241189572571696

الخميس، 30 ديسمبر، 2010

تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنةالأمريكية


 عمرو عبد العاطي *

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جدلا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية والغربية، بل والعربية أيضا، حول مستقبل القوة الأمريكية ودورها في نظام ما بعد الحرب الباردة، الذي بدأ في التشكل، مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم. يتركز هذا الجدل حول جملة التحديات التي تواجه أسس ومقومات القوة الأمريكية من جهة، والتحولات والتغيرات في موازين القوي علي الصعيد الدولي من جهة أخري.

وقد تمحور هذا الجدل حول جملة تساؤلات من قبيل :

هل ينزع النظام الدولي إلي التعددية القطبية أم يعود إلي الثنائية (هذه المرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين)?، أم هل سيصير إلي حالة من 'اللاقطبية' تتساوي فيها نفوذ الدول الكبري مع المؤسسات الدولية والدول الإقليمية?، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذا التغير الجوهري في بنية النظام الدولي الذي تتربع علي قمته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي?، هل ستظل الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا في هذا النظام أم سيتراجع دورها?، وهل يمكنها المحافظة علي انفرادها بقيادته وإعاقة تقدم القوي الأخري?. وقد زادت حدة هذا النقاش ما تزايد التأزم في السياسة الأمريكية دوليا خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس الأمريكي الأسبق 'جورج دبليو بوش'، وعقب تفاقم حدة الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي، ومن ورائه العالمي في منتصف عام 2008 .

ومع اختلاف الرؤي حول شكل النظام الدولي الذي هو في طور التشكل، فإن هناك اتفاقا علي أن الصين تعد المنافس القوي والمحتمل للولايات المتحدة الأمريكية علي الصعيد الدولي. فيتوقع تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي، المعنون ب- 'الاتجاهات العالمية لعام 2025: تحول العالم'، أن تكون الصين أكبر دول العالم اقتصادا، وأنها ستكون قوة عسكرية رائدة، في ظل سعيها واستعدادها لمزيد من التأثير في السياسة الدولية علي مدي العشرين سنة القادمة من أي بلد آخر(1).

الصين تتحدي الهيمنة الأمريكية :

يرجع كثير من المحللين صعود الصين كقطب دولي وتحديه للمكانة والهيمنة الأمريكية إلي النمو الاقتصادي الصيني، وتراجع نظيره الأمريكي، في ضوء الأزمات المتعددة التي سيظل النظام المالي الأمريكي يعانيها خلال العقود القادمة. فعلي سبيل المثال، أوضح مكتب الميزانية التابع للكونجرس الأمريكي Congressional Budget Office

أن الدين الأمريكي خلال العقد القادم سيصل إلي 90% من الناتج المحلي الإجمالي(GDP) للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تقديرات يراها البعض متفائلة في ظل توقعات انخفاض معدل النمو الأمريكي. كما توقعت ورقة لصندوق النقد الدولي أن يتساوي الدين الأمريكي مع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بحلول عام 2015، مما يشابه النسبة التقديرية لمديونية إيطاليا واليونان حاليا.

ونتيجة للسياسات التي اتبعتها إدارتا الرئيس السابق جورج بوش (الابن)، ارتفع نصيب الفرد من الدين العام بنسبة 50%، أي من 13 ألفا إلي 19 ألفا خلال تلك الفترة. ووصل العجز للسنة المالية 2009 إلي 1.6 تريليون دولار بنسبة 9%، ويتوقع مكتب ميزانية الكونجرس أن يزيد بمعدل تريليون دولار في العام حتي عام 2020(2). يصب كل ذلك - حسب عديد من الباحثين - في مصلحة الصين من جهة تفوقها اقتصاديا علي الولايات المتحدة وتصاعد دورها العالمي.

ويقلل جوزيف ناي من قدرة الصين علي تحدي الولايات المتحدة، فيري أن الطريق لا يزال أمامها طويلا حتي تنافس قوة الولايات المتحدة، نظرا للتحديات التي تواجهها علي صعيد التنمية، ومشكلات تدهور المناطق الريفية، والمشكلات الديموجرافية.

وبافتراض أن معدل نمو الناتج المحلي الصيني سوف يصل إلي نسبة 6%، ومعدل النمو الأمريكي لن يتعدي 2% بعد 2030، فإن ناي يري أن نصيب دخل الفرد في الصين أقل من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخري، فإن الصين قد تصل إلي نفس حجم الاقتصاد الأمريكي في غضون بضع سنوات، ولكن مردود هذا النمو والتطور الاقتصادي لن يكون متساويا بين البلدين.

ويضيف أن الصين لم تحل مشكلة المشاركة السياسية التي تصاحب ارتفاع مستوي دخل الفرد. ويتساءل عما إذا كانت الصين لديها صيغة تدير بها التوسع في الطبقة الوسطي الحضرية، وعدم المساواة الإقليمية، والفقر في المناطق الحضرية، والاستياء بين الأقليات العرقية أم لا.

ويرد ناي علي من يري أن الصين تطمح في تحدي الولايات في منطقة شرق آسيا، ثم عالميا، بأنه من المشكوك فيه - حتي في حال توافر الرغبة الصينية - أن تكتسب الصين القدرة العسكرية علي تحقيق هذا الهدف في المدي المنظور. كما أن الصين لا ترغب في إثارة غضب جيرانها واستعداء دول خارجية، في ظل خوفها من غلق أسواقها أمام منتجاتها وحرمانها من مواردها. بالإضافة إلي أن أي تصرف صيني عسكري سيدفع جيرانها إلي تشكيل تحالفات، من شأنها إضعاف قوة بكين الصلدة والناعمة.

ويضيف ناي أن هناك معارضة من دول آسيوية، كالهند واليابان، لدور صيني فاعل في القارة الآسيوية، مما يصب في المصلحة الأمريكية في ظل التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليابان، وتحسن العلاقات الأمريكية - الهندية. ومن الموقف القوي الذي تشكله جبهة الولايات المتحدة والهند واليابان، يمكن إشراك الصين في القضايا الدولية، وتقديم الحوافز لها للعب دور مسئول، مع الاستعداد والتحوط من أي سلوك عدواني للصين كقوة صاعدة (3).

والجدير بالذكر أن الصين تعمل حاليا علي بناء أسطول بحري حديث من المدمرات والغواصات، فضلا عن إعادة صياغة العقيدة العسكرية لتفعيل قدرتها علي التحرك في جنوب وشرق الصين، بالإضافة إلي مد نفوذها في البحار والمحيطات. ويقول تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الصين ستصبح أكثر الدول قدرة علي منافسة الولايات المتحدة عسكريا علي الصعيد الدولي(4).

مستقبل الدور والقيادة الأمريكية :

تتفق معظم الكتابات الأمريكية علي أن الولايات المتحدة ستظل القوة الفاعلة في النظام الدولي الذي لا يزال في طور التشكل، إلا أن اختلال موازين القوي بين الولايات المتحدة والقوي الصاعدة سيضيق. كما تتفق علي قدرة الولايات المتحدة علي الخروج من أزماتها، واستغلالها كفرصة لتعزز نفوذها الدولي(5).

ويرفض معظم الباحثين المقارنة بين ما تمر به الولايات المتحدة حاليا، والظروف التي سبقت انهيار الإمبراطورية البريطانية، نظرا لأن الولايات المتحدة تملك من مصادر القوة ما افتقدته بريطانيا في حينه. كما أنها تختلف عن بريطانيا في أنها غير محاطة جغرافيا بدول تهددها، مثلما كانت تهدد ألمانيا وروسيا بريطانيا.

ويري الفريق الدافع بقدرة الاقتصاد الأمريكي علي تجاوز التأزم الاقتصادي الحالي أن الأزمة لا ترتبط بخلل أو قصور في المنظومة الاقتصادية الأمريكية، ولكنها ترجع إلي سياسات يمكن إصلاحها بصورة سريعة وسهلة. وفي حال تعافي الولايات المتحدة من أزماتها الاقتصادية، فإنها ستضمن دورا فاعلا علي المستوي العالمي، خاصة في ظل عدم تمتع النموذجين الصيني والروسي بالجاذبية لدي الدول الأخري. وقد صاغت الإدارة الأمريكية بالفعل مجموعة من السياسات التي تساعد علي النهوض بالاقتصاد، منها: تشجيع زيادة المدخرات، وزيادة الدورات التدريبية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وتطوير أساليب جيدة في استغلال الطاقة(6).

وفي عصر تكنولوجيا المعلومات، فإن قوة الدولة تكمن في ما تمتلكه من معرفة في مجال التكنولوجيا والبرمجة، والاختراعات، والتي تتفوق فيها واشنطن علي مثيلاتها من الدول الأخري. والولايات المتحدة هي مهد الصناعات النانوتكنولوجية (الصناعات التكنولوجية الدقيقة) والبيولوجية، وتحقق أرباحا طائلة منها. فقد حققت عائدات من الصناعات التقنية الحيوية بأكثر من 50 مليار دولار، وهو خمسة أضعاف ما حققته أوروبا. كما تحقق ما نسبته 76% من العائدات العالمية في مجال التقنية الحيوية، فضلا عن حفاظها علي مكانتها المتقدمة في مجالات العلم والثقافة والمعلومات.

ويؤكد زكريا أن الولايات المتحدة ستحتفظ بحيويتها لارتفاع نسبة الشباب فيها - وهي الشريحة الاجتماعية التي يعول عليها في تقدم الدول - وذلك نظرا للهجرة المتوافدة عليها من باقي دول العالم. تستمد الولايات المتحدة قدرتها علي جذب المهاجرين من أنها بلد الديمقراطية والحرية، ولنجاحها في دمج وصهر المهاجرين في بوتقة الثقافة والتاريخ الأمريكي. وقد ظهرت تجليات ذلك في منافسة أمريكي من أصل إفريقي لأمريكي أبيض علي منصب الرئاسة، بل ووصوله إلي البيت الأبيض كأول سابقة في التاريخ السياسي الأمريكي(7).

كما تتميز الولايات المتحدة بارتفاع نسبة الاستثمار الأمريكي في عمليات البحث والتطوير. ففي عام 2007، كانت الولايات المتحدة رائدة في الإنفاق علي البحث العلمي بما يقدر ب- 396 مليون دولار، تليها آسيا ب- 388 مليون دولار، ثم الاتحاد الأوروبي ب- 263 مليون دولار. وتنفق الولايات المتحدة 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي علي البحث والتطوير، أي نحو ضعف ما تنفقه الصين، ناهيك عن تزايد تسجيل براءات الاختراع التي وصلت إلي 80 ألف براءة اختراع في عام 2007، وهو ما يفوق دول العالم مجتمعة(8).

وتتفوق الولايات المتحدة علي باقي الدول في الإنفاق علي التعليم العالي الذي يعد نجاحا اقتصاديا للولايات المتحدة في عصر ثورة المعلومات، فهي تنفق علي التعليم ضعف إنفاق فرنسا وألمانيا واليابان. وفي تقييم Times Higher Education

لعام 2009، جاءت ست جامعات أمريكية ضمن أفضل عشر جامعات في العالم. وفي دراسة Shanghai Jiao Tong University

لعام 2010 جاءت سبع عشرة جامعة أمريكية ضمن أفضل عشرين جامعة، بالإضافة إلي حصول مواطني الولايات المتحدة علي أكبر عدد من جوائز نوبل. كما أن معدل النشر العلمي أعلي من أي دولة أخري، وهو ما يعزز القوة الصلدة والناعمة للولايات المتحدة الأمريكية(9).

كيفية الحفاظ علي المكانة الدولية :

تنشغل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية بتساؤل رئيسي يتعلق بكيفية حفاظ الولايات المتحدة علي دورها كقائدة للنظام الدولي، في ظل صعود قوي جديدة تهدد هذه المكانة، وترغب في أن تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية دوليا، لاسيما بعد تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس بوش الابن.

وقد جاءت استراتيجية الأمن القومي(10) التي أعلنتها إدارة باراك أوباما في السابع والعشرين من مايو 2010، بعد ما يقرب من ستة عشر شهرا لها في البيت الأبيض، لتعكس رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لمواجهة تراجع النفوذ الأمريكي عالميا. كما عكست مقالات عديد من المسئولين الأمريكيين بدورية الشئون الخارجية (Foreign Affairs) ذائعة الصيت هذه الرؤية أيضا، ومنهم وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس(11)، ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون(12). وقد عكست هذه المقالات الرؤية الأمريكية لكيفية التعامل مع النظام الدولي 'كما هو'، وليس من زاوية 'يجب أن يكون عليه'.

تهدف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلي تدعيم القدرة الأمريكية علي لعب دور قيادي في النظام العالمي، لتحقيق مصالحها في القرن الحادي والعشرين، وذلك علي مسارين، يتمثل أولهما في بناء قوتها الداخلية. أما ثانيهما، فيتمثل في العمل علي صوغ نظام دولي يمكن من مواجهة التحديات الدولية. ينطلق ذلك من قناعة عبر عنها 'أوباما' في أكثر من محفل دولي، والتي أكدها في تقديمه للوثيقة، ومفادها: 'أنه ليست هناك دولة واحدة، بغض النظر عن قوتها، تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها'، وهو الأمر الذي يفرض إعادة صياغة المقاربات التعاونية أو التشاركية القادرة علي تحقيق نجاحات دولية.

ومن جانبها، تؤكد وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، ضرورة تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية الشراكة مع الحلفاء، وتوسيع تلك الشراكات وتعمقيها، فضلا عن البحث عن شركاء جدد. وهو ما أكدته وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة في أكثر من موضع. وتتفق مقالة 'هيلاري' الأخيرة في مجلة 'الشئون الخارجية' ووثيقة الأمن القومي الأمريكي في ضرورة تركيز الولايات المتحدة علي التعاون مع المؤسسات الدولية القائمة، مثل مجموعة العشرين، ومنظمة الأمم المتحدة، بعد فترة من تراجع التعاون الأمريكي خلال فترتي بوش الابن، وكذلك مع عديد من المؤسسات الإقليمية، كمؤسسة رابطة دول جنوب شرق آسيا، ومنظمة الدول الأمريكية. ولتفعيل تلك المؤسسات الدولية، دعا العديد من الباحثين إلي أن تكون أكثر فاعلية في تمثيلها للعالم في القرن الحادي والعشرين، بأن يكون هناك تمثيل وصوت ومسئوليات أكبر للقوي الناشئة والصاعدة علي المسرح الدولي(13).

ويصاحب ذلك إحداث تحول في الدبلوماسية الأمريكية، بحيث تكون هي عمود السياسة الخارجية الأمريكية. ولا يكون التركيز فقط علي العمل الدبلوماسي المحض، ولكن لابد أن يكون للدبلوماسية الأمريكية دور تنموي إنساني من خلال الوكالات الأمريكية التنموية والتابعة لوزارة الخارجية الأمريكية(14)، مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي تعمل جنبا إلي جنب مع العمل العسكري الأمريكي، وهو أيضا ما أكده وزير الدفاع الأمريكي في مقالته بدورية الشئون الخارجية. ومن جانبها، تؤكد هيلاري استمرار العلاقة والشراكة بين الدبلوماسيين والمدنيين الموكل إليهم العمل التنموي والإنساني وشركائهم في الجيش، لاسيما في مناطق الصراع والدول الهشة.

ويرتبط نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في الحفاظ علي مكانتها ودورها عالميا في مدي قدرتها علي إحداث التوازن بين القوتين الصلدة والناعمة في استراتيجية واحدة ناجحة، أضحي يطلق عليها القوة الذكية (Smart Power)(15)، بحيث ترسم أفضل استراتيجية تستطيع من خلالها التعامل مع مظاهر تراجع فاعلية وتأثير الولايات عالميا، في ظل تعدد مراكز القوي وتعدد مصادر القوة. فلم تعد القوة في حد ذاتها محددا للقوة دوليا، وإنما كيفية إدماجها في استراتيجية ناجحة في تحقيق الهدف من امتلاكها واستخدامها، وبناء أسس قوية للقيادة الأمريكية دوليا تبدأ من الداخل الأمريكي. فأعظم المخاطر التي تهدد القوة الأمريكية تبدأ من الداخل وتنتهي في الداخل، لأن ما يحدث داخل حدودها يحدد قوتها ونفوذها خارج حدودها، لاسيما في عالم يتزايد ترابطا وتشابكا. وتربط الإستراتيجية بين استعادة قوة ومكانة الولايات المتحدة وقدرتها التنافسية وقدوتها الأخلاقية.

وتركز أولي خطوات واشنطن لاستعادة قوتها ومكانتها - حسبما ذهبت وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة - علي دفع الاقتصاد الأمريكي الذي مر بأزمة اقتصادية عاصفة لم يشهدها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم، فالاقتصاد الأمريكي بالنسبة للاستراتيجية هو منبع القوة الأمريكية. ولذا، فقد ركزت الاستراتيجية علي ضرورة تحقيق انتعاش اقتصادي واسع، وخفض العجز المالي، وخلق وظائف جديدة، وتخفيض تكاليف الرعاية الصحية للمواطنين الأمريكيين، وإعادة تشييد بنية تحتية جديدة أكثر أمنا وقادرة علي مواجهة التحديات الأمنية والكوارث الطبيعية.

كما أكدت الوثيقة ضرورة استعادة الولايات المتحدة قوتها علي الصعيد العلمي، وزيادة قدرة الأمريكيين علي المنافسة علي المدي الطويل. فقد كتب أوباما في مقدمته للاستراتيجية: 'يجب أن نعلم أبنائنا التنافس في عالم تكون فيه المعرفة هي رأس المال'. وانطلاقا من هذا، فقد ركزت علي أهمية رفع قدرات البحث العلمي وزيادة الاكتشافات العلمية، وتحقيق اختراقات علمية غير متوقعة. فيقول أوباما 'يجب أن ننظر إلي الابتكارات الأمريكية كأساس لقوة الولايات المتحدة'. ويضاف إلي ذلك العمل علي تطوير مصادر الطاقة النظيفة لتحل محل الوقود الأحفوري الذي تدار به المصانع الأمريكية، والذي يقود إلي فك الارتباط الأمريكي بالنفط الخارجي، وهو ما تبناه أوباما في برنامجه الانتخابي خلال عام 2008 .

من ناحية أخري، تذهب الاستراتيجية إلي ضرورة العمل علي إعادة الاعتبار لمجموعة القيم والمبادئ الأمريكية التي بنيت عليها السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والتي تتمثل في تعزيز الحقوق الأساسية، وحكم القانون، ودعم التنمية، ومواجهة الفقر والفساد، ودفع عملية السلام بين الأمم والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهي قيم لا يمكن فرضها بالقوة، 'فالقيادة الأمريكية لن تتأتي من خلال زرع الخوف في قلوب الآخرين، ولكن من خلال مخاطبة آمالهم'. والطريقة المثلي لذلك، كما تذهب الاستراتيجية، تتمثل في قوة شرف واستقامة الشعب الأمريكي، وذلك مرتبط بالقوات المسلحة، والدبلوماسية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والمواطنين الأمريكيين العاديين، فكل منهم يلعب دورا في تحقيق أمن الولايات المتحدة ومخاطبة شعوب العالم(16).

خاتمة :

لم يتبلور النظام الدولي الجديد بعد، فهو نظام 'أحادي القطبية' علي صعيد القوة العسكرية، حيث يشير الإنفاق العسكري الأمريكي، مقارنة بالقوي الدولية الصاعدة، إلي أن الولايات المتحدة ستظل القوة العسكرية لردح طويل من الزمن. ولكن هذا النظام سيكون 'متعدد الأقطاب' علي الصعيد الاقتصادي، حيث تتعدد مراكز القوي الاقتصادية، وفي الوقت ذاته 'عديم الأقطاب'، حسب رؤية رئيس 'مجلس العلاقات الخارجية' الأمريكي ريتشارد هاس(17). فيشهد النظام الدولي الجديد صعود قوي إقليمية لا تقل أهمية ودورا عن القوي الدولية الصاعدة، وفاعلين ما دون الدولة(Non-State Actor) من شركات متعددة الجنسيات والجماعات والميليشيات المسلحة، والتي سيتزايد دورها، وهو ما يشكل تجسيدا لعالم العلاقات الدولية العابر للحدود، والواقع خارج سيطرة حكومات الدول القومية.

وسيرتبط مستقبل مكانة الولايات المتحدة ودورها الفاعل عالميا بمدي قدرتها علي التعامل مع مستجدات هذا النظام العالمي الجديد الذي يشهد صعود قوي جديدة، وجماعات، ومنظمات تملك من القوة ما يجعلها ذات قوة وتأثير يفوق بعض الدول القومية. فعلي الرغم من كونها القوة العسكرية الكبري في العالم، فإننا نجدها اليوم تتعثر بشدة في حروبها التوسعية، ونجد اقتصادها يضعف أكثر فأكثر بسبب المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من قبل اقتصادات القوي الصاعدة، الأخري. وفي حال تكيف الولايات المتحدة مع تلك التحولات، وتعاونها بشكل أفضل مع القوي الصاعدة فإننا سنشهد انتقالا سلسا وسلميا إلي نظام تعددي جديد من دون كوارث وحروب، تكون الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا فيه بجانب بعض القوي الأخري.

الهوامش :

1- Global Trends 2025: Transformed World
، National Intelligence Council، November 2008.

2- Roger C. Altman and Richard N. Haass
، American Profligacy and American Power، Foreign Affairs، Nov/Dec2010، Vol. 89، Issue 6.

3- Joseph S. Nye
، The Future of American Power، Foreign Affairs، Nov./Dec. 2010، vol. 89، Issue 6.

4- Robert D. Kaplan
، Center Stage for the 21st Century، Foreign Affairs، March/April 2009، Volume 88، Number 2.

5- Global Trends 2025: Transformed World
، op.cit.

6- Robert A. Pape
، Empire Falls، National Interest، January 22، 2009.

7- Fareed Zakaria
، The Future of American Power: How America Can Survive the Rise of the Rest، Foreign Affairs، May/June 2008، vol. 87، No. 3.

8- Joseph S. Nye
، The Future of American Power، op.cit.

9- Ibid.

10-
يمكن الرجوع إلي نص استراتيجية إدارة أوباما للأمن القومي الأمريكي لعام 2010 علي الرابط التالي:

http://www.whitehouse.gov/sites/default/files/rss_viewer/national_security_strategy.pdf

11 - Robert M. Gates
، Helping Others Defend Themselves، Foreign Affairs، May/June 2010، Vol. 89، Nor .3

12 - Hillary Rodham Clinton
، Leading Through Civilian Power، Foreign Affairs، Nov/Dec2010، Vol. 89، Issue .6

13 - Stephen G.Brooks and William C. Wohlforth
، Reshaping the World Order، Foreign Affairs، March/April 2009، Volume 88، Number .2

14-
وقد كان هذا الدور هو محور مقالة وزيرة الخارجية الأمريكية بمجلة الشئون الخارجية، والتي فصلت فيه عن الدور التنموي والإنساني الذي تقوم به السفارات الأمريكية، لاسيما في مناطق النزاعات الدولي، والدول الهشة.

- Hillary Rodham Clinton
، Leading Through Civilian Power، Op.Cit.

15-
عمرو عبد العاطي، آمال معقودة علي الديمقراطيين لانتقال أميركا من العسكرة إلي القوة الذكية، صحيفة الحياة، 13 نوفمبر 2008 .

16 -
لمزيد من المعلومات، يمكن الرجوع إلي:

-
عمرو عبد العاطي، الأمن القومي الأمريكي..لا تغيير كبيرا في الاستراتيجية، مجلة آفاق المستقبل، العدد (8)، ص 100 - 103 .

-
الثابت والمتغير في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، صحيفة الحياة، 23 يوليو 2010 .

17- Richard N. Haass
، The Age of Nonpolarity: What Will Follow US Dominance? Foreign Affairs، May/June 2008، Vol. 87، No. 3.

------------------
*
باحث في الشئون الأمريكية، محرر تقرير واشنطن.


المصدر مجلة السياسة الدولية متوفر على الرابط التالي :

اقرأ المزيد

الأربعاء، 29 ديسمبر، 2010

طفرة التمايزات الثقافية الأسباب والنتائج - نيفين مسعد.


الدكتورة: نيفين مسعد

إن نظرة على خريطة العالم في القرن العشرين لتدلل على أن التعدد الثقافي قد أضحى يمثل السمة المميزة لغالبية دول العالم على اختلاف مستوياتها الاقتصادية فلقد كشفت إحدى الدراسات التي أجريت في مطلع السبعينيات عن أنه من بين 132 دولة مستقلة في العالم لا توجد سوى 12 دولة تتمتع بالتجانس الثقافي بينما تتراوح درجة التعدد الثقافي بين 10 50% فيما تبقى من دول[1] وذلك تبعا لمعايير التمايز ومقوماته ونسب الجماعات إلى بعضها وبدرجة تماسك كل منها[2].
هذا وتتنوع أنماط وأشكال التفاعلات المحتملة بين مختلف الجماعات وبعضها البعض تبعا لمجموعتين من العوامل أحداهما تنصرف إلى الأقلية ذاتها وما تتمتع به من خصائص معينة من قبيل الحجم المناسب وتجانس الأعضاء والفعالية التنظيمية والإمكانيات المالية اللازمة والتركز في العاصمة والمدن الكبرى هذا عدا القيادة التي تحدد درجة تشددها أو تسامحها"أو حتى استعدادها للتحول الدائم أو المؤقت بانتمائها" وقدرتها على توظيف العناصر السابقة لمصلحة جماعتها[3] أما الأخرى فإنها تنصرف إلى الجماعة الحاكمة ذاتها وما يشوب علاقتها بالأقلية من عناصر التحامل والتمييز والاضطهاد والصراع وجودا وعدما حيث يمكن القول إنه في ظل النظم الإقطاعية والملكية المطلقة وفي ظل الأزمات والأوقات العصيبة تكون الجماعة الحاكمة أكثر استعدادا لإساءة معاملة الأقلية إذا كانت تنافسها على التحكم في القيم النادرة أو تتمايز عنها بشكل حاد في أي من العناصر الثقافية والايديولوجية[4].
والواقع أن المشاعر الفطرية أو الو لاءات التحتية على حد تعبير د. أنطوان مسرة ليست بالظاهرة الجديدة إذ أنها قد تبلورت منذ فترة طويلة بتأثير تفكك الإمبراطوريات الضخمة، وعدم تلاؤم حدود الدول حديثة الاستقلال مع واقعها الديموجرافي وشيوع الممارسات التمييزية للنخب الحاكمة[5]، على أنه قد أضحى في حجمها واتجاهها شئ من الجدة وجعل البعض يتحدث عن طرفة في تلك المشاعر والولاءات ويبحث من ثم - في العوامل الكامنة وراءها والتي تمثلت في رأيهم فيما يلي
1 - عامل التحديث
لقد كان من المتصور أن التقدم الصناعي الكبير بمستلزماته المختلفة من أسواق ومواد خام وأيدي عاملة سيؤدي إلى إعادة تخطيط الحدود القطرية على أسس إقليمية وربما عالمية أيضا تطويقا لها لأغراض التنمية الأمر الذي يؤدي إلى ضمور الاختلافات الثقافية، كما كان من المتصور أن استقرار الدعوة إلى العلمانية في ضمائر بعض القيادات السياسية سيؤدي إلى صياغة جديدة للعلاقات والتفاعلات لا يعود معها للعامل الثقافي دور يذكر لا سيما وقد قضى تطور وسائل الاتصال أو كاد على الخصوصيات الثقافية للشعوب وهيأ المناخ للتفاهم المتبادل على طريق عالمية الثقافة[6].
ومن ناحية أخرى كان من المفترض أو ارتفاع معدل سكنى المدن وزيادة الإمكانات الاتصالية للدولة واضطراد مؤسساتها السياسية من العوامل التي سوف تنال من المشاعر الفطرية، فالهجرة من الريف إلى الحضر تحمل المهاجر على التكيف مع الوضع الجديد بما يعنيه ذلك من تقوية انتمائه القطري على حساب ما عداه من انتماءات، ثم أن تطور الإمكانيات الاصتالية للدولة يقوي قبضتها على الأقاليم المتطرفة ويمنع نزعاتها الانفصالية ويقضي على كثير من أسباب التحامل الناجم عن نقص معلومات الأفراد عن بعضهم البعض[7]، وأخيرا فإن تزايد
المؤسسية السياسية بما يعنيه من التنظيمات المختلفة يؤدي إلى تكوين علاقات اجتماعية جديدة وارتباطات تتنافس مع الروابط التقليدية[8]. ولكن على عكس المتوقع تفاعلت آثار التحديث على المستويين الدولي والداخلي لتؤدي إلى تكريس ظاهرة الأقليات وتعميق ولاءاتها لجماعاتها. فمن ناحية أسهم التقدم الصناعي وما ارتبط به من سهولة حراك الأيدي العاملة في تأكيد الخصوصية الثقافية للجماعات المختلفة، خاصة أن صاحب المشروع في بحثه عن تحقيق أكبر هامش ممكن للربح عمل على كسر احتكار بعض الأقليات لنوعيات معينة من الأعمال عن طريق جلب العمالة الرخيصة مما يخلق حالة من التنافس يقترن في ظلها تضارب المصالح بالتمايز الثقافي، كما أنه في مواجهة أزمة السلطات الدينية التي ارتبطت بظهور الدول العلمانية برز عدد من المثقفين يدعون إلى التمسك بالمثاليات الثقافية في مواجهة طوفان الماديات[9].
ومن ناحية أخرى لم تؤد زيادة نسبة سكان الحضر إلا إلى التأكيد على المشاعر الفطرية ذلك أن المهاجر إلى المدينة وهو يواجه منذ اللحظة الأولى لوصوله واقعا يلح عليه بمشاكل لا حصر لها من إسكان وعمل لا يكاد يجد ما يدعم موقفه إلا أن يكون جزءا من تنظيم أكبر عادة ما يقوم على أساس وحدة الانتماء الديني أو اللغوي أو العرقي[10]، ثم أن زيادة الاتصالات وما صحبها من مد خدمي قد ساعد الأقاليم على تنظيم نفسها سياسيا هذا عدا ما أدت آلية هذه الزيادة من إبراز أوجه الاختلاف بين أفراد الجماعات وبعضهم البعض، وأخيرا فإن المؤسسية السياسية لم تحدث بدورها الأثر المطلوب خاصة وأن ظهور"الأقلية الطبقة" وتعبيرها عن نفسها في بعض الأشكال التنظيمية قد جاء ليؤكد أن الأقلية لا تستمد وجودها من مجرد المشاعر الفطرية إنما أساسا من المشاعر التمييزية التي تقترن بها وتترتب عليها.
2 - مبدأ حق تقرير المصير
يعتبر الفهم الخاطئ لمبدأ حق تقرير المصير مسئولا إلى حد بعيد

عن طفرة التمايزات الثقافية أو"الصحوة الاثنية" كما يسميها البعض إذ أن توسيع نطاق المبدأ بجعله يسري على الأقليات قد جعل كثيرا من الانتماءات السياسية والحدود القطرية محل تساؤل ومحاجاة من قبل هذه الأقليات ذاتها.
والأصل في مبدأ حق تقرير المصير كما نص عليه في متن المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة أنه مرتبط بمكافحة الظاهرة الاستعمارية سواد في شكلها التقليدي ممثلا في السيطرة الأجنبية أو في شكلها الحديث ممثلا في نظم التمييز العنصري وفي هذا الارتباط ما يخرج به عن التطبيق على الأقليات وهو ما تأكد أكثر في مناقشات الجمعية العامة حيث ورد صراحة عدم جواز الخط بين حق تقرير المصير وبين حقوق الأقليات لأن واضعي الميثاق لم يقصدوا إعطاء هذا الحق للأقليات نظرا للتداخل الجغرافي بين الجماعات في نفس الدولة وعدم استعدادها لحكم نفسها وضعف مواردها وإمكاناتها هذا إلى جانب أن إتاحة حق تقرير المصير للأقليات إنما يشيع حالة من الفوضى في النظام الدولي خاصة وأنه يندر أن تجتمع لدولة كل عناصر التجانس ومقوماته[11].
وعلى الرغم من وضوح مسلك التشريع الدولي في هذا الصدد فقد ذهب فريق من المحللين إلى أن تفريغ مفهوم حق تقرير المصير من محتواه غداة الاستقلال يخرج به عن طابعه الثوري ويخضعه للتعبير عن مبدئين متعارضين[12]، ومثل هذا التحليل كان من شأنه أن يسبغ على حركات الأقليات بعض ما كانت تفتقده من خصائص مثل الشرعية والشمولية والاستمرارية.
3 - اختفاء القيادة الكاريزمية
يعتبر التأكيد على المحتوى الثقافي للأمة أو لبعض أقلياتها أحد البدائل المطروحة أمام القيادات السياسية غير الكاريزمية التي تقصر عن أداء المهام المنوطة بها من تجسيد آمال الأمة ومثالياتها، إلى تخطيط

وتنفيذ التميز الاجتماعي، إلى إدار الصراعات الداخلية وتحجيم التأثيرات الخارجية قدر المستطاع[13].
بهذا المعنى فإن إذكاء الخلاف بين الجماعات الثقافية في نطاق الدولة الواحدة أو ما يطلق عليه"سياسة الصراع المتوازن" يعد وسلة لإلهاء الجماهير عن مظاهر التردي في شرعية القيادة السياسية ومدخلا لاستقطاب جانب من الجماهير إلى صفها أو على الأقل تحييده عند تسوية الخصومات والعداءات السياسية.
ومن ناحية أخرى يعتبر التأكيد على الوحدة الثقافية أحد مسالك تعبئة الجماهير في مواجهة العدوان الخارجي الفعلي أو المختلق، وهنا تجد الأقليات نفسها مرة أخرى مدفوعة إلى الوعي بتمايزها الثقافي وهي تتورط في صراع لا مسوغ له إلا مجرد انتمائها الإقليمي[14] فإذا ما انتقلنا لتبين نتائج ودلالات هذه الطفرة في مشاعر التمايز الثقافي لأمكن لنا في هذا الصدد أن نميز بين اثنين من مستويات التحليل، الأول يعرض نظريا لموضع الأقليات من ظاهرة الاستقرار السياسي ويمكن أن نتبين في داخله أربعة اتجاهات أساسية
الاتجاه الأول: يجعل التجانس الثقافي شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار السياسي وهو ما أشار إليه العلامة ابن خلدون عندما ذكر أن الأوطان التي تكثر قبائلها وعصبياتها قل أن تستحكم فيها دولة وأن تتمتع بالاستقرار السياسي نتيجة اختلاف الأهواء والآراء، وذلك خلافا للأوطان التي تخلو من العصبيات أو تكاد فيقل فيها الهوج والانتفاض على السلطة الحاكمة وتتمتع من ثم بالاستقرار السياسي، وقد ضرب لنا ابن خلدون مثلين لتأكيد وجهة نظره، أحدهما من شمال أفريقيا التي استعصى على العرب تمهيد الدولة فيها إلى ولاية موسى بن نصير نتيجة وجود البربر وكثرة قبائلهم وتواتر انتفاضهم حتى لقد ارتدوا عن الإسلام اثنتى عشر مرة، والآخر من مصر التي كانت خلوا من القبائل والعصبيات فسرعان ما استحكم فيها كلمة العرب المسلمين[15].
وفي صياغة أكثر حداثة لنفس المنطق تحدث بعض علماء السياسية عن أن اختلاف طبيعة التنشئة المبكرة بين الجماعات يؤدي إلى أن يعبر أفراد هذه الجماعات عن اختياراتهم بشكل مختلف، هذا إضافة إلى أن اقتران التعدد الثقافي في بعض الأحيان بالعزل الفعلي أو المفترض لجماعات بعينها عن بعض عوائد نظامها السياسي إنما ينمي شعورها بالتمايز الثقافي، ويجعلها من ثم بمثابة مصدر محتمل لعدم الاستقرار السياسي لأن المساواة هي قيمة في حد ذاتها فضلا عن كونها إحدى الضمانات اللازمة لإشباع الحاجات الأساسية[16]، هذا وتعرف العلاقة بين الحرمان النسبي وبين عدم الاستقرار السياسي باسم نظرية"الإحباط المولد للعدوان".
ولعل من أشهر من عبر عن التصور الصراعي للمجتمعات التعددية كل من فورنيفال وسميث، فلقد وصف فورنيفال المجتمع بأنه"مجتمع ليس له مطلب اجتماعي مشترك" وأن أفراده لا يلتقون ببعضهم إلا في السوق من خلال عمليات البيع والشراء وأنه ما من شيء ينقذ المجتمع التعددي من حالة الصراع التي يعاني منها والتي تتطابق في ظلها الانتماءات الثقافية والطبقية إلا التدخل الخارجي بواسطة واحدة أو أثر من القوى الأجنبية، ولقد أضاف سميث إلى التصور السابق للمجتمع التعددي ملاحظته الخاصة بأن التنوع الثقافي عادة ما يتم التعبير عنه مؤسسيا، الأمر الذي يجعل الصراع أكثر حدة واستمرارية لأنه يكون أكثر نظيما. ولقد تعرضت تلك الإوية الصراعية للمجتمعات التعددية إلى النقد وذلك لكون عضوية الأفراد في نفس الجماعة الثقافية لا تحتم اتفاق أهوائهم ومشاربهم واختياراتهم، كما أن العلاقة بين الجماعات الثقافية وبعضها البعض ليست بالضرورة علاقة صراع وتنافس، إذ أن ذلك يتوقف إلى حد بعيد على جملة عوامل مختلفة من قبيل طبيعة النظام السياسي وطبيعة الظرف التاريخي الذي تتفاعل في إطاره هذه الجماعات[17]، ولعل النقد السابق كان داعيا إلى تمييز بعض المحللين في داخل المجتمعات التعددية بين نموذج محدود التعدد ينقصه الاستقرار السياسي وآخر
شديد التعدد ويتمتع بهذا الاستقرار، ففي النموذج الأول وسواء اتخذ شكل أقلية عددية حاكمة في مواجهة أغلبية عددية تابعة أو العكس فإنه يصعب تحقيق قدر من الرضا السياسي وذلك أو الوضع المقلوب في ظل سيطرة الأقلية العددية يدفع بالأغلبية إلى تحديه من خلال التطوير المستمر لقدراتها، وفي المقابل فإن كون الأقلية العددية تبوء بالخسارة من كل مخرجات النظام السياسي إنما يدفعها إلى التحرك لتغيير شكل التخصيص السلطوي للقيم، أما في النموذج الثاني فإن تعدد الأقليات في المجتمع يتيح للجماعة الحاكمة قدرا أكبر من المرونة في التعامل معها وذلك لكون إرضاء إحداها لا يترتب عليه بالضرورة إحباط أخرى وحتى لو حدث ذلك فإنه لا يكون إحباطا مستمرا منتظما وهو الشرط الذي يجعل عدم الاستقرار السياسي أكثر احتمالا[18].
الاتجاه الثاني: يذهب إلى أن تعدد الانتماءات الثقافية إنما يقل تأثيره السلبي على الاستقرار السياسي وذلك فيما لو اختلف مع طبيعة الانتماءات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية، إذ أن هذا الاختلاف يؤدي إلى زيادة فرص الديمقراطية والاستقرار لما يقترن به من اعتدال في المواقف والسلوكيات، فمن جهة قد يتحقق الاعتدال نتيجة تقاطع الضغوط التي يتعرض لها الأفراد في تفاعهلم مع بعضهم البعض بما يشتت جهودهم ويؤدي إلى ترددهم وفي النهاية إلى اتخاذهم مواقف أقل تشددا، ومن جهة أخري قد يتحقق الاعتدال نتيجة ما يطرأ على التحالفات من تغير مستمر حيث لا يكون هناك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين لوجود أكثر من محور للتفاعل وتبعا لذلك فإن الأعداء يهادنون بعضهم البعض تحسبا ليوم قد يضطرون فيه إلى التعاون.
ولقد تعرض هذا الاتجاه الذي تبناه بعض المفكرين أمثال سيمور مارتن ليبست ولويس كوسر ودافيد ترومان إلى النقد لجملة أسباب من بينها أنه ليس هناك ما يؤكد بشكل حاسم أن اختلاف الانتماءات وتقاطعها يؤدي إلى الاستقرار السياسي، فمثل هذا الاختلاف لا يجدي إلا في تسوية الصراعات المحدودة دون ما عداها من صراعات خاصة
لو كانت الانتماءات والولاءات المختلفة على نفس المستوى من الأهمية[19].
الاتجاه الثالث: لا يقيم وزنا كبيرا للتجانس الثقافي في تحقيق الاستقرار السياسي وفي هذا الإطار قام بعض المحللين بذكر العوامل المختلفة التي تؤدي إلى تماسك المجتمعات واستقرارها وأسقطوا من بينها عامل التجانس الثقافي، ومن ذلك إشارة هاس على سبيل المثال إلى المصلحة الاقتصادية باعتبارها كانت هي العامل الأساسي وراء وحدة الدول الأوروبية.
على أن الملاحظ أن جانبا من هؤلاء المحللين قد عاد فيما بعد إلى مراجعة موقفه من تحييد تأثير المتغير الثقافي على ظاهرة الاستقرار السياسي، فعندما عاود هاس الكتابة عن نفس الموضوع بعد عشر سنوات أشار إلى أن المصالح البراجماتية التي يدعمها ارتباط ايديولوجي أو فلسفي تكون مصالح وقتية معرضة للزوال ويكون من ثم التكامل الذي ينبني عليها هشا ليس له أساس متين، كما أن انزيوني وأن استمر يشكك في الدلالات السياسية للخصائص الثقافية إلا أنه لم ينكر أن التجانس الثقافي قد يساعد على تحقيق الاستقرار السياسي[20].
الاتجاه الرابع: وإن كان لا ينكر أهمية المتغير الثقافي إلا أنه في تقديره لأهميته في تحقيق الاستقرار السياسي يستخدم مدخلا مختلف إذ هو يعلق أهمية كبيرة على التعاون بين نخب مختلف الجماعات الثقافية وتمثيلها بشكل متساو في عملية صنع القرار الأمر الذي يؤدي إلى ضبط وتحييد الآثار السلبية الناجمة عن تنافس جماعاتهم عن طريق فرض ما يتوصلوا إليه من تسويات على الأعضاء وقد اقترن هذا الاتجاه باسم آرند ليجيبهارت الذي اعتبر ذلك من أفضل مسالك تسوية مشكلة التعدد الثقافي[21]، لكن هذا التصور الأخير قد تعرض للنقد لجملة عوامل من بينها التركيز على السلوك التعاوني الرسمي بين قيادات الجماعات المختلفة وإهمال علاقات القوة وما قد تؤدي إليه من
تنافس فيما بينها، بالإضافة إلى أن هذا الأسلوب يعتبر محدود الفعالية نظرا لما يتصف به من بطء ونقص القدرة على البت في المسائل الهامة وذلك بتأثير ما تتمتع به القيادات من حق الفيتو والتصويت المتبادل، ومن هنا فهو لا يصلح إلا كأسلوب مؤقت لذلك فلقد طرح أسلوب التحكم والضبط القيادي كأسلوب مكمل[22].
بمراجعة الاتجاهات الأربعة السابقة من منظور نقدي يمكن القول إن درجة التعدد الثقافي ليست التي تحدد بالضرورة ما إذا كانت جماعة الأقلية ستكون عنصر تهديد للاستقرار السياسي أم لا إنما نظرة تلك الأقلية لمدى تمتع النظام السياسي بالشرعية، ويعد ما تتعرض له الأقلية من تمييز اجتماعي - اقتصادي وسياسي مكونا أساسيا من مكونات نظرتها لدرجة شرعية النظام السياسي وإقدامها أو"إحجامها" من ثم على تحديها بصورة أو أخري من صور العنف السياسي، خاصة وأنه في نطاق دول العالم الثالث حيث يشترك المواطنون في النضال الوطني من أجل التحرر من الاستعمار تصبح المساواة هي المطلب الطبيعي الذي تلتقي حوله مختلف فئات الشعب وطوائفه وتقوم شرعية السلطة وجودا وعدما من واقع ما تحققه لكل منها من مكاسب، ولقد أثبتت إحدى الدراسات التجريبية التي أجريت على عينة من 19 دولة[23] صحة المقولة السابقة إذ كشفت عن أن عامل التمييز الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي كان وراء عنف الأقليات في هذه الدول بعد ما تم تقسيمها إلى أربعة مجموعات أساسية، هي دول ذات معدلات مرتفعة للعنف ودول ذات معدلات منخفضة للعنف ودول ذات معدلات متوسطة للعنف ودول لا تكاد تعاني من العنف بتأثير القهر الحكومي[24]، وفي مواجهة هذا العنف بمستوياته المختلف تكون الجماعة الحاكمة أمام أحد بديلين أحداهما هو إعطاء الجماعات الثقافية المختلف أنصبة متساوية من المراكز المرغوب فيها، والثاني هو الاعتماد على معيار الكفاءة الشخصية وحده في التعيين في هذه المراكز، وعلى الرغم من التعارض الظاهري بين التصورين السابقين إلا أن الأول قد يصلح في المدى القصير لإزالة التوتر
في علاقات الجماعات الثقافية ببعضها البعض بينما يصلح الثاني في المدى الطويل بوصفه الأكثر فعالية[25].
وإذا كان التمييز الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي يعد محددا أساسيا لممارسة الأقليات للعنف السياسي من عدمه فإن ثمة عوامل قد تسهل ذلك منها ما يتعلق بالأقليات ذاتها من قبيل مدى تضامنها ودرجة تنظيمها وفعالية قيادتها ومقدار تمتعها بالدعم الأجنببى في تنفيذها لأهدافها ومنها ما يتعلق بالجماعة الحاكمة ذاتها من قبيل مدى التجائها لممارسة القمع بصوره المختلفة إذ أن هذا القمع قد يساعد على تحقيق عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل ولا يمنعه بالضرورة، وذلك في ظل احتمال تراخي قبضة النظام على أجهزته الإكراهية بتأثير ظروف معينة مثل الحرب مما يسمح للأقليات بقدر أكبر من حرية الحركة خاصة وأن منعها من رد الفعل العنيف في مرحلة سابقة يعد في ذاته نوعا من الحرمان الذي تتزايد معه فرص العنف السياسي.
وأخيرا فإن من العوامل التي تسهل عنف الأقليات ما يتعلق بالإطار الدولي ويمكن القول في هذا الصدد أن هناك بعض التطورات الدولية التي تعاونت بالفعل على تمكين الأقليات من تهديد الاستقرار السياسي في مجتمعاتها من خلال شكل أو آخر من أشكال العنف السياسي، ومن بين هذه التطورات أن حجم الدولة وعدد سكانها لم يعد محددا أساسيا لقدراتها الأمنية، وأن نمو التنظيمات فوق القومية كالجماعة الاقتصادية الأوروبية قد جعل بعض الامتيازات الاقتصادية من قبيل الوصول إلى الأسواق الكبيرة وسهولة تبادل المتخصصين والمهنيين في متناول الكيانات الصغيرة، أن تصاعد مخاطر الحرب النووية والمجاعة الدولية واستنفاذ موارد الطاقة قد جعل الأقليات شأن كثير من الجماعات الأخرى أكثر تشددا في المطالبة الآنية بحقوقها وأكثر تمردا على وعود الإصلاح في المستقبل وأخيرا فإن الثورة الاتصالية وفرت لنشاط الأقليات الأثر المطلوب بتغطيته تغطية إعلامية واسعة كما أن التطورات التكنولوجية قد زودت نشاط الأقليات بتكتيكات أكثر فعالية من قبيل تخريب خطوط أنابيب
الغاز والبترول مثلما أمدتها بأسلحة حديثة للتنفيذ من قبيل القنابل البلاستيك صغيرة الحجم والطرود الناسفة[26].
ولعل هذه المجموعة الأخيرة من العوامل المتعلقة بالإطار الدولي قد تعاونت مع إنكار الحاكمة حق أقلياتها في التعبير عن رأيها وتحايل هذه الأخيرة علي ظروفها بوسائل مختلفة لتجعل عنف الأقليات في مقدمة أنواع العنف السياسي الشائعة في العالم وهوما أثبتته الدراسة التي أجريت على عينة من 132 دولة وكشفت من ثم عن وجود عنف الأقليات في 65% من دول العينة، مقابل وجود العنف الطلابي في 53% منها ووجود العنف بسبب الانقلابات العسكرية في 48% ووجود العنف الثوري والمضاد للثورة في 29% منها، ولعل مكمن الخطر ليس في اتساع نطاق عنف الأقليات فحسب، ولكن كذلك في حدة هذا العنف إذا تذهب نفس الدراسة السابقة إلى أن عنف الأقليات قد خلف من ورائه أكبر عدد من القتلى خاصة في دول العالم الثالث"باستثناء الحروب بين الدول" ومن ذلك أن نحو نصف مليون شخص قد لقوا مصرعهم في المذابح بين المسلمين والهنود في أعقاب تقسيم الهند وباكستان في عام 1974"[27].
أما على المستوى الثاني للتحليل والذي نتحري عنده موضع الأقليات من الناحية الفعلية من قدرات النظم السياسية وإمكاناتها فإنه يمكن لنا أن نميز بين اتجاهين أساسيين
الاتجاه الأول: يتبنى الرأي القائل بأنه في غيبة المعاملة التمييزية ضد الأقليات فإنه يمكن لهذه الأخيرة أن تكون إحدى ايجابيات النظام السياسي وإضافاته وعاملا من عوامل صحته النفسية، بعد أ أصبح من المتعذر في ظل تزايد الاعتماد المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد أن تنجو الجماعة الحاكمة من بعض ما قد تلحقه بأقلياتها من ألم ولو من خلال شعور بالذنب يعاودها بين الحين والآخر، ولنتذكر بهذا الخصوص عقدة الذنب التي لا زالت تلاحق الشعب الألماني كأثر من آثار اضطهاد
النازي لليهود هذا إلى جانب أن الأقليات خليقة بأن تؤدي عددا من الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهامة، بحيث أن التحامل عليها ومحاولة استيعابها بالقوة يفوت على الجماعة الحاكمة فرصة الانتفاع بهذه الوظائف من جهة، ويفتح الباب لبعض أعمال العنف السياسي من جهة أخرى، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع التكلفة الاقتصادية اللازمة لردع هذا العنف أو تطويقه[28].
فمن الناحية الاجتماعية يمكن أن تكون الأقليات عنصرا من عناصر التجديد في المجتمع، فهي قد تغذيه بدماء جديدة، وتجعله ينفتح على أساليب أخري للحياة وعلى معارف وخبرات جديدة، كما أنها قد تكون عاملا من عوامل الاستقرار وتسكين الصراعات في المجتمع، إذ أن القيادة السياسية عندما تقر بتصاعد موجة السخط على أسلوبها في التخصيص السلطوي للقيم، وفي نفس الوقت لا تتمكن من إشباع كل التوقعات والتطلعات السائدة، فإنها قد تتخير أقلية أو أكثر لتخصها ببعض المنافع والمزايا تحييدا أو كسبا لها خاصة وأن استرضاء الأقلية يعد أكثر سهولة وأقل تكلفة من استرضاء إحدى الطبقات الاجتماعية على سبيل المثال.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن للأقليات أن تسهم إسهامات لا بأس به في انعاش اقتصاد الدولة، خاصة وأن التحدى الذي تواجهه يجعلها في حاجة لإثبات وجودها بشكل متجدد من خلال توظيف مهاراتها الطبيعية والمكتسبة والتي لم يأت التقدم التكنولوجي الضخم عليها جميعا ولنتذكر بهذا الخصوص دور الأقلية الإيطالية في انعاش اقتصاديات بعض المدن الاسكتلندية[29]، كما أن الأقليات قد تمارس أحيانا بعض ما يحجم عنه المنتمون للنخبة الحاكمة من أعمال لسبب أو لآخر على الرغم من حاجتهم إليها، ومن ذلك اشتغال اليهود بعمليات الإقراض بالربا حتى فجر التاريخ وإرساؤهم من ثم لواحد من لواحد من أهم الأنشطة المصرفية المتعارف عليها الآن[30].
ومن الناحية السياسية يمكن للأقليات أن تكون من معايير الحكم
على ديمقراطية النظام السياسي لأن في كفالة حقوقها تجديد مستمر لشرعية هذا النظام ولأن في تشكيلها للأحزاب السياسية على غرار حزب كويبك والحزب الليبرالي الكنديين دعم للمؤسسات والتنظيمات الوسيطة[31]، ثم أن الأقليات يمكن أن تكون ركيزة لسياسة حكومية تستهدف الموازنة بين معياري الكفاءة والولاء الشخصي في الترشيح لشغل الوظائف في بعض المجالات الهامة من قبيل مجالي العمل بالجيش والبوليس، وهما من المجالات التي تمس الحاجة بدرجة أكبر إلى ولاء رجالاتها للنظام القائم، الأمر الذي يفسر لنا استعانة النظامين السوري والمغربي ببعض أقلياتهما تحقيقا لهذا الغرض كما أن الأقليات تصلح لأن تكون البديل المطروح لتجسيد هوية الدولة، وهي في هذه الحالة قد لا تكون أكبر الأقليات ولا أقواها، إنما يكتفى فقط بألا تكون طرفا في صراع داخلي بحيث لا يثير اختيارها حفيظة الأطراف المتصارعة، وفي هذا الإطار كان اختيار الجماعة البوذية"الاشوكا" رمزا للدولة الهندية حرصا على تحقيق التكامل القومي ودعما له.
وحتى في المجال الخارجي فإن الأقليات سيما لو كانت لها امتداداتها في أكثر من دولة واحدة قد تحكون أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية وذلك فيما لو تصورنا أن الدولة المعنية وهي تستعد لمهاجمة دولة أخرى قد تلجأ إلى استثمارة بعض أقلياتها لإثارة نوع من عدم الاستقرار السياسي فيها يسهل عليها مهمتها ويكفيها بعض الخسائر المحتملة. ولنتذكر بهذا الخصوص استخدام الورقة الكردية في الصراع العراقي - الإيراني، هذا فضلا عن أن الأقليات قد تؤدي دورا آخر بالترويج لسياسية معينة داخل دولة المقر استجابة لتأثيرات معينة يقع مصدرها خارج الحدود[32].
الاتجاه الثاني: ويتبنى الرأي القائل بأن الأقليات تعد من سلبيات النظام السياسي ويصادر عنها كل ما ينسب إليها من إضافات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيما يتعلق بالمجال الاجتماعي فإن الأقليات قد تكون عنصرا من عناصر التوتر والصراع لأن تقديم بعض

التنازلات الاقتصادية للأقلية قد لا يكون عوضا عن استرضاء إحدى الطبقات الاجتماعية، وذلك فيما لو أدركنا أنه قد يحدث تطابق بين الانتمائين الثقافي والطبقي في كثير من الأحيان، بحيث أنه مثلما يكون في استرضاء أقلية معينة كسب لطبقتها فإنه يكون في الإجحاف بحق أقلية أخرى غبن أيضا لطبقتها.
وفيما يتعلق بالمجال الاقتصادي فإن وجود الأقليات كثيرا ما يؤثر بشكل سلبي على التنمية القومية الشاملة، قد يقتصر هذا التأثير على عرقلة التنمية القومية وقد يجاوز ذلك إلى إيقافها تماما، وهو ما يعتمد على نوعية المطالب التي تتقدم بها الأقلية للنخبة السياسية وكذا على طبيعة رد فعل النخبة السياسية عليها وما يحدثه ذلك من أثر عكسى ولعله قد يتسنى لنا تبين علاقة الأقليات بالتنمية القومية بصورة أوضح من خلال الاستعانة بنموذج تحليل النظم والذي تتقدم من خلاله الأقليات شأنها شأن باقي فئات المجتمع بمطالب سياسية أو اقتصادية أو ثقافية للنخبة الحاكمة من خلال القنوات الشرعية مثل الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية وعندئذ يتخذ رد فعل النخبة على هذه المطالب واحدا من الأشكال الثلاثة التالية
- أما أن يكون قرار النخبة هو تقديم تسهيلات معينة للأقلية وهذا النوع من القرارات على ندرته إلا أنه يؤدى إلى تشتيت الصراع بين مختلف الجماعات وبعضها البعض بدلا من تكثيفه وتصعيده.
- وأما أن يكون قرار النخبة هو انزال عقوبة معينة بالأقلية مما يحرض هذه الأخيرة على الالتجاء إلى العنف السياسي.
- وأما أن يكون قرار النخبة مزيجا من المنح والمنع الأمر الذي قد يساعد على تأجيل الصراع بين الأقليات وبعضها البعض وبينها وبين النخبة الحاكمة ولكنه على الأرجح لا يصفيه[33].
بهذا المعنى يمكن القول أنه استثناء النوعية الأولى من القرارات فإن النخبة الحاكمة فيما لو لم تبادر بمعالجة نواحي القصور في سياستها تجاه أقلياتها فإن التنمية الاقتصادية بل والتنمية القومية الشاملة لا يتهيأ لها المناخ المناسب للتنفيذ سواء باستثارة دواعي التدخل الأجنبي أو بإشاعة مناخ من الشك وعدم التأكد يحجم معه أصحاب رؤوس الأموال عن توظيفها في المشروعات الإنمائية، هذا فضلا عن استنزاف موارد الدولة وتحويلها عن أغراض التنمية إلى الأغراض الأمنية وللنموذج السوداني دلالاته الواضحة في هذا الشأن.
وفيما يتعلق بالمجال السياسي فإن الأقليات قد تكون من أسباب انتشار الفساد السياسي بصوره المختلفة من رشوة وعمولات ومحاباة وتمييز وشراء أصوات الناخبين وفي نفس الوقت فإن وجود مثل هذا الفساد السياسي يعرقل التكامل القومي ويعوقه وتقدم لنا الأقليات الصينية في جنوب شرق آسيا والأقليات البربرية في المغرب نموذجا لهذه العلاقة بشقيها[34].
وأخيرا فإنه فيما يتعلق بمجال الأمن القومي والسياسة الخارجية فإن سلبيات الأقليات وما تنطوي عليه من تهديدات ومخاطر التدخل الأجنبي إنما تثير إشكاليات ثلاثة أساسية إحداها تختص بتحديد درجة فعالية تأثير الأقليات المعينة على السياسة الخارجية لدولة المقر، بعبارة أخرى فإن من الضروري أن يتساءل المحلل للبعد الأمني لظاهرة الأقليات عن من الذي يوظف الآخر ويستخدمه، هل هي دولة المقر التي تطوع الانتماء السابق للأقليات لدواعي أمنها القومي، أم أن هذه الأقليات ذاتها هي التي تطوع السياسة الخارجية لدولة المقر نزولا على متطلبات انتمائها الذي لا ينفصم بدولة الأصل، تساؤل تفرضه أكثر من خبرة من الخبرات التاريخية المعاصرة، ومن بينها الخبرة الأوروبية في التعامل مع الأقلية اليهودية والتي يظل موقفها من سياسات الدولة التي يقيم بها أبناؤها رهنا بدرجة توافقها مع مصلحة الدولة الصهيونية التي تستقطب انتماءهم على اختلاف لغاتهم وأصولهم، على أن ما ينبغي التأكيد عليه
إنما هو الحذر من التعامل مع تأثير الأقلية المعنية على السياسة الخارجية لدولة المقر بوصفه تأثيرا مطلقا لكون هذا التأثير محكوم وجودا وعدما بعدد من الاعتبارات الأساسية، من قبيل قدرة القيادة السياسية على تحييد المؤثرات والضغوط الداخلية استرشادا بعامل المصلحة القومية ومن قبيل الفرقة بين الجماعات الثقافية ودرجة تأثريها على نوعية خياراتها السياسية[35].
الإشكالية الثانية تتعلق بتأثير التكوين الثقافي للمؤسسة العسكرية على الأمن القومي للدولة، وهو التكوين الذي قد يراعي فيه أي من المناهج الثلاثة التالية
- المنهج الفردي الذي يسترشد بمعيار الكفاءة الذاتية دون سواه.
- منهج الثقافة الواحدة المسيطرة والذي تهيمن بموجبه جماعة ثقافية واحدة على المؤسسة العسكرية.
- منهج التعدد الثقافي الذي يأخذ بنظام التمثيل النسبي لمختلف الأقليات وذلك تمشيا مع نسبة كل منها إلى إجمالي السكان[36].
ولعل هذا المنهج الأخير في تشكيل المؤسسة العسكرية هو الأكثر ارتباطا بسلبيات الأقليات والأكثر تعبيرا عنها أيضا، حيث يظل التساؤل مطروحا عن المدى الأمنى الذي يمكن فيه لهذه الأقليات كافة أن تلتزم بالحيدة وضبط النفس في صراعات الدولة في الداخل والخارج إذا ما كان المنتمون إليها يدخلون طرفا في تلك الصراعات بدرجة أو بأخرى، يضاف إلى هذا أن منهج التعدد الثقافي في تشكيل المؤسسة العسكرية يجعل من الانقلاب العسكري الذي قد تقوم به إحدى أقليات هذه المؤسسة لتغيير شكل نظام الحكم فاتحة لسلسلة طويلة من الانقلابات المضادة تقوم بها الأقليات الأخرى في ظاهرة أشبه ما تكون بالمراجعة المستمرة لشكل العلاقة بين مختلف الجماعات في المجتمع، وتقدم لنا أوغندة وسوريا
والعراق بعض نماذج لدول يظهر فيه التأثير السلبي لطبيعة تكوين مؤسساتها العسكرية على نظمها السياسية[37]. الإشكالية الثالثة والأخيرة ترتبط بحق دولة الأصل في التدخل في الشئون الداخلية لدولة المقر حماية لمصالح الأقليات التي تنتمي إليها وهو الأمر الذي يكتسب مشروعية في نظر بعض الأطراف، خاصة مع غيبة التدابير الفعالة التي تكفل احترام مبادئ المنظمة الدولية التي تقضي بمنع التمييز بسبب العرق أو الدين أو اللون أو الاتجاه السياسي وكذلك بمنع تصفية الأقليات جسديا أو ترحيلها إجباريا[38].
الخلاصة: لقد تعاونت عوامل التحديث وظهور مبدأ حق تقرير المصير واختفاء القيادة الكاريزمية لتجعل من التعدد الثقافي أحد الملامح الأساسية المميزة لدول العالم المتقدم والنامي سواء بسواء، ولقد اتخذ المحللون من تلك التعددية مدخلا لمحاولة تفسير ظاهرة أكثر اتساعا وشمولا وهي ظاهرة الاستقرار السياسي فمنهم من أقام بين التغيرين علاقة آلية، ومنهم من أقام بينهما علاقة محكومة في ظهورها وتطورها بعدد من المتغيرات الوسيطة، ومنهم أخيرا من فصل بينهما بعد أن جعل للانتماء الاجتماعي وليس الثقافي القول الفصل في شأن الاستقرار السياسي للدولة.
والواقع أن نظرة على توزيع الجماعات الثقافية على مختلف دول العالم تنبئنا أنه ليس حجم هذه الجماعات ولا نوعها هو الذي يتحكم في الاستقرار السياسي إنما يفعل تسيبس الاختلافات الثقافية واتخاذها سندا لتمييز جماعة على أخرى، وهو عين ما يحدد ما إذا كانت الأقليات ستصبح إحدى إضافات النظام السياسي تغذية بدماء جديدة وتنعش اقتصاده وتؤكد ديمقراطيته وتكون أداته لتنفيذ أهدافه الخارجية، أو ستصبح إحدى نقائصه على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لهوامش
Walker Connor, Nation Building or Nation Destroying, Op. Cit., 20. - 1
2 - Pierre Van Den Berghe, Pluralisme Sociale et Culturelle, Lahiers Internationaux de Sociology, Volumen 18, No. 43 Jullet - Decembre 1967, pp. 76 - 77.
3 - Yoare Nagel, Suzan Obzak, Ithnic Moblization in New and Old States: An Exctension of the Competition Model, Social Problems, Volume 30, No. 2, December 1982, PP. 128 - 129. Joseph Rotschild, Ethnopolitics: A Conceptual Framework, New York: Columbia University Press, 1981, PP. 139 - 149.
4 - Robert K. Merton & Robert A. Nisbet, Contem - porary Social Problems: An Introduction to the Sociology of Deviant Behavior and Social Organization, New York : Har - court, Brace & World Inc., 1961, p. 3.
6 - Anthony Smith, The Ethnic Revival in the Modern World, New York: cambridge University Press, 1981, PP. 1 - 134.
7 - Stephen Bochner bultures in contact, New York : Pergamon Press, 1982, P. 53. Iliya Hariek, The Ethnic Revolution and Political Integration in the Middle East, Interational of the Middle East, studies, Volume 3, No, July 1972, P. 304.

8 - The Political Elite as a Strategic Minority in, Fouad J. Khuri"ed", Leadership and Development in Arab Society, Beirut: American University Press, 1981, P. 71.
9 - Anthony Smith Op. Cit., PP. 134 - 135. Walker Connor, Nation Building or Nation Destroying?, Op. Cit., PP. 324 - 326.
10 - Suzan Olzak, Ethnicity and Theories of Ethnic collective Behavior, in, Louis Kreisberg"ed". Research in Social Movements, Conflicts and Change, Volume 8, London : YAI Press Inc., 1985, P. 131.
11 - Anya Peterson Royce, Ethnic Identity, Strategies of Diversity, Bloomington: Indiana University Press, 1982, PP. 38 - 41.
12 - أوريليوس كريستيكو، حق تقرير المصير، تطوره التاريخي والراهن من خلال صكوك الأمم المتحدة، نيويورك: الأمم المتحدة، 1981 ص ص 3 - 4، ص ص 8 - 19، ص ص 30 - 32. Walker Connor, Self Determination: The New Phase, World Politics, Volume 20, No. 1, October 1967, P. 1047.
13 - - - - - , The Politics of Ethnonationalism, Journal of International Affairs, Volume 27, No. 1, 1979, P. 12.
14 - جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، دراسة في المنطقة العربية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1985، ص ص 13 - 15.
15 Anthony Smith, Op. Cit., P. 124. -
16 - عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، القاهرة: المطبعة الخيرية، 1904، ص90.

17 - جلال معوض، ظاهرة عدم الاستقرار السياسي وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية، مجلة العلوم الاجتماعية، مارس 1983، ص ص 138 - 139
. D. G. Morison & H. M. Stevenson, Culural Pluralism, Modernization and Conflict: An Emperical Analysis of Sources of Political Instability in African Nations, Canadian Jurrnal of Political Science, Volume 24, No. 4, December 1980, P. 617.
18 - Malcolm Cross, On Conflict, Race Relations and the Plural Society, Race, Volume 12, No. 4, April 1971, PP. 477 - 478.
George Burdeau, Traite de Science Politique, Tome 3, La Dynamique Politique , 2e Deition, Paris: Librairis de Droit et de Jurispudence, 1968, P. 541.
19 - Joseph Rotschild, Op. Cit., PP. 70 - 71. Nicholsa R. Miller, Pluralism and Social Choice, The American Political Science Review, Volume 77, No. 3, September 1983, P. 737.
20 - Arend Lyphart, Cultural Diversity and Theories of Political Integration, Canadian Journal of Political Science, Volume 4, No. 1, March 1971, P. 5.
Nicholas R. Miller, Op. cit., PP. 235 - 237.
Aric Nordlinger, Conflict Regulation in Divided Societies, Massachustts: Harward University Center for International Affairs, 1972, PP. 93 - 94, P. 100.
21 - Arend Lyphart, Op. Cit., PP. 6 - 7.


22 - Ibid., PP. 9 - 14.
23 - Yan Lustick, Stability in Deeply Divided Societies, Consociationalism Versus Control, Wold Politics, Volume 31, No. 3, April 1979. PP. 328 - 338.
24 - Christopher Hervitt, Op. Cit., 150 - 160.
25 - Michael Banton, Op. Cit., PP. 390 - 391.
26 - Ekkart Zimmerman, Political Violence, Crises and Revolutions: Theories and Research, Boston : Gk Hall & Co. 1983, PP. 123 - 124.
27 - Fred Von Der Mehden, Comparative Politcal Violence, Englewood Cliffs: Prentice - Hall Inc., 1983, PP. 69 - 70.
28 - George Simpson & Milton Yinger, Racisl and Cultureal Minorities: An Analysis of Prejudice and Discrimination, New York : Harper & Row, 4th Editon, 1972, PP. 234 - 236.
- 29 يتحفظ البعض على القول بأن التحدي الذي يواجه الأقلية يحدوها لزيادة الإنتاج باعتبار أن اساءة معاملتها يؤدي إلى انصرافها عن العمل أو على الأقل إلى انخفاض إنتاجيتها مما يزيد التكلفة الاقتصادية للإنتاج
R. T. Hon, Lord Grimond, The Value of Minorities, in Ben Whitaker & Others"eds", Op. Cit., P. 56.
30 - Marcel Bernfeld, La Sionisme , Paris: Allin Micherl, 1920, P. 252 - 255.
31 - Joseph Rotschild, Op. Cit., P. 223. 32

32 - Ibid, PP. 214 - 216, PP. 224 - 225.
33 - wendell Bell & Walter Freeman, Ethnicity and Nation Building , Deverly Hills: Sage Publications, 1967, PP. 272 - 278.
34 - يشير البعض إلى أو وجود الفساد السياسي بما يعنيه من وجود مصالح متبادلة بين الأقليات إنما يحد من سلبياتها ويخفف صراعاتها ويقدم لها بديلا للعنف.
نبوية الجندى، الفساد السياسي في الدول النامية مع دراسة تطبيقية للنظام الإيراني حتى قيام الثورة الإسلامية 1941 - 1978، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1982، ص42
35 Joseph Rotschild, Op. Cit., PP. 201 - 203. -
36 - Cora Bagley Marett & cheryh Leggen, Research in Race and Ethnic Relations, A Rrsearc Annual, Volume 1, greenwhic: Conn J. A. I Press, 1979, PP. 20 - 25.
- 37 محمد وفيق أبو أتلة، موسوعة حقوق الإنسان، القاهرة: الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، 1970، ص30، ص ص 18 - 41، ص ص 429 - 443.

مصدر الدراسة على الرابط التالي:


اقرأ المزيد