التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدولة في الفكر الإسلامي
الدولة الدينية لدى الإسلاميين المعاصرين

رضوان السيد**

21/02/2005 

احتاج "الإخوان المسلمون" المصريون -وهم الحركة الإسلامية الرئيسية في الوطن العربي منذ الثلاثينيات من القرن الماضي- إلى حوالي خمسين عاما حتى قالوا أخيرا بـ"سلطة الشعب"، من دون أن يتخلوا -بوضوح- عن رؤية "الحاكمية" التي بلورها في أوساطهم سيد قطب والقرضاوي وآخرون. ففي وثيقتيهم عام 1994 و2004 فرقوا بين "المرجعية العليا" التي بقيت إلهية ومصدرها الشريعة، والسلطة التي تدبر شئون الناس، وقد أوكلوها أخيرا إليهم.

المودودي وحزب التحرير ما كانا يريان حرجا في إطلاق تعبير الدولة الدينية أو دولة العقيدة على نظامهم المنشود.

بيد أن هدف الحركات الإسلامية، أو حركات الإسلام السياسي النهائي يبقى إقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة. لكن حتى عندما كان سائر الإسلاميين العرب يقولون بالخلافة أو بالحاكمية، كانوا يكرهون اتهام خصومهم لهم بأنهم يريدون إقامة الدولة الثيوقراطية أو الدينية. ويرجع ذلك إلى أمرين اثنين: الأول ارتباط الدولة الدينية في الأذهان بالسلطة البابوية في العصور الوسطى الأوربية، والثاني المواريث الباقية للإصلاحية الإسلامية (مدرسة محمد عبده)، التي كانت تصر على مدنية السلطة في الإسلام.

وقد استطاع الإحيائيون المسلمون التملص من كل أطروحات الإصلاحيين، باستثناء هذه المسألة بالذات، والتي ظل المفكرون الدستوريون المصريون ينظرون لها حتى الثمانينيات من القرن الماضي. أما أبو الأعلى المودودي، زعيم الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان (أنشأها عام 1941)، وكذلك حزب التحرير (الذي أسسه تقي الدين النبهاني ولا يزال فاعلا) فما كانا يريان حرجا في إطلاق تعبير الدولة الدينية أو دولة العقيدة على نظامهم المنشود، وإن لم يكونوا يرون عصمة الخليفة أو رأس الدولة الموعودة.

الدولة .. تكليف إلهي!

بيد أن "الدولة الإسلامية" - كما تطورت رؤيتها لدى الإسلاميين العرب منذ حسن البنا

 وعبد القادر عودة وحتى سيد قطب والغزالي والقرضاوي

. وهم يستندون في ذلك إلى آيات من القرآن: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، و"إن الحكم إلا لله"، وأحاديث نبوية، وإلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح حيث تلازم لديهم قيام الدين والأمة مع قيام الدولة. ولذلك فهم يعتبرون أن "الشرعية" سقطت بسقوط الخلافة، ويتفرع على ذلك "التكليف" الذي لا يجوز التخلف عنه باستعادة المشروعية إلى المجتمع ونظامه السياسي بإقامة الخلافة أو ما يناظرها من جديد.

على أن هذا الإيجاز لا يفي المسألة حقها؛ فقد تطور لدى سائر الإسلاميين - حتى الذين لا يميلون إلى العنف من بينهم وقد صاروا الآن التيار الرئيسي - منظور للشريعة يحولها إلى ما يشبه القانون. ولأنها (أي الشريعة) وضع إلهي "فإن تخلفها عن السواد والسيطرة في المجتمع يكاد يسلبه إسلامه (المتطرفون يكفرون المجتمع، والمعتدلون يعتبرونه غافلا)"، ومن هنا فإن السيطرة السياسية ضرورية لاستعادة الإسلام نفسه إلى المجتمع والدولة، وهذا وجه آخر من وجوه ضرورة الدولة الإسلامية أو الدولة التي تحكم باسم الإسلام.

وهكذا فهناك اندماج شبه كامل بين الدين والدولة لدى الإسلاميين، بحيث لا يمكن تصور المجتمع الإسلامي من دون الدولة الإسلامية.

وغني عن البيان أن هذه الرؤية التأصيلية جديدة تماما في مجملها وليس في تفاصيلها. فالإسلام التقليدي يتحدث عن الحكام الظلمة وعن الحكام الطغاة، لكنه لا يكفرهم، ولا ينفي شرعيتهم، ولا يعتبر أن خروج الحاكم على الشريعة مؤثر في إسلامية المجتمع. وقد نجم عن ذلك لدى المتشددين منهم تعميم حكم الجهاد على الداخل والخارج (طالع "كتاب الفريضة الغائبة" لمحمد عبد السلام فرج، الذي جرى على أساس منه قتل الرئيس السادات)، كما نجم عن ذلك العودة إلى تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب وكفر (انظر مسألة الفسطاطين لدى أسامة بن لادن وحركة الجهاد) بعد أن كان الفقهاء الإصلاحيون قد تجاوزوا المنظومة التقليدية كلها.

كيف ظهر الإسلام السياسي وتطور؟

لماذا كان ذلك كله؟ وكيف ظهر الإسلام السياسي وتطور؟

الحركات الإسلامية المعاصرة هي المظهر الرئيسي للانبعاث والإحياء الديني في أرجاء العالمين العربي والإسلامي. ولذلك فهي -في الأصل- حركات هوية عقائدية معنية بصون انتماء المجتمع، وتطهيره من التغريب وضلاليات الحداثة الغربية (بحسب تعبير أبو الحسن الندوي). وقد اصطدمت الأجزاء النافرة من الإحيائية بالدولة الوطنية في إندونيسيا وباكستان ومصر في الخمسينيات من القرن الماضي، فتبلور تدريجيا توجهها السياسي الذي توجته عقيدة الحاكمية لدى المودودي ولدى سيد قطب ثم لدى سائر الإسلاميين.

وفيما بين الستينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ووسط افتراقات الحرب الباردة واصطفافاتها، توالت تمردات التنظيمات المتشددة المتفرعة عن الإخوان المسلمين أو المنفصلة عنهم، فاكتملت مذهبية الحزبيين الإسلاميين الشاملة من جهة "الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة"، كما تمايزت عقائديات الحزبيين المتشددين الذين يريدون مصارعة الكفر والجاهلية بالقوة، في حين تبلور في الثمانينيات تيار أكثري يقول بالعمل للدولة الإسلامية من ضمن آليات الأنظمة القائمة وحدودها.

اصطدمت الأجزاء النافرة من الإحيائية بالدولة الوطنية في إندونيسيا والباكستان ومصر في الخمسينيات فتبلور تدريجيا توجهها السياسي الذي توجته عقيدة الحاكمية.

ويعتبر باحثون غربيون وعرب أن الإسلام السياسي - بكل أشكاله (العنيفة والمسالمة) - تجاوز مرحلة الذروة والتألق. بيد أن الإسلاميين لا يزالون يشكلون المعارضة الرئيسية في بلدان الوطن العربي والعالم الإسلامي. وقد اتسع المجال السياسي لهم في بعض البلدان مثل الأردن واليمن ولبنان والمغرب، فكان منهم نواب ووزراء. ودخلوا مواربة إلى البرلمان عن طريق التحالف مع أحزاب مشروعة في مصر. وحصلوا على جماهيرية كبرى في فلسطين والأردن بسبب مصارعتهم إسرائيل.

ومع أن نظام حكمهم في السودان ما نجح نجاحا باهرا، لكنهم استطاعوا الاحتفاظ بالسلطة، كما لا يزال لهم أنصار كثر في الجزائر على رغم الحرب بينهم وبين الجيش وقوى الأمن التي استغرقت أكثر التسعينيات، وخلفت مئات آلاف القتلى. فإذا كان المراد من الفشل أنهم ما نجحوا في فرض سيطرتهم السياسية في بلدان عربية رئيسية، فهذا صحيح.

النصرة للمجاهدين الابطال فهم يقودون معركة الامة

http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/02/article03.shtml

تعليقات

  1. السلام عليكم شكرا جزيلا على هذا الجهد وقدرك الله للاحسن امين

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بحث عن التنمية المستدامة ( البحث منقول)

مقدمة الفصل: لقد أستحوذ موضوع التنمية المستدامة اهتمام العالم خلال 15 سنة المنصرمة وهذا على صعيد الساحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية ،حيث أصبحت الاستدامة التنموية مدرسة فكرية عالمية تنتشر في معظم دول العالمي النامي والصناعي على حد سواء تتبناها هيئات شعبية ورسمية وتطالب بتطبيقها فعقدت من أجلها القمم والمؤتمرات والندوات.ورغم الانتشار السريع لمفهوم التنمية المستدامة منذ بداية ظهورها إلا أن هذا المفهوم مازال غامضا بوصفه مفهوما وفلسفة وعملية ،ومازال هذا المفهوم يفسر بطرق مختلفة من قبل الكثيرين ولذلك فقد تم التطرق في هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين:المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامة;المبحث الثاني: محاور أساسية في التنمية المستدامة;المبحث الأول: ماهية التنمية المستدامةبدأ استخدام مصطلح التنمية المستدامة كثيرا في الأدب التنموي المعاصر وتعتبر الاستدامة نمط تنموي يمتاز بالعقلانية والرشد، وتتعامل مع النشاطات الاقتصادية التي ترمي للنمو من جهة ومع إجراءات المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية من جهة أخرى، وقد أصبح العالم اليوم على قناعة بأن التنمية المستدامة التي تقضي على قضايا التخ

عوامل قوة الدولة

ان لعوامل القوة المتاحة للدولة دور كبير في تحديد مكانتها على الساحة الدولية لكن قبل التعرض لهذه العوامل يجب علينا ان نعرج على بعض المفاهيم إن القوة ـ كما أوضحت تعريفاتها ـ ليست التأثير ، وإنما القدرة على التأثير . وتستند هذه القدرة على امتلاك الدولة إمكانيات (خصائص ، موارد ، قدرات ، مؤسسات) معينة تشكل مقومات القوة القومية Elements of National Power التى تمكنها من التأثير على سلوكيات الدول الأخرى فى الاتجاهات التى تحقق مصالحها، كالمساحة الجغرافية ، وعدد السكان ، والموارد الطبيعية ، والقدرات الإقتصادية ، والقوة العسكرية ، والبنية التكنولوجية ، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية ، والحالة المعنوية للشعب ، وغيرها . لكن ، على الرغم من أن هذه الإمكانيات المتداخلة تشكل فى مجموعها عوامل القوة الشاملة لأى دولة ، فإن هناك اختلافات أساسية فيما بينها ، ترتبط باعتبارات عملية ، تتصل بالقدرة على استخدامها فى عملية التأثير ، خاصة خلال المواقف التى يتعرض ف

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة

اقتراب تحليل النظم في علم السياسة جابر سعيد عوض ندوة إقترابات البحث في العلوم الاجتماعية، 1992، 20ص. شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها. لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال"بارسونز" parsons، و"هومانز" Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في