241189572571696

الاثنين، 27 سبتمبر 2010

العلاقات الجزائرية-الفرنسية، ومسألة "التوبة الكولونيالية" فرص الاعتراف والاعتذار... وقيود المصالحة التاريخية




عصام بن الشيخ[1]
أستاذ العلوم السياسية
بجامعة "قاصدي مرباح" الجزائر
خطة المقال:
-       تمهيد
-       الخلافات التاريخية والسياسية
     استرجاع الأرشيف الجزائريّ
     تعويض ضحايا الاستعمار والتفجيرات النووية
-       الخلافات الاقتصادية
-       الخلافات العسكرية والأمنية
            محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية
            محاربة الإرهاب في الساحل الإفريقي
      حضر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قمة نيس "فرنسا-أفريقيا" مطلع شهر جوان 2010، بعد أن ألحّ عليه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتلبية الدعوة، وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الرئيس المغاربيّ الوحيد الذي حضر القمة، بعد أن قرّرت بقية الدول المغاربية تخفيض سقف تمثيلها، في الوقت الذي انتظر فيه المراقبون رفض الرئيس الجزائري المساومة الفرنسية على قضية الاعتذار الفرنسيّ للجزائر عن الحقبة الاستعمارية. والمدهش أنّ القمة كانت فرصة لتذليل فداحة الصورة العالمية للانقسام العربي بوساطة فرنسية، بعد أن قام الرئيس بوتفليقة بتحية الرئيس المصريّ محمد حسني مبارك العائد من رحلة علاجية بألمانيا.[2]
    ينظر الفرنسيون للجزائر باعتبارها بلدا عربيا مؤثرا في السياسة الفرنسية، لامتلاك الجزائر جالية كبيرة في فرنسا، أصبح تأثيرها جليّا وخطيرا في الداخل الفرنسيّ، الذي يشهد تجاذبات ونقاشات حادة حول قضايا الدين الإسلاميّ والإرهاب والحجاب والنقاب والمآذن وقانون تمجيد الاستعمار...، إضافة لسجالات القوانين اليمينية المتطرفة، المعبّرة عن صراع الهوية الفرنسية مع الهوية الجزائرية العربية، والصراع بين الديانة الجزائرية الاسلامية والديانة المسيحية، رغم أنّ فرنسا "دولة علمانية". وتمثّل هذه الخلافات جوهر الصورة النمطية الذهنية المتشكّلة لدى النخب الفرنسية عن الجزائر، وجوهر الصورة الذهنية المتشكلة عن فرنسا لدى الجزائريين.
    تربط الجزائر علاقة ملتبسة بفرنسا، جعلتها لا تقبل المضي قدما نحو تطوير العلاقات مع باريس، دون مناقشة مسألة اعتذار الفرنسيين عن استعمار الجزائر، وإقرار تعويضات مالية لضحايا التفجيرات النووية في مدينة رقان الجزائرية مطلع ستينيات القرن الماضي، ومناقشة انعكاسات إقرار الفرنسيين قانون 23 فبراير 2005 لتمجيد الاستعمار، وهي المسائل التي يرفض اليمين الفرنسي مناقشتها مع الجزائريين، خصوصا اللوبي الفرنسيّ المؤمن بأطروحة "الجزائر فرنسية".  
    ورغم ارتباط الجزائر بالسوق الدولية والرأسمالية العالمية منذ تولّي الرئيس بوتفليقة الحكم سنة 1999، فهي لم تقبل طيّ مسألة الاعتذار الفرنسيّ للجزائر عن حقبة الاستعمار، وهي تسعى لوظيف هامش المناورة المتاح أمامها رغم الضغوط الدولية المركّزة، لتحقيق مكاسب ومصالح جديدة في الساحة العالمية، ونصرة القضايا الدولية العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين المحتلة والصحراء الغربية. وتعتبر هذه المطالب جزءا من الحركة الدولية للمطالبة بعالم متعدّد الأقطاب، أكثر استقرار وعدالة من النظام أحادي القطبية، الذي كرّس حالة اللاتوازن بين دول الجنوب الفقيرة ودول الشمال المتقدمة. وهو ما يعني أنّ الجزائر تعتمد وبشكل استراتيجيّ على هذا الانتماء السياسيّ الدوليّ "المتضارب"، للاقتصاد الرأسمالي الاستغلاليّ من جهة، والحركة الدولية المناهضة لظاهرة الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية من جهة أخرى، لتحقيق مكاسب متزامنة، تجعلها تستفيد من انخراطها العالمي، في دعم مقاربتها في تعريف علاقتها بالقوى الدولية الكبرى، والتفاوض من موقع القوة أمامها، خصوصا الفرنسيون، الذين يرفضون بناء علاقة متوازنة مع الجزائر، تمكنها من تحقيق مصالحها وأهدافها، وهو ما عبّر عنه الرئيس بوتفليقة في قمة 5+5 بتونس، حين قال: "تريدون منّا الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، ونريد منكم دعم مشاريعنا التنموية".
   وبناء على ما تقدّم بالإمكان الانطلاق من التساؤلات التالية للاقتراب من الإجابة على أسباب تأزم العلاقات الجزائرية الفرنسية، وانعكاسات الخلافات بين الجانبين على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بينهما، ولماذا لم تنجح الجزائر في جعل فرنسا تنخرط في حركة الاعتذار العالمية لطيّ صفحة الماضي الاستعماري والمضيّ قدما نحو توقيع اتفاق الصداقة بينهما:
    لماذا ترفض فرنسا الاعتذار للجزائر عن حقبة الاستعمار؟، ولماذا ترفض فرنسا الاستفادة من الميزة التفضيلية التي يمنحها الاقتصاد الجزائري، مقابل التنازل عن المطالب السياسية للجزائر بحلّ المسألة التاريخية بينهما؟. هل تعتبر النخبة الوطنية الجزائرية حركة مناهضة للتطبيع مع فرنسا، لأنها تشهر سلاح التاريخ ضد توقيع "معاهدة الصداقة" مع فرنسا؟.
    هل تخضع مسألة الاعتذار الفرنسيّ للجزائر لارتباطات الجزائر بشبكة الرأسمالية العالمية التي تسبّبت في تحريف مسار القضايا العالمثالثية العادلة ومنها القضية الجزائرية ؟، أم أنّ الجزائر غير منخرطة بالأساس في دائرة الهيمنة العالمية، وهي قادرة على تخليص نفسها من أية ارتباطات قد تفرض تنازلها عن طلب الاعتذار الفرنسيّ عن حقبة الاستعمار؟. لماذا اعتذرت ايطاليا لليبيا واعتذرت فرنسا لمدغشقر، وترفض فرنسا الاعتذار للجزائر؟، ما الفرق بين احتلال يعتذر وآخر يفتخر بأنّ للاستعمار محاسن وايجابيات؟، ما السبيل لجعل العلاقات الجزائرية الفرنسية متوازنة أكثر، لإرضاء للجانبين، وبعث شراكة حقيقية تجعل الجزائر تستفيد من ارتباطها التاريخي بفرنسا، خصوصا عبر ورقة الجالية الجزائرية في فرنسا؟.
    الخلافات التاريخية والسياسية
        شبّه السفير الفرنسيّ بالجزائر العلاقات بين فرنسا والجزائر بلعبة المكعّب الدوار التي ترفض أن تكتمل، حيث يكون الطرفان في ارتباط وثيق، يجعل الحلّ موجودا، لكنه مغيّب تماما عندما يرفض الطرفان إعطاء فرصة للبديل العقلاني، والبحث عن التقاطعات الموجودة بينهما، لترقية علاقتهما إلى معاهدة أبدية للصداقة الإستراتيجية، كما كان مقررا في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك.
    يعتبر الباحث الجزائري والنائب السابق في مجلس الأمة الدكتور محمد القورصو أنّ إدانة الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي للاستعمار في خطابه بجامعة قسنطينية سنة 2007، يشبه "إعطاء حبة حلوى لبطن جائع"،[3] واعتبر القورصو أنّ خطاب "مراوغة سياسية" تؤكّد الإصرار الفرنسي على عدم الاعتراف وعدم الاعتذار، لأنّ الاعتذار الحقيقي الذي تطالب به الجزائر، يعني المصالحة الفعلية وإعادة محاكمة الذاكرة الفرنسية وكشف حقيقة الممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، والتي قال فيها فرحات عباس: "إنها لمعجزة أننا لم نلق نفس مصير الهنود الحمر؟".[4]
    تريد باريس اعتذارا من الجانبين، من فرنسا ومن الجزائر، اعتذار فرنسي على أحداث 08 ماي 1945، مقابل اعتذار جيش التحرير الجزائري ALN على الاغتيالات التي طالت المدنيين الفرنسيين أثناء الثورة الجزائرية بين 1954-1962، مع ذلك يرفض هذا الاعتذار اليمين المتطرف في فرنسا، وعلى رأسه واحد من بين أشهر الكتاب الفرنسيين الذين يقودون النخب ضدّ الاعتراف الفرنسيّ، الكاتب باسكال بوركينز، الذي أعلن أنّه يدين كل فرنسي يدعم خيار الاعتذار الفرنسي للجزائر، إضافة إلى دانيال لوفيير صحاب كتاب ""حتى نقضي على فكرة التوبة الكولونيالية". والملاحظ أنّ هذا الخطاب الفرنسيّ الراديكاليّ قد أصبح يلقى شعبية واسعة في فرنسا بعد أن علا نجم المعارض اليميني المتطرف جون ماري لوان مرشح الرئاسة السابق ضدّ الرئيس الأسبق جاك شيراك.
   استرجاع الأرشيف الجزائريّ
    لم تسمح الحكومة الفرنسية بحصول الجزائر على الأرشيف الوطنيّ التاريخي للجزائر، خصوصا والأرشيف الفرنسيّ عن الفترة الاستعمارية للجزائر، إضافة إلى خرائط الألغام المنتشرة على المناطق الحدودية، حيث لم تكن الألغام المسلمة من قائد أركان القوات الفرنسية لقائد أركان القوات الجزائرية، لم تكن مفيدة كثيرا في كشف الألغام الفرنسية في منطقة الحدود، رغم تركيز الفرنسيين على إعطاء تسليم خرائط الألغام طابعا رسميا، رافقه تغطية إعلامية فرنسية مكثفة، تغطي تبادل الخرائط مع ساعات مسجلة من الأرشيف السينمائي عن الفترة الاستعمارية.
    قال وزير المجاهدين الجزائري الشريف عباس أنّ الأرشيف الذي استلمته الجزائر عن فرنسا يمجّد الفترة الاستعمارية، ولا يعكس الاعتراف الفرنسيّ بحقيقة المذابح والمجازر المقترفة في حقّ الشعب الجزائري، وقال أنّ الفرنسيين لا يريدون تسليم الوثائق السرية التي تفضح الأوامر العسكرية الفرنسية ضدّ الأبرياء والعزل، منذ أحداث 08 ماي 1945 إلى سنة 1962، واعتبر أنّ أحداث 08 ماي 1945 كانت المنعرج الحاسم لتوضيح حقيقة الاستعمار الفرنسيّ الهمجي في الجزائر[5]، وأنّ الجزائر تقترب من اختطاف الاعتراف الفرنسيّ بجريمة الاستعمار في تلك الأحداث التاريخية المعروفة للعامل بأسره.
    وكتب السيد محمد السعيد مرشّح الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في أبريل 2009 في مقاله الموسوم بـ: "الاعتذار في العلاقات الدولية... وسيلة للتقارب والمصالحة"[6]، كتب عن حركة الاعتذار العالمية التي ظهرت أواخر القرن الماضي بناء على ضرورات القيم الإنسانية، التي تجعل الجلاّد والسجّان يكفّر عن خطئه بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية، ثم التكفير عن ذنبه بمنح التعويض عن مآسي الفترة الاستدمارية، ويدلّ الاعتراف على تأنيب الضمير، كمرحلة أولى للتكفير عن الذنب، باعتذار رسميّ موثّق، يؤكّد للأجيال المتعاقبة أخطاء المستعمر وتضحيات الدول والشعوب المستدمرة، بدء بممارسة التمييز ضدّ الأفراد أو ما أصطلح على تسميته بالعقلية الاستعمارية المفرّق بين المواطنين الفرنسيين و"الأهالي" (الأنديجان). وأفرد الدكتور محمد السعيد نماذج الاعتذارات الدولية الشهيرة كما حصل في الاعتذار الايطاليّ الرسميّ للشعب الليبيّ وتعويضه بما قيمته 05 مليارات دولار، بمقدار ربع مليار دولار لمدة عشرين عاما إضافة إلى تعويض ضحايا الألغام بانجاز مستشفى لعلاج وزرع الأعضاء للمتضررين من الألغام، واعتذار ألمانيا لإسرائيل عن ضحايا المحرقة، والتعويضات المالية عن فترة النازية، والتي تجاوزت إلى حدّ الآن أكثر من 60 مليار دولار، إضافة إلى اعتذار ألمانيا للتشيك سنة 1997 عن احتلالها إقليم السوديت، واعتذار رئيس دولة غواتيمالا للحكومية الكوبية عن دور بلاده في دعم المخابرات المركزية الأمريكية عام 1961 في محاولة قلب نظام الحكم. اعتذار اليابان لكوريا الجنوبية وتعويضها عن استغلال عشرات النساء في كوريا الجنوبية للترفيه عن الجنود اليابانيين، اعتذار أستراليا لسكان الأصليين سنة 2009، اعتراف البيض واعتذارهم بقيادة فريديرك دوكلارك على ممارسات نظام التمييز العنصري ضدّ السود في جنوب أفريقيا، واعتذار الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن عن الاغتيالات السياسية أثناء الثورة البلشفية من قبل الثوار البلاشفة ضدّ معارضيهم، اعتذار الحكومة الكندية عن التمييز الممارس لعشرات السنين ضدّ أبناء الهنود الحمر في مجال التعليم….، وغيرها من النماذج التي أثبتت إمكانية تجاوز الذاكرة المجروحة وبناء علاقات أكثر نضجا وثباتا من نمط العلاقات الخلافية السابقة.   
     تعويض ضحايا الاستعمار والتفجيرات النووية
    تمسك الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين، السيد سعيد عبادو بمطلب الجزائر الاعتذار الفرنسيّ عن الجرائم الاستعمارية[7]، ودافع عبادو عن وزير المجاهدين الذي تعرّض لحملة فرنسية كبيرة خصوصا من قبل وزير المجاهدين الذي رفض اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية، وقال السيد عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني في الذكرى الـ: 65 لأحداث 08 ماي 1945، أنّه سيظلّ يطالب الفرنسيين بالاعتذار دون توقّف، ردّا على حملة من أسماهم "ممجّدي الاستعمار في فرنسا"، مجدّدا الطلب الجزائري بتعويض المتضررين من التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر[8] ، وتوضّح الحملة الفرنسية لتمجيد الاستعمار، مدى تمسّك الفرنسيين بعدم الاعتراف بجرائم الحقبة الاستعمارية، واستمرار أكذوبة "الجزائر فرنسية" لدى جزء كبير من النخبة المثقفة في فرنسا، التي ترفض انخراط فرنسا في حركة الاعتذار العالمية عن الاستعمار، والفرق الواضح بين استعمار يعتذر عن أخطائه كما حدث بالنسبة لاعتذار ايطاليا لليبيا، وآخر مفتخر باحتلاله لأراضي الآخرين كما فعل ويفعل الفرنسيون اليوم[9]، حيث قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "أنّه لا يمكن للأبناء الاعتذار عمّا فعل الآباء"[10]، ما يعني أنّ فرنسا لا تشعر بتأنيب الضمير، ولا تأبه للذاكرة المجروحة للجزائريين، ليس الجزائريين فقط، بل كل الشعوب المغاربية، حيث تطالب الحكومة التونسية باريس بالاعتذار عن الحقبة الاستعمارية لتونس أيضا، خصوصا الأحداث الإجرامية للاستعمار الفرنسيّ ضدّ الشعبين الجزائري والتونسيّ في آن واحد، حين قصفت الطائرات الفرنسية المدارس والبيوت في ساقية سيدي يوسف سنة 1956، واختلط الدم الجزائريّ والتونسيّ، الذي يفضح الجرائم الفرنسيّة ضدّ الشعبين.
    وقد تحدّث الرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي في خطابه سنة 2007 عن حلم "الإمبراطورية الفرنسية التي ضاعت"، حلم نابليون بونابرت الذي غزا مصر، ونابليون الثالث الذي حلم بمملكة عربية في الجزائر، وهذا أكبر دليل حسب الباحث الجزائريّ محمد القورصو للحكم على الثقافة الكولونيالية المتأصلة لدى الرئيس الفرنسيّ، الذي دعا حزبه "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، إلى محاكمة جيش التحرير الجزائريّ على قتل المدنيين الفرنسيين أثناء حرب الجزائر 1954-1962.[11]
   الخلافات القانونية
    صدرت بفرنسا ما بين سنة 1965 و2005 عشرات المراسيم والقوانين التي أعادت الاعتبار لقيادات O.A.S منظمة الجيش السري والحركى والأقدام السوداء، ومكّنتهم عبر ترسانة من النصوص القانونية من إمكانية دعم مطالبهم باسترجاع ممتلكاتهم في الجزائر، من خلال رفع قضايا أمام المحاكم الدولية والأمم المتحدة ضدّ الحكومة الجزائرية، وقد شكلت تلك المطالب مادة لكسب مئات الآلاف من أصوات الناخبين المناصرين لمطالب اليمين الفرنسيّ المتطرف.
    ويصرّ النواب الجزائريون على تمرير قانون تجريم الاستعمار، ردّا على إقرار الفرنسيين قانون 23 فبراير 2005  لتمجيد الاستعمار، وتدريسه في المدارس الفرنسية، ويصرّ الرئيس بوتفليقة على اعتراف الفرنسيين بجريمة الاستعمار، كشرط لاستعادة الفرنسيين الميزة التفضيلية في الاقتصاد الجزائري، خصوصا المجال الطاقويّ، الذي لم يعد للفرنسيين فيه نصيب كبير أمام الأمريكيين، الذين أثبتوا قدرتهم على التكيف مع كافة الأوضاع السياسية والأمنية التي مرت بها الجزائر.
    أما طلب التعويضات للمتضرّرين من التفجيرات النووية الفرنسية في مدينة رقان بالصحراء الجزائرية مطلع ستينيات القرن الماضي، فهي تنبع بالأساس من الداخل الفرنسيّ، بعد أن قام نواب فرنسيّون بتقديم مشروع قانون للبرلمان الفرنسيّ بتعويض المتضريين، حيث لم يعد بالإمكان إخفاء حقيقة تلك الجريمة التي راح ضحيتها عشرات الجنود الفرنسيين، إضافة إلى الوزير الفرنسيّ للتعليم العالي الذي حضر تلك التفجيرات، وتوفيّ بمرض السرطان. وتعتبر التعويضات نصرا قانونيا إضافيا للجزائر، التي لا تزال تستخدم فرنسا جبهة دعم لمواقفها السياسية كما كانت تفعل أثناء حرب التحرير، وهو ما كان يشيد به كثيرا الراحل ادوارد سعيد، حين دعا الفلسطينيين إلى استخدام عرب 1948، قادة جبهة إضافية ضدّ إسرائيل، كما فعل الجزائريون في فرنسا.
    الخلافات الاقتصادية
     اتخذت الحكومة الجزائرية تدابيرا اقتصادية أحدثت غليانا كبيرا في فرنسا وسط أرباب العمل، قضية ميناء مرسيليا الذي تسبب في خسارة بلدية مرسيليا لمداخيل هامة، حيث أمر الرئيس الفرنسيّ بتوقيف استخدام الجزائريين لميناء مرسيليا كميناء مؤقت للبضائع الجزائرية، وهو ما يعني خسارة الميناء الفرنسيّ لمداخيل هامة، وخسارة بلدية مارسيليا أيضا لميزانية ضخمة، ولم تنفع زيارة نواب فرنسيين وعن المجلس البلديّ لمدينة مرسيليا للجزائر في تحلّ القضية، التي اتخذ فيها قرار رئاسيّ نهائي، غير قابل للمفاوضة، نتيجة للإصرار الفرنسيّ على عدم الاعتذار عن الاستعمار الفرنسيّ للجزائر، ومن هنا يتأكد للجزائر أنّها قادرة على استخدام أوراق الضغط الاقتصادي على باريس، خصوصا وأنّ الجزائر تتمتع بوضع اقتصاديّ مريح بعد تحقيقها لاحتياطيّ تجاوز 150 مليار دولار في الصندوق الوطنيّ لضبط الإيرادات، ومديونية خارجية معدومة، والإعلان عن خطة تنموية خمسية بـ: 286 مليار دولار بين سنتي 2010 و2014، ربما لن يكون لفرنسيين فيها نصيب كبير بعد التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الجزائرية مع كلّ من أميركا والصيت وروسيا وكوريا الجنوبية.  وإجابة على السؤال حول أولوية المصالح الاقتصادية مع فرنسا "بمنطق البراغماتية النفعية، على المطالبة "بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية صراحة وعلنا أمام العالم"، فالجواب يتعلق بالموقف الفرنسيّ من الإجابة عن ذا التساؤل، وليس الموقف الجزائري، بعد أن أصبحت الجزائر في وضع اقتصاديّ جدّ مريح.
    أبدى الرئيس الجزائريّ امتعاضه من النتيجة المخيبة للآمال بعد الانخراط الجزائريّ في مشروع برشلونة للشراكة الأورومتوسطية سنة 2002 ثم الاتحاد من أجل المتوسط سنة 2007، حيث أكّد وزير المالية الجزائريّ أنّ الجزائر تخسر جرّاء هذه الشراكة أكثر مما تربحه من مشاريع تفرض على الجزائر القيام بإصلاحات اقتصادية هيكلية، كما أنّ إعلان الرئيس ساركوزي سنة 2007 نية الحكومة الفرنسية استثمار 05 مليارات أورو في الجزائر، ارتبط بدعوة الرئيس ساركوزي بناء علاقة مستقبلية تتجاوز الخلافات التاريخية، وردّ الرئيس الجزائريّ بأنّ الجزائر تريد مستقبلا على قاعدة الماضي.[12]
    عندما قام الرئيس هواري بومدين بتأميم النفط الجزائري في 24 فبراير سنة 1971، قال الفرنسيون أنّ النفط الجزائريّ رديء وملوث باللون الأحمر"، فردّ الرئيس هواري بومدين بأنّ النفط الجزائريّ متخلط بدماء الشهداء الجزائريين، حينها قمت الحكومة الفرنسية برفع قضية في محكمة العدل الدولية تلزم الجزائر بالتراجع عن تأميم النفط الجزائري، والالتزام باتفاقية ايفيان سنة 1961 التي تنصّ على أنّ كلّ ما هو فوق الأرض ملك لجزائر، وكلّ ما هو تحت الأرض ملك للفرنسيين.

    الخلافات العسكرية والأمنية
     تحاول باريس بشكل مستمر استدعاء الخلافات السياسية الناجمة عن الأزمة الأمنية الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي لممارسة ضغوط سياسية على الجزائر، خصوصا قضية الرهبان المغتالين في رهبان دير تيبحرين بالجزائر، في حين ترفض الجزائر هذه المسألة وترى أنّ باريس تسعى لإغراق مطلب الاعتذار عن الاستعمار في مستنقع في ملفات معقدة ومثيرة للجدل، لتشتغل على ظروف تسير عكس الطرح الجزائريّ لتفريغه من محتواه.
    محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية
   يتهم الفرنسيون الجزائر بالتواطؤ حيال عدم التشدّد في مكافحة ظاهرة غير الشرعية، ويرى الجزائريون أنّ القضية معقدة ومتعددة الأبعاد، وتتطلب تنسيقا من جميع الدول المتوسطية لحلها، ويتضح من هذه المسألة أنّ الفرنسيين يشكّون في أنّ الجزائر تتعمّد عدم التشدّد حيال المهاجرين غير الشرعيين، لأنهم أصبحوا يشكّلون ورقة ضغط إضافية على الحكومة الفرنسية إلى جانب الجالية الجزائرية في فرنسا، وقد سبق للرئيس نيكولا ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك وأنّ قام بوصف الشبان الجزائريين والمغاربة المنتفضين في الضواحي الفرنسية "بالنفايات البشرية"، لكونهم يلجؤون إلى العنف للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية، وكان ساركوزي نفسه قد أعلن من قبل فسح فرنسا المجال أمام الشباب المتعلّم للتجنيس الاختياري، حسب احتياجات الدولة الفرنسية، خصوصا فئة المهندسين والتقنيين، وهو ما اعتبر استغلالا واضحا للطاقات والعقول والأدمغة الجزائرية، التي ترفضها الجزائر.
     كارثة ظاهرة الهجرة غير الشرعية تصيب الأمة العربية بأكملها، لكن الدول المغاربية تجد نفسها وحيدة في مواجهة الدول الأوروبية حول هذه القضية، العواصم الأوروبية التي كانت معظم عواصمها ولا تزال مقرا للعديد من الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة للنظم السياسية العربية، وقد أثبت العرب جميعهم سوء إدارة لهذه القضية، التي تؤشّر إلى ضعف الموقف العربي المجمل تجاه القضايا التي تهمّ العرب والجاليات العربية في أوروبا. خصوصا وأنّ أعداد ضحايا الزوارق الشراعية الذين ماتوا في عرض البحر الأبيض المتوسط، والمهاجرون غير الشرعيين في الدول الأوروبية، يتجاوز الكلفة البشرية لضحايا الحروب العربية الإسرائيلية جميعها.
    الجزائر تعتبر حالة عربية نموذجا بهذا الخصوص، بلد لا يستطيع توفير ما يوفره الأوروبيون من نمط الرفاه الاجتماعيّ للشباب، لكنه يحاول أن يستخدم ورقة المهاجرين للضغط على الدول الأوروبية، لأنّ الجزائريين في الدول الأوروبية لم تسقط عنهم الجنسية الأوروبية التي تمكنهم من المساهمة في بناء الجزائر، سواء من ناحية التحويلات المالية بالعملة الصعبة إلى داخل الجزائر، أو من ناحية الاستفادة من الكفاءات المهاجرة، ما يعني أنّ الاقتصاد الجزائريّ مستفيد من الاقتصاديات الأوروبية بهذا الخصوص، وخصوصا الاقتصاد الفرنسيّ، ويجب على الفرنسيين أن يدركوا أنهم يخسرون الكثير بتراجع استثماراتهم في الجزائر، خصوصا بعد الإجراءات الحكومية الجديدة التي منعت هروب العملة الصعبة للخارج، عن طريق وقف القروض الاستهلاكية عبر منع البنوك الأجنبية من الاستمرار في تقديمها.
    محاربة الإرهاب في الساحل الإفريقي
   تمارس فرنسا سياسة مناقضة للسياسة الأمنية الجزائرية في منطقة الساحل الأفريقي، سعيا نحو حماية مواردها لليورانيوم، وهي تضغط لإفشال كافة الأدوار الجزائرية الساعية لمكافحة ظاهرة الإرهاب في منطقة الساحل من خلال الجهود الذاتية لجيوش دول المنطقة، وعدم السماح لقوات الأمريكية أفريكوم[13]، أو القوات الفرنسية بالتحكم والسيطرة على الخطة الأمنية لدول الساحل.
    وقد قامت الجزائر برفض قيام الحكومة الفرنسية بدفع فدية لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل بوساطة الحكومة المالية، لتحرير رهينة فرسي لدى التنظيم، وبذلت الجزائر جهودا دولية لتجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، وأبدت امتعاضها من بالسلوكات الفرنسية المنافية للقانون الدولي، بحجة الدواعي الانسانية.[14] كما تشتكي الجزائر من السياسات الفرنسية في دول الساحل، والتي تسعى لحماية مصادر الموارد في هذه الدول، دون الاكتراث لجهود هذه الدول لمحاصرة ظاهرة الإرهاب، وهو ما يؤكّد أنّ فرنسا ترفض التنسيق مع الدول المغاربية ودول الساحل الإفريقي باعتبارها مجموعات اقليمية، وتسعى للتفريق بينها لتحقيق مصلحتها المنفردة.


[1] -  أستاذ العلوم السياسية بجامعة "قاصدي مرباح" ورقلة، الجزائر
[2] - كان للفرنسيين دور في ذلك اللقاء، الذي أكّد أنّ الخلاف الجزائريّ المصريّ عيّنة تمثّل مدى الانقسام العربي على الثوابت، وأنّ العالم العربي ضعيف تماما أمام القوى الدولية الكبرى، بسبب تركيز عدد من الدول العربية الكبرى على ما أصبح  يطلق عليه "محور الممانعة العربي"، والجزائر تعبّر عن قربها من خيار المقاومة العربي ضدّ الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على العالم العربيّ.
[3] - حميد يس، "الخبر السياسي: محمد القورصو يقول إنّ فرنسا تشعر بالذنب إزاء الحركى والأقدام السوداء... إدانة ساركوزي للاستعمار حبّة حلوى في بطن جائع،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[4] - محمد السعيد، "الاعتذار في العلاقات الدولية: وسيلة للتقارب والمصالحة،" جريدة الشروق اليومي، الجزائر، العدد: 2950، (الاثنين 31 مايو 2010)، ص.06.
[5] - ـــ، "شدّد على ضرورة أخذ العبر من تلك الأحداث... وزير المجاهدين يؤكّد: مجازر الـ: 08 من ماي أكثر الحلقات دموية في مسيرة الكفاح،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3720، (الأحد 09 مايو 2010)، ص.04
[6] - المرجع نفسه.
[7] - ـــ، "تمسّك بمطلب الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية... عبادو يؤكد: قانون تجريم الاستعمار حق للشعب الجزائري،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3718، (الخميس 06 مايو 2010)، ص.02.
[8] - محمد سعيدي، "جدّد إدانته للحملة المسعورة التي يقودها ممجّدوا الاستعمار.. الأفلان يطالب فرنسا بالاعتراف بحقيقة الجريمة الاستعمارية،" يومية صوت الأحرار (لسان حال حزب جبهة التحرير الوطني)، الجزائر، العدد: 3719، (السبت 08 مايو 2010)، ص.02.
[9] - جلال بوعاتي، ""الخبر السياسي: تركة فرنسا ثقيلة جدا وخبايا التاريخ شبح مخيف... لماذا نجحت ليبيا مع روما وفشلت الجزائر مع باريس؟،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[10] - حميد يس، مرجع سابق، ص.02.
[11] - المرجع نفسه.
[12] - محمد شراق، ""الجزائر تريد مستقلا على قاعدة الماضي وفرنسا تضغط لمستقبل بلا ماضي،" يومية الخبر، الجزائر، العدد: 2950، (الأحد 01 نوفمبر 2009)، ص.02.
[13] - بوعلام غمراسة، "لسنا معنيين بمشروع قيادة القوات الأمريكية في الساحل الأفريقي: وزير الخارجية الجزائري ينفي وجود قواعد عسكرية لواشنطن في بلاده،" الشرق الأوسط، الرياض، في الموقع:
[14] - ـــــــ، "محمد كمال بارة: دفع الفدية من وسائل تمويل الإرهاب،" مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية، يومية الشعب، الجزائر، عدد: 15072، (الثلاثاء 29 ديسمبر 2009)، ص.03.
.

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا لك استاذ على هذا الموضوع الجميل
    فعلا يشكل الآن الاعتذار واحدا من أهم المفاهيم التي كانت ولا تزال فاعلا اساسيا في العلاقات الدولية ولها دور اساسي في عمليات حفظ السلم والامن الدوليين، وبما متطلبات الأمن الدولي في الوقت الراهن تزايدت فكان من الأجدر البحث أكثر في اثارة مثل هذه الاشكاليات والمواضيع التي تثري حقل العلاقات الدولية وفي نفس الوقت تسمح لصناع القرار في الدول العربية للاستفادة اكثر من النخب العلمية والاكاديمية في هذا المجال.

    ردحذف