241189572571696

الجمعة، 21 نوفمبر، 2008

السلطة و المجتمع
من يسبق من ؟ الدولة أم المجتمع. فيما يتعلق بمسألة النشوء والحضور والتكوين؟ الإجابة هنا قد لا تثير التساؤل والتحفظ وإنما قد تحفز على فهم العلاقة ما بين عنصرين متداخلين ومتجاذبين، فإن كان المجتمع هو من ينشئ الدولة، فإن الأخيرة هي المسؤولة عن تنميته وتطويره بما يتلاءم مع المعطيات في ظل الممكن والمعقول.على أن ذلك ينقلنا بالضرورة إلى توصيف هذه العلاقة المثيرة للجدل عبر مراحل التاريخ المتشابكة، وهي قد تبدو في حالة من التحول والسيرورة، وتنتظم في تشكلات وأبعاد، لا تلبث أن تتحدد ملامحها من خلال الآلية التي تضبط مفهومية هذه العلاقة.ورغم ما يكتنف تضاريسها من ارتفاعات وأعماق ومساحات تبلور مفهوم التغير والتحول، إلا أن ثمة عنصراً ثابتاً يحكم هذه العلاقة ويؤسسها حيث يتمثل في «المنتج» و «المنظم» بمعنى أن العلاقة التركيبية لهما تنطلق من «وعاء مجتمعي» منتج لأشكال التواصل والتبادل، و «هيئة» تقوم على تنظيم وضبط هذه الأشكال من العلاقات البشرية. ووفقاً لهذه الصيغة، فإن ثمة أدوارا يضطلع بها كل منهما، وإن كانت غير محددة المعالم بشكل أزلي، إلا أنها تظل ضمن معادلة مرنة تتأثر بالمحيط والراهن من المتغيرات والظروف، وكأنها تعبر عن ديناميكية «اجتماع سياسي» ، تتفاعل مع بعضها البعض بهدف الوصول إلى منظومة تتسق فيها العناصر وتتحد فيها العلاقة بين «الثابت» و «المتحول». غير أن المقام هنا، ليس تحليلاً معرفياً لهكذا علاقة، بقدر ما أنه طرح ينزع إلى إثارة دور كل من «الوعاء» و «الهيئة» أي الدولة والمجتمع، ولعل التشريح الذاتي الذي كنت قد كتبته هنا من قبل حول مأزق الذات العربية ومعاناتها، يحتم عليَّ تناول أبعاد المعضلة، وطرح أسئلة دون أن أزعم الإحاطة بها، سبراً وإجابة، بل إنني سأكتفي في هذا الحيز بالتقاط بعض محاور وإشارات وهي بمثابة بحث عن العلل، ووقوف على الخلل، ومهما يكن من أمر، فإن ثمة تساؤلات تبحث عن ذاتها في ظل تلك المحاور والإشارات، لأن المنطق يرى أن كل إجابة ناقصة ما هي إلا مساحة لولادة سؤال جديد، ومتى ما ظلت الإجابات غير مقنعة، فإن التساؤلات تبقى عالقة في الذهن.وعند الحديث عن تلك العلاقة بين الدولة والمجتمع في عالمنا العربي تحديداً فإنه ليس من جديد في القول، بأن ثمة أسئلة حارقة ما زالت عالقة بالتأكيد في الذهن، وستبقى على وضعيتها هذه طالما كانت إجاباتها منقوصة ومشوشة في آن واحد.ولعل الواقع الراهن، وهو إفراز لما سبق من أيام وإرهاص للقادم منها، يكشف حقيقة الإشكالية الدائمة بين «الوعاء» و «الهيئة» أو المنتج والمنظم، التي أدت إلى تشكيل صورة تتمثل في مجتمعات عربية ضعيفة ومنقسمة ومتخلفة، وحين المواجهة وطرح السؤال، فإن تلك المجتمعات «الغالب منها» وحكوماتها، تعزو ذلك إلى السبب الخارجي أياً كان مصدره «مفهوم المؤامرة» ، وبدلاً من الشفافية ومواجهة الذات بشكل موضوعي وواقعي، تجدها تكرس مفهوم «تضخم الأنا» فيدعون أنهم منبع الحضارات دون النزول إلى أرض الواقع حيث الحقائق الناصعة. بيد أن الكارثة لا تكمن في المكابرة فحسب، بل في صراع يعيشه الإنسان العربي بين «تضخم الأنا» و «واقع مرير محبط» ، لا يلبث أن يدفعه إلى حالة متلونة انفصامية بين نزق وقلق داخلي، وأحلام نوستالجية موغلة في الخيالات والمثل.غير إن لب المشكلة لا يكمن في المواطن العربي ذاته، بقدر ما انه نتيجة لأسبابها، بمعنى آخر انه ضحية لظروفه وللمعطيات المحيطة به، وهي عوامل لا يمكن الاستهانة بها، فهي بمثابة العلل ـ كما قلنا آنفاً ـ التي ربما تقودنا إلى إجابات مقنعة، لكي نفهم نزوع شعوبنا إلى الاستسلام والسلبية فضلاً عن نمطها المحكوم بالجاهزية والقصور وتغليب العاطفة على العقل أو كما وصفها احدهم بأنها مجتمعات مسايرة وانفعالية وتحمل دائماً القدر والظروف مسؤولية الأخطاء، ناهيك عن ثقافتها السطحية واللفظية، ولعل وصف القضيبي بأن العرب ظاهرة صوتية من أدق التعابير التحليلية إن جاز التعبير لوصف سلوك المواطن العربي اليومي المعاش حيث الصراخ بصوت عال وبقدر من التشنج والعصبية والتلويح بالأيدي، وحين تحاوره تجده لا ينفك في إبداء الانفعال والسخط ورفض ما تقوله حتى قبل أن يستمع إلى طرحك، فالإصغاء كلمة نادرة في قاموسنا اليومي.هذه السلوكيات، للأسف، واقع بات ملموساً ومشاهداً، وتفضح بشكل جلي إن العلاقة ما بين «الدولة» و «المجتمع» يشوبها الكثير من الريبة والاختناق والحاجز الذي يتمخض عنه فقدان الثقة والنفاق والازدراء والسخرية والاستخفاف، نعم.. السلطة السياسية تمارس نهجاً أحادياً على شعبها، الأمر الذي خلق مناخاً استعمارياً واستعبادياً إن جاز التعبير، كان وما زال ضحيته المجتمع، لذا تجد أن مفردات هذه السلطة أو تلك في عالمنا العربي، تتمثل في السلطوية والاستبداد والديكتاتورية والأوتوقراطية، ويبدو أنه على مر الأزمنة، بات هذا المناخ مألوفا لدرجة أنه صار من النسيج المجتمعي، رغم أن ضحايا السياسة عادة ما يكونون هم الشعوب وهذه «السياسة» قال عنها الشيخ محمد عبده «أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس» وكان محقا أيضا من قال إن كل شيء في الفكر العربي الحديث يبدأ وينتهي بالسلطة السياسية. يقول الباحث تركي الحمد «كي تحدث المجتمع، لا بد من السلطة، كي تحقق التنوير والنهضة والتنمية والاستقلال والحوار مع الآخر أو مقارعته، والديمقراطية والعدالة والمساواة، لا بد من السلطة «السياسية».بطبيعة الحال، قد تكون السلطة السياسية منتجة وفعالة ووسيلة بناء لا هدم، ولكن في حالتنا العربية فإنها تنتمي إلى فضاء الأوتوقراطية، وهذا يعني، في ما يعني إلغاء لمفاهيم الديمقراطية من مشاركة سياسية وتعددية واحترام حقوق الإنسان، وعندما يستند «قرار الفرد» إلى جذور منبتها القبيلة والطائفة والمناطقية والشللية وما إلى ذلك من مصطلحات، فإن النتيجة تقويض لدعائم علاقة طبيعية ما بين «الوعاء» و«الهيئة» وما دام «المنظم» ينزع إلى السلطوية، فإنه من الطبيعي أن يرتهن «المنتج» إلى كل ضروب الذل والهوان والخنوع فضلاً عن الاستسلام والسلبية.والحقيقة انه عند افتقاد الشجاعة الأدبية في نقد ومواجهة «التابو» و«المسكوت عنه» ، فإنه من الصعوبة بمكان أن نقف أمام هيمنة «السلطة والعادات» على أن التوصيف أعلاه لا يفي الموضوع حقه، إذ أن القضية شائكة والعلاقة متداخلة بطبيعتها ومبثوثة في بعضها بهذا المقدار أو ذاك، غير أن ما يهمنا هنا استخلاصات أولية لموضوع معقد لم يلبث أن شكل صورة نمطية لمجتمع ما زال مرتهنا لتأثير السلطوية في نسيجه وتوجهاته. صفوة القول إن تلك الأسباب تمثل عائقاً أمام بناء المجتمع وتحديثه ومن الطبيعي أن تتم تعرية تلك العوامل حتى نستطيع أن نعرف العلاج، وإن كان الاعتراف منا أن التنظير يبدو سهلا مقارنة بالتطبيق، إلا أن القضية ما زالت تمثل الهاجس المسيطر على شعوبنا، متسائلة عن الوقت الذي يأتي لتخرج من حالتها الانفصامية، غير أن الكثيرين يرون أن الحل الناجع لا ينبعث من الحيز السياسي وتنظيماته، بل من الفضاء المدني ومجتمعه وجمعياته، وفي هذا الكثير من الصحة، لان المجتمع المدني بآليته وطبيعته سيخلق حالة من التناغم بين «الوعاء» و «الهيئة» أو الدولة والمجتمع وستفرز ديناميكية تتفاعل مع بعضها بعضا للوصول إلى تلك المنظومة ذات المعادلة المرنة، ولذلك تبدو هذه الظاهرة «المجتمع المدني» والموجودة منذ زمن بعيد، والتي تنمو الآن بشكل مذهل بسبب العولمة، مطلبا رائجا وحلا ناجعا لتجديد روح المجتمعات كما يرى البعض.غير أنني اعتقد أن المغالاة في هذا التوجه لن تحقق التوازن المطلوب، وستطفو الإشكالية على السطح من جديد ما بين «الوعاء» و«الهيئة» وبالتالي ندور في تلك الحلقة المفرغة.. نعم المجتمع المدني يتكامل مع الدولة، لكنه ليس بالضرورة هو الحل الوحيد لضبط شكل العلاقة معها، وان كان مهماً، فالقضية ليست معادلة رياضية، واضحة المعالم ومحددة نتائجها بدقة، بل هي تنتمي إلى الألوان الرمادية، وبالتالي الحلول قد تكون قاطعة نظرياً، لكنه بمجرد تطبيقها على أرض الواقع ينتفي ذلك القطع والصرامة في صحتها وهذا سائد إلى حد بعيد في كثير من القضايا، وملحوظ حتى في عالم البحث العلمي.على أي حال، يبقى المجتمع المدني ظاهرة بمفاهيمه وطروحاته، وبات مهما لخلق عملية التوازن، ويساهم مع غيره من عوامل أخرى في ضبط علاقة «المنتج» و«المنظم» ، لكن مسألة المغالاة في نجاحه لن تقودنا إلى الغاية التي نقصد.
.

0 التعليقات:

إرسال تعليق