241189572571696

الجمعة، 3 أبريل، 2009

العولمة قد تعرقل المسيرة الأوربية لكنها لن توقفه

العولمة قد تعرقل المسيرة الأوربية لكنها لن توقفه

 

تلقت مسيرة الوحدة الأوربية ضربة موجعة برفض كل من الشعبين الفرنسي والهولندي التصديق على الدستور الأوربي الذي سبق أن أقرته ووقعت عليه حكومات جميع الدول الأعضاء في الاتحاد. وذهبت بعض التعليقات التي تناولت تحليل نتائج ما حدث وانعكاساته على مسيرة العملية التكاملية في أوربا، وخصوصا العربية منها، إلى أن هذا الرفض يُعد دليلا على تحول عميق في موقف المواطن الأوربي من قضية الوحدة واهتزاز مشاعره تجاهها. ويعتبر بالتالي نذير شؤم يشي باحتمال توقف المسيرة برمتها وربما يشكل بداية لتراجع التجربة ونكوصها ومقدمة لتفككها وانهيارها. وفي تقديري أن مثل هذه الاستنتاجات مُبالغ فيها تماما، وتدل على عدم استيعاب لطبيعة التجربة التكاملية في أوربا ومقوماتها.

العملية الأوربية التكاملية تخطت أزمات الماضي

ولكي ندرك حقيقة ما جرى ونتمكن من استخلاص دلالاته الفعلية، من دون تهوين أو تهويل، يجب أن نتذكر أن طريق الوحدة الأوربية لم يكن مفروشا بالورود وظل محفوفا بالعقبات والصعاب على مدى عمر التجربة الذي تجاوز الآن أكثر من نصف قرن. وإذا كانت العملية التكاملية الأوربية استطاعت أن تتخطى كل الأزمات التي واجهتها في الماضي فليس هناك ما يدل على أنها باتت عاجزة عن التغلب على الأزمة التي تواجهها، بل وربما تخرج منها، كما فعلت دائما، أكثر قوة وإصرارا على مواصلة الطريق.

كانت مسيرة التكامل الأوربي انطلقت حين نجحت مجموعة الدول النواة الست، وهي فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورغ، في تأسيس الجماعة الأوربية للفحم والصلب عام 1951. وفي غمرة الحماس الذي أشعله قيام هذه الجماعة، اندفع التيار الفيدرالي الأوربي للتعجيل بقيام الوحدة السياسية، ظنا منه أن طَرْقَ الحديد وهو ساخن هو الأسلوب الأفضل لتمكين التجربة التكاملية الوليدة من الوقوف على قدمين راسختين، وحاول إقامة جماعتين جديدتين، أحدهما سياسية وأخرى أمنية. وكللت هذه المساعي بالنجاح وتم بالفعل إبرام معاهدة لإقامة "جماعة أوربية للدفاع" عام 1953، غير أن رفض الجمعية الوطنية الفرنسية (1954) التصديق على هذه المعاهدة شكل أول وأقوى ضربة للعملية التكاملية وكانت لا تزال في مراحلها المبكرة.

غير أن الأمر لم يستغرق أكثر من ثلاث سنوات كي تستعيد تجربة التكامل الأوربي لياقتها وتستفيد من أخطائها وتتعلم أن الاندفاع بخطوات غير محسوبة على طريق الوحدة السياسية عادة ما يثير من المخاطر أكثر مما يحقق من فوائد، وانتهى الأمر بعودة العملية التكاملية إلى الاقتصاد لإصلاح ما أفسدته السياسة وأمكن بالتالي إنقاذ التجربة برمتها من الانهيار. وفي هذا السياق أبرمت عام 1957 معاهدة روما التي أضافت إلى الجماعة الأوربية للفحم والصلب جماعتين جديدتين هما: "الجماعة الاقتصادية الأوربية" (السوق المشتركة) و"الجماعة الأوربية للطاقة الذرية" (اليوراتوم)، وراحت التجربة الأوربية تستقر في مدارها الطبيعي كعملية تكاملية تعتمد المنهج الوظيفي سبيلا لبناء وحدة سياسية متدرجة وعلى مراحل.

هكذا بدأت معالم العملية التكاملية الأوربية تتبلور وتظهر معالمها الجديدة بعد أن تمكنت من الانتقال من مستوى التكامل القطاعي (الفحم والصلب) الذي مهد الأرضية السياسية اللازمة لإطلاقها، إلى مستوى التكامل الاقتصادي الشامل والمقومات اللازمة لاستمراره. وفي هذا السياق أمكن وضع برامج محددة زمنيا لإقامة اتحاد جمركي ثم سوق مشتركة ثم سوق موحدة قبل التوصل إلى سياسات اقتصادية ومالية موحدة مكنت التجربة من إطلاق عملة أوربية موحدة والشروع في بناء الوحدة السياسية. وتمكنت العملية التكاملية من السير بالفعل على الطريق المرسوم، وقطعت منه شوطه الأكبر، وراحت تتهيأ لدخول مرحلة متقدمة نسبيا من الوحدة السياسية، شكل الاتفاق على مشروع الدستور المطروح للاستفتاء حاليا أحد معالمها الرئيسية.

ومن المهم جدا أن نؤكد هنا أن هذه المسيرة الطويلة لم تكن سهلة وإنما اعترضتها أهوال كثيرة وصادفتها، على رغم كل ما حققته من إنجازات اقتصادية باهرة، أزمات سياسية حادة يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات، الأولى: أزمات تتعلق بالعضوية والتوسع الأفقي، والثانية: أزمات تتعلق بالمنهج والتوسع الرأسي، والثالثة: أزمات تتعلق بالموازنة وتوزيع الأعباء.

أزمات العضوية والتوسع الأفقي

ظلت العملية التكاملية قاصرة لفترة طويلة على الدول الست "مجموعة دول النواة"، فبريطانيا كانت رفضت الانضمام إليها في البداية مفضلة الاكتفاء بمنطقة أوربية للتجارة الحرة. ولكن عندما بدأت العملية التكاملية تؤتي ثمارها واكتشفت بريطانيا خطأ موقفها وحاولت الانضمام إلى السوق المشتركة، تصدت لها فرنسا الديجولية واعتبرتها غير مؤهلة بحكم تبعيتها للسياسة الأمريكية، متهمة إياها بأنها ستكون مجرد أداة تستخدمها الولايات المتحدة لتخريب التكامل الأوربي. وهكذا اندلعت أزمة حادة راحت تتصاعد، ولم يكن بالإمكان تجاوزها إلا بعد رحيل شارل ديجول في نهاية الستينات. ولأنه تعين على مجموعة الدول النواة في الوقت نفسه الانفتاح على الآخرين والحيلولة من دون تحول العملية التكاملية إلى نادٍ مغلق، بدأت شروط العضوية تتبلور بشكل أوضح لإتاحة الفرصة أمام جميع الدول الأوربية الديمقراطية للالتحاق بالعملية التكاملية من المحطة التي وصلت إليها، كي لا يؤدي التوسع إلى إخلال بالمكاسب التي تحققت. وهكذا بدأت "مجموعة دول النواة" الست تكبر تدريجيا، من خلال موجات متلاحقة من التوسع الأفقي: فأصبحت تسعا (عام 1973)، ثم عشرا (عام 1981)، ثم اثنتي عشرة (عام 1986)، ثم خمس عشرة (عام 1995)، إلى أن وصلت في العام الماضي إلى خمس وعشرين دولة. وأثارت هذه الموجات المتلاحقة من التوسع نوعين من الإشكاليات تعين على الجماعة إيجاد حلول لها، الأول: الإشكاليات الناجمة عن تفاوت البنى والهياكل الاقتصادية للدول المنضمة، والثاني: الإشكاليات الناجمة عن حداثة التحول الديمقراطي وتباين درجة التقدم السياسي والاجتماعي في هذه الدول. واستطاعت التجربة الأوربية حل هذين النوعين من الإشكاليات من خلال برامج مكثفة للمعونة لتمكين الدول المنضمة من إجراء التحولات الهيكلية المطلوبة سياسيا واقتصاديا.

أزمات التوسع الرأسي

أما أزمات المنهج والتوسع الرأسي فنجمت عن الخلافات المتعلقة بالمنهج المستخدم في العملية التكاملية ومدى ملاءمته للتكيف مع التحولات الدولية والإقليمية. بعض هذه الإشكاليات أثار جدلا حادا أمكن احتواءه بصعوبة وبمرور الزمن، وبعضها الآخر تصاعد ليتحول إلى أزمات سياسية كبرى تطلب حلها جهدا أكبر ووقتا أطول. فديجول مثلا حاول استبدال المنهج السياسي التعاوني الذي يعتمد على إجماع الحكومات بالمنهج الوظيفي والمؤسسات فوق القومية، وحكومة "تاتشر" المحافظة رفضت تبني ميثاق الحقوق الاجتماعية الأوربية، بينما عادت حكومة "بلير" وصدقت عليه، وهي الحكومة نفسها التي رفضت بعد ذلك الانضمام إلى نظام النقد الأوربي الموحد وإلى منطقة اليورو... وهكذا. وبُذلت جهود مضنية لتجاوز هذه الأزمات أمكن من خلالها التوصل إلى حلول مبتكرة لمعظمها، بينما ترك عامل الزمن يحل بعضها الآخر. فالأزمة التي أثارها "ديجول" لم تنته إلا بعد رحيله، حين تمكنت الجماعة من الاتفاق على مواصلة الطريق بمنهج مركب يوفق بين المنهجين الوظيفي والتعاوني، وتم اعتماد "نظرية التكامل بسرعات مختلفة"، وبالتالي السماح للدول التي لها ظروف خاصة بالاستمرار في العملية التكاملية وفق معدلات سرعة تناسبها... وهكذا.

أزمات توزيع الأعباء والتكاليف

وأخيرا كان هناك نوع ثالث من الأزمات نَجَمَ عن طريقة حساب وتوزيع الأعباء والتكاليف. إذ تباينت، ولأسباب عدة، حصص أو نسب مساهمات الدول الأعضاء في موازنة الاتحاد الأوربي تباينا كبيرا أثار خلافات وصلت أحيانا إلى حد الأزمة. وكانت المملكة المتحدة هي أكثر الدول إثارة لتلك القضية في مراحل زمنية مختلفة. ففي عام 1974، أي بعد مرور عام واحد على انضمامها للجماعة، وفي ظل حكومة عمالية بقيادة هارولد ويلسون، طالبت بريطانيا بإعادة التفاوض حول شروط الانضمام وتمت الاستجابة لطلبها بالفعل، وأمكن التوصل إلى حل للمشكلة عام 1975. ثم عادت في عام 1979 لتؤكد من جديد، ولكن على لسان "المرأة الحديدية" المحافظة مارجريت تاتشر هذه المرة، أنها تدفع أكثر بكثير مما تحصل عليه، مطالبة باستعادة ما تدفعه من أموال زائدة. وهكذا دخلت الجماعة الأوربية في دوامة جديدة لضبط الموازنة ولمحاولة تحقيق قدر من التوازن بين إجمالي ما تدفعه الدول وما تحصل عليه من فوائد. ولم تحسم هذه المسألة إلا في عام 1984 حين تم الاتفاق على إدخال بعض التعديلات على الآليات الخاصة بإعداد الموازنة لضمان تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأعباء.

من هذا الاستعراض يتضح أن التجربة التكاملية اعترضتها عقبات وواجهتها أزمات لا حصر لها. بعض هذه الأزمات نجم عن اختلاف المصالح بين حكومات الدول الأعضاء، وبعضها الآخر نجم عن تباين موقف الحكومات مقارنة بمواقف ممثلي الشعب في البرلمانات (حالة رفض الجمعية الوطنية الفرنسية التصديق على المعاهدة المنشئة للجماعة الأوربية للدفاع عام 1954)، وبعضها الثالث نجم عن التباين بين مواقف الشعوب نفسها ومواقف الحكومات (رفض الشعب الأيرلندي في استفتاء 2001 التصديق على معاهدة نيس قبل أن يعود ويصدق عليها عام 2002). ولا يعني هذا إنكارا لخصوصية الأزمة الحالية وخطورتها. فتلك هي المرة الأولى التي يعترض فيها شعب دولة كبيرة، لا تستطيع مسيرة الوحدة الأوربية أن تستمر من دونها على معاهدة أساسية، فضلا عن أن هذا الاعتراض لا يعكس مشكلة فرنسية بقدر ما يعكس مناخا عاما، بدليل اتخاذ الشعب الهولندي للموقف نفسه، وبغالبية كاسحة.

أزمة الاستفتاء على الدستور لا تعنى التحلل من الوحدة الأوربية

ويجمع الخبراء العارفون ببواطن الأمور على أن هذه الأزمة هي نتاج تضافر مجموعتين من العوامل. الأولى: تتعلق بالسرعة التي انطلقت بها العملية التكاملية وما حققته في عقد واحد من تحولات تفوق تلك التي حققتها في تاريخها الطويل كله، وتحتاج إلى وقت أكبر لهضمها واستيعابها قبل اتخاذ خطوات إضافية، خصوصا إذا تعلق الأمر بقفزة سيكولوجية كبيرة إلى الأمام من قبيل تبني دستور موحد. الثانية: انتهاج أوربا خلال تلك الحقبة سياسة عولمية رأسمالية متوحشة تقوم على معايير الرشادة الاقتصادية والتكنولوجية البحتة من دون اعتبار يذكر للخصوصيات الثقافية والجوانب الاجتماعية التي تمس معتقدات البشر وأمنهم الوظيفي والإنساني. وأدى تضافر هاتين المجموعتين من العوامل إلى وقوع المسيرة التكاملية تحت النيران المتقاطعة لقوى عاتية من جهتي اليمين واليسار معا. فاليمين يخشى على هويته وخصوصيته وثقافته الوطنية من هوية أوربية لا يعرف ماهيتها بالضبط، واليسار يخشى من قيادة قوى رأس المال العالمي للعملية التكاملية على حساب مصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

في سياق كهذا، يمكن القول إن الأزمة الأخيرة لا تعكس تحللا من فكرة الوحدة الأوربية أو رغبة في وقف مسيرتها بقدر ما تعكس مطلبا شعبيا بوقت مستقطع للتفكير وإعادة رسم الخطط الكفيلة باستمرار المباراة على نحو يضمن التكافؤ والندية. ويبدو أن المعلقين العرب نسوا أن أهم ما يميز التجربة الأوربية هو طابعها الديمقراطي، والذي يسمح دائما بالتحكم في مسيرة العملية التكاملية وضبط سرعتها وفقا لرغبات وطموحات الشعوب المشاركة فيها، وليس وفقا لرغبات الحكام وطموحاتهم السياسية، حتى ولو كان هؤلاء الحكام هم أنفسهم منتخبين ديمقراطيا. ولهذا السبب نعتقد أن الديمقراطية الأوربية، والذي كان الاستفتاء الأخير أحد تجلياتها الكبرى، كفيلة بإيجاد الحلول المبتكرة والملائمة لإنقاذ العملية التكاملية من أزمتها الراهنة وتصحيح مسيرتها على النحو الذي تطمح إليه الشعوب. ولذلك نعتقد أن العولمة قد تكون قادرة على تعطيل مسيرة الوحدة الأوربية لكنها لا تستطيع وقفها. أوربا الآن تبدو في حاجة إلى وقفة تعبوية قبل أن تواصل مسيرتها على طريق الوحدة السياسية التي من دونها ستصبح مهددة بالعودة إلى أوضاع ما قبل الحرب العالمية الثانية، وهو أمر لن تقبل به الشعوب الأوربية مطلقا، وستعمل على الحيلولة من دون حدوثه مهما كان الثمن.

 

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1171274601894&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق