241189572571696

الاثنين، 18 أكتوبر، 2010

العلاقات الدولية في ظروف الثورة المعلوماتية

الدكتور محمد البخاري





Tuesday, 28 August 2007
العولمة والثورة المعلوماتية أصبحت في الآونة الأخيرة من أهم المواضيع حساسية في إطار الحوار الدولي الجاري لتحليل تأثيرات الثورة المعلوماتية المختلفة وطرق التحكم بتطور الأحداث على الساحة الدولية. ويجري هذا في الوقت الذي يشكك فيه البعض بإيجابيات العولمة على الجوانب المالية والاقتصادية، والسياسية، والثقافية والأيديولوجية والإعلامية والاتصالية في العلاقات الدولية المعاصرة. في الوقت الذي يصور صندوق النقد الدولي العولمة بأنها: "مستوى متصاعد من التكامل الحثيث للأسواق السلعية والخدمية ورؤوس الأموال". وأشار ي.س. إيفانوف وزير الخارجية الروسي في كتابه "السياسة الخارجية الروسية في عصر العولمة" إلى بعض العناصر الرئيسية لعملية العولمة، السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية وحاول تحليلها من وجهة النظر الروسية، وذكر أنها فجرت الحياة الحضارية وغيرت صورة الإنسانية.[2]
بينما يعتبر أكثر المتخصصين أن مصطلح "العولمة" يعني مرحلة حديثة من التطور الرأسمالي الدولي، أو أنها تمثل المرحلة الأخيرة للإمبريالية. والتعريف الأكثر وضوحاً جاء على لسان الأكاديمي الروسي المعروف أ.ي. أوتكين الذي قال أن "العولمة فرضت نفسها بعد انتهاء الحرب الباردة، وأفرزت نظاماً عالمياً يوحد الاقتصادات الوطنية لدول العالم ويجعلها تعتمد على حرية تنقل رؤوس الأموال، والاعتماد على الانفتاح الإعلامي الدولي، وعلى التجدد السريع للتكنولوجيا، وتخفيض الحواجز الجمركية وإطلاق حركة البضائع ورؤوس الأموال، وزيادة التقارب الاتصالي بين الدول الذي هو من ميزات الثورة العلمية التي ترافقها حركة اجتماعية دولية أصبحت تستخدم أشكال جديدة من وسائل النقل وتكنولوجيا الاتصال المرئية، وخلقت نوعاً من التعليم الأممي".[3]
ولكن الآراء اختلفت عند التحدث عن بدايات العولمة فالبعض يعتبر بداياتها من عصر الفاتحين الغربيين الأوائل أمثال: ماركو بولو، وماجيلان، وكولومبوس. في الوقت الذي يعتبر البعض الآخر أن نصف العالم كان معولماً منذ العصر الروماني القديم، وعصر الإسكندر المقدوني،  وعصر جينغيز خان، متجاهلين تماماً العولمة التي نتجت عن ما قدمته الحضارة العربية والإسلامية للإنسانية في عصر ازدهارها عندما كانت أوروبا تسبح في غياهب الظلمات. بينما اعتبر بعض الباحثين أن التاريخ المعاصر كان المرحلة الأولى للعولمة، وتلتها المرحلة الثانية التي نعيشها اليوم. ويقولون بأن الأولى بدأت خلال المرحلة الانتقالية التي امتدت خلال القرنين التاسع عشر، والقرن العشرين أي فترة حروب التوسع الاستعمارية الغربية التي اجتاحت قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والحربين العالميتين الأولى والثانية وما رافقهما من منجزات تكنولوجية وعلمية حديثة سرعان ما تطورت بشكل هائل أثر مباشرة في الاقتصاد الوطني والدولي، ورافقه ظهور وسائل اتصال جماهيرية متطورة دخلت عالم التجارة العالمية، وانتقال رؤوس الأموال والأشخاص بشكل واسع. وأدت إلى تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية الداخلية والخارجية لتصبح معها المصالح المتبادلة بين الدول الكبرى الأهم وتبعد معها خطر الحروب بين تلك الدول حتى تصبح شبه مستحيلة. ولم ينسوا طبعاً الإشارة إلى أن ذلك التوجه لم يستطع إبعاد شبح الحرب وأشعل نيران حربين عالميتين خلال أقل من نصف قرن هي: الحرب العالمية الأولى التي انتهت بالقضاء على الدولة العثمانية وتثبيت السيطرة الاستعمارية واقتسام معظم مناطق العالم. والحرب العالمية الثانية ، التي استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة القنبلة الذرية أشد أسلحة الدمار الشامل فتكاً مرتين وبشكل متعمد ضد الشعب الياباني، ولم تستطع أية علاقات اقتصادية أو تجارية منعها بل على العكس كانت سبباً لها.
واعتبر بعض الباحثين أن الأرضية التي انطلقت منها المرحلة الثانية للعولمة كانت العقود الأخيرة من القرن العشرين، عندما أشاعوا أن المسيرة نحو العولمة بدأت في الغرب. وكانت في البداية تستخدم كمصطلح "الترابط المشترك"، ولكن الحركة الفعلية باتجاهها بدأت بالفعل مع حملات العلاقات العامة الدولية خلال أربعينات وخمسينات القرن العشرين،[4] لتبدو العولمة وكأنه مخطط لها ودخلت حيز التنفيذ من قبل الأوساط المهيمنة في عالم المال والاقتصاد في الدول الغربية وحكومات تلك الدول والبنك الدولي للإنشاء والتنمية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
وأصبحت بعض إيجابيات التطور الإنساني في ظروف العولمة مرئية حتى لضيقي الأفق، وأدت إلى ارتفاع المستوى المعيشي للناس، ووفرت وسائل اتصال وإعلام دولية تجتاز الحدود السياسية للدول بسهولة بالغة. وحققت لبعض الدول قفزات اقتصادية متقدمة كما حدث في دول آسيان "النمور الآسيوية" وشملت جنوب كوريا، وسنغافورة، وماليزيا وغيرها من الدول الآسيوية، وأصبحت الهند منتجة للصناعات الإلكترونية الغربية، وتحولت إلى واحدة من كبار مصدري المنتجات الإلكترونية وبرامج الكمبيوتر إلى العالم. وأدت العولمة بالتدريج إلى نمو حركة تدفق رؤوس الأموال حتى أصبح حجم التعامل المالي الدولي اليومي يبلغ حوالي (1.5) تريليون دولار أمريكي لتصبح عبارة "التصدير يحكم العالم" حقيقة ملموسة. فمع بدايات خمسينات القرن الماضي كانت الصادرات العالمية تقدر بـ (53) مليار دولار أمريكي، أما اليوم فتشير بعض المراجع إلى أنه بلغ حوالي (7) تريليون دولار أمريكي. وأخذت تظهر جزر كاملة للتكنولوجيا المتطورة في الدول النامية كـ: سان باولو في البرازيل، والشريط الحدودي من مصانع التجميع في شمال المكسيك، ومدن كاملة في الهند، وكل تايوان وغيرها من الدول.
وسهلت العولمة انتقال القوى العاملة والسياح، إذ تشير معطيات البنك الدولي إلى أن العمال المهاجرين يحولون من الدول الغنية التي تستخدمهم إلى أسرهم في الدول الفقيرة حوالي (70) مليار دولار أمريكي في السنة، وهذا الرقم يفوق بكثير الأرقام الرسمية للمساعدات التي تمنحها الدول المتطورة للدول النامية، وأن مئات الآلاف من العائلات تعيش معتمدة على تلك الأموال ولا تعرف أي شيء عن مصطلح "العولمة". وأن تطور السياحة الدولية يعتبر من الظواهر الإيجابية للعولمة حيث وصل عدد السياح في العالم إلى (500) مليون سائح في السنة. وأن الإنسان العادي يصطدم يومياً في حياته اليومية العادية بمظاهر العولمة بكل أشكالها من شراء البضائع، ومشاهدة البرامج التلفزيونية، واستعمال أجهزة الاتصال المحمولة، وغيرها. حتى أن البعض أصبحوا يقولون أن العولمة وفرت السبل من أجل مشاركة عشرات الدول والشعوب بالتقدم المالي والاقتصادي والعلمي المشترك.
وحتى الآن لم تعلن أية دولة في خطها السياسي الرسمي على الأقل معاداتها للعولمة، وأن الجميع يتقبلون العولمة كمؤشر إيجابي ولكن بوجهات نظر متفاوتة.
سلبيات وأخطار العولمة
ولكن في حال اعترافنا بحتمية الانتقال إلى العولمة الشاملة من الضروري الإشارة إلى السلبيات والظواهر القاتلة والأخطار التي تفرضها العولمة على الإنسانية والموجودة فعلاً، ومنها:
1.                   خطر خضوع العالم للشركات متعددة الجنسيات الغربية؛
2.                   وأخطار فرض مفاهيم وأسلوب التفكير والحياة الأمريكية على العالم؛
3.                   وخطر تعميق الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة في العالم (دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة)؛
4.                   وخطر اتساع ظاهرة إضعاف دور الدول القومية، وعولمة الإرهاب، والتضييق على الثقافات واللغات القومية ومحاولة القضاء عليها، وإثارة الفتن في الدول متعددة القوميات.
والنتائج السلبية للظاهرة الأولى قد تحصل على المدى البعيد نتيجة لزيادة هيمنة الشركات متعددة الجنسيات الكبرى على إدارة الاقتصاد العالمي وتحويلها إلى أداة دفع أيديولوجية للعولمة، لتجني من خلال دورها العالمي أرباحاً خيالية تدعم من قدراتها وإمكانياتها المالية والاقتصادية بشكل يفوق قدرات وإمكانيات بعض الدول في عالم اليوم، وهو ما تشير إليها بعض المصادر التي تقول أن حوالي (160) دولة عضوه في منظمة الأمم المتحدة تقل إمكانياتها وقدراتها عن إمكانيات وقدرات الشركات متعددة الجنسيات. وتنبأ البعض أنه في حال استمرار ظواهر العولمة أنفة الذكر فإنها ستؤدي حتماً إلى سيادة الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا واليابان وحكومات تلك الدول على الواقع الاقتصادي والمالي والتجاري في العالم ومن ثم السيطرة التامة عليه وعلى تفاعلات العلاقات الدولية. الأمر الذي يثير موجة احتجاجات واسعة من قبل الذين يعتبرون العولمة هي محاولة لفرض نمط الحياة الأمريكية على العالم من خلال (50) شركة أمريكية متعددة الجنسيات. ويرون أن الولايات المتحدة الأمريكية في الواقع مستمرة بتقدمها متجاوزة مصالح كل الدول الأجنبية، وحتى حلفائها المقربين، في المجالات العلمية والتكنولوجية، والتكنولوجيا العسكرية، لأنها تصرف ما يقارب الـ(400) مليار دولار على شؤون الدفاع في السنة، وأن هذا الرقم يشكل نصف الميزانيات المخصصة في دول العالم للشؤون العسكرية. لأن حجم الإنفاق على مشاريع تطوير التكنولوجية العسكرية المتطورة في الولايات المتحدة الأمريكية يفوق بكثير ما تخصصه الدول السائرة في ركب الولايات المتحدة الأمريكية من الدول الأعضاء السبع الأخرى في مجموعة الدول "الثمانية" الكبرى مجتمعة. ولا يخفي القادة الأمريكيون سعيهم الحثيث لتوظيف كل القدرات الاقتصادية والمالية، والعلمية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية من أجل فرض السيطرة الأمريكية على العالم في القرن الحادي والعشرين.
وتتمثل الهيمنة الأمريكية اليوم من خلال تحويل اللغة الإنكليزية باللهجة الأمريكية إلى لغة وحيدة لعولمة وسائل الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية. وهو ما أشار إليه كتاب البريطاني د. كريستال "اللغة الإنكليزية لغة العولمة"، وكتابه "موت اللغات"، حيث أشار إلى أنه في نفس الوقت الذي يتسع فيه استخدام اللغة الإنكليزية تنقرض كل أسبوعين لغة من اللغات النادرة في العالم.[5] وأشار بعض المتخصصين إلى أن أكثر اللغات جماهيرية على الكرة الأرضية ليست اللغة الإنكليزية بل اللغة الصينية التي يتحدث بها أكثر من 1.4 مليار إنسان، ولكنهم جميعاً خلف سور الصين العظيم، وفي جنوب شرق آسيا، وفي الأحياء الصينية المنتشرة في بعض بلدان العالم. عكس اللغة الإنكليزية التي يتحدث بها الجميع في كل مكان حتى أن الصين ألزمت مدارسها الابتدائية بتعليم اللغة الإنكليزية، ويتعلمها هناك في الوقت الحاضر عشرات الملايين من الصينيين الصغار والشباب والكبار. مما دفع بالكثيرين في الولايات المتحدة الأمريكية لاعتبار العولمة على الطريقة الأمريكية الطريق لوضع البشرية في خدمة المصالح الأمريكية والشعب الأمريكي الذي اختاره الله ! ؟
أما خطر تعميق الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة في العالم فيتمثل بالتفاعل الذي لا يؤدي إلى تسوية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للإنسانية، بل على العكس يؤدي إلى تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء. والهوة تلك موجودة فعلاً داخل أكثر دول العالم، وحتى داخل الدول الغنية، ففي الوقت الذي يعاني فيه أكثر من (3) مليار إنسان من سوء التغذية، نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق أكثر من (100) مليار دولار أمريكي في السنة لمكافحة أمراض التخمة التي يعاني منها مواطنيها. في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من (1.3) مليار إنسان على أقل من دولار واحد في اليوم، ووجود أكثر من مليار إنسان متعطلين عن العمل. وهو ما يعمق الآثار السلبية للعولمة وأشار إليها حتى التقرير الذي تعده منظمة الأمم المتحدة عن "تأثير العولمة على التطور الاجتماعي" حيث قدر المتخصصين العاملين على إعداده بأنه لا أمل خلال السنوات الخمسين القادمة للتقريب بين الدول الفقيرة والغنية من حيث مستوى الدخل وهو ما ينذر باشتداد المواجهة بينهما.
أما خطر اتساع ظاهرة إضعاف دور الدولة القومية، وعولمة الإرهاب، والتضييق على الثقافات واللغات القومية ومحاولة القضاء عليها، وغيرها من الظواهر فيتمثل بنمو وانتشار الجريمة المنظمة متعددة القوميات، والتي تنمو سنوياً بمعدل 5 % في الوقت الذي يبلغ فيه معدل نمو سكان العالم 1 %، وأشارت بعض المصادر إلى نمو الجريمة المنظمة الدولية بمعدل أربع مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، وأن (450) مليون جريمة سجلت في عام 2001. وأدت العولمة إلى فتح الحدود أمام تدفق الأموال، والمعلومات، وملايين الناس، مما ساعد على نمو الجريمة متعددة القوميات، وأدت بدورها إلى تسارع نمو نوعين من الجريمة وهي: التجارة العالمية للمخدرات ليزيد عدد المدمنين على المخدرات في العالم حتى الـ(180) مليون مدمناً، وليبلغ حجم تجارة المخدرات (800) مليار دولار أمريكي، مع اتساع جرائم أخرى كغسيل "الأموال"، حيث أشارت معطيات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، إلى غسل 1.5 تريليون دولار أمريكي سنوياً في العالم، وهذا يعادل 5 %  من الدخل العالمي.
ولا أحد ينكر أن العولمة ساعدت على انتشار الإرهاب الدولي الذي تحول بالتدريج إلى ظاهرة عالمية يحاول البعض وبإصرار ربطها بالعالم الإسلامي قبل وبعد الأعمال الإرهابية التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر/أيلول 2001، وأعقبتها أعمالاً إرهابية شملت الكثير من دول العالم كإسبانيا، وبريطانيا، وروسيا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وإندونيسيا، وباكستان، والهند، وسورية، والأردن وغيرها من دول العالم وكلها تثبت العلاقة بين الإرهاب والعولمة، مما دفع بالملتقى الدولي الذي عقد في كرواتيا خلال نوفمبر/تشرين ثاني 2002 لمناقشة مشاكل الدبلوماسية العلنية، ووسائل الإعلام الجماهيرية والإرهاب. وتكرار ذلك من خلال المناقشات التي دارت أكثر من مرة وأظهرت حقيقة جديدة مفادها أنه لو لا عولمة البث التلفزيوني لما كان الإرهاب. لأن الهدف الرئيسي للإرهاب كما أشار البعض ، ليس قتل بضع مئات أو حتى آلاف الناس، بل إخافة ملايين البشر، ولنكون أكثر دقة دب الخوف في قلوب (2) مليار مشاهد تلفزيوني تقريباً في كل دول العالم يشاهدون عادة الأخبار الرئيسية التي يبثها التلفزيون. هذا إن لم نشر إلى دخول المنظمات الإرهابية والجريمة المنظمة نفسها عالم استخدام وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لتصعيد مشكلة الإرهاب في عالم اليوم أي عولمة هذا الشر عبر وسائل الاتصال الجماهيرية الإلكترونية الحديثة.
الثورة المعلوماتية
وتعتبر ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية التي بدأت أولى خطواتها مع غزو الإنسان للفضاء الكوني بعد إطلاق الاتحاد السوفييتي السابق لأول قمر صناعي تابع للأرض عام 1957 لتصبح تلك الخطوة من القوى الرئيسية الدافعة للعولمة، تتمة لمراحل النجاحات الاقتصادية في تاريخ البشرية منذ الثورة الصناعية التي لم نزل نعيش نجاحاتها كل يوم، إلى أن أحدثت اكتشافات ثورية في مجال الاتصالات والمعلوماتية فاقت بقدراتها اختراع التلغراف في أواسط القرن التاسع عشر، واختراع التلفون السلكي، والراديو، والسينماغراف في نهاية القرن التاسع عشر، ليجيء بعدها اختراع التلفزيون الذي أصبح شعار القرن العشرين للعمل على التطوير النوعي والكمي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وهكذا تمكنت البشرية مع نهاية القرن العشرين من امتلاك أكثر من (2.5) مليار جهاز استقبال إذاعي، وأكثر من (2) مليار جهاز استقبال تلفزيوني، وأكثر من (10) آلاف صحيفة يومية .. إلخ. وأخذ العالم بالفعل بالتحول حسبما توقع م. ماكلوهين، إلى "قرية عالمية"،[6] وأصبح كل سكان العالم تقريباً يتلقونً في نفس الوقت نفس المعلومة. حتى تمكن (3.6) مليار مشاهد، في نفس الوقت من مشاهدة افتتاح الألعاب الأولمبية في سيدني عام 2000، والهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 عبر شاشات التلفزيون، وهذا الرقم يمثل عملياً كل البالغين من سكان الأرض. وحتى أن حوالي (2) مليار مشاهد من محبي كرة القدم أصبح بإمكانهم متابعة نهائيات كأس العالم بكرة القدم من مختلف عواصم العالم.
وتدريجياً تحسنت نوعية المصادر المعلوماتية ووسائل نقل المعلومات وحفظها واسترجاعها، وشهدت الحقبة الأخيرة من القرن العشرين ولادة عشرات شبكات البث التلفزيوني الدولية كشبكة سي إن إن العالمية وغيرها، وشهدت ولوج شبكة الانترنيت العالمية حيز الاستخدام الفعلي واسع النطاق. وتحول البث التلفزيوني إلى أداة من أدوات العولمة. وأصبحت شبكة الانترنيت العالمية أشد تأثيراً في عالم اليوم، وبعد أن كان عدد مستخدمي شبكة الإنترنيت في العالم عام 1993 حوالي (90) ألف مستخدم قفز هذا الرقم ليصبح (580) مليون مستخدم في عام 2004 ليتنبأ البعض بأن يصل هذا الرقم إلى مليار خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وهذا النمو السريع لم تشهده أية وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية في تاريخ الإنسانية أبداً، واتجه التفاؤل نحو وسائل الاتصال الجماهيرية بعد أن أصبح عدد الهواتف المحمولة يقدر بحوالي (800) مليون جهاز في العالم، إضافة لمئات ملايين الهواتف العادية وكلها متصلة بشبكة الانترنيت عملياً. ومع اتساع استخدام وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية لوسائل النشر الإلكترونية الحديثة، مثل شبكة الانترنيت، زاد إلى حد كبير إشباع الإنسان أينما وجد بالمعلومات، وهو ما أصطلح على تسميته بمجتمع المعلومات أي دخول المعلومات والمعرفة عصر العولمة، الأمر الذي ضاعف كمية المعارف الإنسانية في سبعينات القرن العشرين، ولم تزل تلك الزيادة مستمرة حتى اليوم، ويطالب البعض بالقيام بعمليات كثيرة من أجل تحقيق المهام المتعلقة بنشاطات الإنسانية، الاقتصادية، والعلمية، والفضائية، والطبية، وغيرها، رغم أن الآلة في الوقت الحاضر أمست تكمل يد الإنسان، والكمبيوتر أمسى مكملاً لعقل الإنسان. ورغم أن العقل الإنساني هو أرقى مخلوقات الله، وحسب بعض المعطيات العلمية يتضمن 10 مليار نيرون، كل منها لها تقريباً ألف ارتباط مع غيرها من النيرونات ويمكنها القيام تقريباً بمأتي عملية في الثانية. ورغم أن المعادن نصف الناقلة لا تستطيع أن تسبق العقل البشري فقد ظهرت إمكانيات لصنع أنواع جديدة من الخلايا الخازنة للكمبيوتر تفوق مليون مرة العقل البشري من وجهة نظر التعامل والإمكانيات. وكان من المتوقع الانتهاء في عام 2003 من صنع كمبيوتر يفوق بحجمه حجم ثلاجتين منزليتين تبلغ سرعته ألف تريليون عملية في الثانية ويتفوق خمسة عشر مرة على 500 حاسب من أقوى الحاسبات الآلية لعام 2000.
وفي الوقت الذي تجهز الدول المتقدمة في العالم نفسها للانتقال إلى المجتمع المعلوماتي، نرى أن الاتحاد الأوروبي أعد في عام 1999 إستراتيجية "الرابطة المعلوماتية الأوروبية"، من أجل تجاوز التخلف عن الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال. إلى جانب النجاح الهائل الذي حققته اليابان في هذا المجال، مما مكنها من أن تصبح في الطليعة في هذا المجال (لأن مصطلح "المجتمع المعلوماتي" ولد في اليابان أصلاً)، وأنهت سنغافورة برنامجاً لتعميم استخدام الكمبيوتر في كل أنحاء البلاد لتتحول إلى "جزيرة المعرفة"، وهو ما نجده في السياسة القومية للصين، والهند، وجميع الدول المتقدمة. وحتى أن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت أمامها مهمة الانتقال إلى مرحلة ما بعد المجتمع الصناعي إلى مرحلة المجتمع المعلوماتي حتى عام 2020. عند ذلك سيشتغل 17 % من سكانها فقط في مجال الإنتاج المادي والباقي في مجال المعلوماتية، والتعليم، والخدمات. وأن عمل 17 % من السكان سيؤمن الرخاء لكل الشعب الأمريكي، لتتفوق الولايات المتحدة الأمريكية في العالم في كل المجالات. وفي نفس الوقت يعتبر المجتمع المعلوماتي نقطة تحضيرية للانتقال إلى عصر جديد، وهو مجتمع عصر الفضاء الكوني.
وأوصل التقدم الحثيث لتكنولوجيا المعلومات المتقدمة في السنوات الأخيرة إلى ظهور مستقبل آخر للأخطار التي تواجهها البشرية وحصلت على تسمية "الهوة الرقمية"، والحديث هنا يدور عن زيادة الهوة بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة من حيث توفر وسائل الاتصال والمعلوماتية. و"الهوة الرقمية" عرفت من خلال تواجد من (250) مليون كمبيوتر على الكرة الأرضية اليوم، 40 % منها في الولايات المتحدة الأمريكية، ونفس الكمية تقريباً في الدول "السبع الكبرى" الأخرى، و20 % فقط هي حصة (5.5) مليار إنسان. فحوالي ثلث مستخدمي الإنترنت في العالم اليوم يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، ونفس الكمية في أوروبا، وأقل قليلاً في اليابان، وجنوب كوريا، وجنوب شرق آسيا، وأقل من 10 % في دول العالم الأخرى. وللمقارنة في الولايات المتحدة الأمريكية والسويد (600) هاتف لكل ألف نسمة، بينما في تشاد تلفون واحد لكل ألف نسمة وهذا يظهر عملياً أن كامل المعلومات وكل الاكتشافات في هذا المجال متمركز في الدول التي يعيش فيها 15 % من سكان الأرض (وهذا يعني "المليار الذهبي")؛ في الوقت الذي يستطيع استخدامها 50 % من السكان، ليبقى 35 % (يعني 2 مليار إنسان) خارج هذه العملية. وأن عدم توفر شبكات الهاتف يفسر أسباب عدم تمكن أكثر من نصف الكرة الأرضية من إجراء اتصال هاتفي عام 2000. والتفوق الهائل للغرب في هذا المجال يشكل تهديداً ليس بتعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء في العالم ، بل ويمهد لإساءة استخدام الساحة المعلوماتية من أجل العدوان، من خلال تحكم الغرب وتوجيهه للحملات الإعلامية لتحقيق أهداف محددة له، وخير مثال على ذلك أن قصف أفغانستان، وقصف العراق، وقصف يوغسلافيا، وقصف لبنان، وقصف فلسطين، بدأ والأمريكيين والأوروبيين يتابعون تلك الأحداث باهتمام على شاشات التلفزيون، وكأنها ألعاب كمبيوتر لا غير.
مستقبل العلاقات الدولية
في مقارنة قام بها بعض المؤرخين للتنبؤات التي وضعها السياسيين عام 1900 وما حدث فعلاً خلال قرن من الزمن ظهر أنهم لم يتوقعوا من خلال تنبؤاتهم بالأحداث الهامة التي جرت خلال القرن العشرين، لا الحربين العالميتين، ولا ثورة أكتوبر البلشفية في روسيا، ولا تشكل الدول الاشتراكية، ولا انهيار النظم الاستعمارية العالمية، ليثبت أن التنبؤ في مجال التطور العالمي صعب جداً، وهو أصعب بكثير من التنبؤ في مجال برامج الاستنساخ الطبية أو في مجال غزو الفضاء وانتقال البشر إلى الكواكب الأخرى، ومع ذلك فقد حاول البعض وضع سيناريوهات ممكنة للمستقبل منطلقين من حقائق العصر، منها:
أنه من الممكن توقع مستقبل انفراد الولايات المتحدة الأمريكية في مسعاها لفرض هيمنتها على العالم خلال السنوات العشرين القادمة. لأن هذه الدولة مستمرة في المضي على طريق زيادة الهوة بينها وبين المجتمع الدولي في مجالات العلاقات المالية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والحربية والسياسية وغيرها، وخلال سنوات الفترة الرئاسية الأولى من حكم  كلينتون (1992 1996) للولايات المتحدة الأمريكية، ارتفع المؤشر الاقتصادي للدخل القومي بحوالي 4 % سنوياً، وهو ما حدث للدخل القومي الألماني، وخلال الفترة الرئاسية الثانية لكلينتون (1996 - 200) زاد الدخل القومي الياباني، وتحدث الكثيرون عن "المعجزات الاقتصادية" الأخرى، وفي الواقع أن المعجزة جرت في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. لأن العولمة في ظروف القطب العالمي الواحد تضيق على الدول المستقلة الكبرى الأخرى، ولا تدعهم يسلمون بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعولمة. ولا يستبعد أن واشنطن كقائد ستقوم بتنفيذ خطط إستراتيجية لإضعاف أو إنهاك تلك الدول. وهنا لابد من التذكير بما كتبه س. هنتنجتون: من أن "النظام أحادى القطبية يبشر بقيام دولة عظمى واحدة، وغياب الدول العظمى الأخرى وعدد كبير من الدول الصغيرة".[7] لنستنتج أن دولاً كبيرة مثل روسيا، والصين، والهند غير مرغوب بها للولايات المتحدة الأمريكية ليبرز سؤال مهم إلى متى ستستمر حالة عالم القطب الواحد هذه ؟
وهو ما حاول الإجابة عنه الأكاديمي الروسي ن. مويسييف معتمداً على قوانين الرياضيات مؤكداً عدم إمكانية الاحتفاظ بهذا الوضع لفترة طويلة، لأن التاريخ أثبت أنه في كل مرة أدارت فيها قوة عظمى واحدة العالم دون أن يكون لها قوة معادلة انهارت كروما والإمبراطوريات الأخرى التي سيطرت على العالم القديم منفردة، وشبه هذا الوضع بكرسي يستند على ساق واحدة. وذكر أنه: "بعد التدمير الإجرامي لمركز القوة الثاني (الاتحاد السوفييتي السابق)، الذي قامت به جماعة صغيرة انهار التوازن السلمي لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ودمرت طبيعة تطور الأحداث في عملية التفاعل الكوني، وأصبح كل شيء مرتبط بشكل جديد من أشكال القوة العسكرية"[8] وبدأت تظهر مساعي واشنطن التي تعلم أنه لا يمكنها الصمود طويلاً وحيدة، للحصول على مساندة غرب أوروبا لتكون الشريك الاستراتيجي الأصغر. في الوقت الذي أخذت فيه بعض الدعوات بالظهور تدعوا الغرب بالسعي لبناء تحالف أمريكي أطلسي من أجل تحقيق الاستقرار في العالم.
وأدى تركيز مراكز القوى المالية والاقتصادية والتجارية إلى تحول شرق وجنوب شرق آسيا إلى مركز لنصف الاقتصاد العالمي المالي والتجاري والسكاني. وتوقع البعض أن تملك الصين حتى عام 2020 أكبر اقتصاد عالمي، مشيرين إلى أن هذا لا يعني وزنها العسكري والسياسي بل بمستوى الحياة في الصين نفسها الذي سيتفوق على نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وأن الصين لن تترك واشنطن تتحكم بالعالم وحدها. وأن الهند بسكانها الـ 1.2 مليار نسمة ستصبح الدولة الرابعة في عالم الاقتصاد، ووفق توقعات البنك الدولي، ستبقى ثلاث دول غربية هي الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، والبرازيل؛ ضمن الدول العشر الأكثر تتطوراً اقتصادياً في العالم حتى عام 2020 والسبع الباقية في آسيا. رغم أن التأثير المباشر على العلاقات الدولية خلال العشر سنوات القادمة سيبقى كما في السابق متركزاً في ثلاثة مراكز للقوة هي الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، واليابان، ومن المتوقع أن تنضم إليهم الصين والهند وأن تلعب روسيا وحلفائها دور مركز الثقل على تطور الأحداث العالمية.
ومن تحليل لتوقعات المتخصصين الأجانب، يمكن أن نجد أن العولمة:
                     ü                     عززت التشابك الاقتصادي والأمني لمختلف الدول، وتغيرت إلى حد بعيد الأجندة السياسية الدولية، ورافقها تغيير لأفضليات مصالح الدول على الساحة الدولية وتبدلت إمكانيات وسائل تنفيذ سياستهم الخارجية.
                     ü                     وأن مفهوم "قوة الدولة" تغير من الاعتماد على القوة العسكرية إلى الاعتماد على تطوير الموارد المالية والاقتصادية والمعلوماتية والفكرية للدولة.
                     ü                     وأن دور اللاعبين الرئيسيين على الساحة الدولية تبدل من التحالفات والاتحادات العسكرية والسياسية، إلى التحالفات والاتحادات التجارية والاقتصادية الإقليمية، والدولية مثال: الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، والرابطة الاقتصادية "أوروآسيا"، ومجلس تعاون دول الخليج العربية، وغيرها لتبقى في مقدمتها مجموعة "دول الثمانية الكبرى"، وهو ما يعني تحول السياسة العالمية والدبلوماسية نحو الاقتصاد.
                     ü                     وأن العولمة كانت السبب في ارتفاع نسبة الوعي القومي بين سكان الكرة الأرضية، ويمكن أن تؤدي إلى ارتفاع عدد الدول المستقلة. خاصة وأن عدد الدول المستقلة كان (50) دولة بعد الحرب العالمية الثانية، وأن منظمة الأمم المتحدة تضم في عضويتها الآن 192 دولة، مع إمكانية زيادة هذا العدد خلال السنوات القادمة، بسبب وجود أقليات عرقية في أكثر من (100) دولة ويزيد عدد أفراد كل جالية عن المليون نسمة، مع إمكانية انهيار تلك الدول وانقسامها إلى دول مستقلة، كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق الذي انقسم إلى خمسة عشر دولة مستقلة، ويوغوسلافيا التي انقسمت إلى عدة دول لم يزل الصراع قائماً بينها حتى الآن، وتشيكوسلوفاكيا التي انقسمت إلى دولتين مستقلتين، وإثيوبيا التي انقسمت إلى دولتين مستقلتين. وفي أحسن الظروف يمكن قيام فيدراليات شبه مستقل ذاتياً في بعض تلك الدول متعددة القوميات، وهو ما تسعى إليه الدول العظمى وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحاضر، مثال الحالة العراقية، والحالة السودانية، والحالة الروسية، وغيرها.[9]
                     ü                     وأن ارتفاع عدد الدول قد يؤدي إلى تراجع دور تلك الدول وشخصيتها ضمن الحدود الدولية المعترف بها (كما يجري الآن في غرب أوروبا).
                     ü                     وأنه من المرجح زيادة عدد الصراعات العرقية والحدودية. وإعلان أكثر من (50) منطقة مناطق نزاع، بالإضافة إلى أكثر من (150) صراعاً على الحدود البحرية، وأكثر من (30) جزيرة تقع ضمن مناطق النزاعات.
                     ü                     وتوقع انهيار دور المنظمات الدولية الحكومية بداية من منظمة الأمم المتحدة، وازدياد تأثير المنظمات غير الحكومية، مثل: الخضر، وأطباء بلا حدود، وغيرهم.
                     ü                     ومطالبة أغلبية الدول النامية بحق تقرير المصير مما سيعرض مبدأ عدم المساس بحدود الدولة ووحدة أراضيها إلى خطر كبير، ولنتصور ماذا سيحدث لو أعلنت التيبت، ومنغوليا الداخلية، وسينزيان حق تقرير المصير في جمهورية الصين الشعبية، أو إذا أعلنت كشمير حق تقرير مصيرها في جمهورية الهند، أو إعلان السكان السود واللاتينيين في الولايات المتحدة الأمريكية حق تقرير مصيرهم ؟
                     ü                     وزيادة خطر انتشار السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل، وزيادة عدد الدول التي تملك السلاح النووي بعد انضمام إسرائيل والهند وباكستان لتلك الدول إضافة لعشرات الدول القريبة من امتلاك السلاح النووي.
                     ü                     وتأثير العولمة على العلاقات الدولية والعمل الدبلوماسي منذ بداية القرن الحادي والعشرين حيث أخذت تظهر على الخط الأول مسائل عسكرية وسياسية، رافقتها أزمات عسكرية، ولقاءات قمة، غلبت عليها مسائل التجارة الخارجية، والمالية، وحماية البيئة، والتبادل الإعلامي الدولي وغيرها.
                     ü                     وظهور هنتيجتون س. الذي تحدث في كتابه "تصادم الحضارات" عن الصراع بين سبع حضارات قائمة حالياً في العالم، وبجيزينسكي ز. الذي دعى في كتابه "رقعة الشطرنج العظمى" إلى هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا وآسيا.
وبقيت المشكلة أمام روسيا (القطب المنافس السابق للولايات المتحدة الأمريكية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية) تدور حول التعامل مع العولمة، دون خلق مشكلة منها. والعمل على أن تتكامل روسيا مع العولمة دون إلحاق خسائر بمصالحها القومية، خاصة وأنها تشغل المركز 15 في العالم من حيث عدد أجهزة الكمبيوتر المستخدمة فعلاً، إضافة لتخلفها عن الدول الأوروبية بـ 8 مرات تقريباً من حيث حصة الفرد من عدد أجهزة الكمبيوتر لكل ألف نسمة من السكان، ونسبة المشتغلين في إنتاج تكنولوجيا المعلوماتية وخدماتها التي لا تزيد في روسيا عن 1 %، بينما هي أكثر من 20 % في الدول المتقدمة.
في الوقت الذي يدعو فيه المتفائلون إلى عدم التخوف، مذكرين بالإمكانيات الضخمة التي تملكها روسيا من ثروات طبيعية وبشرية يمكنها إخراج روسيا من أزمتها الراهنة. وهو ما أعلنه رئيس الحكومة الروسية م. كاسيانوف في المؤتمر الدولي لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الذي عقد في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا وذكر أن روسيا تملك 25 % من احتياطي الثروات الباطنية (12  % من الفحم، و13 % من النفط، و20 % من المياه الصالحة للشرب، و20 % من الكوبالت، و27 % من الحديد، و30 % من النيكل، و35 % من الغاز، و40 % من البلاتين)، ولكنها كلها خامات، والأسواق الدولية تنتظر المنتجات المتطورة الجاهزة، التي تنتج وتباع وهي غير كافية في روسيا. بالإضافة لمواجهتها بمنافسة شديدة على صعيد الاقتصاد والتجارة الدولية. الأمر الذي يدفعها وبإصرار للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وهو ما لم يتحقق لها بعد، لتسهل خروجها إلى الأسواق الخارجية، وتبديل هياكل صادراتها. وسعيها من خلال برنامج العشر سنوات للدخول في حلبة التقدم العلمي الاقتصادي الذي تفرضه العولمة.
وعلى الرغم من امتلاك روسيا لصواريخ ذرية قوية عابرة للقارات، والعضوية الدائمة في مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة، ومشاركتها في مؤتمرات قمة الدول "الثمانية" المتطورة في العالم، ومشاركتها في مؤتمرات الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، والرابطة الاقتصادية "أوروآسيا"، وغيرها إلا أنه هناك محاولات حثيثة للتضييق عليها على صعيد السياسة الدولية، من أجل تهميش مصالحها الوطنية. حتى أن عضو أكاديمية العلوم الروسية مويسييف ن. كان مضطراً للإعلان عن: أن الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القريبة التالية هو التضييق على روسيا لإخراجها من بحر البلطيق (عن طريق قبول دول البلطيق في حلف الناتو) وإخراجها من البحر الأسود (عن طريق استدراج أوكرانيا إلى حلف الناتو) وحصرها في المحيط المتجمد الشمالي، وتحويلها إلى دولة بحرية شمالية. أو كما كتب بجيزينسكي ز. إلى دولة هامشية. وأن هذا الهدف مخفي تحت عبارات براقة عن الشراكة، وعن العلاقات الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو.
بينما نرى أن الدبلوماسيين، يفهمون أن العولمة غيرت جوهر جداول أعمال السياسة الدولية، وأفضلياتها، ووسعت من إمكانيات العمل المشترك لمختلف الدول، وفتحت الآفاق أمام المجتمع الدولي للتعاون متعدد الأطراف. وأبرزت وزن "الدبلوماسية الاقتصادية"، التي رافقتها "الدبلوماسية البيئية"، مع ازدياد أهمية "الدبلوماسية الشعبية"، و"دبلوماسية التنمية" لحل مشاكل دول الجنوب الفقيرة. الأمر الذي يدعو العالم إلى تشكيل منظومة عالمية لمواجهة التهديدات والأخطار الجديدة، الناتجة عن العولمة في القرن الحادي والعشرين. وهو ما دعى إليه مجلس وزراء خارجية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بجلسته التي عقدها بمدينة بورتو في بداية ديسمبر/كانون أول 2002 بمشاركة روسيا من خلال إصدار قرار لإعداد إستراتيجية تتعامل من خلالها المنظمة مع التهديدات الجديدة للأمن والاستقرار في القرن الحادي والعشرين. وتبعته موافقة الهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة في منتصف ديسمبر/كانون أول 2002 على مشروع القرار الروسي "للتعامل مع تهديدات وأخطار العولمة"، والنظر في إمكانية تشكيل نظام عالمي لمواجهة تلك التهديدات والأخطار، على أن يتم دراستها وتقديم تقرير عنها للدورة التالية للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة.
العرب والساحة الإعلامية الدولية
وهذا في دولة عظمى سابقة بينما الوضع في الوطن العربي حالياً هو أشد قسوة ويعيش نكبة ليست أقل من نكبة فلسطين عام 1948 عندما قامت القوات الأمريكية و‏البريطانية بتدمير البنية التحتية للعراق واحتلاله، وهو الذي كان مهداً للحضارة العلمية والفنية والأدبية للإنسانية في عصر بابل وحمورابي،‏ وهو الذي كان في العصر الإسلامي العباسي مركز العالم ومنارته وأداة تقدمه العلمية والثقافية والحضارية،‏ وهو الذي كان أحد أعمدة الوطن العربي المعاصر، وأحد أهم البلدان النامية في حقبة ما بعد التحرر من الاستعمار الأوروبي‏.‏ والاجتياحات البربرية التي تستبيح من خلالها القوات الإسرائيلية بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية وتدمر البنية التحتية لفلسطين ولبنان وتعمل القتل والتشريد واقتلاع شعبين من مساكنهم وأرضهم على مرأى ومسمع من دول العالم دون أن يحرك ساكناً. حتى أن مؤتمر روما في تموز/يوليو 2006 خرج بما معناه تفويض لإسرائيل يطلق يدها لإبادة ما تستطيع من الشعبين الفلسطيني واللبناني واستكمال تدمير بنيتيهما التحتيتين وتدمير اقتصادهما بالكامل. ليشهد العالم ميلاد الشرق الأوسط الجديد الذي يريدونه دون أي مراعاة لمصالح شعوب المنطقة.
وهذه النكبة ليست عربية فقط وإنما هي نكبة للإنسانية وللنظام الدولي وللمنظمة الدولية التي تعتبر عنوانا له وهي الأمم المتحدة التي لم تعبأ بها لا الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل الخارجة على النظام الدولي بحماية ودعم الولايات المتحدة الأمريكية في الشأن الفلسطيني واللبناني والعراقي،‏ وبقرارات الأمم المتحدة بشأنهم، ‏حتى وصلت الأمور إلى قصف المقرات التابعة لهذه المنظمة الدولية في العراق ولبنان بالصواريخ، وهدم تلك المقرات وقتل وجرح من كانوا فيها بما في ذلك الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق‏ لا لشيء إلا لتصريحه بأن الاحتلال الأمريكي للعراق مذل وجارح للعراقيين،‏ ولابد أن الهدف الأساسي من اجتياح العراق كان تحطيم البنية الأساسية لقطاع البحث العلمي العراقي واعتقال كبار علمائه‏.‏ ووقف الاختراق العلمي الذي حققه العراق ويمكن أن يضمن القوة والمنعة للدول العربية‏ ويضمن لها التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والقدرة علي المنافسة في الأسواق الدولية التي يتزايد انفتاحها بشكل تدريجي‏ في ظروف العولمة.‏
وللمقارنة نرى أن إسرائيل خصصت خلال الفترة الممتدة من عام 1989 وحتى عام 2000 نحو ‏2.38%‏، من دخلها القومي الإجمالي للبحث والتطوير العلمي في الوقت الذي خصصت فيه مصر أقل من ‏0.2%‏ من ناتجها القومي للبحث والتطوير العلمي، وسورية 0.18%، والإمارات العربية المتحدة 0.45%‏، والكويت 0.2%، والأردن 0.26%، أما بقية الدول العربية فلم يكن هناك أية مؤشرات عن إنفاقها على البحث والتطوير العلمي،[10] وهذا أقل بكثير من المعدلات الدولية المخصصة للإنفاق في هذا المجال، وأقل بكثير مما تنفقه إسرائيل العدو المصيري للعرب التي أنفقت (3.8) مليار دولار أمريكي علي البحث والتطوير العلمي في عام ‏2002 فقط وهذا ضعف ما أنفقته الدول العربية مجتمعة في هذا المجال،[11] بالإضافة إلى ترهل الأجهزة الإدارية المشرفة على البحث العلمي التي تستنزف القسم الأكبر من المخصصات الموجهة للبحث العلمي في موازنة الدولة في أغلب الدول العربية.
ومن مقارنة بسيطة ليس لثمار البحث العلمي التطبيقية بل في مجال نشر المقالات والدراسات العلمية في مجال التقدم العلمي والتكنولوجي والتقني نرى أن الدول العربية مجتمعة نشرت خلال عام 1999 حوالي (3416) مقالة وبحثاً علمياً، بينما نشرت إسرائيل وحدها (5025) بحثاً ومقالة علمية وهو ما يساعدها على تبادل نتائج البحث العلمي المتكافئ نوعاً ما لتبادل المصالح في مجال التطوير العلمي مع الدول المتقدمة، خاصة وأن إسرائيل استطاعت خلال عام 2001 تصدير منتجات عالية التقنية بلغت قيمتها (7456) مليون دولار أمريكي، بينما بلغت صادرات مصر من تلك المنتجات في ذلك العام نحو (12) مليون دولار أمريكي، وتونس (154) مليون دولار أمريكي، واستوردت الدول العربية مجتمعة منتجات عالية التقنية بقيمة (314) مليون دولار أمريكي،[12] وهذا يعني وبكل بساطة أن الدول العربية ليست منتجة وليست مستهلكة لمنتجات التقنية العالية وهذا الأمر لا يحتاج لأي تعليق. ولكن لا بد من القول أن الدول العربية مجتمعة دون استثناء بحاجة لتطوير مداخلها وتوجهاتها نحو البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي ودخول عام التكنولوجيا المتقدمة التي يفرضها دخول عالم اليوم عصر العولمة الشاملة وتتطلب تفعيل مراكز البحث العلمي القائمة وترشيد عملها وإيجاد الناقص منها لتكامل دائرة التعليم والإعلام والبحث العلمي وإنتاج واستهلاك التكنولوجيا المتقدمة وتنسيق الجهود على صعيد الوطن العربي.
وكمثال أورد الإعلام الذي يعتبره البعض متفوقاً على الساحة العربية دون أي إشارة لمدى الخروقات الغربية للساحة الإعلامية العربية، وعجز الإعلام العربي عن مخاطبة الساحة الإعلامية الدولية وعجزه عن إيصال الخبر والصورة في موعدها دون تأخير وفق منطق ومفهوم وتفوق وسائل الاتصال والتقنيات الرقمية المتطورة عبر الأقمار الصناعية التي استخدمتها بنجاح كبير وسائل الإعلام الأمريكية لتغطية أخبار الأحداث الإرهابية التي وقعت عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية والحرب التي يخوضها الجيش الأمريكي حتى الآن في أفغانستان والعراق. وشهدت عمليات التغطية الإعلامية تطورات هائلة في القرن الحادي والعشرين، وأصبحت لا تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا بالحدود السياسية لدول العالم. هذا إن لم نتطرق لبنوك المعلومات وطرق التعامل معها بعد تدشين موقع الإعلام الجديد www.ekateb.net الذي اعتبره البعض أول موقع عربي متخصص في مجال الإعلام الجديد يجري تحديثه بصفة دورية بهدف تزويد الإعلاميين العرب بكل ما يحتاجون معرفته عن الإعلام الجديد New Media، والتكنولوجيا المرتبطة به ومدى تأثيرها على الصناعة التي يعملون بها سواء كانت إعلاماً مقروءاً أو مرئياً أو مسموعاً، ولكن تلك المصادر (حسنة النية) لم تشر ولو بالتلميح لا لمصادر تمويل الموقع ولا لمصادر تلك المعلومات التي ستلبي وجهة نظر مموليها لتمريرها عبر موقع الإعلام الجديد، ولا لتوجهات تلك المصادر التي سيكون لها تأثير كبير دون شك على الوعي العربي وخاصة وعي الإعلاميين البسطاء الذين سينقلون عن موقع الإعلام الجديد عن حسن نية.
مراجع استخدمت في البحث:
                     1.                     أحمد السيد النجار: على ضوء خبرات نكبة العراق‏:‏ التقدم العلمي ضرورة للاستقلال والمنعة والتطور الاقتصادي. ملفات الأهرام. // القاهرة: الأهرام، 22/8/2003.
                     2.                     أوتكين أ.ي.: العولمة: التفاعل والجوهر. موسكو: 2001. (باللغة الروسية)
                     3.                     الإعلام الجديد wwwekateb.net // الكويت: صحيفة القبس، 19 مايو 2003.
                     4.                     إيفانوف ي.س.: السياسة الخارجية لروسيا في عصر العولمة. مقالات وكلمات. موسكو: 2002. (باللغة الروسية)
                     5.                     كاشليف يوري باريسوفيتش: العلاقات الدولية والثورة المعلوماتية. موسكو: العلاقات الدولية، 1/2003. (باللغة الروسية)
                     6.                     أ.د. محمد البخاري: المجتمع المعلوماتي وتداعيات العولمة. دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني، 21/7/2006. http://dardolphin.com
                     7.                     أ.د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية)
                     8.                     أ.د. محمد البخاري: التفاعلات السياسية في وسائل الإعلام الجماهيرية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية)
                     9.                     أ.د. محمد البخاري: قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، طشقند: مطبعة "بصمة" 2004. (باللغة الروسية)
                   10.                   مويسييف ن.ن.: أونيفيرسوم. المعلوماتية. المجتمع. موسكو: 2001. (باللغة الروسية)
             11.             Huntington S., The Lonely Superpower. // “Foreign Affairs”, March/April 1999.
             12.             WorldBank, WorldDevelopmentIndicators2003,Table.5.12.



[1]  محمد البخاري: مواطن عربي سوري نقيم في أوزبكستان. دكتوراه علوم في العلوم السياسية، (الاختصاص: 23.00.03 الثقافة السياسية والأيديولوجيا؛ و23.00.04 المشاكل السياسية للنظم العالمية والتطور العالمي) بروفيسور قسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانون/معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية.
[2] إيفانوف ي.س.: السياسة الخارجية لروسيا في عصر العولمة. مقالات وكلمات. موسكو: 2002. ص 5 6. (باللغة الروسية)
[3] أوتكين أ.ي.: العولمة: التفاعل والجوهر. موسكو: 2001. ص 9. (باللغة الروسية)
[4] د. محمد البخاري: قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، طشقند: مطبعة "بصمة" 2004. ص 225. (باللغة الروسية)
[5] كاشليف يو.:العلاقات الدولية والثورة المعلوماتية. // موسكو: العلاقات الدولية، 1/2003. ص121.
[6] للمزيد أنظر: د. محمد البخاري: قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، طشقند: مطبعة "بصمة" 2004. (باللغة الروسية)
[7]  Huntington S., The Lonely Superpower. // “Foreign Affairs”, March/April 1999, p. 35.
[8]  مويسييف ن.ن.: أونيفيرسوم. المعلوماتية. المجتمع. موسكو: 2001. ص 130. (باللغة الروسية)
[9]  للمزيد أنظر: الخارطـة الجديدة للشـرق الأوســط. صحيفة الوطن، 22/7/2006. عن موقع مجلة القوة العسكرية تموز 2006.
[10]   WorldBank,WorldDevelopmentIndicators2003,Table.5.12
[11]  أحمد السيد النجار: على ضوء خبرات نكبة العراق‏:‏ التقدم العلمي ضرورة للاستقلال والمنعة والتطور الاقتصادي. ملفات الأهرام. القاهرة: الأهرام، 22/8/2003.
[12]  نفس المصدر السابق.


منقول عن موقع الدكتور البخاري:
http://muhammad.albukhari.com/content/view/13/9/
 

اقرأ المزيد

الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

الجيوبولتيك والجيواستراتيجيا ,,, نحو مناهج القرن للتفوق السياسي - أ / محمد بن سعيد الفطيسي


باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
          عند النظر الى أهم وابرز المتغيرات والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السياسية الدولية اليوم , وعلى وجه الخصوص في مناهج التفكير السياسي , وطرق تخطيط الحكومات للسعي نحو التفوق والتقدم على الأرض وفي السماء , وتحديدا خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين , نلحظ بشكل واضح ومشاهد ذلك الاتجاه المتزايد نحو غلبة النزعة الأيديولوجية الاستشرافية في التخطيط السياسي , او الفكر السياسي المبرمج الذي يرتقي لمستوى العقيدة السياسية المنظمة , وذلك بهدف بناء منهج استراتيجي متكامل للتخطيط السياسي المستقبلي , بحيث لا يترك أي فرصة بقدر المستطاع للعشوائية في التخطيط والبناء السياسي للدول والحكومات , أو مجالا للصدفة في رسم سيناريو المستقبل السياسي لها , راجع لنا مقالي : التخطيط لصناعة المستقبل , ومقال عملية صناعة القرار 0
         وبالطبع فإننا هنا لا نشير الى تميز فكري او إيديولوجيا استثنائية في التخطيط السياسي , تفرد بها القرنين المذكورين سابقا , بقدر ما نؤكد على ان اغلب الدول والحكومات الناضجة قد أصبحت اليوم تعتمد بشكل اكبر من حيث الكم والكيف على مناهج التخطيط السياسي ألاستشرافي المبني على الواقع الجغرافي والتاريخي للبنية السياسية الدولية , وذلك لرسم وإعداد سيناريوهات البقاء والتفوق المستقبلي , - انظر مقالنا : صناعة المؤامرات أم ثقافة الاستراتيجيات , مع ملاحظة ارتقاء بعض العلوم السياسية والجغرافية وطرق التفكير والتخطيط المنهجي ألاستشرافي السياسي , على غيرها خلال هذه المرحلة الزمنية تحديدا , وهو ما سنحاول التطرق إليه من خلال هذا الطرح المختصر 0
         وبداية لابد ان نؤكد على ضرورة وأهمية الارتقاء بالمناهج التعليمية والأكاديمية في المدارس والكليات والجامعات العربية لمستوى مواكبة التغيرات والتحولات الجذرية المتسارعة التي تشهدها الساحة العالمية , وتحديدا في مجالات السياسة والاقتصاد والتخصصات المرتبطة بها كالجغرافيا والتاريخ , وذلك من خلال دخول مناهج وطرق تدريس العلوم السياسية والجغرافية بمختلف فروعها ومجالاتها وتخصصاتها في مراحل التعليم الأساسي والجامعي بالدول العربية التي لا يوجد بها بعد هذه التخصصات الأكاديمية والمناهج الدراسية , مع ضرورة التركيز على رفع مستوى الاهتمام والارتقاء بفروع ذلك العلم ومناهجه التخصصية والمستقلة والفروع المرتبطة به , لدى مدارس وجامعات الدول العربية التي تدرس هذه العلوم من السابق , وذلك من خلال الاهتمام بفروع وتخصصات دراسية سياسية وجغرافية بعينها , كما نؤكد على أهميتها ودورها المستقبلي خلال المرحلة القادمة من التاريخ السياسي للبشرية 0
           وبشكل أكثر دقة في تناول هذا الطرح , نشير الى ان هناك توجهات أكاديمية عالمية , وسياسات دولية رسمية , تهدف اليوم الى التركيز على فروع مستقلة بعينها في العلوم السياسية والجغرافية الحديثة والعلوم الأخرى المستقلة المرتبطة بها بشكل مباشر , وذلك لما لها من أهمية متزايدة أحدثتها تلك المتغيرات السياسية التي راجت خلال القرن الماضي والقرن الذي نعيشه اليوم , كالعولمة وظاهرة الإرهاب والعنف وحروب الطاقة والماء ومصادرها , والصراعات المرتبطة بالأعراق والحدود والإطماع القومية , ومن أهم تلك المجالات والتخصصات الأكاديمية السياسية والجغرافية علمي الجغرافيا الاستراتيجية او " الجيواستراتيجيا " و الجغرافيا السياسية او           " الجيوبوليتكا "0
         وقبل الحديث عن أهميتهما المستقبلية لرفع كفاءة مستوى التخطيط السياسي الاستراتيجي للحكومات الناضجة , وبناء منظومة علمية دقيقة لصناعة المستقبل السياسي لتلك الدول , كان لزاما التطرق الى التعريف العلمي لهما , وذكر الأهداف والمقاصد الأكاديمية المرتبطة بهما , فالجغرافيا الإستراتيجية : هي العلم الذي يسعى إلى جمع وتحليل ودراسة وتفسير المعلومات الجغرافية الأساسية للدولة لاستخدامها في إعداد الخطط الإستراتيجية في مختلف المجالات وخصوصا تلك المعنية بالحروب , وفي معنى آخر تعرف بأنها : ( فن استخدام القوة العسكرية لكسب أهداف الحرب , غير ان مفهومها قد تطور واكتسب قاعدة علمية شمولية , وأصبحت تعني الاستخدام الأمثل للمعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية ) وهي أكثر شمولا وتوسعا من الجغرافيا السياسية او الجيوبولتيك0
         أما الجغرافيا السياسية والتي تعرف باسم  الجيوبوليتكا او علم سياسة الأرض فهي ذلك العلم الذي يتعرض بالبحث والدراسة للعلاقات التي تربط الدول بعضها ببعض , ومدى ارتباط ذلك بمعطيات الموقع الطبيعي وقوانينه , ( ويعد رودلف كلين أول من استخدم مصطلح الجيوبوليتكا , وعرفها بأنها البيئة الطبيعية للدولة والسلوك السياسي , في حين عرفها كارل هوسهوفر بأنها دراسة علاقات الأرض ذات المغزى السياسي , إذ ترسم المظاهر الطبيعية لسطح الأرض الإطار للجيوبولتيكا الذي تتحرك فيه الأحداث السياسية ) , ويعد أرسطو 383  - 322 ق.م , أول من تحدث عن قوة الدولة المستمدة من توازن ثرواتها مع عدد ساكنيها , كما كان للمسلمين دور بارز ومهم في هذا الشأن , وذلك من خلال كتابات ابن خلدون 1342-1405م , والتي ظهرت في مقدمته الشهيرة 0
         وتختلف الجغرافيا السياسية في أهدافها ومقاصدها عن الجغرافيا الاستراتيجية , إلا أنهما تعدان جزء لا يتجزأ من الآخر , - أي – ان كل منهما متلازم ومكمل للآخر , - وبمعنى آخر – ان الجغرافية السياسية يجب ان تتزامن وتتساوق مع الجغرافية الاستراتيجية في منهج البحث العلمي والدراسة الاستشرافية والتحليلية المستقبلية للدولة وقراراتها وأهدافها , وحديثا ( ظل تقييم دور العوامل المكانية - الجغرافية -  في تاريخ ومستقبل الدولة السياسي بدون صياغة متكاملة حتى ظهرت في المجتمع الألماني أفكار فردريك راتزل 1844-1904م والذي يرجع إليه الفضل في كتابة “الجغرافيا السياسية” في عام 1897 م ) 0
           وكما قال نابليون : ان معرفة جغرافية الدولة تعني معرفة سياستها الخارجية , ويعد النموذج الألماني والسوفيتي واليوغسلافي والاميريكي خلال القرنين العشرون والحادي والعشرون , من أهم النماذج الحديثة وأوضحها على ترابط متلازمة الجيوبولتيك والجيواستراتيجيا سعيا لتحقيق مقاصد الدولة وأهدافها المستقبلية الاستعمارية او القومية , – انظر مقالنا : الحتمية التاريخية للصراع الجيواستراتيجي على العالم , ومن – وجهة نظرنا الشخصية – فان الحرب الروسية على جورجيا تعد من ابرز النماذج الحديثة على تلك الصلة التي تربط ما بين ممارسة النزاعات السياسية والسيطرة على الأرض , وفي هذا السياق يقول زبغينيو بريجينيسكي بان       ( الدوافع المتعلقة بالأرض كانت الحافز الرئيسي الموجه للسلوك العدواني للدول القومية والإمبراطوريات ) عبر التاريخ , وهو ما دفع بالحكومة السوفيتية في وقت ما , من منع تدريس مناهج الجيواستراتيجيا والجيوبولتيك في الجامعات الشيوعية 0
          وانطلاقا مما سبق ذكره والإشارة إليه في سياق هذا الطرح من أهمية دراسة وتطوير بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية , وعلى رأسها العلوم السياسية والجغرافية بوجه عام , وخصوصا الجغرافيا السياسية والجيواستراتيجية , والتي نتصور بأنها ستلعب دورا خطيرا وبارزا في صناعة مستقبل الدول والشعوب ومكانتها خلال المرحلة التاريخية القادمة من القرن الحادي والعشرون , وتحديدا في ظل الأوضاع والتحولات المتسارعة التي باتت تعصف بكل دول العالم دون استثناء , فإننا نلفت الانتباه الى التالي : ضرورة توفير مراكز دعم القرار الوطني ومراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية والتحليلية المحايدة وتوفير الدعم المادي والكوادر المتخصصة لها , - انظر لنا في هذا الشأن المقالات التالية : أهمية مراكز الدراسات السياسية في مواجهة التحديات المستقبلية , و مركز وطني لدعم القرار والدراسات المستقبلية , كما أننا نشير الى أهمية وضرورة الإسراع بتوفير الكليات والجامعات التخصصية التي تقوم بتدريس العلوم السياسية والجغرافية بمختلف فروعها التخصصية ومناهجها الأكاديمية , وتحديدا الجيوبولتيك والجيواستراتيجيا في جامعاتنا الرسمية والخاصة , والتي باتت تفرض نفسها بشكل اكبر على الساحة الدولية 0

azzammohd@hotmail.com
المصدر: مركز الاستقلال للدراسات الاستراتيجية

اقرأ المزيد

الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

اللوبي الإسرائيلي.. والسياسة الخارجية الأميركية



ستيفن وولت
جون ميرشايمر
 
بقلم: جون ميرشايمر، هارفرد ستيفان والت*.

المنظمات والأفراد والولاء لإسرائيل
ما هو سر سيطرة اللوبي الاسرائيلي على السياسة الخارجية الاميركية، <<ربما أن إسرائيل لم تتصرف بأسوأ من دول عديدة، غير أنه من الواضح أنها لم تسلك منحى أفضل أيضا. وإذا لم يكن لأي من الأسباب الأخلاقية أو الاستراتيجية دور في دعم أميركا لاسرائيل، فكيف بالإمكان تفسير <<هذه السيطرة>>، أو ما وصف ب<<قوة لا نظير لها للوبي الإسرائيلي>>، على السياسة الخارجية الاميركية، حيث أن <<العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لم تكن في الماضي قط بالحميمية التي هي عليها اليوم>>.
وتضم نواة اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة اليهود الاميركيين الذين <<يبذلون جهدا مهما يوميا في حياتهم من أجل تحويل السياسة الخارجية الاميركية بما يحقق مصالح إسرائيل... يتجاوز مجرد التصويت للمرشحين (الاميركيين) المدافعين عن اسرائيل إلى كتابة الخطابات، التبرعات المالية ودعم المنظات المدافعة عن اسرائيل>>.
غير أنه <<ليس جميع اليهود الاميركيين جزءا من هذا اللوبي، لأن إسرائيل ليست قضية بارزة للعديد منهم>>، فبالاستناد إلى استطلاع أجري عام 2004، <<يقول 36 في المئة من اليهود الاميركيين إنهم ليسوا متعلقين عاطفيا جدا، أو بتاتا، بإسرائيل>>.
ولا يخلو اللوبي الاسرائيلي من خلافات داخلية، فبعض منظماته مثل <<أيباك>> و<<مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى>> وهي من تلك <<التي يديرها أشخاص متشددون>>، تركز مثلا على دعم تمديد سياسات حزب الليكود الاسرائيلي، بما في ذلك رعايته لاتفاق أوسلو للسلام، فيما <<يرفض معظم اليهود الاميركيين، من جهة أخرى، تقديم التنازلات للفلسطينيين، وقلة منهم مثل منظمة صوت السلام اليهودي تؤيد بقوة الإقدام على خطوات من هذا النوع>>. غير أنه <<بمعزل عن هذه الاختلافات بين المتشددين والمعتدلين، فإنهم جميعا يتفقون على دعم ترسيخ الدعم الاميركي لإسرائيل>>.
وليس من المفاجئ القول إن قادة اليهود الاميركيين يستشيرون في معظم الاوقات المسؤولين الاسرائيليين، الذين يحرصون على أن يضاعف أولئك تأثيرهم في الولايات المتحدة. ويؤكد ذلك ما كتبه أحد الناشطين في منظمة يهودية كبرى <<إنه من الروتين لنا القول: إن هذه سياستنا في مسألة معينة، ولكن يجب علينا مراجعة ما يفكر به الاسرائيليون، فنحن كجالية نفعل ذلك طوال الوقت>>.
وثمة ارتفاع حساسية أفراد اللوبي الاسرائيلي من اليهود الاميركيين الذين يوجهون انتقاداً لاسرائيل أو يدعمون أي نوع من الضغوط عليها. مثال على ذلك، اتهام رئيس المؤتمر اليهودي العالمي إدغار برونفمان، ب<<الخيانة>> حين بعث رسالة للرئيس الاميركي جورج بوش، في أواسط عام 2003، يحثه فيها على الضغط على إسرائيل لردعها عن بناء جدار الفصل المثير للجدل.
ويواجه كل صوت يهودي غير منسجم مع سياسة اللوبي المنحازة لاسرائيل عقوبة الطرد من الجالية، مثال على ذلك مهاجمة رئيس منتدى السياسة الاسرائيلية سيمور رايتش، حين نصح وزيرة الخارجية الاميركية كوندليسا رايس، بالضغط على اسرائيل لإعادة فتح معبر غزة في تشرين الثاني عام 2005، حيث وصفت خطوته ب<<التصرف غير المسؤول>>، ونبه من <<أنه ليس هناك أي مكان على الاطلاق في التيار اليهودي لنشاط يروج ضد السياسات المرتبطة بأمن إسرائيل>>، ما دفع برايتش للتراجع سريعا عن موقفه، مؤكدا ان <<كلمة الضغط ليست موجودة في قاموسي حين يتعلق الامر باسرائيل>>.
إن <<أيباك>> هي أقوى المنظمات اليهودية وأشهرها، وهي التي صنفها الكونغرس الاميركي في المرتبة الثانية من لائحة أقوى اللوبيات الموجودة في واشنطن، بعد <<الاتحاد الاميركي للمتقاعدين>>، في استطلاع نشرته مجلة <<فورتشن>> عام 1997.
ويضم اللوبي الاسرائيلي أيضا شخصيات مسيحية إنجيلية بارزة، مثل غاري بوير، جيري فالويل، رالف ريد، بات روبرتسون، وأيضا ديك آرمب وطوم ديلاي، وزعماء الاكثرية السابقين في مجلس النواب، بالإضافة إلى المحافظين الجدد أمثال جون بولتون، محرر صحيفة <<وول ستريت جورنال>> روبرت بارتلي، وزير التعليم الاميركي السابق وليم بنيت، وأيضا كاتب العمود جورج ويل... ويؤمن هؤلاء جميعاً <<أن بعث إسرائيل هو جزء من نبوءة الكتاب المقدس>>، وبالتالي فإن أي تصد لها يعني <<معارضة رغبة الله>>.
التأثير على الكونغرس والحكومة
وتنطلق قوة اللوبي الاسرائيلي، في الاساس، من قدرته الفائقة على تركيز جهوده للتأثير على أولئك الذين يهتمون بالشأن العام أو بقضية معينة، وإن كانوا قليلي العدد نسبياً، وذلك لثقته بأن الاكثرية الباقية، غير المكترثة بالشأن العام أو بالقضية المعنية من الشعب الاميركي، لن تحاول معاقبته قط.
بالاضافة إلى ذلك، فإن ناشطي هذا اللوبي يؤدون في الحقيقة الدور الذي يفترض أن تؤديه أي جماعة ضغط أخرى، إنما بشكل أفضل، خاصة اذا كانت جماعات الضغط الأخرى كتلك العربية <<ضعيفة>> وشبه غائبة، الامر الذي يسهل مهمة اللوبي الاسرائيلي، في ساحة خالية من المنافسة.
توفر طبيعة النظام الاميركي الحاكم الذي يتوخى الفصل بين السلطات أشكالاً عديدة للتأثير على سياسته، سواء عبر كسب النواب المنتخبين أو أعضاء الحكومة، منح التبرعات للحملات الانتخابية، التصويت كجماعات في الانتخابات وصناعة الرأي العام...
ويتبع اللوبي الإسرائيلي استراتيجيتين من أجل التحكم بدعم الولايات المتحدة لإسرائيل. الأولى تركز على الضغط على كل من الكونغرس والحكومة، والثانية على دوام الصورة الإيجابية لإسرائيل لدى الرأي العام، عبر ترديد <<الخرافات>> حولها والترويج لصالحها في قضايا الساعة، وذلك بهدف الحؤول دون تطور أي انتقاد سلبي لإسرائيل ووصوله إلى المنبر السياسي.
الضغط على الكونغرس
إن مفتاح فاعلية اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة يتركز في تأثيره على الكونغرس حيث تحظى إسرائيل بمناعة ضد الانتقاد، وذلك على الرغم من أن <<الكابيتول هيل>> (مبنى الكونغرس) لا يتردد عادة في الجدال بجرأة حول أية قضية اخرى حساسة.
ويكمن أحد أسباب هذا <<المحرّم>> في وجود بعض الاعضاء <<المفاتيح>> في الكونغرس ممن تصفهم الدراسة الاميركية ب<<المسيحيين الصهاينة>>، أمثال ديك آرمي الذي قال في أيلول عام 2002 <<إن الرقم 1 في أولوياتي للسياسة الخارجية هو حماية إسرائيل>>، ما تعلق عليه الدراسة بالقول <<إن المرء ليظن أن الأولوية الأولى لأي عضو في الكونغرس (الأميركي) يجب أن تكون لحماية أميركا>>.
بالإضافة إلى هؤلاء <<المسيحيين الصهاينة>>، هناك أيضا أعضاء يهود في مجلس الشيوخ يحرصون دوماً على دعم إسرائيل في السياسة الخارجية الاميركية. وفوق هؤلاء وأولئك، ثمة دور بارز يؤديه موظفو الكونغرس ويشكل مصدراً آخر لقوة اللوبي الإسرائيلي، وذلك بالاستناد إلى <<اعتراف>> الرئيسة السابقة ل<<أيباك>>، موريس اميتاي، التي قالت إن <<هناك أشخاصا كثيرين يعملون ضمن فريق الموظفين أعلاه (في الكابيتول هيل) صدف أنهم يهود... والذين يرغبون في النظر في بعض القضايا انطلاقا من يهوديتهم... وهؤلاء هم جميع الاشخاص الموجودون في مواقع صناعة القرار لأعضاء الكونغرس...
بالإمكان الحصول على نتيجة هائلة من هذا الفريق فقط>>.
والواقع أن <<أيباك>> هي التي تشكل بنفسها نواة اللوبي الضاغط في الكونغرس. ويعود نجاحها في ذلك إلى <<قدرتها على مكافأة مرشحي البرلمان والكونغرس الداعمين لأجندتها، ومعاقبة أولئك الذين يتحدون هذه الأجندة>>. وتجزم الدراسة هنا بأن <<المال هو الحاسم في الانتخابات الاميركية، وأيباك تحرص على أن ينال أصدقاؤها دعماً مالياً قوياً من آلاف اللجان السياسية الناشطة الداعمة لإسرائيل>>، فيما تمنح هباتها المالية لخصوم أولئك المعادين لإسرائيل.
ويتجاوز تأثير <<أيباك>> على الكونغرس كل خيال. ويتضح ذلك في مقولة أحد موظفي <<أيباك>> السابقين، دوغلاس بلومفيلد، بأنه <<من الشائع لدى أعضاء الكونغرس وموظفيه أن يراجعوا أيباك أولا كلما احتاجوا إلى معلومات، قبل الاتصال بمكتبة الكونغرس، أو بقسم الابحاث البرلمانية، أو خبراء الادارة...>>.
والأهم من ذلك ما أضافه حول <<دعوة أيباك في الكثير من الاوقات إلى المشاركة في إعداد مسودات الخطب، العمل على تشريعات، المشورة في التكتيكات، إجراء الابحاث وجمع الممولين وأصوات المسؤولين>>.
وفي عام 1984، ساهمت <<أيباك>> في إلحاق الهزيمة بالسيناتور تشارلز بيرسي في ولاية إيلينوي، وذلك عقاباً له على ما وصفه <<وجه بارز في اللوبي>> ب<<إظهار عدم الحساسية وحتى العدوانية للمسائل التي تهمنا>>. وفسر رئيس <<أيباك>> السابق، توماس دين، ما جرى آنذاك قائلا <<جميع اليهود في أميركا، من الساحل إلى الساحل احتشدوا لعزل بيرسي، وفهم السياسيون الاميركيون الذين يحتلون المناصب العامة الآن، وأولئك الذين يطمحون لها، الرسالة>>.
وفي المحصلة، يمكن القول إن أحد الأجنحة الرئيسية الثلاثة للقرار الاميركي بات في قبضة اللوبي الإسرائيلي وتحديداً منظمة <<أيباك>>. ولا يسعنا إلا أن نتذكر قول رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون <<حين يسألني الناس كيف بالإمكان مساعدة إسرائيل، أقول لهم ساعدوا أيباك>>.
الضغط على الحكومة
إن قوة ضغط اللوبي الاسرائيلي على الحكومة تكمن جزئياً في تأثير الناخبين اليهود في الانتخابات الرئاسية. فبمعزل عن حجم هؤلاء المحدود نسبياً (أقل من 3 في المئة من الناخبين) إلا أنهم يقدمون تبرعات مالية ضخمة في الحملات الانتخابية لكلا الحزبين.
وأكثر من ذلك، فإن الناخبين اليهود يحرصون على التمركز في ولايات تعتبر حاسمة في الانتخابات الرئاسية مثل كاليفورنيا، فلوريدا، إلينوي، نيويورك وبنسلفانيا. كل ذلك يجعل المرشحين الرئاسيين حريصين على تجنب معاداة الناخبين اليهود.
ويحرص اللوبي اليهودي أيضا على أن يحظى الأشخاص ذوو العلاقة الممتازة مع إسرائيل بمناصب حكومية مهمة. ومثال على ذلك ان السياسة الخاصة بالشرق الأوسط، خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون، رسمها عدد من المسؤولين مثل نائب رئيس الابحاث السابق في <<أيباك>> ومؤسس <<معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى>> الموالي لإسرائيل مارتن إنديك، ودينيس روس الذي انضم للمعهد بعدما غادر الادارة عام 2001، وآيرون ميلر الذي عاش في إسرائيل ولا يزال يزورها بانتظام، الذين كانوا جميعا ضمن فريق المستشارين المقربين من كلينتون. ولم يكن من المفاجئ في اجتماع كامب دايفيد في تموز عام 2000، ان الفلسطينيين شكوا من أنهم <<يتفاوضون مع فريقين إسرائيليين، أحدهما يحمل العلم الاسرائيلي، والآخر العلم الاميركي>>.
هذه الحالة تبدو أشد وضوحاً في إدارة بوش الإبن، الذي يزخر طاقمه بأشخاص مناصرين لإسرائيل مثل إليوت أبرامز، جون بولتون، دوغلاث فايث، لويس (سكوتر) ليبي، ريتشارد بيرل، بول وولفويتز ودايفيد وورمسير.
ولا تزال هذه المعادلة سارية اليوم. فحين دعا المرشح الرئاسي في انتخابات عام 2004، هاوارد دين، الولايات المتحدة إلى تأدية <<دور أكثر إشرافاً>> في النزاع العربي الاسرائيلي، اتهمه السيناتور اليهودي جوزيف ليبرمان بأنه يهدد إسرائيل. ووقّع جميع الديموقراطيين البارزين في الكونغرس رسالة شديدة اللهجة وجهت إلى دين وأدانت تصريحه.
التأثير على الإعلام ومراكز الدراسات واستغلال معاداة السامية
تنعكس وجهة نظر اللوبي تجاه اسرائيل، بشكل كبير في وسائل الاعلام الاميركية الرئيسية، لان معظم المعلقين ومقدمي البرامج، هم موالون لاسرائيل. ويقول الصحافي اريك الترمان إن مناقشة قضايا الشرق الاوسط في هذه الوسائل <<يتولاها اشخاص لا يمكن ان يطيقوا انتقاد اسرائيل>>. وفي مقابل 61 معلقا مؤيدا لاسرائيل، وجد الترمان خمسة معلقين فقط ينتقدون اسرائيل، بشكل منتظم، ويظهرون مواقف موالية للعرب.
ويظهر التحيز الكبير للاعلام الاميركي تجاه اسرائيل، في افتتاحيات الصحف الرئيسية، ومن بينها <<وول ستريت جورنال>>، و<<جورنال>>، و<<شيكاغو صان تايمز>>، و<<واشنطن تايمز>>، و<<نيويورك تايمز>>، اضافة الى مجلات مثل <<كومانتري>> و<<نيو ريبابليك>>، و<<ذي وويكلي ستاندرد>>.
والى جانب افتتاحيات الصحف، يسيطر اللوبي ايضا على عملية نقل المستجدات المتعلقة باسرائيل. وللحوؤل دون نقل أخبار معادية، فإنه ينظم حملات مكثفة من الرسائل والتظاهرات، ويدعو الى مقاطعة وسائل الإعلام التي قد تنقل اخبارا يعتبر محتواها معادياً لاسرائيل. ويقول أحد المدراء التنفيذيين في شبكة <<سي إن إن>>، إنه يتلقى احياناً 6 آلاف رسالة عبر بريده الالكتروني في يوم واحد، تزعم أن مضمون قصة وردت كان معادياً لاسرائيل.
مراكز الدراسات والتفكير في اتجاه واحد
تسيطر الجماعات الموالية لاسرائيل على مراكز الدراسات الاميركية، التي تؤدي دورا مهما في تكوين النقاشات العامة والسياسات الحالية. وقد أسس اللوبي مركزه الخاص للدراسات في العام 1985، عندما ساعد مارتن انديك على تأسيس <<وينيب>>. وبرغم أن المؤسسة تدّعي أنها تقدّم نظرة متوازنة وواقعية حول قضايا الشرق الاوسط، فإنها تدار من قبل اشخاص مرتبطين بشكل مباشر في عملية دفع البرنامج الاسرائيلي إلى الامام.وخلال ال25 سنة الماضية، اوجدت القوة الاسرائيلية حضورا اساسيا لها في عدد من الؤسسات المهمة مثل <<مركز السياسة الامنية>> و<<معهد الابحاث حول السياسة الخارجية>> و<<معهد هادسون>>. واصبحت هذه المراكز نادراً ما تتضمن انتقادات للدعم الاميركي للدولة اليهودية.
ومن الامثلة الاخرى على ذلك، التحول الذي طرأ على <<معهد بروكينغز>>. وبعدما كان يعتمد المعهد في ما يتعلق بشؤون الشرق الاوسط والصراع العربي الاسرائيلي على ويليام كوانت، اصبح يعتمد على <<مركز سابان لدراسات الشرق الاوسط>>، الذي يموله حاييم يابان، رجل الاعمال الاسرائيلي الاميركي، والصهيوني.
مراقبة أكاديمية
واجه اللوبي صعوبة كبيرة في اخماد الجدل حول اسرائيل داخل حرم الجامعات، كون الحرية الاكاديمية قيمة جوهرية، ولانه من الصعب إسكات او تهديد بعض الاساتذة. وقد تصاعدت الانتقادات في هذه الأوساط ضد اسرائيل، بعد انهيار اتفاق اوسلو وعودة ارييل شارون الى الحكم في العام 2001. وقد ازداد هذه الانتقادات بعد استخدام القوة القصوى في وجه الانتفاضة الثانية. وتحرك اللوبي حينها بشكل عدائي من اجل <<استعادة حرم الجامعات>>. وانتشرت جماعات جديدة مثل <<كارافان للديموقراطية>>، التي وزعت المتحدثين الاسرائيليين على الجامعات. وظهرت في الاطار جماعات مثل <<هلال>> و<<المجلس اليهودي للشؤون العامة>>، حاولت التعامل مع الجماعات الاخرى التي تضع اسرائيل في صلب المناقشات في الجامعات.
من ناحيتها، ضاعفت <<ايباك>> من مصاريفها على برامج ادارة نشاطات الجامعات، اضافة الى تدريب جيل شاب من المحامين عن اسرائيل. كما حاول اللوبي مراقبة ما يكتبه ويعلمه الاساتذة. وفي العام 2002، اسس موقعا على الانترنت لنشر ملفات حول اكاديميين مشتبه فيهم، وشجع التلاميذ على نقل التعليقات او التصرفات التي قد تعتبر معادية لاسرائيل.
ويحارب اللوبي ايضاً بعض الاساتذة والجامعات التي تعينهم. وقد كانت جامعة كولومبيا التي عمل فيها (المفكر) الفلسطيني ادوار سعيد، هدفا مستمرا للجماعات الموالية لاسرائيل. ويقول رئيس الكلية السابق جوناثان كول <<يمكن لأحد ما أن يتأكد بأن أي موقف عام يدعم الشعب الفلسطيني يقوله الناقد الأدبي، المتفوق إدوارد سعيد، سيستدعي مئات الرسائل الإلكترونية، والورقية، والكتابات الصحافية التي تدعونا لنبذ سعيد، أو فرض عقوبات عليه أو طرده>>.
ولعل أهم ما اقدم عليه اللوبي في هذه السياق، الطلب مؤخرا من الكونغرس تبني مشروع قانون، ينص على مراقبة كل ما يقوله اساتذة الجامعات حول اسرائيل.
عامل الإسكات الأهم
لا شك في ان احد اقوى اسلحة اللوبي، هو الاتهام بمعاداة السامية. فان اي شخص ينتقد اعمال اسرائيل او يقول ان هناك لوبيا اسرائيليا، يخاطر بان يصنف معادياً للسامية ايضا، وذلك برغم اعتراف الاعلام الاسرائيلي بان هناك <<لوبياً يهودياً>>.
وقد أظهر الاوروبيون في السنوات الاخيرة، ارادة اقوى من الاميركيين في ما يتعلق بانتقاد اسرائيل.
ذلك قام اللوبي بنشر اقاويل في اميركا، تزعم ان بعض الدول الاوروبية معادية للسامية، وهو ما لم يكن صحيحا طبعا (بحسب ما تظهره بعض الاحصاءات).
ولهذه الاسباب، فإن الجماعات الموالية لاسرائيل عندما تشعر بضغط ما، تدّعي ان هناك <<معاداة سامية جديدة>>. وبكلام آخر، انتقد سياسات اسرائيل فتصبح عندها معادياً للسامية. ومثال على ذلك ما حدث مع كنيسة انكلترا مؤخراً بعد تصويتها على سحب استثماراتها من شركة <<كاتربلير>>، التي تصنع الجرافات التي تهدم بيوت الفلسطينيين. وقد دفع ذلك برئيس الحاخامات، الى القول ان لهذا العمل <<أكبر النتائج العكسية على علاقات اليهود والمسيحيين في بريطانيا>>.
والانتقادات الموجّهة لاسرائيل، تصنف ايضاً في خانة تبني معايير غير عادلة، او التساؤل حول حق إسرائيل في الوجود. لكن هذه الاتهامات زائفة، لأن الانتقادات الغربية لإسرائيل، نادراً ما تتضمن حقها في الوجود. وبدلاً عن ذلك، فإن الغرب يطرح الاسئلة حول تصرفات اسرائيل تجاه الفلسطينيين، وهو انتقاد شرعي، لأن الإسرائيليين أنفسهم يطرحون الأسئلة حول ذلك.
المنظمات والافراد والولاء لاسرائيل؛ التأثير على الكونغرس والحكومة؛ التأثير على الاعلام ومراكز الدراسات واستغلال معاداة السامية؛ دور الولايات المتحدة التاريخي ك<<منقذ>> لإسرائيل؛ اسرائيل وعناصر استدرار العطف الدولي؛ الحرب على العراق؛ وسوريا وإيران.
دعم إسرائيل
تسرف واشنطن في دعمها السخي لإسرائيل، سواء عبر تقديم المساعدات المادية والعسكرية، تخطيط السياسة الخارجية، استخدام الفيتو في الامم المتحدة والتدخل المباشر عند اللزوم. ولعل مشروع إدارة بوش الشرق أوسطي يهدف، في جزء منه على الأقل، إلى تعزيز موقف إسرائيل.
المساعدات الاقتصادية والعسكرية
قدّمت واشنطن، منذ حرب الايام الستة 1967، مساعدات ضخمة لإسرائيل، قزّمت أي دعم نالته يوما أي دولة أخرى. فكانت إسرائيل المستفيد السنوي الأكبر من المساعدات الأميركية الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، والتي تجاوزت قيمتها 140 مليار دولار منذ الحرب العالمية الثانية. وهي تتلقى سنويا حوالى 3 مليارات دولار كمساعدات مباشرة، أي خُمس الميزانية الاميركية للمساعدات الخارجية تقريباً، وبما يعادل 500 دولار أميركي لكل إسرائيلي. وذلك على الرغم من أن إسرائيل تعتبر دولة صناعية ثرية بدخل فردي يوازي دخل مواطن في كوريا الجنوبية أو أسبانيا.
وعلى عكس دول تمدها واشنطن بمساعدات على شكل دفعات فصلية، تحصل إسرائيل على حصتها الكاملة عند بداية كل سنة مالية، ما يتيح لها الاستفادة حتى من مردود الفوائد. وفيما تلزم واشنطن معظم متلقي المساعدات المخصّصة لأغراض عسكرية على صرف هذه المساعدات في الولايات المتحدة، تسمح لإسرائيل أن تستخدم نحو ربع حصتها لتمويل صناعاتها الدفاعية الخاصة. إسرائيل، هنا، هي المتلقي الوحيد الذي ليس عليه أن يشرح للمانح الاميركي كيف صرفَ مساعداته، ما يحول دون أي منع لاستخدام هذه الأموال لأهداف تعارضها الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
أكثر من ذلك، فقد منحت الولايات المتحدة إسرائيل حوالى 3 بلايين دولار من أجل تطوير أنظمتها التسليحية، وأعطتها الإذن باستغلال تصاميم الأسلحة المتفوّقة كمروحيات البلاك هوك ومقاتلات أف 16، وحتى الاطلاع على المعلومات الاميركية الاستخبارية التي تحجبها عن حلفائها في الناتو. وأخيرا، غضّ الطرف الاميركي عن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية.
الدعم السياسي
منذ عام 1982، استخدمت واشنطن الفيتو 32 مرة في مجلس الأمن ضد قرارات تنتقد إسرائيل، بما يتجاوز مجموع <<الفيتو>> الذي استخدمه الأعضاء الآخرون مجتمعين. وعطلت الولايات المتحدة جهود الدول العربية لوضع ترسانة إسرائيل النووية على أجندة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتهب الولايات المتحدة إلى المنطقة لنجدة إسرائيل وقت الحرب، وتأخذ جانبها في مفاوضات السلام. وقد حمت إدارة نيكسون إسرائيل من تهديد التدخل السوفياتي، وأعادت مدّها بالمساعدات العسكرية خلال حرب 1973. وشاركت واشنطن بقوة في المفاوضات التي أنهت الحرب، وكذلك في عملية الخطوة خطوة التفاوضية المطوّلة التي تبعتها، كما أنها ادت دوراً حاسماً في المفاوضات التي سبقت وتبعت اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، ما دفع بأحد المشاركين الأميركيين في مفاوضات كامب دايفيد التي جرت عام 2000 للقول مؤخراً <<غالباً جداً ما تصرفنا كمحامين لإسرائيل>>.
وحين بدأ بوش يحث شارون على إظهار ضبط النفس في الأراضي المحتلة خلال الانتفاضة الثانية، ويضغط عليه للسماح لوزير الخارجية شمعون بيريز بلقاء ياسر عرفات، في أيلول عام 2003، اتهمه شارون بمحاولة <<استرضاء العرب على حسابنا>>، محذراً من أن إسرائيل <<لن تكون تشيكوسلوفاكيا>>. وبعدما قدّم صيغة اعتذارية لاحقة، انضم شارون بسرعة إلى اللوبي الاسرائيلي لإقناع الإدارة والشعب الأميركيين بأن واشنطن وإسرائيل تواجهان تهديداً إرهابياً مشتركاً. وأصر المسؤولون الإسرائيليون وممثلو اللوبي على أن لا فرق حقيقياً بين عرفات وأسامة بن لادن.
وفي 16 تشرين الأول، أرسل 89 سيناتوراً رسالة إلى بوش يمتدحونه فيها على رفضه لقاء عرفات، لكنهم طالبوا بألا تقيد الولايات المتحدة إسرائيل عن الرد على الفلسطينيين: وكتبوا إن على الإدارة أن تعلن أنها تقف خلف إسرائيل. ووفقاً لصحيفة <<نيويورك تايمز>>، نشأت فكرة الرسالة في لقاء جرى قبل أسبوعين من كتابتها بين <<قيادات من الجالية اليهودية الأميركية وأعضاء مجلس شيوخ رئيسيين>>.
أضافت الصحيفة بأن <<أيباك>> كانت <<ناشطة بشكل خاص في تقديم النصح حول الرسالة>>.
وحين طلب بوش من شارون في نيسان عام 2004 <<إيقاف التوغّل والبدء بالانسحاب>> من الضفة الغربية، مارس المسؤولون الموالون لإسرائيل في مكتب نائب الرئيس والبنتاغون، وكذلك أساطين المحافظين الجدد كروبرت كاغان ووليام كريستول، ضغوطا على بوش واتهموه بأنه <<ألغى عملياً الفرق بين الإرهابيين وأولئك الذين يحاربونهم>>.
وجاءت الإشارة الأولى لاستسلام بوش بعد أسبوع واحد في 11 أيلول الماضي، حين قال المتحدث باسم البيت الأبيض إن الرئيس يؤمن بأن شارون هو <<رجل سلام>>. وكرر بوش هذه العبارة أمام الرأي العام بعد عودة كولن باول من مهمته المجهضة في إسرائيل، قائلا إن شارون <<استجاب بشكل كافٍ لدعوته للانسحاب>>، فيما لم يفعل شارون شيئاً كهذا.
وبعد وفاة عرفات، تابع شارون تطوير خطته لفرض تسوية من جانب واحد على الفلسطينيين، ودعمت واشنطن سياسته (وسياسات خلفه إيهود أولمرت)، ووافق بوش حتى على ضم بعض الأراضي في المناطق المحتلة، مخالفاً بذلك سياسات رؤساء الولايات المتحدة منذ ليندن جونسون.
باختصار، استولى شارون واللوبي على رئيس الولايات المتحدة وانتصروا. وكتب حاييم شاليف الصحافي في جريدة <<معاريف>> الإسرائيلية بأن مساعدي شارون <<لم يتمكنوا من إخفاء ارتياحهم لفشل باول. وقد تفاخروا بأن شارون نظر في عيون الرئيس الأميركي، وأن الرئيس رمش أولا>>. ولا ننسى ما قاله مستشار الأمن القومي الاميركي السابق، برنت سكوكروفت، في تشرين الأول عام 2004 بأن شارون يضع بوش كخاتم في اصبعه الصغير.
التأثير على الكونغرس والحكومة؛ التأثير على الاعلام ومراكز الدراسات واستغلال معاداة السامية؛ دور الولايات المتحدة التاريخي ك<<منقذ>> لإسرائيل؛ اسرائيل وعناصر استدرار العطف الدولي؛ الحرب على العراق؛ وسوريا وإيران.
حماية الضعيف؟
غالبا ما تصور اسرائيل على انها ضعيفة ومحاصرة من قبل أعدائها العرب. وفيما تماهت هذه الصورة في قادة اسرائيل والكتاب المتعاطفين معها، تبدو الصورة المعاكسة هي الاقرب الى الحقيقة. وبعكس الاعتقاد السائد، فإنه كان للصهاينة القوات الاكبر والمجهزة بشكل أفضل خلال حرب الاعوام 1947 و1949. وقد حققت اسرائيل نصراً سهلاً على مصر في العام 1956، وعلى مصر والاردن وسوريا معاً في العام 1967، أي حتى قبل أن يبدأ الدعم الاميركي الكبير يتدفق اليها. وتؤكد هذه الانتصارات على ان اسرائيل كانت بعيدة جدا عن كونها عاجزة، حتى في سنواتها الاولى.
وتمتلك اسرائيل اليوم، القدرة العسكرية الاقوى في الشرق الاوسط. وقواتها متفوقة بشكل كبير على قوات جيرانها، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك أسلحة نووية. كما ان الاردن ومصر وقعا اتفاقية سلام معها، والسعودية عرضت القيام بذلك، وسوريا فقدت حليفها السوفياتي، والعراق مزقته ثلاث حروب، وايران بعيدة عنها، والفلسطينيون بالكاد يملكون شرطة فعالة.
إضافة ديموقراطية حليفة؟
ويبرر الدعم الاميركي دوماً، بالقول ان اسرائيل ديموقراطية حليفة، تحاصرها ديكتاتوريات عدوة. وبرغم ان هذا التبرير قد يبدو مقنعاً، إلا انه لا يمكن أن يفسر مستوى الدعم الاميركي الحالي؛ فالديموقراطيات كثيرة حول العالم، لكن أياً منها لا يحصل على الدعم السخي الذي تحصل عليه اسرائيل. حتى ان الولايات المتحدة وقفت في وجه حكومات ديموقراطية في الماضي، ودعمت في المقابل ديكتاتوريات، ولا تزال تفعل ذلك حتى اليوم، لان كل ما يهمها فعلا هو مصالحها.
واسرائيل قامت على أساس أنها دولة يهودية، والمواطنية فيها تستند الى قرابة الدم. وبناء على ذلك، فإنه ليس من الغريب ان 1,3 مليون عربي يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.
ويضعف من الديموقراطية الاسرائيلية ايضا، رفضها منح الفلسطينيين دولة خاصة فيهم. واسرائيل تسيطر على حياة 3,8 ملايين فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، في وقت تستعمر أراض سكنها الفلسطينيون لفترة طويلة.
التعويض عن الجرائم السابقة
القضية الاخلاقية الثالثة التي تبرر الدعم الذي تحظى به اسرائيل، هي تاريخ اليهود الذين عانوا في الغرب المسيحي، وخاصة المحارق النازية (هولوكوست).
ولان اليهود اضطهدوا لعقود ولا يستطيعون العيش بأمان سوى في وطن يهودي، فإن البعض يؤمن بأن اسرائيل تستحق معاملة خاصة من قبل أميركا.
والتاريخ يؤكد انه عندما بدأ العمل السياسي الصهيوني الجدي في القرن التاسع عشر، لم يكن هناك سوى 15 الف يهودي في فلسطين. وحتى عندما ولدت اسرائيل، لم يكن اليهود يمثلون سوى 35 في المئة من سكان فلسطين ويملكون 7 في المئة من الارض.
لم تكن السياسة الصهيونية في يوم من الايام، راغبة في تأسيس دولة مشتركة أو القبول بتقسيم نهائي لفلسطين بين دولتين. ويقول ديفيد بن غوريون في أواخر الثلاثينيات <<بعد تشكيل جيش قوي كبير أثناء تأسيس الدولة، علينا أن نلغي التقسيم ونتوسع في كل فلسطين>>.
وللوصول الى هذا الهدف، كان لا بد للصهاينة من طرد عدد كبير من العرب من الاراضي التي ستصبح اسرائيلية. ويقول بن غوريون في الاطار <<من المستحيل القيام بعملية تهجير جماعية من دون إكراه، وإكراه وحشي>>.
وقد زعم المسؤولون الاسرائيليون طويلا، ان العرب هربوا من فلسطين لان قادتهم طلبوا منهم ذلك. والحقيقة ان معظم القادة العرب طلبوا من الفلسطينيين البقاء في أراضيهم، لكن الخوف من العنف والقتل على أيدي القوات الصهيونية دفع بمعظمهم الى الهرب. وبعد الحرب، منعت اسرائيل عودة المنفيين.
وقال بن غوريون لرئيس المجلس اليهودي العالمي ناحوم غولدمان <<لو كنت زعيماً عربياً لما أقمت علاقات مع إسرائيل، هذا أمر طبيعي؛ لقد أخذنا أرضهم>>.
ومنذ ذلك الحين، أنكر القادة الاسرائيليون على الدوام الطموحات الوطنية الفلسطينية. وقالت رئيسة الحكومة السابقة غولدا مائير <<لا يوجد شيء اسمه فلسطيني>>.
<<
إسرائيليون فاضلون>> و<<عرب أشرار>>
إضافة الى كل ذلك، تحاول اسرائيل إظهار نفسها على أنها تتوسل السلام عند أي منعطف، وانها تظهر انضباطاً كبيراً حتى عندما تستفز. وتحاول اسرائيل، في مقابل ذلك، أن تظهر العرب في صورة الاشرار، وهو ما يكرره دوماً القادة الاسرائيليون والاميركيون.
وقد قاوم الفلسطينيون انتهاكات الصهاينة، الذين كانوا يحاولون بناء دولتهم فوق الأراضي العربية. وتخلل هذا التأسيس بين عامي 1947 و1948، أعمال التطهير العرقي، والاعدامات، والمجازر، والاغتصابات. وكان سلوك إسرائيل اللاحق وحشياً دائماً، لا يقيم وزناً لأي رادع أخلاقي.
وبين عامي 1949 و1956، قتلت القوات الإسرائيلية ما بين 2700 و5000 متسلل عربي، غالبيتهم غير مسلحين. وقتل الجيش الإسرائيلي أيضاً مئات الاسرى المصريين في حربي 1956 و1967. وطردت إسرائيل في العام 1967 ما بين 100 ألف و260 ألف فلسطيني من الضفة الغربية التي كانت قد استولت عليها حديثاً، وأبعدت 80 ألف سوري من مرتفعات الجولان. وقد تورطت اسرائيل ايضا في مقتل 700 فلسطيني بريء في مخيم صبرة وشاتيلا بعد اجتياحها للبنان في العام 1982، وتوصلت لجنة تحقيق اسرائيلية الى ان وزير الدفاع في وقتها ارييل شارون <<مسؤول شخصياً>> عن هذه الوحشية.
وخلال الانتفاضة الأولى، وزع الجيش الإسرائيلي الهراوات على جنوده وشجعهم على تكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين. وقدر القسم السويدي في منظمة حماية الطفولة بأن ما بين 23 الف و29 الف طفل فلسطيني، يحتاجون الى الرعاية الطبية بسبب الجروح التي أصيبوا بها.
والرد على الانتفاضة الثانية كان أشد عنفاً. فقد أطلق الجيش الاسرائيلي مليون رصاصة في الأيام الأولى للانتفاضة.
وبرغم أن الفلسطينيين استخدموا الارهاب ضد المحتل الاسرائيلي، فإن هذا التصرف ليس مفاجئاً، لان الفلسطينيين يعتقدون انه ليس لديهم طريقة اخرى للحصول على تنازلات اسرائيلية.
في مقابل ذلك، يجب أن لا ننسى أن الصهاينة كانوا اعتمدوا على التفجيرات الإرهابية لإخراج البريطانيين من فلسطين، وهذا ما أعلنه رئيس الحكومة الاسبق اسحق شامير الذي قال <<لا الأخلاق اليهودية ولا العادات اليهودية يمكنها أن تمنع الإرهاب من أن يكون أداة في المعركة>>.
فيما يعتقد بعض الأميركيين بأن غزو العراق كان <<حرباً من أجل النفط>>، يرى آخرون أن حماية أمن إسرائيل في المنطقة شكل أهم الحوافز الكبرى للحرب. ويتضح هذا في قول العضو السابق في <<المجلس الاستشاري الاستخباري الرئاسي>>، والرئيس التنفيذي ل<<لجنة 11 أيلول>>، والمستشار الحالي لوزيرة الخارجية الاميركية كوندليسا رايس، فيليب زيليكو، أمام طلاب جامعة فيرجينيا في أيلول العام 2002، أن <<التهديد الحقيقي>> الآتي من العراق لم يكن موجهاً ضد الولايات المتحدة، بل كان <<تهديداً غير معلن>> ضد إسرائيل، إلا أن <<الحكومة الأميركية لا تريد أن ترتكز بقوة لهذه الفكرة لأنها غير شعبية>>.
الترويج للحرب
بدأت حملة ترويج اللوبي للحرب على العراق منذ أواخر التسعينيات، حين شرع المحافظون الجدد يناقشون مسألة تغيير النظام في العراق، من خلال إسقاط صدّام وتحويل العراق إلى ديموقراطية نشطة، وإطلاق عملية طويلة الأمد للتغيير في كل منطقة الشرق الأوسط. واشتهر في العام 1996 تقرير <<الانفصال التام>> الذي روج لمشروع <<الشرق الاوسط الكبير>>، مركزاً على إسقاط صدام كخطوة أولى.
وفي آب العام 2002، ألقى نائب الرئيس الاميركي، ديك تشيني، خطاباً محرضاً أمام قدامى المحاربين في الخارج، قال فيه <<إن إسرائيل تحث المسؤولين الأميركيين على ألا يؤخروا الضربة ضد عراق صدام حسين>>، وذلك بعيد إعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي، أرييل شارون، أن التنسيق الاستراتيجي بين إسرائيل وواشنطن بلغ <<أبعاداً غير مسبوقة>>، وأن الاستخبارات الإسرائيلية أعطت واشنطن عدداً من التقارير الإنذارية حول برامج العراق لأسلحة الدمار الشامل.
في هذا الوقت، كتب رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود باراك، في <<نيويورك تايمز>>، يحذر من أن <<الخطر الأعظم يكمن الآن في عدم التحرك>>، ونشر سلفه بنيامين نتنياهو مقالة مشابهة في <<وول ستريت جورنال>> حملت عنوان <<الحاجة إلى تقويض صدّام>>، قال فيها إنه <<يتحدث باسم الأكثرية العظمى من الإسرائيليين في دعم ضربة استباقية ضد نظام صدام>>.
نقلت <<هآرتس>> في شباط العام 2003 بأن <<القيادة السياسية والعسكرية (الاسرائيلية) تتوق للحرب في العراق>>. وبمعزل عن الكويت التي اجتاحها صدام في العام 1990، كانت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي رحب سياسيوها ومواطنوها على حد سواء بالحرب.
اللوبي والحرب
عملت عصبة صغيرة من المحافظين الجدد كقوة رئيسية محرضة على الحرب داخل الولايات المتحدة، والعديد من هؤلاء كانوا على صلة بالليكود. وسعى المحافظون الجدد لتقويض نظام صدّام حتى قبل أن يصبح بوش رئيساً. ووجه عدد منهم مثل إليوت أبرامز، جون بولتون، دوغلاس فايث، ويليام كريستول، برنارد لويس، دونالد رامسفيلد، ريتشارد بيرل وبول وولفويتز، رسالتين مفتوحتين إلى كلينتون، في العام 1998، يدعونه فيهما إلى عزل صدّام عن السلطة. لكن هؤلاء كانوا بحاجة لمساعدة ما تدفع بأهدافهم قدماً.
وصلت هذه المساعدة مع أحداث <<11 أيلول>>، التي جعلت بوش وتشيني تحديداً يعيدان ترتيب أولوياتهما، بحيث أصبحا مناصرين قويين للحرب الاستباقية. وفي اجتماع مع بوش في كامب دايفيد في 15 أيلول العام 2001، دافع وولفويتز عن ضرورة مهاجمة العراق قبل أفغانستان. وفي 21 تشرين الأول من العام ذاته، أمر بوش جهاز التخطيط العسكري بتطوير خطط منيعة للغزو.
وقد لعب مفكرون كبرنارد لويس من برينستون، وفؤاد عجمي من جامعة <<جونز هوبكنز>>، أدواراً مهمة في إقناع تشيني بأن الحرب هي الخيار الأفضل، بالاضافة إلى محافظين جدد من فريق موظفي تشيني كإريك إدلمان، جون هاناه، سكوتر ليبي. وفي مطلع العام 2002 أقنع تشيني بوش بالحرب، وبوجود بوش وتشيني في الفريق نفسه، أضحت الحرب مسألة محتومة.
وفي 20 أيلول من العام ذاته، نشرت مجموعة من رموز المحافظين الجدد وحلفائهم رسالة مفتوحة أخرى تقول <<حتى إذا كان الدليل لا يربط العراق مباشرة بالهجمات، فإن أية استراتيجية تهدف إلى استئصال الإرهاب ورعاته يجب أن تتضمّن جهوداً حثيثة لإزاحة صدام حسين عن السلطة في العراق>>. وذكّرت الرسالة بوش أيضاً بأن <<إسرائيل كانت وستبقى حليف أميركا الأشد وفاء ضد الإرهاب الدولي>>.
ووصل اللوبي لحد التغلغل في الداخل العراقي، حيث دعم المحافظون الجدد <<المنفي العراقي عديم الضمير>> الذي يرأس المؤتمر الوطني العراقي، أحمد الجلبي، قبل حرب العراق. وذلك لأنه أنشأ روابط قوية مع مجموعات يهودية أميركية، وتعّهد بأن يرعى علاقات جيدة بإسرائيل حال وصوله للسلطة.
التلاعب بالمعلومات
لقد احتل التلاعب بالمعلومات الاستخبارية بطريقة تظهر صدّام بأنه يشكّل تهديداً وشيكاً، جزءاً مهماً من الحملة المروجة للغزو. وأخذ سكوتر ليبي يضغط على محلّلي ال<<سي أي أيه>> لإيجاد حجة تدعم قرار الحرب. وساعد كولن باول في إعداد تقريره الملفّق الذي قدّمه في مجلس الأمن. وكان <<فريق تقييم سياسة مكافحة الإرهاب>> في الكونغرس قد اتُّهم بأنه أوجد روابط بين القاعدة والعراق لا يملكها جهاز الاستخبارات. وأوكل للمحافظين الجديدين دايفيد وورمسر، واللبناني الاميركي مايكل معلوف، القريب من ريتشارد بيرل، مهمة الكشف عن الأدلة التي قد تستخدم لتبرير الحرب على العراق في ما يعرف ب<<مكتب الخطط الخاصة>> في الكونغرس، والذي ترأسه المحافظ الجديد وصاحب الروابط الوثيقة بوولفويتز، أبرام شولسكي. وكانت التقارير ترسل مباشرة إلى دوغلاس فايث، المحافظ الجديد الملتزم بقوة بإسرائيل، ككل المحافظين الجدد، والذي يحظى بروابط قديمة بالليكود.
ويعرف فايث مع بيرل وورمسر، بإصدارهم التقرير الشهير <<انفصال تام>>، الذي أوصى نتنياهو <<بالتركيز على إزاحة صدام حسين من السلطة في العراق ك<<هدف إسرائيلي استراتيجي مهم يصب في مصلحتها>>، وأخذ الخطوات اللازمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وولفويتز ملتزم بالمستوى ذاته بإسرائيل، وهو الذي وصفته <<جيروزاليم بوست>> ب<<الموالي المخلص لإسرائيل>>، وصنفته <<رجل العام>> 2003.
إطلاق <<النار>> على سوريا
فور سقوط بغداد في نيسان 2003، بدأ رئيس الحكومة ارييل شارون وضباطه، يحثون واشنطن على استهداف دمشق. ودعا شارون في مقابلة لصحيفة <<يديعوت أحرونوت>> في 16 نيسان، واشنطن، الى ممارسة ضغوط <<عميقة>> على سوريا. وقد اكدت صحيفة <<واشنطن بوست>>، أن إسرائيل كانت <<تؤجج الحملة>> ضد دمشق عبر تغذية الاستخبارات الاميركية بتقارير حول اعمال الرئيس السوري بشار الأسد.
وفي موازاة ذلك، قدم اعضاء بارزون في اللوبي الحجج ذاتها. وقال بول وولفوفيتز، الرئيس الحالي للبنك الدولي، <<يجب أن يكون هناك تغيير للنظام في سوريا>>. كما اعتبر الرئيس السابق لهيئة استشارية ملحقة بالبنتاغون ريتشارد بيرل، انه يمكن نقل <<رسالة الى الانظمة المعادية الاخرى في الشرق الاوسط: انتم التالون>>.
سياسيا، اعاد عضو الكونغرس، إليوت إنغيل، طرح قانون محاسبة سوريا، الذي يدعو الى استعادة سيادة لبنان، كما يدعو سوريا ولبنان إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بالتوصل إلى السلام مع إسرائيل. وتم تبني القانون من قبل اللوبي، محاطا بحسب <<وكالة التلغراف اليهودية>>، ب<<اطار من الاهمية من قبل بعض أفضل أصدقاء إسرائيل في الكونغرس>>. وبرغم ان الادراة الاميركية لم تكن متحمسة جدا للقانون، إلا انه مر بأغلبية في مجلسي النواب والكونغرس.
وبرغم ان المحافظين الجدد كانوا راغبين في افتعال قتال مع سوريا، عارضت وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية الفكرة. ويعود حذر الادارة الاميركية تجاه استهداف سوريا، الى الخوف من تعريض الاتصالات الاستخباراتية القيمة بين البلدين للخطر. كما ان التصرف بقسوة مع دمشق، سيجعل الولايات المتحدة تبدو في صورة الراغب دوما في ضرب الدول العربية. اضافة الى ذلك، فإن وضع سوريا على لائحة الاستهداف الاميركية، قد يعطيها الدافع القوي للتسبب بالمشاكل في العراق.
وبرغم كل ذلك، أصر الكونغرس على تهديد دمشق باستخدام القوة استجابة لضغوط المسؤولين الإسرائيليين. وإذا لم يكن من وجود للوبي، فربما لم يكن قانون محاسبة سوريا موجودا، ولكانت سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا تتماشى مع المصالح الوطنية الاميركية.
تسليط الأضواء على إيران
ينظر الاسرائيليون الى ايران، على أنها العدو الاخطر، لانها تبدو متجهة نحو امتلاك أسلحة نووية. وترى اسرائيل في امتلاك دولة إسلامية شرق اوسطية للأسلحة النووية، تهديدا لوجودها. وقد اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بنيامين بن اليعازر قبل شهر من الحرب على العراق، ان <<العراق مشكلة.. لكن إيران هي اليوم أخطر من العراق>>.
وفي تشرين الاول العام 2002، وصف شارون لصحيفة <<التايمز>> إيران، بأنها <<مركز الإرهاب العالمي>>، معتبرا انه يتوجب على الادارة الاميركية استخدام القوة العسكرية ضد طهران في <<اليوم التالي>> لاجتياح العراق.
ولم يضيع المحافظون الجدد بدورهم الوقت. وفي السادس من ايار العام 2003، شارك <<معهد اميركان انتربرايز>> في رعاية مؤتمر عقد على مدار يوم كامل حول إيران، بالتعاون مع مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية ومعهد <<هادسون>>، المواليين لإسرائيل، حيث دعا العديد من المتحدثين إلى استبدال حكومة طهران بحكومة ديموقراطية.
اعلاميا، كثف المحافظون الجدد من جهودهم لوضع القضية الايرانية في صلب المناقشات. وقال ويليام كريستول في صحيفة <<ويكلي ستاندر>>، إن <<تحرير العراق كان المعركة الكبرى الاولى من أجل مستقبل الشرق الأوسط.. لكن المعركة الكبرى المقبلة، ستكون من أجل إيران>>.
واستجابت الإدارة الاميركية لضغوط اللوبي. وبعدما جوبهت مساعي الادارة بتصميم ايراني على إنشاء ترسانة نووية، فقد كثف اللوبي من ضغوطه. ونشرت المقالات التي تحذر من الاخطار المتأتية من إيران نووية، ومن أي استرضاء للنظام <<الإرهابي>>، مشيرة بشكل خفي إلى ضرورة العمل العسكري الوقائي في حال فشلت الدبلوماسية، وسط تهديد من المسؤولين الإسرائيليين بعمل استباقي، في حال تابعت إيران سلوك الطريق النووية.
وقد يقول البعض ان إسرائيل واللوبي ليس لديهما تأثير كبير في السياسة الاميركية تجاه إيران، لأن الولايات المتحدة لديها أسبابها الخاصة لمنع إيران من أن تتحول الى دولة نووية. وتبدو هذه الحجة قريبة من الحقيقة، لكن طموحات إيران النووية لا تشكل خطرا وجوديا على الولايات المتحدة. وإذا استطاعت أميركا أن تتعايش مع اتحاد سوفياتي نووي، وصين نووية أو حتى مع كوريا شمالية نووية، فإن بإمكانها التعايش مع إيران نووية.
ان حملة اللوبي لتغيير الانظمة في إيران وسوريا، قد تقود الولايات المتحدة نحو مهاجمة الدولتين، مع ما يترتب عن ذلك من آثار كارثية. وعدوانية اللوبي تجاه دمشق وطهران، تجعل من المستحيل بالنسبة لواشنطن ضمهما إلى حربها على تنظيم القاعدة والتمرد في العراق، حيث ان مساعدتهما مهمة جدا. ولولا وجود اللوبي، لكان يمكن لإيران وأميركا أن تكونا حليفتين، ولكانت سياسة واشنطن أكثر اعتدالا، ولم تكن الحرب الوقائية خيارا.
-------------
*
أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، بالاشتراك مع أستاذ الادارة في جامعة هارفرد ستيفان والت



المصدر :دهشة الموسوعة العربية 

اقرأ المزيد