241189572571696

الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2008

تداول السلطة في الوطن العربي

تداول السلطة في الوطن العربي
اجتماع لمجلس الأمة في الكويتأين يقع تداول السلطة وفق المعايير والضمانات المعتبرة لتداول السلطة على أساس تنافس سلمي؟ علام يؤشر المسار التاريخي لانتقال السلطة في الوطن العربي؟هل يعطي واقع الحكم وآليات عمله فرصة لتداول السلطة وإتاحتها للمواطنين على نحو عادل قائم على تساوي الفرص؟ أم ماذا؟ ما دور البرلمان في تحقيق تداول السلطة وما مدى مرجعيته وتأثيره في اختيار الحكومات وتغييرها؟ كيف تنظم الدساتير العربية – إن وجدت – انتقال السلطة وتداولها وما مدى الالتزام بالدستور وتطبيقه؟ ما الذي تقدمه الأحزاب العربية القائمة علنا والتي تعمل سرا لتفعيل الحياة السياسية على أساس التداول والتنافس السلمي؟ وما قيمة التعددية الحزبية والسياسية القائمة في بعض الأقطار العربية؟ ما هو حال فصل السلطات في الدستور والتطبيق باعتبار ذلك ضمانة للانتصاف من السلطة التنفيذية ومنع تغولها على السلطات الأخرى والحقوق العامة؟
تمثل السلطة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الناس والجماعات والنخب والقادة باعتبارها أحد مداخل الإصلاح والتغيير، وكان الوصول إلى السلطة وسيلة معلنة للإصلاح والعدل ومبرر النزاع والحروب والصراعات بين الدول والأسر والجماعات، ويبدو أن العمل السياسي والإصلاحي العربي لم يشتغل كثيرا بآليات تنظيم انتقال السلطة وتداولها على أساس سلمي وعادل ويعطي الفرصة لجميع الناس بالتساوي في التنافس على السلطة واختيار الحاكم.
ويقدم تاريخ انتقال السلطة في الوطن العربي مجموعة من المؤشرات، أهمها:
”هناك انفصال مبكر في التاريخ الإسلامي بين الفكرة والواقع في ما يخص مسألة تداول السلطة، فبقدر صفاء وشفافية الفكرة في جانبها النظري، نجد أن التطبيقات قد اختلفت عنها وكررت نماذج إنسانية سابقة من انحصار السلطة في يد عوائل لا تمثل سواد الأمة”أولاً: غلبة حكم الأسر والعائلات التي كانت تتولى السلطة وينتقل الحكم فيها إلى الأبناء والأخوة والأقارب، والملفت أن الدولة الإسلامية بدأت بنموذج متقدم في اختيار الحاكم قائم على الشورى ولا يأخذ بالوراثة، وكان يمكن لهذا النموذج أن يغني التجربة الإنسانية في الحكم ويطورها لو أنه استمر، ولكنه توقف بعد ثلاثين سنة وتطبيقه على أربعة خلفاء (الخلفاء الراشدون) ثم دخلت الدولة الإسلامية في مرحلة من حكم العائلات لم تتوقف، والواقع أن النظام الوراثي في الحكم هو المتبع في المجتمعات الإنسانية كلها تقريبا، ولكن الدول الأوروبية طورت أنظمة الحكم فيها في القرنين الأخيرين تقريبا إلى أنظمة يقوم اختيار الحاكم فيها على أساس الانتخاب، وفي الدول التي اختارت الاستمرار في أنظمة الحكم الملكية تم الفصل بين الملك والحكم، فالملك يترأس السلطات ويشرف عليها ولكن الناس ينتخبون النواب الذين يحددون الحكومة حسب نتائج الانتخابات التي تتنافس فيها قوائم وأحزاب سياسية.
ثانياً: خريطة السلطة القائمة في الوطن العربي منذ قيام الدول الحديثة تشير إلى استمرار الوضع في الوطن العربي كما هو دون تغيير، وفي الدول التي استبدلت النظام الجمهوري بالملكي لم يتغير الوضع فيها كثيرا، وتحولت من حكم العائلات إلى حكم الأفراد الذين ربما يؤسسون لحكم عائلي.
ثالثاً: ومن أهم ملامح خريطة السلطة العربية الانقلابات العسكرية التي اجتاحت الوطن العربي في أواخر الأربعينات ولازمته في الخمسينات والستينات، ولكنها بدأت تتراجع منذ السبعينات حتى كادت تنتهي أو انتهت بالفعل، وقد غيرت هذه الانقلابات من طبيعة وتركيبة الحكم والسلطة في كثير من البلاد العربية مثل سورية ومصر والعراق وليبيا والسودان وأدت إلى تغييرات عميقة اجتماعية وسياسية واقتصادية.
رابعاًً: وبالرغم من أن مفهوم تداول السلطة في التشريعات العربية قد نص عليه في غالبها وحُددت لمؤسسات الحكم مدد قانونية تنتهي بانقضائها إلا أن التطبيقات استمرت تنقص من قيمة تلك التشريعات، إذا غيرت أغلب الدول العربية دساتيرها أو علقتها أو عدلت مواد الحكم فيها بما يخدم توجهات القوى المسيطرة على الحكم. كما توجد دول عربية أخرى لم تضع لها دساتيرا حتى الآن.
”لا تتفق التشريعات العربية التي تنص غالبيتها على مبدأ التداول السلمي للسلطة مع تطبيقات أكثر الأنظمة العربية التي تسعى بوسائل كثيرة للبقاء في الحكم من أبرزها التعديلات الدستورية والتلاعب بنتائج الانتخابات”خامساً: وبرغم أنه تجري انتخابات نيابية في كثير من الدول العربية أو معظمها فإن الحياة النيابية العربية لم ترق إلى التأثير في تداول السلطة، ومازال دورها يقتصر على الرقابة والتشريع وتقديم المشورة والرأي، وهي وإن كانت بوضعها الحالي تساهم في تطوير الحياة السياسية وحفظ الحقوق العامة، والرقابة على الحكومات، فإنها لم تكن مرجعية لتداول السلطة كما يفترض أن يكون، والغريب أن التجارب القليلة التي كانت الانتخابات البرلمانية فيها هي المرجعية في اختيار الحكومة هي حالات تاريخية قديمة، وتبدو الانتخابات النيابية تتطور باتجاه احتكار السلطة والنفوذ وتعزيز الفردية والعسكرية بزينة برلمانية، وكان المسار البرلماني عكس ما يفترض إذ بدلا من أن تتطور الحياة السياسية نحو التعددية والتداول السلمي فإنها اتجهت إلى الفردية، ولكن المغرب قدم حالة استثنائية عندما كلف الملك المغربي الراحل الحسن الثاني رئيس الحرب الاشتراكي (المعارض تاريخيا) عبد الرحمن يوسفي تشكيل الحكومة المغربية، وذلك بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت وحقق فيها الحزب أغلبية نسبية.
سادساً: والأحزاب السياسية تؤشر في قيامها ونشاطها وتنافسها على تداول السلطة والتأثير فيها ويمكن الحديث عن تعددية سياسية في الوطن العربي في كثير من أقطاره، وهي تعددية وإن كانت لم تقدم للحياة السياسية فرص التنافس والتداول سوى حالات قليلة في السودان في فترة من الوقت والمغرب في تجربة واحدة هي الحكومة القائمة حاليا، وفي الأردن عام 1956 لمرة واحدة فقط ومدة زمنية لا تتجاوز السنة الواحدة، وفي مصر قبل عام 1952.
ولكن في عدة دول عربية الأحزاب السياسية قائمة، وتعمل بشكل علني وتشارك في الانتخابات العامة، وهي وإن كانت محدودة التأثير تؤشر على حياة سياسية تملك قدرا من التنافس لا يكفي للتداول ولا تملك هذه الأحزاب الحرية والشروط العادلة التي تتيح الحصول على الأغلبية لأي منافس، والأحزاب القادرة على المنافسة والتأثير وإحراز أغلبية لا يتاح لها العمل أو يحال بينها وبين الحصول على حصتها العادلة في الانتخابات.
”تمت في السنوات الأخيرة عمليات توريث للسلطة في أكثر من دولة وراثية، ولكن المستغرب ما تم في دول تتبنى النظام الجمهوري من توريث الحكم للأبناء وهو ما بات حديثا مشاعا في مجموعة من الدول الأخرى”سابعاً: وعند الحديث عن مستقبل تداول السلطة في الوطن العربي والمشكلات والمعوقات التي تمنع قيام ديمقراطية حقيقية تفسح المجال للمواطنين اختيار حكامهم وممثليهم ومحاسبتهم أسوة بمعظم شعوب العالم ومجتمعاته حتى تلك الفقيرة والحديثة التكوين فإن تساؤلا بديهيا يثار عن موقف الإسلام من التعددية السياسية والحريات وتداول السلطة وتنظيم انتقالها على أساس عادل وسلمي، ويبدو الأمر كما في دراسة المفكر الإسلامي راشد الغنوشي حول مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام أن الإسلام يفعّل التعددية السياسية ويدعو إلى المشاركة والعدل والمساواة بما يعني ذلك من حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم، فالإسلام ليس سببا أو أحد الأسباب الثقافية والفكرية لتكريس الاستبداد واحتكار السلطة والنفوذ، فأين الخلل؟ وهل تفتقر الثقافة السياسية العربية إلى القيم والمبادئ الديمقراطية فتكون المشاركة والتعددية مطلبا غير ضروري أو ملح لدى الجماهير العربية، أو هي مجرد هواية تشبه تربية الطيور وجمع الطوابع والتحف الجميلة، أو هي أولوية بمرتبة حماية الزهور والطيور النادرة التي يخشى عليها من الانقراض، أو ما سوى ذلك من الهوايات والمشروعات الأنيقة والمعزولة، أم أن الواقع العربي الذي كونته قرون طويلة من التسلط والاستبداد أفرز تنشئة سياسية واجتماعية تكرس لدى العرب السلبية والامتثال للواقع؟
وحتى لا نظلم الخريطة السياسية العربية فيجب ملاحظة أن قدرا من الانفتاح والهوامش الديمقراطية تحققت منذ التسعينيات، فقد جرت انتخابات نيابية وأطلقت الحياة السياسية في معظم الدول العربية، وهي تحولات وإن كانت إيجابية فإنها لا تعد شيئا بالنسبة لما تحق في أوروبا الشرقية وروسيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أفريقيا.
المصدر:
الجزيرة
.

0 التعليقات:

إرسال تعليق