241189572571696

الخميس، 1 أبريل، 2010

لبنان في 2009: مشروع السيادة والأمر الواقع



الحياة, بول سالم, 31 ديسمبر 2009

ختمت زيارة رئيس الوزراء سعد الحريري دمشق فصلاً طويلاً دام أربع سنوات من المجابهات بين «قوى 14 آذار» وسورية. كما جسّدت انتصار الأمر الواقع، القائم على السيادة المنقوصة والائتلافات المتناقضة، على مبادئ استكمال السيادة وبناء الدولة القوية والحكم القادر. لكنه على رغم ذلك قد يمهد لفترة استقرار يحتاج اليها لبنان بعد سنوات من الانقسام والتوتر الداخليين.

كان الانقسام قد شل لبنان منذ أوائل العام 2007 وقاد الى صدامات في بيروت في أيار (مايو) عام 2008. وقد تطلب الأمر إبرام اتفاق في الدوحة كي يتم السماح بانتخاب رئيس للجمهورية وإجراء الانتخابات البرلمانية. وعلى رغم أن تحالف 14 آذار فاز في هذه الانتخابات في حزيران (يونيو) 2009، لم يستطع تشكيل حكومة يمكن أن يمارس فيها دور الأكثرية. وقد اضطر رئيس الحكومة الجديد الى تشكيل حكومة للمعارضة فيها شأو كبير. كما شجعته المملكة العربية السعودية على مصالحة دمشق، حتى قبل صدور نتائج التحقيقات في عملية اغتيال والده.

وثمة من يرى أن زيارة الحريري تؤكد عودة النفوذ السوري الى لبنان، وإن من دون قوات عسكرية كما كان الأمر في السابق، وفي إطار دولتين تقيمان علاقات ديبلوماسية. وهذا يُعيد انتاج وضع مشابه لذاك الذي ساد معظم حقبة التسعينات، حين كانت قيادات السنّة والشيعة والدروز تقيم جميعها علاقات طيبة مع دمشق. أما الآن فالمسيحيون أيضاً يقيمون علاقات طيبة مع سورية من خلال زعيم «التيار الوطني الحر» النائب ميشال عون.

وتشي زيارة الحريري، التي أتت في أعقاب صدور الوثيقة الجديدة لـ «حزب الله» التي تؤكد ان المقاومة ستحتفظ بسلاحها الى أمد غير منظور، وفي اطار الواقع بأن سورية تُواصل دعم مجموعات مسلحة صديقة لها في لبنان عبر حدود البلدين، وبأن محاولة لبنان في السنوات المنصرمة تحقيق سيادته الكاملة توقفت. إذ يبدو أن أطرافاً لبنانية وعربية استنتجت انها لا تستطيع مجابهة «حزب الله» وإيران وسورية في وقت واحد، ولذا اختارت العمل مع سورية بدل العمل ضدها، أملاً بكسب بعض الدعم لعملية احتواء «حزب الله» وموازنة النفوذ الإيراني.

عدا ذلك، كان 2009 عاماً من الهدوء والاستقرار النسبيين في لبنان، خصوصاً إذا قارناه بالأعوام المضطربة بين 2005 و2008. فالتغيرات في السياسة الأميركية، كما التحولات في سياسات دمشق والرياض، ساهمت في تهدئة بيئة لبنان الخارجية وشجعت الأطراف اللبنانية على الابتعاد عن المجابهات والتحرك باتجاه التسويات.

جلّ الاهتمام خلال الجزء الأول من العام الذي يوشك على الأفول، تركز على الانتخابات البرلمانية في حزيران (يونيو) 2009 التي كانت الأولى منذ 1972 التي تجرى على أساس قانون انتخابي وافقت عليه كل الأطراف ومن دون سيطرة خارجية، وفي انتخابات شديدة التنافس كانت فيها سطوة الطائفية والمال السياسي قوية، حصد تحالف «14 آذار» 71 مقعداً في مقابل 57 لتحالف «8 آذار».

أما بعد الانتخابات فاستغرق أمر تشكيل الحكومة خمسة أشهر. كان الحريري يريد حكومة لتحالفه فيها غالبية واضحة، ومن دون «ثلث معطل» لأخصامه. إلا أن المعارضة رفضت ذلك، بحجة أنها حصلت على أكثرية الأصوات الشعبية، وأن لبنان يجب أن يُحكم بإجماع طوائفه الرئيسة. ثم ان تحالف 14 آذار تعرض الى خضة كبيرة بعد اعلان أحد أركانه، وليد جنبلاط، في آب (أغسطس) انسحابه من التحالف.

علاوة على ذلك، عكس تأخير تشكيل الحكومة الاختلال الوظيفي المتفاقم للنظام اللبناني في فترة ما بعد الطائف. ذلك أن واحدة من أكبر الطوائف في لبنان، وهي الطائفة الشيعية، غير راضية عن حصتها في السلطة التنفيذية. وليس واضحاً بعد ماذا إذا كان ذلك سيتطلب اعادة التفاوض حول اتفاق الطائف في السنوات المقبلة. وعلى أي حال، القضية مُرجأة حالياً لأن أي تسوية جديدة ستعني طرح موضوع سلاح «حزب الله» على طاولة المقايضة، وفي خاتمة المطاف، تم تشكيل الحكومة استناداً الى الصيغة الوسطية 15-10-5.

وكان تحالف 14 آذار قد نشأ غداة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في العام 2005، بوصفه حركة تدعو الى انسحاب القوات السورية، واستعادة السيادة الوطنية، وتشكيل محكمة دولية لكشف ومحاكمة قتلة الحريري. بيد أن كل شيء تغير العام 2009. فالسوريون كانوا قد غادروا البلاد، والتحقيق الدولي بدأ وتواصل، أما السيادة الوطنية فقد علقت بين التناقض الثنائي لكل من الخروق الإسرائيلية المستمرة للمجال البري والبحري والجوي اللبناني وبين حفاظ «حزب الله» على سلاحه خارج سيطرة الدولة اللبنانية. ثم أن كلاً من جاك شيراك وجورج دبليو بوش، اللذين كانا قد دعما حركة 14 آذار، استُبدلا برئيسين قررا الابتعاد عن نهج المجابهة وسعيا الى الانفتاح على سورية والتفاوض مع ايران. ومع زيارة الحريري الأخيرة دمشق، باتت طبيعة «14 آذار» ومستقبله موضعي شك أو تساؤل.

أما على الصعيد الاقتصادي في العام 2009، فقد كانت المؤشرات في لبنان ايجابية، وذلك في مرحلة شهدت أزمة عالمية مالية واقتصادية طاحنة ونكسات اقتصادية خطيرة في عدد من البلدان العربية، في طليعتها دبي، فقد تمكن النظام المصرفي اللبناني المُحافِظ من عزل نفسه عن الصدمات العالمية، بل جذب أصولاً مالية جديدة. كما كان القطاع العقاري أكثر استقراراً من الفقاعات في دول الخليج، وجذب هو الآخر المزيد من المستثمرين.

وإذا تطلعنا الى المستقبل القريب، نجد أن الحكومة ستُواجه مروحة من التحديات. إذ عليها اجراء انتخابات بلدية في الربيع، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة والمُقرة في اتفاق الطائف، والوصول الى توافق حول قانون انتخابي برلماني جديد. كما عليها ان تقود بحذر سفينتها بين الأمواج الإقليمية والدولية المتغيّرة كي لا تعلق في لجج أي مجابهات اقليمية جديدة، خصوصاً بين إيران وإسرائيل.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تُواجه الحكومة تحدي حسن ادارة دينها الباهظ في سوق ائتمان دولي صعب، وأن تنفذ التزاماتها «باريس - 3» (مؤتمر الدول المانحة لدعم الاقتصاد اللبناني) في ما يتعلق بإصلاح قطاعَي الطاقة والاتصالات وغيرها من القطاعات.

لبنان قد يفيد من الهدوء الذي وصلت اليه السياسات الإقليمية والمحلية. لكن، وفي غياب السيادة، سيكون مصيره مكشوفاً أمام أخطار الصدمات المفاجئة على غرار: تبدّل الاصطفافات الإقليمية، أو المواجهة بين ايران وبين اسرائيل (والتي قد تشمل «حزب الله») أو صدور نتائج مُحرجة عن محكمة الحريري.
المصدر مركز كارنيجي

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق