التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قارة الانقلابات

قارة الانقلابات
كشف التقرير الاستراتيجي لمركزالدراسات والبحوث الافريقية بالقاهرة أن دور المؤسسة العسكرية في حكم أفريقيا تصاعد‏,‏ حيث أصبح الحكم العسكري بديلا للنظام السياسي المدني‏,‏ وقد شهدت القارة الأفريقية منذ حقبة الاستقلال في منتصف القرن العشرين الماضي حوالي‏83‏ انقلابا عسكريا‏,‏ وقدم التقرير مجموعة من الملاحظات حول هذه التطورات منها‏:‏ ـ أن نحو‏20‏ دولة شهدت أكثر من إنقلاب عسكري واحد‏.‏

ـ أن عدد الانقلابات في بعض الدول بلغ خمسة او ستة إنقلابات‏,‏ كما حدث في نيجيريا‏-‏ أوغندا‏-‏ غانا‏-‏ بوركينا فاسوا بينين‏-‏ موريتانيا‏.‏
أن هناك نحو‏13‏ دولة شهدت انقلابا عسكريا واحدا فقط‏.‏

وأشارت الدراسات الي ان نظم الادارة التي اشرف عليها العسكريون لم تختلف كثيرا عن نمط الادارة الذي ساد معظم الدول الافريقية ابان مرحلة الاستعمار مثل‏:‏ المركزية‏-‏ البيروقراطية‏-‏ واستخدام وسائل القمع والتطهير‏..‏ الخ‏,‏ ومن ثم فإن ما فعلته معظم الانقلابات العسكرية التي أوصلت العسكريين إلي السلطة في أفريقيا لم يتعد في معظمه سوي تغيير لاشخاص النخبة الحاكمة‏.‏
من هذا المنطلق برزت اربعة نماذج لعلاقة العسكريين بالسلطة وهي‏:‏ النظم المدنية التي تتلقي دعمها الكامل من المؤسسة العسكرية‏,‏ نظم مدنية بها بمؤسسة عسكرية ذات نزعة إنقلابية قامت بإنقلاب في الماضي ومستعدة للتدخل‏,‏ نظم مدنية وصلت الي السلطة بفضل المؤسسة العسكرية ومن ثم فهي تعتمد عليها‏,‏ النظم الخالصة التي وصلت إلي السلطة من خلال إنقلاب عسكري‏,‏ وهي السمة التي غلبت علي معظم دول أفريقيا ما يقرب من نصف قرن‏.‏وهو ما يعني وجود نخبة عسكرية حاكمة وصلت الي الحكم اساسا عن طريق انقلاب عسكري‏,‏ تهيمن المؤسسة العسكرية في إطاره علي الهيئات والمؤسسات الرئيسية في الدولة‏,‏ بالقدر الذي يمكنهم من التحكم في عملية صنع القرار السياسي في المجتمع‏,‏الذي تقوم فيه القوات المسلحة بالدور الرئيسي في التأمين السياسي لهذا النظام‏.‏ علي الرغم من ذلك فإنه يمكن ملاحظة بعض حالات الانسحاب الاختياري للمؤسسة العسكرية من السلطة‏,‏ وعودة الحكم المدني‏,‏ مثلما حدث عام‏1968‏ في سيراليون وداهومي بينين‏,‏ وقد ووجه التحول الديمقراطي في أفريقيا بتحديات كبيرة‏,‏تمثلت في مدي نمو العلاقات العسكرية ـ المدنية في الدول الأفريقية‏.‏

وارجع التقرير مجمل تلك التفاعلات إلي الاسباب الآتية‏:‏ ـ أن معظم المناضلين الأفارقة الذين ساهموا في تحرير بلادهم من نير الاستعمار الخارجي ذوي مؤهلات عسكرية‏,‏ وبعد الاستقلال نصبوا أنفسهم حكاما لهذه الدول‏,‏ وكان دورهم الحاسم في استقلال الدول الافريقية بمثابة الشرعية التي كانوا يستندون عليها في تبرير استمرارهم في الحكم‏.‏

ـ حاول العسكريون البقاء أطول مدة ممكنة في حكم بلادهم من خلال عدة وسائل ابرزها الاعتماد علي نظام الحزب الواحد‏,‏ الذي كان هدفه الاول والاساسي التمجيد لانجازات الرئيس‏.‏

ـ في بداية التسعينيات بدأ الوضع يتغير بالنسبة لدور العسكريين في افريقيا لعدة اسباب منها‏:‏ الخبرة السيئة لبعض النظم العسكرية في افريقيا‏,‏ والتي أدت سياستها الي ازمات سياسية واقتصادية والي حروب أهلية‏,‏ مثلما حدث في الكونجو نتيجة سياسات الرئيس الراحل موبوتو سيسيكو‏.‏ وكانت الظروف والاوضاع الدولية والاقليمية ابان فترة الحرب الباردة لها الاثر البالغ في دعم واستمرار نظم الحكم العسكري في الدول التي نالت استقلالها في عقد الستينيات و سعي قادة حركة التحرر في الدول الافريقية لأفكار وايديولوجية جديدة لاستكمال مسيرة التحرر من الاستعمار‏.‏

ومع انتهاء مرحلة الحرب الباردة وبداية مرحلة جديدة‏,‏ برزت مفردات جديدة للغة الخطاب الدولي‏,‏ مثل حتمية وضرورة قيام الجماعة الدولية الديمقراطية‏,‏ حيث اصبح هناك التزام متبادل بين افريقيا والمجتمع الدولي ككل‏,‏ كي تنهض الدول الافريقية للقيام بعمليات الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي‏,‏ مقابل حصولها علي الدعم والمساعدات اللازمة لعملية التنمية من قبل المجتمع الدولي‏,‏ الأمر الذي أدي فيما يبدو الي تقييد دور المؤسسة العسكرية بشكل رئيسي في عملية تداول السلطة‏,‏ كما أن ظهور القيم الجديدة للنظام العالمي الجديد مثل‏:‏ احترام حقوق الانسان‏-‏ التحول للحكم المدني والتداول السلمي للسلطة‏-‏ واحترام المجتمع المدني والاعلاء من قيمة حرية العقيدة‏..‏ كل هذا صب في النهاية في صالح التحول الي الحكم المدني علي حساب استمرار الحكم العسكري‏.‏ ومع ذلك فمازال العسكريون يلعبون دورا محدودا حتي الآن‏.‏

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بحث عن التنمية المستدامة ( البحث منقول)

مقدمة الفصل: لقد أستحوذ موضوع التنمية المستدامة اهتمام العالم خلال 15 سنة المنصرمة وهذا على صعيد الساحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية ،حيث أصبحت الاستدامة التنموية مدرسة فكرية عالمية تنتشر في معظم دول العالمي النامي والصناعي على حد سواء تتبناها هيئات شعبية ورسمية وتطالب بتطبيقها فعقدت من أجلها القمم والمؤتمرات والندوات.ورغم الانتشار السريع لمفهوم التنمية المستدامة منذ بداية ظهورها إلا أن هذا المفهوم مازال غامضا بوصفه مفهوما وفلسفة وعملية ،ومازال هذا المفهوم يفسر بطرق مختلفة من قبل الكثيرين ولذلك فقد تم التطرق في هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين:المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامة;المبحث الثاني: محاور أساسية في التنمية المستدامة;المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامةبدأ استخدام مصطلح التنمية المستدامة كثيرا في الأدب التنموي المعاصر وتعتبر الاستدامة نمط تنموي يمتاز بالعقلانية والرشد، وتتعامل مع النشاطات الاقتصادية التي ترمي للنمو من جهة ومع إجراءات المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية من جهة أخرى، وقد أصبح العالم اليوم على قناعة بأن التنمية المستدامة التي تقضي على قضايا التخ

عوامل قوة الدولة

ان لعوامل القوة المتاحة للدولة دور كبير في تحديد مكانتها على الساحة الدولية لكن قبل التعرض لهذه العوامل يجب علينا ان نعرج على بعض المفاهيم إن القوة ـ كما أوضحت تعريفاتها ـ ليست التأثير ، وإنما القدرة على التأثير . وتستند هذه القدرة على امتلاك الدولة إمكانيات (خصائص ، موارد ، قدرات ، مؤسسات) معينة تشكل مقومات القوة القومية Elements of National Power التى تمكنها من التأثير على سلوكيات الدول الأخرى فى الاتجاهات التى تحقق مصالحها، كالمساحة الجغرافية ، وعدد السكان ، والموارد الطبيعية ، والقدرات الإقتصادية ، والقوة العسكرية ، والبنية التكنولوجية ، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية ، والحالة المعنوية للشعب ، وغيرها . لكن ، على الرغم من أن هذه الإمكانيات المتداخلة تشكل فى مجموعها عوامل القوة الشاملة لأى دولة ، فإن هناك اختلافات أساسية فيما بينها ، ترتبط باعتبارات عملية ، تتصل بالقدرة على استخدامها فى عملية التأثير ، خاصة خلال المواقف التى يتعرض ف

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة جابر سعيد عوض ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 20ص. شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها. لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال"بارسونز" parsons، و"هومانز" Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في