241189572571696

الأحد، 13 فبراير 2011

الانتفاضة المصرية ...اول صدى للثورة التونسية




قادري سمية                                                        محمد المهدي شنين
قسم العلوم السياسية. جامعة الجزائر 3                          قسم العلوم السياسية. جامعة ورقلة
تخصص: دراسات اقليمية                                         تخصص علاقات دولية

ما تشهده اليوم أقوى الأنظمة العربية تسلطا لم يكن أشد المتشائمين و لا المتفائلين على حد السواء يتوقعه، فقد ترسخت في ذهنية الجميع أن الشعب العربي فقد كل القدرة على تحسين أوضاعه، و الأكثر من ذلك قبوله و رضاه عن حكامه، إلى أن اندلعت الثورة التونسية وخلعت زين العابدين من الحكم. و اليوم يبدو أن الدور على نظام حسني مبارك..فيا ترى هل بالإمكان إسقاط ما حصل في تونس على مصر؟

الحراك السياسي للمعارضة الشعبية قبل الأحداث

هناك اتفاق شبه عام على وجود حراك سياسي معارض نشيط في الحياة السياسية المصرية قبل سنوات عديدة من أحداث اليوم، و قد كان هذا الحراك في كثير من الأحيان يسبب إحراج للنظام. و من أبرز الناشطين السياسيين نجد الإخوان المسلمين المحظورين منذ عهد جمال عبد الناصر، فضلا عن أحزاب تقليدية معارضة أخرى كالتجمع و الوفد و الغد…الخ.
إضافة إلى ما سبق نجد حركة كفاية التي ظهرت سنة 2004 كدليل على عمق السخط الشعبي من ممارسات نظام مبارك رغم أن دورها ضعف مع الوقت نتيجة الخلافات الداخلية.
كما برز إلى الوجود نمط جديد من المعارضة كان له دور في تحريك الشارع المصري و هم المدونون و شباب الفايسبوك و الذي يرجع لهم الفضل في بداية و تنظيم الثورة المصرية الأخيرة. و كان من أبرز الحركات الاحتجاجية الشبابية حركة شباب 6 أبريل التي ظهرت سنة 2008 و أصبحت جد مزعجة للنظام.
و قد تزامن تزايد المعارضة الشعبية لنظام مبارك مع عودة محمد البرادعي لمصر، فنتج عنه ظهور الحركة المصرية للتغيير و التي شكلت دفعا قويا للمعارضة في مصر.
و عقب الانتفاضة التونسية التي ترتب عنها هروب زين العابدين بن على، خرج الشعب المصري إلى الساحة يطالب هو الآخر برحيل محمد حسني مبارك.
صدى الثورة التونسية..في الانتفاضة المصرية
لقد بدأت المظاهرات في مصر و هي ترفع شعار ” تغيير، حرية، عدالة اجتماعية”، بيد أن الأمر لم يتوقف هنا بل تطور إلى شعارات سياسية شأنها شأن الثورة التونسية، حيث انتشرت هتافات تنادي و تطالب بخلع الرئيس حسني مبارك و ترفض توريث الحكم لنجله جمال مبارك و انتهى الأمر إلى المطالبة بإسقاط النظام.
كذلك فما ميز هذه المظاهرات و التي عمت أكبر المدن المصرية أنها لم تكن بدعوة من حزب سياسي و ليس لها قيادة تمثلها بل كانت من غضب الشعب المصري من أوضاعه المعيشية و الاقتصادية و الاجتماعية. و لعل ما ساهم في انتشارها السريع الدور البارز لوسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك،التويتر) و النشاط الكبير الذي بذله الناشطون في الدعوة ليوم غضب ضد النظام (جمعة الغضب).
إدارة النظام المصري للأزمة
شكلت جمعة الغضب و ما تلاها من أيام زلزالا على نظام حسني مبارك، و قد أغفلت الحكومة في البداية المطالب الاجتماعية و فضلت التعامل الأمني معها من خلال أعمال العنف و تطويق المظاهرات برجال الأمن، كما لجأت إلى قطع كل وسائل الاتصال من شبكات الهواتف النقالة و الانترنيت… و رغم كل هذا إلا أن المظاهرات زادت حدتها.
و بعدها حاول مبارك تهدئة الأوضاع من خلال خطاباته لكنها زادت الأوضاع سوءا إذ زاد إصرار الشعب أكثر على ضرورة رحيله، فلجأ بعد ذلك غلى دس مشاغبين لتشويه الاحتجاجات و إخراجها عن سياقها إلا أن هذا الأسلوب فشل هو الآخر . و هذا ما دفع بالنظام إلى إعادة قوات الأمن إلى الساحة بعد أن سحبه بشكل سريع، كل هذا يبين لنا عدم وجود تخطيط محكم و فقدان النظام لزمام إدارته و تعامله مع الأزمة التي يشهدها.
موقف المؤسسة العسكرية من الأزمة
يعتبر حياد الجيش أو خيانته لرأس النظام العامل الحاسم و الرئيس في أية ثورة شعبية، ففي تونس و رغم المظاهرات الشعبية إلا أنها ما كانت لتحقق ما حققته لو لم يقف الجيش لجانب الشعب.
يبدو لنا كمراقبين للشأن المصري أن الجيش يقف في منطقة رمادية مبهمة ،ففي الوقت الذي لا يريد أن يقف فيه ضد الشعب وخصوصا عقب الاحتفاء الشعبي بنزوله للشارع والالتفاف حوله ،فإنه أيضا لا يقف ضد النظام وخصوصا ضد ممارساته ومنها الاعتداءات الأخيرة على المتظاهرين في ميدان التحرير ،إضافة إلى الاعتداء على المتحف الوطني ..،هذا يدفعنا للحديث على أن هناك من يريد توريط الجيش وغير راضي على هذا الموقف ،خصوصا بعد ما صرحت قيادة الأركان أن مطالب المتظاهرين شرعية مما شكل دافعا اكبر للمتظاهرين ،لكن السؤال المطروح إلى أي مدى سيبقى الجيش يلتزم هذا الموقف الغامض ؟ وهل بالفعل هو على الحياد أم أن هذا الموقف سيؤدي إلى انهيار المؤسسات والدولة في ظل عناد الرئيس محمد حسني مبارك ؟)، فالمؤسسة العسكرية لعبت دور في بقاء حسني مبارك إلى يومنا هذا على سدة الحكم و ذلك لوقوفها هذا الموقف. و ربما السبب في عدم تحرك الجيش و إبداء أي موقف هو كما ترى بريطانيا أنه إذا أصبح في الصدارة بسبب غياب القيادة السياسية، فسيكون مرشحا غير مريح و لكن معقول لتولي السلطة.
موقف الأطراف الأجنبية من الانتفاضة المصرية
لقد تحققت مخاوف إسرائيل و الدول الكبرى و الأنظمة العربية من انتقال عدوى الثورة التونسية إلى مصر. و رغم هذا فإن هذه الدول لم تخرج بموقف واضح و محدد من الأزمة، ففرنسا مثلا تعاملت مع الأزمة المصرية بطريقة حاولت فيها تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها من خلال موقفها من الثورة التونسية ،هذا الموقف الذي سبب حرجا للدبلوماسية الفرنسية ،لهذا حاولت إدارة ساركوزي تغطية أخطاءها بمواقف جديدة وغير مترددة على الأقل لكن بمواقف غامضة ومبهمة من خلال المطالبة بعدم ممارسة العنف ضد المتظاهرين ومحاولة إحداث انتقال سلس للسلطة وهذا كله دون ضغط فعلي لأسباب عديدة منها كون فرنسا لا تملك في مصر ذلك النفوذ الذي تملكه في تونس ، إذ أوضح ساركوزي في العديد من المرات على حق الشعب المصري في العيش بحرية و ديمقراطية.
إضافة إلى الموقف الأوربي المشترك عقب الاجتماع الأخير والذي اصدر فيه بيانا يطالب السلطات المصرية بانتقال سلمي للسلطة ،وعدم التغطية على الأحداث بالتضييق على الصحفيين .
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أبدت تمسكها بمصر كحليف استراتيجي إلا أنها بدت أقل حرصا على مصير النظام الحاكم، وهناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذه المواقف المبهمة و أهمها أن هذه الدول لا يهمها الشخص بقدر ما تهمها مصلحتها، فمصر منطقة جد محورية للحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط و حماية أمن إسرائيل لذا نجد إسرائيل عبرت صراحة على رفضها ما يحدث من قبل الشعب المصري و المعارضة ،فالولايات المتحدة لا تريد أن تتفاقم الأحداث بشكل بفسد مصالحها المتشابكة في مصر والتي لها ارتباطات بالإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط كل بملفاته المتشابكة ،لذلك نجدها تخلت عن مبارك سعيا منها للإبقاء لها على حلفاء قادمين لان إدارة اوباما أدركت أن مصر دخلت في مرحلة ما بعد مبارك ،لذلك شرعت الخارجية الأمريكية في إجراء اتصالات مع قيادات من المعارضة وأبعدت الإخوان في سعي لان لا تفرز هذه الثورة نظام معادي للمصالح الأمريكية وأهمها إسرائيل أو على الأقل لا يؤدي بنفس أداء النظام السابق .
أما الدول العربية فقد التزمت الصمت و الحرص على عدم تقديم أي رأي و لعل السبب الرئيسي في ذلك هو خوفها من أن تلحقها تلك الأحداث و ينقلب شعبها ضدها،وكان من صدى هذه الأحداث بعض الإصلاحات هنا وهناك مثل قرار الرئيس اليمني بعم الترشح لولاية جدية إضافة إلى الإصلاحات في سوريا والأردن ..
السيناريوهات المحتملة للانتفاضة المصرية
إن الحديث عن مستقبل الانتفاضة المصرية يبقى سابق لأوانه رغم العديد من الاحتمالات فهناك من يرى بأن مصر على أعتاب تونس ،رغم إصرار مبارك على التمسك بكرسيه إلى أن تنتهي عهدته في كل مرة يلقي فيها خطاب. و الحجة التي قدمها هذا الشق أنه و رغم التنازلات التي قدمها النظام إلا أنه في كل مرة يقوم بتصعيد الاحتجاجات، لذا فباب التفاوض لم يعد يجدي نفعا. من جهة أخرى مصالح الدول الكبرى متضررة من هذه الاحتجاجات و لاسيما مصالحها الاقتصادية و لذا ستتدخل آجلا أم عاجلا لما يرضي الشعب.
في حين يرى آخرون بأن مبارك لن يرحل أو يقال لأن مصر ليست تونس و أن الثورة في تونس سيتم احتوائها مع الوقت و أن النظام سيقوم بجملة من التغييرات التي سيقتنع بها الشعب مع الوقت، ثم إن إسرائيل لن تسمح بكل بساطة أن تتخلى عن أول و أكبر حليف لها و هو مبارك و لذا ستفعل المستحيل بالضغط على الدول الكبرى لإبقاء مبارك على سدة الحكم.
و نحن لكي نقيم جدوى و حدود التغيير ينبغي دائما أن نتذكر بأن ثورة المجتمع المصري قد انفجرت تعبيرا عن الضيق بالنظام القائم الذي احتكر السلطة و حكم البلاد بأجهزة الأمن و الطوارئ، و حاصر الحريات و ألحق البلاد بمعسكر التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل في حين فشلت سياساته في تلبية احتياجات الناس في مجالي الخدمات و الاقتصاد.
ومن خلال ضخامة الاحتجاجات يبدو للجميع إن مصر دخلت مرحلة ما بعد مبارك وانه وصل المحتجون في مطالبهم إلى مرحلة اللاعودة لذلك حتى الولايات المتحدة وأوربا أضحت تتعامل مع مبارك كرئيس سابق وتحاول الاتصال بالخلفاء المحتملين .
لكن عناد الرئيس مبارك وإصراره على البقاء في السلطة ،خلط الكثير من الحسابات ،إذ أن مبارك يعول على عامل الوقت في حسم معركته أمام الشعب ،فالوقت ألان يصبح ضد المتظاهرين الذين لا يستطيعون تحمل الشلل الذي ترزح تحته البلاد والذي شل كل نواحي الحياة المعيشية مما يؤدي إلى تفكك اللحمة وتقلص حجم المظاهرات ،وبالتالي تراجع فاعليتها .
كما يمكن أن يؤدي تعنت النظام وإصرار الجماهير إلى انهيار المؤسسات الدستورية وتعطلها مما يؤدي إلى دخول البلاد إلى اضطرابات داخلية ،قد يكون منها العنف .
ولا يمكن لأي باحث في هذه الظاهرة إغفال دور العامل الخارجي في أي عملية للحسم مستقبلا ،وذكرنا سالفا أن أمريكا والغرب عموما يكاد يكون تخلى عن مبارك الشخص ،في سبيل الإبقاء على المنظومة الحاكمة ،وهذا طبعا غير إسرائيل ،وهي لن تتخلى عنه تماما إلا عندما تجد من يضمن المصالح الإسرائيلية الأمريكية كون مصر رقم صعب في معادلة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ،ومنفذ جيد لأجندتها السياسية .
وقد يدفع هذا التخلي الخارجي مبارك إلى انتهاج سياسة الأرض المحروقة ،لتشويه الاحتجاجات وتخويف الغرب مما يسميه الإرهاب ،واحتمال سيطرة الإخوان على مصر..كآخر ورقة له للمساومة ،ودليل ذلك الاعتداءات الأخيرة على المتظاهرين والمستشفيات والمتاحف واكبر دليل هو تفجير أنبوب الغاز المتجه نحو إسرائيل ..ولقد هدد في خطابه الأخير صراحة إما هو وإما الفوضى ولعل الفوضى التي يقصدها مبارك ليست داخلية فقط بل ربما إقليمية أيضا .
العامل الأخير الذي قد يرجح الكفة لأي سيناريو هو دور الجيش ،فلأي مدى يستطيع الجيش الصمود في هذا الموقف الرمادي ،أم انه سينحاز إلى المطالب الشعبية ،نعتقد أن تواصل الاحتجاجات يؤدي إلى ذلك .
الموضوع معقد والأحداث متشابكة وكثيرة ،لكن الشيء الجلي أن الوضع خطير وله تداعيات وخيمة على مصر والمنطقة ،رغم انه عارض صحي ودليل على حيوية الشعوب ،والسؤال المطروح هو هل سيتنازل مبارك عن عرشه أم انه يصر على أن يكون نيرون ..وتكون مصر روما أخرى .



.

0 التعليقات:

إرسال تعليق