241189572571696

الأحد، 10 يوليو، 2011

تحولات مفهوم الأمن الإنساني


  
محمد المهدي شنين 
                          
شكل الأمن ولا يزال محور تفكير الإنسان سواء كان فردا أم جماعة ، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأولى والمصلحة العليا للدولة ، فلا يستقيم نظام ولا يقوم اقتصاد دون ترسيخ وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار ، وقد ترك التطور التاريخي وتركب وتعقد الحياة الإنسانية بصمات كبيرة وعديدة على مفهوم الأمن والذي أصبح بدوره أيضا مركبا ومعقدا كما أصبح مرآة عاكسة للتطور المفاهيمي والفكري ، والتغير المتسارع الذي تشهده الإنسانية عبر مراحلها التاريخية وخصوصا مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، وهذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال التعرض لمفهوم الأمن الإنساني محاولين استجلاء ابرز التغيرات التي دخلت عليه وموضحين لأبرز مهدداته
*      مفهوم الأمن الإنساني
الأمن لغة يعني الاطمئنان الناتج عن الوثوق بالغير ، وبالله ومنه جاء الإيمان ، وقد تغير مفهوم الأمن وتعقد بسبب التراكم التاريخي وتعقد الظاهرة الإنسانية ، فيعتبر التحول في مفهوم الأمن نتيجة منطقية لتغير المشهد الدولي حيث تعددت الفواعل على الساحة العالمية كما تنوعت مصادر التهديد داخل وخارج الدولة مما يستلزم مفهوم جديد للأمن يحاول أن يشمل كل هذه الظواهر الجديدة فظهر الأمن الإنساني .
   نجد له تعريف انه " امن الإنسان من الخوف (القهر، العنف، التهميش) والحاجة (الحرمان وعدم التمكين الاجتماعي ) أي محاولة خلق ديناميكية تدمج الإنسان في الأولويات التنموية والسياسية بدل التركيز على استقرار النظام السياسي وبيئته .(1)
كما تعرفه لجنة الأمن الإنساني على انه "حماية أساسيات البقاء بطريقة ترقي من حقوق وحريات الإنسان "(2)
فالفرد جوهر الأمن الإنساني ، إذ يعنى بالتخلص من كافة ما يهدد امن الأفراد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال التركيز على الإصلاح المؤسسي وذلك بإصلاح المؤسسات الأمنية القائمة وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية مع البحث عن سبل تنفيذ ما هو قائم من تعهدات دولية تهدف إلى تحقيق امن الأفراد وهو ما لا يمكن تحقيقه بمعزل عن امن الدول .(3)
أما كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في تقريره للأمم المتحدة عام 2000 والمعنون بـ "نحن البشر" أعطى توصيف للأمن الإنساني كالآتي :
يتضمن امن الإنسان بأوسع معانيه ما هو أكثر بمراحل من انعدام الصراعات العنيفة فهو يشمل حقوق الإنسان ، الحكم الرشيد وإمكانية الحصول على التعليم وعلى الرعاية الصحية وكفالة إتاحة الفرص والخيارات لكل فرد لتحقيق إمكاناته، وكل خطوة في هذا الاتجاه هي أيضا خطوة نحو الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي ومنع الصراعات والتحرر من الفاقة وحرية الأجيال المقبلة في أن ترث بيئة طبيعية صحية هي اللبنات المترابطة التي يتكون منها امن الإنسان وبالتالي الأمن القومي .(4)
وقد حدد محرري تقرير الأمم المتحدة عن الأمن الإنساني في 1994 وهما الباكستاني محبوب الحق والهندي امارتيا سان amartiya sen أبعاد للأمن الإنساني حسب فلسفة الحاجات الإنسانية :
1/ الأمن الاقتصادي : أي ضمان الحد الأدنى من المدخول لكل فرد .
2/ الأمن الغذائي : أي ضمان الحد الأدنى من الغذاء لكل فرد .
3/ الأمن الصحي :أي ضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لكل فرد
4/ الأمن البيئي: أي حماية الإنسان من الكوارث الطبيعية والحفاظ على البيئة من استدمار الإنسان .
5/ الأمن الفردي : ويعني حماية الإنسان من العنف المادي من طرف الدولة /الدول/الفواعل غبر الدولية .
6/ الأمن المجتمعي : الذي يقوم على ضمان الاستمرار في العلاقات الاجتماعية التقليدية والحماية من العنف العرقي/الطائفي .
7/ الأمن السياسي : الذي يضمن للبشر العيش في كنف مجتمع يضمن ويرقي حقوق الإنسان .(5)
فأصبح الأمن الإنساني إطارا موسعا للأمن الوطني مكون من (امن الدولة + امن المجتمع +امن الإنسان)، وقد أنتج مفهوم الأمن الإنساني مجموعة من المبادرات الدولية مثل المبادرات اليابانية ، النرويجية ، الكندية ..والتي جعلته أولوية من أولويات سياستها الخارجية
*      الأمن الإنساني وعلاقته بالمفاهيم الأخرى .
أ/ امن الإنسان وأمن الدولة :
يكمل امن الإنسان امن الدولة في أربعة جوانب:
-       اهتمامه هو الفرد والمجتمع لا الدولة .
-       تشمل التهديدات لأمن الناس ، التهديدات والأوضاع التي لم تكن تصنف دائما على أنها تهديدات لأمن الدولة .
-       نطاق الجهات الفاعلة أوسع من مجرد الدولة وحدها .
-       تحقيق امن الإنسان لا يتضمن مجرد حماية الناس بل يتضمن أيضا تمكين الناس من أن يدافعوا عن أنفسهم .
-       يركز امن الدولة على الدولة على الدول الأخرى التي لديها مخططات عدوانية أو عدائية ، أما امن الإنسان فهو يحول التركيز على العدوان إلى حماية الناس من مجموع تهديدات مختلفة
ب/ امن الإنسان وحقوق الإنسان :
يمثل احترام حقوق الإنسان لب حماية امن الإنسان ويشدد إعلان فيينا لحقوق الإنسان الصادر في 1993 على عالمية وترابط حقوق الإنسان لجميع الناس ، لذلك فحقوق الإنسان وامن الإنسان يعزز كل منهما الآخر ، فأمن الإنسان يساعد على تحديد الحقوق المعرضة للخطر في حالة بعينها ، وحقوق الإنسان تجيب على السؤال التالي : لماذا ينبغي تعزيز امن الإنسان ؟(6)
ج/ امن الإنسان والتدخل الإنساني :
مصطلح التدخل الإنساني مركب من كلمتين التدخل والإنساني فالتدخل يعني التدخل العسكري أي استعمال القوة ، والإنساني يتعلق بالإنسان و خاصة المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي تم في حقها خرق أو انتهاك فادح ، أي استعمال القوة لوضع حد لانتهاك حقوق الإنسان .(7)
من الملاحظ الاختلاف بين التدخل الإنساني والأمن الإنساني لان الأول يكون في حالة انتهاك الفادح للحقوق البشرية بشكل تعسفي أي انه يكون كحل أخير بعد حدوث الخطر ، أما الأمن الإنساني فهو اشمل يحاول عدم الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من خلال ضمان كل احتياجات البشر لتحقيق السلم العالمي .كما أن التدخل الإنساني قد يكون غطاء ووسيلة للتدخل في شؤون الدول .
*      جذور مفهوم الأمن الإنساني
شهدت فترة الحرب الباردة بعض المحاولات المحدودة لدراسة المشاكل والقضايا الإنسانية وفي سنة 1966 طرح بلاتز رؤيته حول الأمن الفردي individual security   في كتاب له بعنوان" الأمن الإنساني بعض التأملات "، وترتكز فرضيته على أن مفهوم الأمن شامل يضم العلاقات الاجتماعية كافة التي تربط الجماعات والمجتمعات ، وأكد أن الدولة الآمنة لا تعني بالضرورة الأفراد الآمنين ، فاعتبرت أفكاره تحدي المستوى النظري للفكر التقليدي المرتكز على امن الدولة ، ولم تثر أفكار بلاتز آنذاك صدى واسع بسبب البيئة الدولية وظروف الحرب الباردة .(8)
كما أثير موضوع الأمن الإنساني في مناقشات لمنظمات ولجان مستقلة وفي بعض المؤتمرات الدولية منها اللجنة المستقلة حول قضايا التنمية الدولية برئاسة فيلي براند ، وعرفت اللجنة بلجنة براند       Brandt comission وتشكلت في 1977بناء على اقتراح روبرت مكنمار رئيس البنك الدولي ، وقد ركزت اللجنة عملها على قضايا الشمال – جنوب وأصدرت تقرير في 1980 أكدت فيه أن المشاكل التي تواجهها البشرية لم تعد مقصورة على المشاكل التقليدية من سلم وحرب إذ توجد أنماط أخرى أكثر خطورة من جوع وفقر ، وأكد التقرير على ضرورة التغلب على الفجوات المتزايدة بين الأفراد والدول لتحقيق الأمن الإنساني ومن ثم السلم العالمي .
كما قدمت اللجنة تقريرا ثان بعنوان " الأزمات المشتركة : تعاون الشمال – جنوب للتعافي العالمي سنة 1983 " تحدثت فيه عن الأمن الغذائي والزراعي والأمن الطاقوي .
ساهمت أيضا بعض لجان الأمم المتحدة في بلورة المفهوم منها لجنة برونتلاند التي عرفت بلجنة الحكم الرشيد العالمي المنبثقة عن مبادرة ستوكهولم للأمن العالمي والحكم الرشيد لعام 1991 والتي دعت إلى مفهوم واسع للأمن يتعامل مع تحديات التنمية والبيئة والزيادة السكانية .(9)
وقد أعدت الأمم المتحدة دراسة سنة 1987 ساهم فيها 23 باحثا خلصت إلى ضرورة إنشاء مجلس مراقبة عالمي تحت رعاية الأمم المتحدة لمراقبة قضايا تهديد الأمن الإنساني .(10)
    ما نستخلصه في هذا الباب أن التطرق لمفهوم الأمن الإنساني قبل نهاية الحرب الباردة لم يسعى لتوسيع مفهوم الأمن بقدر تركيزه على مصادر تهديد امن الأفراد ، فنجد أن الأمن الإنساني لم يطرح في سياق علاقته بمفهوم الأمن القومي والى أي مدى يكمل كل منهما الأخر .
*      تطور مفهوم الأمن في فترة ما بعد الحرب الباردة
شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة بروز مفاهيم أمنية مغايرة للمفاهيم التقليدية للأمن والتي عكست تحولات البيئة الأمنية ، مما افرز جدل حول طبيعة ومكونات مفهوم الأمن وضرورة إضافة متغيرات جديدة له كالأفراد والإقليم والنظام الدولي بدلا من الدولة فقط إضافة إلى توسيع المفهوم ليمتد إلى القضايا الاقتصادية والبيئية والمجتمعية ، كما يعتبر هذا الجدل امتداد للتساؤلات التي طرحت حتى قبل نهاية الحرب الباردة حول المفهوم التقليدي للأمن والمرتكز على امن الدولة القومية باعتبارها الفاعل الرئيسي والوحيد المؤثر في الساحة العالمية ، فقد برزت المنظمات الحكومية وغير الحكومية والجماعات المسلحة ، والتي بدأت تتموضع بشكل بارز في العلاقات الدولية وأضحت تهدد حتى الدولة القومية ، ومن جهة ثانية لم يعد مصدر تهديد امن الدول ينبع من خارج الحدود فقط بل برزت تهديدات داخلية لا تستطيع الأداة العسكرية التعامل معها في كثير من الأحيان .
فجاءت الدراسات لمفهوم الأمن الإنساني محاولة لإدماج البعد الإنساني في الدراسات الأمنية إذ أن جوهر مفهوم الأمن الإنساني هو التركيز على امن الأفراد داخل وعبر الحدود بدل من التركيز على امن الحدود وعليه فقد شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة مجموعة مفاهيم للأمن مغايرة للمفهوم التقليدي ، برزت في سياق مجموعة تحولات مثل الأمن التعاوني Cooperative Security ، والأمن المعقد complex security والأمن الإنساني human security (11)
*     مهددات الأمن الإنساني
هناك العديد من المشاكل والمهددات التي تواجه الأمن الإنساني سواء كانت بشرية أو طبيعية .
1/ ندرة المياه :
إذ يفتقر واحد بين كل خمسة أشخاص إلى الحصول على مياه مأمونة ويفتقر نصف سكان العالم إلى الصرف الصحي ، ويموت 1.7 مليون شخص سنويا بأمراض مرتبطة بسوء إمدادات المياه ، وندرة المياه الشروبة تهدد ثلثين من سكان العالم ، ولعل ندرة المياه أصبحت عامل أساسي ومهم في الحروب بين الدول والقبائل حول مصادر المياه وربما سيتطور الأمر أكثر في المستقبل .(12)
2/ الأمن الغذائي :
وهو ناتج أساسا عن ندرة المياه والكوارث الطبيعية والجفاف مما يؤدي إلى النزوح والحروب والمجاعات التي ازدادت بشكل ملحوظ .
3/ الأمن الإنساني والحروب :
إذ تعد الحروب أكثر مهددات الإنساني و أفتكها بسبب ما تخلفه على مختلف الصعد ومن أسبابها سباق التسلح والذي يستنزف موارد الدول على حساب التنمية البشرية .
     في الأخير نجد أن مفهوم الأمن قد تأثر أيضا بالتطور الكبير الذي حققته حقوق الإنسان على مختلف الصعد ،مما أضفى صفة الشمول عليه من خلال ارتباطه بالإنسان وشموله لمختلف جوانب حياته ،على حساب الدولة التي لم تصبح الفاعل الوحيد في الساحة العالمية ، هذا و نلاحظ أن اخطر التهديدات على الدولة و الفرد ليست تهديدات مسلحة بل لها بعد مرتبط بعلاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي و الطبيعي (البيئي)  .

الهوامش :
1/ برقوق محند ، الأمن الإنساني ومفارقات العولمة عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../الأمن%20الإنساني%20و%20مفارقات%20العولمة.doc
2/ نفس المرجع.
3/ خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين ، عنوان الوثيقة :
boulemkahel.yolasite.com/.../مفهوم%20و%20قضايا%20الأمن%20الإنساني.doc
4/ منى حسن علي ، مفهوم الأمن الإنساني ، عنوان الوثيقة :
sudanpolice.gov.sd/pdf/55555.pdf
5/ برقوق محند ، المرجع السابق.
6/ منى حسن علي ، المرجع السابق .
7/ مرابط رابح ، اثر المجموعة العرقية على استقرار الدول دراسة حالة كوسوفو .أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في العلوم السياسية فرع العلاقات الدولية .جامعة الحاج لخضر .باتنة .الجزائر.ص 143.
8/ خديجة عرفة محمد أمين ، الأمن الإنساني المفهوم والتطبيق في الواقع العربي والدولي .الرياض .ط1 ،2009.ص21.
9/ نفس المرجع ، ص 24.
10/ نفس المرجع ، ص 27.
11/ برقوق محند ، المرجع السابق.
12/  خديجة عرفة ، مفهوم وقضايا الأمن الإنساني وتحديات الإصلاح في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ المزيد

السبت، 2 يوليو، 2011

محاولة لفهم قرار انضمام المغرب لمجلس دول التعاون الخليجي


د .محمد عصام لعروسي


باحث في العلاقات الدولية

               كيف يمكن فهم سياق انضمام المغرب لمجلس دول التعاون الخليجي، داخل نسق دولي متحول لأنظمة عربية على صفيح ساخن، مؤهلة للخوض في مسارات إصلاحية و ثورية عميقة، هل يفهم من هذا القرار محاولة لدعم التيار المحافظ في الوطن العربي و بالخصوص الأنظمة الملكية؟ مقابل الحركات الثورية التي أدخلت العالم العربي مرحلة غير مسبوقة من الاحتجاجات السياسية التي لم تحسم بعد في إمكانية استنبات ديمقراطية حقيقية قائمة على قوة المؤسسات و الإرادة الحرة للشعوب ،خصوصا في مصر و تونس- حيث يقدم الأعلام بشيء زائد من التفاؤل و الايجابية نجاح الثورات في هذين البلدين، في حين أن الوقت لم يحن بعد للحكم على هاتين التجربتين- هل مسألة انضمام المغرب لهذا المنتدى يتعارض مع وضعه المتقدم مع الاتحاد الأوربي؟ و هل مسألة الانضمام ذات بعد مناسباتي فرضتها طبيعة الظرفية السياسية في الوطن العربي؟ و هل كان بالإمكان التفكير في هذا النوع من التكتلات قبل هذه المرحلة الحساسة في حياة الشعوب العربية؟  و خاصة أن المغرب تربطه علاقات تاريخية قوية مع أهم الدول الخليجية دون أن تصل إلى التفكير في عضوية المغرب داخل مجلس التعاون الخليجي و هل هناك بعدا استراتيجيا في هذا القرار؟ و ما هي المصالح المحتملة وراء هذا الانضمام؟.                                                                     
      يمكن فهم دوافع المبادرة المغربية من خلال إدراج الملاحظات التالية:                             
      - يعتبر المغرب بلدا رائدا من ناحية الاستقرار السياسي و الأمني، كما أن مرحلة التحول الديمقراطي التي دشنها المغرب راكمت لديه قدرة و تجربة على مواجهة الاحتجاجات المدنية بسماح النظام السياسي بالمزيد من الحريات و الحقوق و الإصلاحات السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية، فهذه الفورة لمكونات المجتمع المدني شملت العديد من القطاعات الحيوية و المجالات و انتقلت إلى تطوير الحراك الاجتماعي باستعمال أساليب مدنية سلمية، كما أن الخطاب الملكي تاسع مارس2011 رفع من سقف التطلعات بالدعوة إلى العديد من الإصلاحات السياسية و الدستورية الجوهرية بداية من المراجعة الدستورية الشاملة التي من شأنها تغيير آليات اشتغال النظام السياسي، من خلال دعم اختصاصات الوزير الأول و فصل السلطات و دعم استقلالية القضاء، إلى غير ذلك من الإصلاحات ، التي تمثل ثورة سياسية هادئة، تشكل حسب البنيويين تغيير في شكل البنيات و أسلوب عملها دون تغيير جدري في شكل و جوهر النظام السياسي، أو ما يمكن تفسيره مع الاتجاه النسقي دور العوامل الخارجية أيضا في التسريع بوتيرة الإصلاح التي كانت قد بدأت قبل ذلك، مع ارتفاع منسوب المطالبة بالإصلاحات و الثورات في العالم العربي.                               
        و لهذا فان المبادرة الخليجية، حسب بعض المحللين، تهدف لدعم الاستقرار في المغرب و الأردن، للمساهمة في وقف نزيف الثورات الشعبية التي أسقطت العديد من الأنظمة العربية.                                           
         - يبدو أن المغرب تعامل مع دعوة دول مجلس التعاون الخليجي بعقلانية و موضوعية و من زاوية براغماتية صرفة بالتركيز على المصالح الاقتصادية، و خاصة أن هناك مشكل أساسي يتمثل في البعد الجغرافي و غياب الانسجام مع منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس قيل ذلك كرد فعل طبيعي لانتشار التيار القومي- الاشتراكي في الوطن العربي في الستينات و السبعينات من القرن الماضي، فالمغرب مدعو لإدراك حدود هذه الشراكة و التعاطي معها بنوع من النفعية، و الاستفادة مما قد توفره له من فرص اقتصادية و دعم من الطاقة و الاستثمارات المالية الهامة، و كذا حرية تنقل الأشخاص بالبطاقات الشخصية الذكية كما ورد في نص الاتفاقية                            ( شريطة التوقيع على اتفاقيات تنائية بهذا الخصوص، و هذا ما يشكل  عائق كبير في حالة رفض و تحفظ بعض الدول الخليجية كقطر ، الكويت و عمان) و حرية تنقل السلع و البضائع والتسهيلات الجمركية.                                                                   
      غير أن  بعض المحللين، يرون أن دعوة أنظمة الخليج المغرب للالتحاق بها في حمأة الحراك الذي يعرفه الشارع العربي، هدفه أمني بالأساس لحماية لأنظمة الملكية بالمنطقة، وأنه بوابة لخارطة طريق جديدة، ترعاها أمريكا، لإعادة النظر في التجمعات الإقليمية في المنطقة العربية، اعتبر آخرون أن المغرب غير معني ب «درع الخليج» العسكرية، وأن البعد الجغرافي يجعل انضمام المغرب إلى هذه القوة العسكرية أمرا صعبا، كما أن تأسيس سوق خليجية مشتركة وعملة موحدة، لا يعني المغرب في شيء، وبالتالي فالاستفادة الممكنة للمغرب من دول الخليج لا تتعدى سقف الحصول على البترول بثمن امتيازي، إضافة إلى الاستثمارات الخليجية في المغرب التي أنقذته سابقا، حسب محللين اقتصاديين، من شبح تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصاده الذي يعول أكثر على عائدات السياحة.                                                                                   
       -  وجود تناقضات حقيقية بين الدول الأعضاء لمجلس التعاون الخليجي، تتجلى في عدم وجود إستراتيجية موحدة و إتباع سياسيات خارجية مختلفة، و توقيعها للعديد من الاتفاقيات الأمنية و الإستراتيجية مع الدول الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا حيث  تحولت منطقة الشرق الأوسط و الخليج العربي إلى مركز ثقل حقيقي نظرا لأهميتها الجيوسياسية و احتياطاتها النفطية، فاستقبال المزيد من الأعضاء كالمغرب و الأردن، قد لا يساهم في دعم الإستراتيجية الأمنية لهذا التجمع.                                                
كما أن تركيز بيان مجلس التعاون الخليجي على مبدأ التشابه في الأنظمة بين دول الخليج والمغرب والأردن، يجعل هذا القرار المفاجئ، حسب متتبعين، يأخذ مسارا غير طبيعي منذ بدايته، لأن أسسه ودواعيه ظرفية وأمنية بالأساس، وقد تكون عائقا أمام نجاح فرضية أي «تكامل ممكن» بين المغرب وأنظمة الخليج، و خاصة آن القواسم المشتركة موجودة، لكن المكانة و الأدوار داخل النظام الدولي مختلفة و متنافرة.   
       - إن دعوة  المغرب إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، يجسد إرادة حقيقية لمواجهة النفوذ الشيعي الذي ما فتئ ينتشر في شتى أنحاء الوطن العربي بداية بدول الخليج ،بلاد الرافدين والشام، و لمواجهة التفاهم الأمريكي الإيراني باستخدام الورقة الشيعية في العالم العربي.                                                                                    
 حينما طرحت حكومة الثورة الإسلامية في إيران، في وقت سابق، مبادرة لدعم سياسة التقارب مع أمريكا، فيما أسماه البعض بالصفقة، تضمنت مساعدة الأمريكيين في العراق لضبط الأمن، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية تحكمها سلطة علمانية، والضغط علي حكومة حماس في فلسطين لوقف العمليات ضد إسرائيل، وقبول ودعم المبادرة العربية حول قيام دولتين متجاورتين، وطمأنة الأمريكيين على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، مقابل أن تدعم أمريكا النشاط النووي السلمي أو تسمح به، وترفع العقوبات، وتوقف النشاط العدائي تجاهها، وتعترف بدورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، رفض المحافظون الجدد هذه المبادرة الإيرانية، لأنها تحتوي على مفهوم الندية، ولا تراعي التفاوت في حجم القوة بين الدولتين، إلى جانب أنها تصطدم بسقف النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي المرتبط بهم في الشرق الأوسط.
و رغم الخلاف الغربي الإيراني حول الملف النووي، يبدو أن هناك تفاهما أمريكيا إيرانيا يهدف إلى تقسيم الوطن العربي إلى أقليات دينية مشكلة من الشيعة ،السنة ، الدروز الموارنة، الأكراد و غيرهم من الاثنيات و الطوائف كما هو الشأن بالنسبة للعراق اليمن سوريا، البحرين و أزمة الطائفية في لبنان و السودان و مشكل الأمازيغية في المغرب العربي.
و من أهم مشاريع الإستراتيجية الأمريكية، مشروع الشرق الأوسط الكبير الهادف لتشتيت دول المنطقة العربية إلى قطع دومينو؛ يتلاعب بها المحافظون الجدد و إسرائيل؛ لتشكيل بناء هرمي جديد؛ يستجيب لنزعاتهم الاستعمارية، و هذا هو السياق الذي جاء فيه مقال رالف بيترز حدود الدم : ما هو شكل شرق أوسط أفضل؟ " (1)  Blood borders: How a better  Middle East would look و الذي نشر بمجلة القوات المسلحة الأمريكية في عدد يونيو/حزيران 2006  حيث وضع مخططا لإعادة تقسيم الشرق الأوسط ،
ينطلق من مقدمة أساسية تتمثل في  أن الحدود التي تفصل بين الدول في العالم ليست عادلة، و الحدود الأكثر اعتباطية في العالم –في نظر بيترز- هي تلك التي تفصل الدول الإفريقية و دول الشرق الأوسط؛ تلك الحدود التي رسمها الأوربيون لحماية مصالحهم، و يستعير بيترز مصطلح الحدود غير العادلة من" تشرشل"؛ ليعبر عن الوضع القائم في الشرق الأوسط؛ و هذا الوضع في اعتباره؛ سيكون السبب الرئيسي في اندلاع الكثير من المشاكل؛ بين الدول و الشعوب في المنطقة.
و يتوقف بيترز عند مشكل الأقليات؛ في منطقة الشرق الأوسط و ما لحقها من ظلم فادح،  و ذلك حين تم تقسيم الشرق الأوسط في أوائل القرن العشرين (يقصد اتفاقية سايكس بيكو)، مشيرا إلى هذه الأقليات "بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت؛ حين تم التقسيم الأول" ويذكر أهمها: الأكراد، والشيعة العرب و مسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين. ويرى بيترز أن ثمة كراهية شديدة؛ بين الجماعات الدينية و الإثنية بالمنطقة تجاه بعضها البعض، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط؛ انطلاقا من تركيبته السكانية غير المتجانسة؛ القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات.
و من خلال إثارة بيترز لمشكل الأقليات في المنطقة؛ و التي عانت في اعتباره من التقسيم الفرنسي –البريطاني السابق؛ من خلال إثارة هذا المشكل؛ ينتقل بيترز ليصوغ الحل المناسب لهذا المشكل؛ و يقوم هذا الحل على إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط؛ على أساس عرقي ديني.
بناء على هذه الأفكار و التوجهات الاستراتيجية، تهدف الإدارة الأمريكية إلى تحقيق تقارب مرحلي تكتيكي مع إيران لتحقيق استرتيجيتها في الشرق الأوسط الكبير من خلال خلق دويلات صغيرة في المنطقة و استخدام الشيعة لتحقيق هذه الأهداف كما هو الشأن في العراق، البحرين و اليمن.
على هذا الأساس، فان توسيع دائرة العضوية في مجلس التعاون الخليجي لتشمل المغرب و الأردن تندرج ضمن هذا المنظور الوقائي الأمني و الاستباقي الهادف من جهة إلى استقرار الأنظمة السياسية العربية المحافظة، و الحيلولة دون تغيير الحدود الجيوسياسية للدول العربية و الإسلامية على أساس طائفي أو ديني.
   - إن انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي، قد لا تكون له تبعات سلبية على أي انفراج ممكن في العلاقات المغربية الجزائرية، في وقت ينتظر فيه الجميع أن يتحقق حلم إعادة فتح الحدود بين البلدين في وقت قريب، و إعادة اتحاد المغرب العربي لسكته الصحيحة.
 في الحقيقة يعيش اتحاد المغرب العربي و ضعا صعبا يتميز بالشلل التام على مختلف المستويات، وقد وجد المغرب خلال العقدين الأخيرين صعوبات كبيرة في تفعيل الاتحاد وجعله نموذجا للتكامل والرفاهة الاقتصاديين، لأنه كان يواجه دائما بعوائق كثيرة وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية التي تعتبر عقبة أعاقت أي تقدم في مسار هذا المشروع الاندماجي الكبير، و لهذا فإن انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي لن يكون له أي تأثير يذكر خلال السنوات القادمة على الأقل، أولا بسبب حالة الشلل المطلق التي يعيشها الاتحاد، وثانيا للحركية السياسية والاجتماعية التي تشهدها بلدان المغرب العربي لاسيما في تونس وليبيا والجزائر، الأمر الذي يجعل هذه البلدان تعطي الأولية الكبرى للشؤون الداخلية ولإعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويتوقع أن لا تستعيد عافيتها إلا في القادم من  السنوات.
       - القرار الدبلوماسي في المغرب كان دائما موضوع نقاش حول طبيعته ومرتكزاته التي ينبغي أن تكون «شعبية»، و هو ما يجري به العمل في دول ديمقراطية أخرى، كانت وما تزال تستفتي شعوبها في قرارات خارجية مصيرية، من قبيل الانضمام إلى عملة موحدة أو سوق مشترك كما حدث في دول أوربا الشمالية، لما رفضت الدنمارك وبريطانيا الانضمام إلى العملة الموحدة داخل الاتحاد الأوربي.
الدبلوماسية المغربية لا تلجأ إلى عادة إلى استشارة أي جهة أو مؤسسة دستورية  كانت في مثل هذه القرارات،  كالبرلمان الذي لا يلجأ إليه إلا من أجل الحصول على غطاء للشرعية  «بروبغندا الإجماع» الموجه للاستهلاك الخارجي، مع غياب أي شكل من أشكال  الدبلوماسية الموازية و دبلوماسية الخط الرابع، وهو ما قد لا يستقيم والفترة الحرجة التي تمر منها البلاد، خاصة أن القرار الدبلوماسي له تبعات داخلية أكيدة، اقتصادية كانت أم سياسية، و مع ذلك نجد أن وزارة الخارجية اتخذت قرارين هامين ومصيريين دون الرجوع إلى الداخل انطلاقا من انخراط  المغرب «المفاجئ» في حلف باريس المناهض لنظام معمر القذافي وثانيا بالعضوية في مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعني أن «الحراك» الدبلوماسي لا  يساير دينامية  حراك الشارع المغربي، و أن القرارات الخارجية ما زالت لا يتم تدوالها من طرف المنظمات الغير الحكومية كالأحزاب و هيئات المجتمع المدني.
      لا  شك إن التكتلات الإقليمية تساهم في دعم الدبلوماسية الجماعية و مواجهة المخاطر الدولية المحدقة بالمجتمع الدولي و التدبير الجماعي لقضايا ذات الاهتمام المشترك، و تحسين القدرات التفاوضية لدى دول التكتلات و الأحلاف للدفاع عن مصالحها الحيوية في واقع دولي متحول، و الاستفادة من فرص الاعتماد المتبادل على الصعيد الاقتصادي و المالي، لكن يخشى أن تتحول هذه التكتلات و من بينها مجلس التعاون الخليجي إلى مجرد منتديات و نواد الهدف من إنشاءها يكون ضرفيا و مناسباتيا و تختفي الجدوى و الفعالية منها بمجرد انتفاء الهدف الحقيقي الذي كان وراء خلقها.
و على هذا الأساس، فان عملية انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، قد تعتبر مبادرة عقلانية و قراءة واعية لدبلوماسية المصالح و الأهداف شريطة تحديد سقف المساهمة المغربية في هذا المجلس مع عدم المساس بالحياد و عدم التدخل في الشؤون الخليجية أمنيا و عسكريا ، و البحث عن فرص اقتصادية جديدة و الاستفادة من حرية التنقل بتشغيل اليد العاملة المغربية في هذه البلدان.

اقرأ المزيد