقليم والنظام الدولي بدلا من الدولة فقط إضافة إلى توسيع المفهوم ليمتد إلى القضايا الاقتصادية والبيئية والمجتمعية ، كما يعتبر هذا الجدل امتداد للتساؤلات التي طرحت حتى قبل نهاية الحرب الباردة حول المفهوم التقليدي للأمن والمرتكز على امن الدولة القومية باعتبارها الفاعل الرئيسي والوحيد المؤثر في الساحة العالمية ، فقد برزت المنظمات الحكومية وغير الحكومية والجماعات المسلحة ، والتي بدأت تتموضع بشكل بارز في العلاقات الدولية وأضحت تهدد حتى الدولة القومية ، ومن جهة ثانية لم يعد مصدر تهديد امن الدول ينبع من خارج الحدود فقط بل برزت تهديدات داخلية لا تستطيع الأداة العسكرية التعامل معها في كثير من الأحيان .
فجاءت الدراسات لمفهوم الأمن الإنساني محاولة لإدماج البعد الإنساني في الدراسات الأمنية إذ أن جوهر مفهوم الأمن الإنساني هو التركيز على امن الأفراد داخل وعبر الحدود بدل من التركيز على امن الحدود وعليه فقد شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة مجموعة مفاهيم للأمن مغايرة للمفهوم التقليدي ، برزت في سياق مجموعة تحولات مثل الأمن التعاوني Cooperative Security ، والأمن المعقد complex security والأمن الإنساني human security (11)
*     مهددات الأمن الإنساني
هناك العديد من المشاكل والمهددات التي تواجه الأمن الإنساني سواء كانت بشرية أو طبيعية .
1/ ندرة المياه :
إذ يفتقر واحد بين كل خمسة أشخاص إلى الحصول على مياه مأمونة ويفتقر نصف سكان العالم إلى الصرف الصحي ، ويموت 1.7 مليون شخص سنويا بأمراض مرتبطة بسوء إمدادات المياه ، وندرة المياه الشروبة تهدد ثلثين من سكان العالم ، ولعل ندرة المياه أصبحت عامل أساسي ومهم في الحروب بين الدول والقبائل حول مصادر المياه وربما سيتطور الأمر أكثر في المستقبل .(12)
2/ الأمن الغذائي :
وهو ناتج أساسا عن ندرة المياه والكوارث الطبيعية والجفاف مما يؤدي إلى النزوح والحروب والمجاعات التي ازدادت بشكل ملحوظ .
3/ الأمن الإنساني والحروب :
إذ تعد الحروب أكثر مهددات الإنساني و أفتكها بسبب ما تخلفه على مختلف الصعد ومن أسبابها سباق التسلح والذي يستنزف موارد الدول على حساب التنمية البشرية .
     في الأخير نجد أن مفهوم الأمن قد تأثر أيضا بالتطور الكبير الذي حققته حقوق الإنسان على مختلف الصعد ،مما أضفى صفة الشمول عليه من خلال ارتباطه بالإنسان وشموله لمختلف جوانب حياته ،على حساب الدولة التي لم تصبح الفاعل الوحيد في الساحة العالمية ، هذا و نلاحظ أن اخطر التهديدات على الدولة و الفرد ليست تهديدات مسلحة بل لها بعد مرتبط بعلاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي و الطبيعي (البيئي)  .

الهوامش :
1/ برقوق محند ، الأمن الإنساني ومفارقات العولمة عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../الأمن%20الإنساني%20و%20مفارقات%20العولمة.doc
2/ نفس المرجع.
3/ خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين ، عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../مفهوم%20و%20قضايا%20الأمن%20الإنساني.doc
4/ منى حسن علي ، مفهوم الأمن الإنساني ، عنوان الوثيقة :
sudanpolice.gov.sd/pdf/55555.pdf
5/ برقوق محند ، المرجع السابق.
6/ منى حسن علي ، المرجع السابق .
7/ مرابط رابح ، اثر المجموعة العرقية على استقرار الدول دراسة حالة كوسوفو .أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في العلوم السياسية فرع العلاقات الدولية .جامعة الحاج لخضر .باتنة .الجزائر.ص 143.
8/ خديجة عرفة محمد أمين ، الأمن الإنساني المفهوم والتطبيق في الواقع العربي والدولي .الرياض .ط1 ،2009.ص21.
9/ نفس المرجع ، ص 24.
10/ نفس المرجع ، ص 27.
11/ برقوق محند ، المرجع السابق.
12/  خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين.
.

هناك 13 تعليقًا:

  1. مدونة رائعة شكرا لك وبارك الله فيك بالتوفيق باذن الله ...

    ردحذف
  2. مدونة ممتازة ورائعة شكرا لك ...

    ردحذف
  3. شكرا للجميع على التفاعل الطيب والرائع وعلى الدعم

    ردحذف
  4. بارك الله فيك وجزاك خيرا المدونة جميلة وفكرة ممتازة شكرا لك ...

    ردحذف
  5. مقال رائع جدا ومفيد جزاك الله خيرا ...

    ردحذف
  6. مدونة ممتازة وهامة ورائعة ...

    ردحذف
  7. المقال رائع والفكر جميل شكرا لك ...

    ردحذف
  8. تحياتى لكم ع المجهود :)

    ردحذف
  9. Thanks for it .. I hope the new Topic is always

    ردحذف
  10. Succès ... S'il vous plaît noter les nouveaux sujets toujours

    ردحذف
  11. Succès ... S'il vous plaît noter les nouveaux sujets toujours

    ردحذف
  12. ربما كانت هذه هي زيارتي الأولي لهذه المدونة .. ولكنها حتماً لن تكون الأخيرة
    فالمرء يقابل أحياناً من يظن في نفسه القدرة على التدوين .. وهم كثير
    ولكنه يأتي عليه يوم - مثل هذا اليوم - يقابل فيه من يلتهم كلماتهم المكتوبة التهاماً
    شكراً لك على العرض الرائع :)

    ردحذف