التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التحول في تونس .. أسبابه .. معوقاته .. وتداعياته



        محمد المهدي شنين

      شهدت منطقتنا المغاربية حدثا مدويّا هزها وهز العالم العربي بسبب انهيار نظام من اشد الأنظمة تسلطا  واعتمادا على القبضة الأمنية، فدخلت تونس عملية تحول لم تنتهي بعد ،وسنحاول في هذا المقال معالجة هذه الظاهرة منطلقين من جملة أسئلة :
ما هي أسباب هذا التحول ؟ وما آلياته ؟ ما هي العوائق التي يواجهها ؟؟ وما تداعياته إقليميا وعربيا ؟؟.

1/
أسباب التحول :
    
انطلقت الاحتجاجات التونسية كثورة شعبية ذات مطالب اجتماعية واقتصادية ،فكانت بداية ثورة خبز ضد الفساد والتهميش ،ولعل التاريخ يبين أن اغلب الثورات كانت في بدايتها ثورات خبز ،حتى الثورة الفرنسية في بدايتها كانت كذلك ، إذا فالثورة التونسية مثل كرة الثلج بدأت بالمطالب الاجتماعية ثم كبرت هذه المطالب لتصبح رغبة في تغيير راديكالي لنظام برمته ، واقتلاع حزب له أكثر من نصف قرن في الحياة السياسية ،باعتباره تجسيدا لمنظومة الفساد ، هذه المنظومة التي ترتكز على ثلاثية الاستبداد وهي : الاستبداد السياسي ،الاستبداد الاقتصادي ،والاستبداد الاجتماعي .هذين النمطين الأخيرين من الاستبداد هما نتيجة حتمية لتزاوج المال والسلطة ، ونتيجة لتركز رأس المال عند الفئة الحاكمة والنافذة التي تسيطر على السياسة والاقتصاد ، وهو ما مثلته عائلة الرئيس بن علي وزوجته ، مما خلف نموذج قائم على الرأسمالية المشوهة التي تلغي التنافسية ، وهذا النمط شائع في الكثير من النظم العربية .

2/
آليات التحول :
    
انتهج التونسيون في تحولهم نهج التغيير الجذري الراديكالي من خلال الثورة الشعبية الداعية إلى القطيعة الكاملة مع النظام السابق ومنظومته ، باقتلاع كل ما يمثله من قيادات وأجهزة ومؤسسات أبرزها حزب الرئيس ، ولعل علم اجتماع الثورة يعطينا ثلاثة قوانين سيسيولوجية رئيسية لنجاح أي ثورة كلما توفرت هذه القوانين كلما كانت الثورة اقرب للنجاح وابعد عن الفشل وهي على التوالي :
ا/ راديكالية المطالب ،أي الدعوة للتغيير الجذري والقطيعة التامة مع النظام السابق ومنظومته الفكرية والمؤسسية .
ب/ تفكك النخب الحاكمة وانقسامها على نفسها ،أي الاختلاف داخل أجهزة النظام ،خاصة بين المحافظين والإصلاحيين ،وهذا ما تجسد في تونس من خلال تململ بعض النخب داخل النظام السابق من ممارساته ،وممارسات عائلة الرئيس وزوجته ،إضافة إلى رغبة الجيش في الخروج من حيز الإهمال والتهميش والتي يعاني منها ،وهذا ينقلنا للنقطة الثالثة .
جـ/ حياد الجيش أو وقوفه مع أو ضد النظام ،وهذا هو العامل الحاسم والرئيسي ،ولعله قطب الرحى في نجاح أي ثورة شعبية ضد أي نظام سياسي ،لان الجيش يجسد أقوى أداة قمعية ،فإذا فقد النظام احتكاره المنظم للعنف والقوة فقد سيطرته ، وهذا بدا جليا في المشهد التونسي ،إذ كان دور الجيش أهم عامل في نجاح الثورة الشعبية ،والإطاحة بالرئيس السابق .

3/
عوائق التحول :
    
إن مرحلة التحول الديمقراطي من اخطر المراحل التي تعيشها الدول وأدقها ،كما أنها ليست عملية بسيطة، بسبب تجزر النظام التسلطي في اغلب هياكل وأجهزة الدولة ،والمنتفعين منه من بقايا النظام السابق سيكونون أول من يضعون الفخاخ لهذا التحول محاولين عرقلته للحفاظ على مكتسباتهم ووضعهم ،إضافة إلى إمكانية تطلع النخبة العسكرية للعب دور سياسي مستغلة حالة عدم الاستقرار والاضطراب الداخلي ،مما قد يكون خطر على جهود التحول ،كما أن العامل الخارجي يمكن أن يكون من ابرز العوائق خاصة إذا كان هذا التغيير يمكن أن يهدد مصالح حيوية لأطراف خارجية أو يؤدي إلى صعود نخب معادية لها.كما أن النظم التسلطية تسعى دائما إلى إفشال نماذج التحول كي لا تنتقل لها ،لذلك يمكننا القول أن من اكبر الأخطار على الثورة التونسية هي النظم التسلطية العربية .ويجب التنبيه في نهاية هذا العنصر إلى أن التحول الديمقراطي يمكن أن يفرز من نتائجه اخطار داخلية ،منها الإخطار الناجمة عن عدم تعود الشعوب على وجود الحريات ،وغياب العراقة والرسوخ في الديمقراطية وإدارة نظمها وما تولده من اختلافات ،فتبين التجربة العربية أن النظم التي رفعت سقف الحريات والديمقراطية دخلت في حروب داخلية والمثال الجزائري حاضر .

4/
تداعيات التحول في مغاربيا وعربيا ..
    
إن ابرز ما يميز عالم اليوم ثورة المعلومات ،وسرعة تدفق الأخبار والأحداث مما يعولمها ويسرع انتشارها وينقلها من حدث داخلي إلى قضية عالمية ،وهذا بالضبط ما حدث في الثورة التونسية ،والتي لقيت تجاوبا شعبيا في الوطن العربي بشكل سريع جدا ،وعالميا أيضا من خلال الاحتجاجات في ألبانيا، التي أراد منظموها محاكاة التجربة التونسية .
وقد وجدت الثورة الاجتماعية التونسية صدى واسع ،بداية من الغرب العربي من خلال الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها الجزائر وموريتانيا ،ثم في الوطن العربي في كل من اليمن ومصر ،هذه الأخيرة التي تنحو أحداثها الجارية نفس المنحى التونسي في المطالبة بالإطاحة بالنظام وإحداث قطيعة معه ،مع الإشارة إلى الاختلاف الكبير في موقع وتوازنات كل دولة في النظام الاستقرار الإقليمي والعالمي .
    
فمما لا شك فيه أن للتحول التونسي تداعيات كبيرة جدا إقليميا وعربيا ،وهذا من أهم مميزات الثورات وعمليات التحول ،فتاريخيا الثورة الفرنسية أجهزت تدريجيا على كل النظم الأوربية المجاورة ،مع التحفظ في التشبيه كما أن عمليات التحول الديمقراطي في القرن العشرين كانت في شكل موجات عالمية ،والثورة التونسية أكيد سيكون لها انعكاسات على النظم العربية ،مما يدفعها لتقديم تنازلات سياسية واقتصادية ،ولعل مخرجات القمة الاقتصادية العربية الأخيرة خير دليل على ذلك ،علاوة على حركات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي في الكثير من النظم العربية لعدم استفزاز شعوبها .
    
سقط إذا زين العابدين بن علي من هرم السلطة ،فهل سيسقط نظامه.. ؟ وهل سيستطيع التونسيون الحفاظ على مكتسبات ثورتهم.. ؟؟هذا ما ستوضحه الايام القادمة
.
مدونة طلبة ماستر دراسات اقليمية  جامعة الجزائر
http://www.regionalstudies.tk/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بحث عن التنمية المستدامة ( البحث منقول)

مقدمة الفصل: لقد أستحوذ موضوع التنمية المستدامة اهتمام العالم خلال 15 سنة المنصرمة وهذا على صعيد الساحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية ،حيث أصبحت الاستدامة التنموية مدرسة فكرية عالمية تنتشر في معظم دول العالمي النامي والصناعي على حد سواء تتبناها هيئات شعبية ورسمية وتطالب بتطبيقها فعقدت من أجلها القمم والمؤتمرات والندوات.ورغم الانتشار السريع لمفهوم التنمية المستدامة منذ بداية ظهورها إلا أن هذا المفهوم مازال غامضا بوصفه مفهوما وفلسفة وعملية ،ومازال هذا المفهوم يفسر بطرق مختلفة من قبل الكثيرين ولذلك فقد تم التطرق في هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين:المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامة;المبحث الثاني: محاور أساسية في التنمية المستدامة;المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامةبدأ استخدام مصطلح التنمية المستدامة كثيرا في الأدب التنموي المعاصر وتعتبر الاستدامة نمط تنموي يمتاز بالعقلانية والرشد، وتتعامل مع النشاطات الاقتصادية التي ترمي للنمو من جهة ومع إجراءات المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية من جهة أخرى، وقد أصبح العالم اليوم على قناعة بأن التنمية المستدامة التي تقضي على قضايا التخ

عوامل قوة الدولة

ان لعوامل القوة المتاحة للدولة دور كبير في تحديد مكانتها على الساحة الدولية لكن قبل التعرض لهذه العوامل يجب علينا ان نعرج على بعض المفاهيم إن القوة ـ كما أوضحت تعريفاتها ـ ليست التأثير ، وإنما القدرة على التأثير . وتستند هذه القدرة على امتلاك الدولة إمكانيات (خصائص ، موارد ، قدرات ، مؤسسات) معينة تشكل مقومات القوة القومية Elements of National Power التى تمكنها من التأثير على سلوكيات الدول الأخرى فى الاتجاهات التى تحقق مصالحها، كالمساحة الجغرافية ، وعدد السكان ، والموارد الطبيعية ، والقدرات الإقتصادية ، والقوة العسكرية ، والبنية التكنولوجية ، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية ، والحالة المعنوية للشعب ، وغيرها . لكن ، على الرغم من أن هذه الإمكانيات المتداخلة تشكل فى مجموعها عوامل القوة الشاملة لأى دولة ، فإن هناك اختلافات أساسية فيما بينها ، ترتبط باعتبارات عملية ، تتصل بالقدرة على استخدامها فى عملية التأثير ، خاصة خلال المواقف التى يتعرض ف

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة جابر سعيد عوض ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 20ص. شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها. لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال"بارسونز" parsons، و"هومانز" Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في