241189572571696

الأحد، 18 أبريل، 2010

الدولة والمجتمع في التصور الاسلامي صراع الوظائف أم تكامل الأدوار؟



محمد همام


الدولة والمجتمع في التصور الاسلامي صراع الوظائف أم تكامل الأدوار؟

تقديم:
يطمح هذا البحث إلى تعميق النظر في فلسفة الاجتماع الإسلامي، وإبراز بعض عناصر هذا الاجتماع، هي أقرب إلى أن تكون مدخلا، يصلح، بنظرنا، أن يكون منطلقا للتفكير في تفاصيل المشروع الاجتماعي الإسلامي. وسيكون التركيز على الطابع المؤسساتي والاجتماعي لنظرية الإسلام في الدولة والعمران.
ونقصد، في هذا البحث، بالاجتماع الإسلامي، الشكل الذي يبني به المجتمع ذاته، وعلاقات الناس، داخل شبكتهم الاجتماعية، ومستويات الاستقلال أو الارتباط بالدولة، إداريا أو ماليا أو سياسيا أو إيديولوجيا.. أي علاقة المجتمع بالدولة.
ويمشي البحث وفق مستويين متوازيين؛ واحد يهدم وينقد وآخر يبني وينشئ؛ الأول يتعلق بنقد فلسفة المؤسسات "الحداثية" المنقولة، التي تهيمن في العالم الإسلامي، والثاني، يبرز فلسفة البناء المؤسساتي الاجتماعي الأصيل، عرضا وتطويرا واستشرافا، من خلال نموذج الوقف الإسلامي ودوره في تأسيس المجتمع الأهلي الإسلامي، الفاعل والمشارك في التنمية والنهوض.

الفصل الأول: مؤسسة "الحداثة المعطوبة" من تدمير بنيات المجتمع إلى رهن الشعب للدولة واستعباده للحكومة

المبحث الأول: في الحداثة المعطوبة

1) الحداثة والتقليد:

أثبت النقد المعرفي والمنهجي أن الخطاب الحداثي العربي، لم يكن ينتج، أو قل، يبدع فكرا خاصا به، بل كان مقلدا للفكر الغربي، ومحاكيا لأطروحاته وفلسفاته، إما عبر: الاستنساخ أو التلفيق أو الاختزال، مما كرس التبعية الفكرية للغرب، وعطل انطلاقة الإنتاجية الفكرية للعرب:

فالمستنسخ يسعى لينقل مباشرة كلية النسق الفكري للتيار الذي يميل إليه، كما نجده في مشروع العروي، برغم ادعائه بأنه ينقل الأفكار ولا يتحدث عن تجسيدها([1])، وأما الملفق فهو يقتبس إما من مستويات مختلفة لتيار واحد أو من أصناف متباينة من التيارات جملة من المقولات والتعاريف والمناهج المتفاوتة فيما بينها، فيركم بعضها على بعض، في بناء يفتقر إلى الانسجام والتماسك، وهذا نلحظه بسهولة في مشروع الجابري، بدعوى المعاصرة، ومواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي([2]).

وأما الاختزالي فهو الذي يقتصر على نقل بعض المفاهيم البارزة المنتمية إلى تيار معين أو إلى مستوى معين من مستوياته، وأصحاب هذا المنحى كثر، نمثل لهم بتوفيق سَلّوم، الذي يسعى، كما يدعي، إلى تطوير ما ينطوي عليه التراث أو الواقع العربي، من عناصر وجوانب قريبة من إيديولوجية الطبقة العاملة، وخاصة منها النزعات المادية، والديمقراطية، والاشتراكية([3]).

هذه الأشكال المتنوعة من التقليد والمحاكاة، هي التي أوقعت "الحداثيين" العرب في حرج كبير؛ إذ أخذت الأدوات المنقولة والأنساق المنسوخة تتهاوى بين أيديهم؛ من جراء تقلب أحوال الغرب المذهبية واختياراته الفكرية([4]). ومازالت مجموعة من هؤلاء الحداثيين المقلدين مصرين على الاستمرار في تقليدهم، مرسخين حداثة فلسفية جامدة، توجب عليهم الاندماج الكلي في العصر الفلسفي على مقتضى ما قرره الغير في التفلسف، فيكون هذا الضرب من الحداثة إلى الوهم والأسطورة أقرب منه إلى الواقع والحقيقة([5]).

إن التقليد يعتبر من الأساطير المؤسسة للحداثة العربية؛ إذ لم ينضبط الحداثي العربي بادعائه الرغبة في تحديث الذهنية، وتحديث المعايير العقلية والوجدانية([6])، أو أن الحداثة هي حداثة المنهج والرؤية والهدف، ثم الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها([7])، بل إن الحداثة التي بشر بها هذا الحداثي العربي، هي حداثة تقليد؛ تقليد الغرب، وفرض نمطه في التفكير، من خلال السيطرة متعددة الأوجه([8]).
فالحداثة في تصور "الحداثيين" العرب مرتبطة بأحداث "كونية" كبرى غيرت صورة العالم، والتي تعتبر مفاصلها الكبرى هي القرون: الخامس عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر([9]). فالحداثة الأوروبية أصبحث حداثة كونية، وينبغي السير على منوالها من حيث القطيعة الجذرية مع الماضي ومع ما كان موجودا([10]).
والحقيقة أن الإبداع لا يتحقق إلا بالتحرر من مجموعة من الأساطير التي حماها الحداثيون العرب ورسوخها في الفهوم والعقول، وكانت كلها موانع وعوائق أمام الابتكار والاختراع والإنشاء([11]). وهذا ما عطل مشروع حداثة التقليد، وأصابه بالشلل، يعكس هذا، الاضطرابُ الفكري والمنهجي الذي يعيشه الحداثيون العرب اليوم، وحالات التيه والاغتراب التي لا يخجلون من التعبير عنها، في منتديات عدة!
2) الحداثة المعطوبة:

لم تعد "اللغة المراوغة" بما هي لازمة من لوازم نقد الحداثة وما بعد الحداثة، قادرة على إخفاء أزمة الحداثيين العرب، عبر عنها شكري عياد بقوله: «فالكاتب منتم بفكره أو الأنا العليا إلى العالم الغربي الحديث، بينما هو منتم بعلاقاته الاجتماعية أي بالأنا إلى المجتمع العربي. وبناء على ذلك فلن يكون أمامه خيار حين يكتب، إلا أن يكتب لقارئ على شاكلته، قارئ عربي ينتمي بفكره إلى العالم الغربي الحديث»([12]). فقد فشل الحداثيون العرب في إنشاء حداثة عربية حقيقية، وأصبحت كتاباتهم أقرب إلى أن تكون دروسا في الفوضى الثقافية. كما عجزوا عن تأصيل مقولاتهم الحداثية داخل الواقع الثقافي العربي. وفشلت محاولات "أنسنة الدين"، وتطبيق المبادئ النقدية على النصوص المقدسة. وأحسن ما يمكن أن توصف به الحداثة العربية، أنها حداثة معطوبة؛ انعكست فيها أزمة الإنسان الأوروبي المعاصر بعد أن فقد التحكم في عالمه، وبعد أن أصبح مهموما يوما بعد يوم بمشكلة تحديد موقعه في العالم الجديد. فالحداثيون العرب، وهم يبشرون بالمناهج الحديثة، والمفاهيم الحداثية، سواء في النقد الأدبي، أو الدراسات اللغوية، أو المفاهيم الاجتماعية… كانوا مترجمين، فقط، وبأشكال رديئة لأطروحات الفلسفة الغربية، كما هي عند هيوم، وكانط، وهيغل، ونيتشه، وهوسرل، وهايدجر وجادامر… قاصرين نظرهم على المضامين الفكرية التي انبنت عليها، وليس الوسائل المنهجية التي استعملت في تبليغها. فينقلون هذه المفاهيم والأحكام تقليدا لغيرهم، وهم لا يدرون كيف يضعون مفاهيم حديثة مثلها، ولا يهتدون إلى ضبط أحكامها بما يقوي إنتاجيتها، ولا بالأولى إلى وضع هذه المفاهيم والأحكام في نسق واحد يجمعها ويولد بعضها من بعض([13]).

لقد خرج الخطاب الحداثي العربي من سجاله الفلسفي والإبستيمولوجي الطابع، حول الدين ووجود الله والوحي والمادة والغيب، خرج منهكا، ولم يستطع الصمود أمام كبرى اليقينيات التي كان يتحصن بها الخطاب الإسلامي، بل استطاع هذا الأخير نقض أوهام الخطاب الحداثي، وكشف تناقضاته، وتعويق امتداده بشكل منظم ومدروس، وهذا ما جعل الخطاب الحداثي يفر إلى مناقشة قضايا أخرى غير مرتبطة بالدين بشكل مباشر، كالديمقراطية، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان، في انقلاب درامي للدفاع عن قيم ليبرالية نقيضة لقيم الأمس([14]).

3) الحداثة الأصيلة:
ارتبط مفهوم الحداثة عند كثير من المهتمين بما هو حديث، وجديد ومعاصر. وأصبح لا ينظر إلى الحداثة إلا من خلال نقائضها: القديم، الرجعية، التراث، التقليد...
والحقيقة أن المعنى الدقيق للحداثة يبقى غامضا وملتبسا، ولا يمكن الاطمئنان إلى تعاريف جاهزة ومنمطة. كما لا يمكن وصف شخص أو أي مشروع، بأنه "حداثي" ما لم نقف على آلياته في إنتاج المعرفة وسلوكه في الإنجاز على أرض الواقع.
والحداثة، إذن، ليست شيئا واحدا في المضمون الفكري أو السياسي أو الاجتماعي، بل هناك "حداثات" تتعدد بحسب الأفكار الفلسفية والاجتماعية المختلفة.
فالحداثة الغربية مثلا عبارة عن تمازج عناصر دينية وثقافية وفلسفية لها أصول إغريقية ورومانية ومسيحية كاثوليكية، ثم بروتستانتية أنكلو سكسونية، ثم توراتية ـ صهيونية. وقد تجمعت هذه العناصر عبر عملية تشكل تاريخي وحضاري معقد ومتداخل([15]).
وعدم تبين هذه الاعتبارات هو الذي جعل الكثيرين يكفرون الحداثة بإطلاق، لأنهم يفهمونها إلحادا، وجعل الكثيرين من الاتجاه المعاكس يبعدون الإسلام عن كل حركة الإنسان للواقع لأنهم يفهمونه تراجعا أو رجعية!

إن الحداثة ليست بالضرورة قطيعة مع الماضي، أو حربا على الدين، أو في أحسن الأحوال، إحياء وتطويرا لما ينطوي عليه من إيديولوجية الباحث ونزعاته، لأن هذا الفهم هو أقرب إلى مذبحة الماضي، وكذا الدين منه إلى إحيائهما وتطوير مفاهيمهما.

وعليه، يصبح ضروريا الحديث عن حداثة أصيلة ومأصولة من داخل المجال التداولي الأصيل، عقيدة ومعرفة ولغة؛ فالحداثة التي لم يتوفر فيها شرط الإبداع هي محض تقليد وعجز. وهذا ما يلحظه المتتبع للمشاريع النقدية العربية المطروحة في الساحة الفكرية؛ إذ بقي تأثيرها محدودا، ولم تستطع تحقيق الحد الأدنى من تغيير العقلية والواقع العربيين. فبقيت مشاريع غريبة، تناقش في "الصالونات"، وأروقة الفنادق والمنتديات الطوباوية، ومازال أصحابها من حُمَّال ألقاب "الحداثة" و"العقلانية" و"التقدمية" لم يعترفوا بعقم هذه المشاريع، أو على الأقل بنسبيتها، فيلتفتوا إلى تقويمها وتزويدها بما ينقصها من عناصر منهجية ومعرفية دافعة. إنها مشاريع تجزيئية ومقلِّدة أخلت بشرط الاستنباط، واعتمدت منهجية مستوردة غير مستنبطة مما تضمنه الحقل المعرفي الأصيل، من أصول وقواعد مقررة، وما تفرع عنها من أحكام منهجية. كما أخلت بشرط المناسبة؛ فأنزلت على المعرفة التراثية آليات غربية من دون تبين صلاحيتها الإجرائية، ولا تصحيح معاييرها، فافتقدت خاصية النقد والتقويم. كما أخلت بشرط التقدم؛ إذ استغرقت هذه المشاريع في النظر في مضامين المعرفة التراثية، من غير اكتشاف آلياتها التي تولدت بها، وتفرعت عنها، وقد أوضح الدكتور طه عبد الرحمن هذه الآفات في كتب ودراسات كثيرة.

إن الحداثة الأصيلة القادرة على الدفع هي الحداثة المبدعة والمحترمة لشروط الإبداع، والرافضة، من منطلق تداولي، للمقولات الوافدة إلينا من الغرب والتي تقول إن الدين شيء والعلم شيء آخر، كما أن العقل شيء والدين شيء آخر. ومن غير الدخول في جدل مفاهيمي عقيم! فالحداثة المبدعة والأصيلة، بنظرنا، هي التي يقودها علماء متدينون، لا يشعرون بأن دينهم يقيد علمهم، أو أن علمهم يصادر دينهم. إنهم يرون الدين هو الذي يمر بطريق العلم؛ لأنهم كلما عقلوا العلم أكثر فهموا الكون أكثر، وكلما فهموا الكون أكثر عرفوا الله أكثر. وهم يعتقدون أيضا بأن الدين لا يمر بطريق الجهل، بل الجاهلون هم الذين يضيقون الدين ويجمدونه، بل ويسقطونه )إنما يخشى الله من عباده العلماء( [فاطر: 28]، وهذا أمر كتب فيه كثيرا السيد محمد حسين فضل الله([16]).

والحداثة الأصيلة ليست بالضرورة استخدام العقل وحده أو استيراد العلم والتكنولوجيا، أو نماذج التنمية الموهومة، وإنما هي استخدام للعقل في تكامل مع الوحي، وربط لعالم الشهادة بعالم الغيب، في إطار رؤية توحيدية توكلية، تأخذ بالسنن والأسباب، وتتأسس على قيم مطلقة؛ فالقيمة هي من خارج العملية العلمية، بل هي سابقة على العلم والمادة.

والإنسان من منظور الحداثة الأصيلة، مكرم ومستخلف ومسخِّر للكون )ولقد كرمنا بني آدم(؛ إذ بهذا التصور التكريمي ننأى عن الإفرازات المرضية للحداثة الغربية، التي أعلنت منذ بدايتها أن العالم مكتف بذاته، ففصلت بين العقل والقيم الأخلاقية، وانتهت إلى تفكيك الإنسان ورده إلى حركة المادة؛ إذ أصبح عند طوماس هوبز كالذئب أو الحجر المندفع، وعند سبينوزا كالساعة المتحركة بشكل آلي، وعند داروين سليلَ القرود، وعند ماركس نتاج قوى الإنتاج، وعند فرويد أسير الغرائز، وعند بافلوف في تجارب الفعل الانعكاسي الشرطي كالكلب في ردود أفعاله...

وأما الخطاب الحداثي الأصيل فلا يستسلم أمام هذه الأطروحات الفلسفية الحداثية، بل يرفضها، من موقع نقدي متفائل، عكس نقد ما بعد الحداثة ذي الطابع التشاؤمي العدمي. فالخطاب الحداثي الأصيل خطاب جذري وتوليدي واستكشافي لا يهمه التوفيق أو التلفيق بين المنظومة الغربية الحديثة، والمنظومة الإسلامية الأصيلة، بل هو يبدأ، بتعبير د. عبد الوهاب المسيري([17])، من نقد جذري للحضارة الغربية الحديثة، ويحاول اكتشاف معالم هذه المنظومة الغربية باعتبارها رؤية كاملة للكون، والإمساك بمفاتيحها مع الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها. فهو يعود للمنظومة الإسلامية بكل قيمها وخصوصياتها الدينية والأخلاقية والحضارية، ويستكشفها ويحاول تجريد نموذج معرفي متكامل منها، يمكنه من خلاله توليد إجابات على الإشكاليات التي تثيرها الحضارة الغربية، وعلى أية إشكالية جديدة.

إن الخطاب الحداثي الأصيل، لا يقف عند شعار "الإسلام هو الحل"، وهو بالمناسبة شعار إيديولوجي ينتج سلوكات احتجاجية وغوغائية أساءت لرسالة الإسلام العظيم، بل يتجاوزه إلى طرح الإطار الفلسفي العميق: الإسلام هو رؤية للكون، أي يصدر عن رؤية معرفية شاملة يولد منها منظومات فرعية متنوعة. إنه يؤسس لوعي نقدي منفتح ومتفائل ومكتشف للإمكانات التوليدية الخلاقة داخل المنظومة الإسلامية التي غفل عنها خطاب التقليد، وطمسها خطاب التغريب. هذا الأخير الذي احترف في الآونة الأخيرة الهجوم على أي ثبات وأية معيارية داخل المنظومة الإسلامية، وأنكر أية ركيزة نهائية، بل ليس القرآن الكريم عنده سوى نص تاريخي مغلق، ينتمي إلى لحظة تاريخية بائدة!

أما الخطاب الحداثي الأصيل، فإنه ينطلق من أن ثمة مطلقا واحدا هو الله سبحانه وتعالى؛ وبسبب وجوده خارج الزمان والمكان والبشر، فهو مركز الكون الذي يمنحه الهدف والغاية والمعنى؛ وأنزل الكتب وأرسل الرسل لهداية الناس وتوجيههم إلى الصراط المستقيم، معتمدين على ملكاتهم وقدراتهم في تناغم مثمر وحاسم بين الوحي والعقل. وهذا ما لم يستطع فهمه الخطاب الحداثي المتغرب، وبقي مسترخيا ومقلدا ومنتظرا للإجابات الغربية من خارج منظومته ومجاله التداولي، فطال انتظاره فبدأ يتآكل حتى انفرط عقده أو كاد!


المبحث الثاني: الحداثة المعطوبة ووظيفة تدمير بنيات المجتمع



1) الحداثة المعطوبة ضد المجتمع:

يعتبر المشروع الحداثي المستورد ذاته، عادة، نقيضا للتقليد؛ والمقصود بالتقليد في إحدى دلالاته، المجتمع ومؤسساته. من هنا سعى الحداثيون إلى تفكيك بنيات المجتمع وتحطيم مؤسساته "التقليدية". واستبدلوها بالمؤسسات "الحديثة"، من الدولة إلى أدنى مؤسسة في المجتمع. هذه المؤسسات لما كانت تخضع في مرجعياتها إلى فلسفة حداثية، غريبة عن ثقافة المجتمع، بقيت غريبة وبعيدة عن هموم الناس ومصالحهم. وهذا ما يمكن أن يلحظه المرء بيسر في الإدارة الحديثة، حيث يغلب "الروتين والبيروقراطية" وتعطيل مصالح الناس. ولم تنفع دعاوى الإصلاح الإداري، بل تضخمت هذه المؤسسات، وزادت التعقيدات والقوانين الإدارية في ما يتعلق بأي إجراء أو معاملة حتى أصبحت الدولة عالما قائما بذاته، أو مجتمعا آخر، مقابل المجتمع الأصلي، الذي عملت المؤسسة أو الإدارة الحداثية، على إخضاعه والتحكم فيه([18]). وعلى المواطن أن يبحث عن انسجام مأساوي مع جهازه الإداري الذي ينقص من قيمته وكرامته كل يوم، في تسجيل زواج أو ولادة، أو استخراج جواز سفر، أو الحصول على إذن بناء، أو الدخول والخروج من المطار، أو تسجيل تلميذ في مدرسة أو نقله، وأما إجراءات المحاكم واللجوء إلى القضاء فحدث ولا حرج! ولما يفقد المجتمع أبسط أشكال المقاومة، يلتجئ إلى معاقبة دولته بمقاطعتها، والتعامل مع مؤسساته بلامبالاة، مفضلا الهروب إلى عالم الخمر والانحرافات المختلفة التي تطفو على السطح، والتي كانت مخبأة إلى وقت قريب تحت ستار كثيف من الأكاذيب الإعلامية.

لم تستطع الحداثة إذن أن تطور مؤسسات المجتمع، وصقل مواهبه، ودفعه في اتجاه التنمية والنهوض، بل أصبحت عنصر تمويه عن حقيقة السلطة واستبدادها، وتحولت الحداثة إلى سياسة براغماتية، تعيد إنتاج الاستبداد وتبرره، وتحكم بشريعة الغاب وشريعة الحظ، وحولت الوطن إلى حفنة من التراب، وإلى حفنة من الناس، تنضح العلاقة بينهم بالشك الخفي، ويمشي الاتهام المغلَّف بين جانب منه وجانب، وتظل فئات من الناس في يقظة ترقب ومكايدة، بلا ثقة ولا اطمئنان.

لقد أفلحت الحداثة في تأسيس دولة "حرة"تعتقل شعبها وتنتج شوارع الصمت باسم الديمقراطية، والحداثة، والعقلانية. وهي تعمل اليوم لاستكمال تدمير بنيات المجتمع ومرجعياته الفكرية والتربوية والقانونية، من خلال الترويج لمؤسسات المجتمع المدني.



2) فلسفة المجتمع المدني:

لم يخف الحداثيون أن النموذج الذي يصدرون عنه عند الحديث عن المجتمع المدني هو النموذج الليبرالي الأوروبي، الذي يشكل النظام الرأسمالي هيكله ونسج علاقاته([19]). فلم يكن الغرض من استنبات المجتمع المدني في الأرض العربية، هو فقط للحد من تسلط دولة الحزب الوحيد، ودولة الضباط الأحرار، وتجاوز مجتمع "العسكر" ومجتمع القبيلة، ودولة الزعيم الرائد... كما زعم الجابري([20])، ولكن فكرة المجتمع المدني، جاءت تقليدا للغرب، ورغبة يائسة في اللحاق به، مع حرق المراحل، وتجاوز المعطيات الثقافية والحضارية وشروط التنمية والتقدم التي تحكم البلاد العربية. وإلا فالدولة الحداثية، لم توفر التعبير الديمقراطي الحر، ولم تكرس مجتمع المؤسسات، بل زادت في إذلال المجتمع والسيطرة عليه، وفق نظام السخرة والاستعباد، حتى أصبحت هذه الدولة الحداثية ضد المجتمع والأمة. ولم تزد الدعوة الحداثية إلى المجتمع المدني، إلا ارتباط الشعوب العربية واعتصامها بمؤسساتها الأصيلة كالمسجد، والمدرسة العتيقة، والأسرة. هذه المؤسسات التي تعيش في وجدان الشعب وضميره. وأصبح ينظر إلى المؤسسة الحداثية على أنها غريبة عنه ومفروضة من أعلى، وهي أداة قهر ليس إلاَّ، ووسيلة لنقض كيان هذه المؤسسات الأصيلة. وبرغم هذه الحصانة الذاتية، فقد لعبت المؤسسة الحداثية المستوردة دورا أساسيا في تفكيك مفهوم المجتمع (أي الجماعة الملتحمة) أي عناصر ترابط الشعب، والأواصر التي تربط الأفراد، كما أزالت هذه المؤسسات الحداثية شعور الجماعات الأصلية بذاتها، وحطمت شعور الفرد بارتباطه بها وانتمائه لها، مما قضى على حرية المجتمع وقدرته على التكتل في تنظيمات وهيئات نابعة منه وتحميه من الدولة وقهرها. فافتقد المجتمع حكمه الذاتي، وأحكمت عليه سيطرة الدولة، وتجذرت هيمنة الجهاز الحكومي ووصايته على كل مناشط الحياة، وربط به المواطن رغبا أو رهبا، في جميع أموره الحياتية.

ولم تعد تنطلي على الشعوب الدعاوى الحداثية والعلمانية المزيفة، التي تبشر بالدولة العلمانية المنفتحة التي تتيح وتكفل حرية الضمير، وتصون التعددية الإيديولوجية للمجتمع، وتؤمن حرية الاعتقاد([21]). وحتى المجتمع المدني الذي بشر به الحداثيون، لم يستطيعوا دمجه في البنية الاجتماعية والثقافية للبلاد العربية، وظل جسما غريبا عن المجتمع الأصلي، بل أصبح المجتمع المدني، مجرد مصطلح تلوكه النخبة في الصالونات، ومنتديات الترف الفكري. فإذا كان الاجتماع الإسلامي مؤسسا على فلـسفة التعاون والتعارف والتآزر، )إنما المؤمنون إخوة( [الحجرات: 10]، فإن فلسفة المجتمع المدني كما يتم الترويج لها، تتأسس على الصراع، الذي هو بحسب التصور الغربي، عملية دائمة في المجتمع. فوجود المؤسسات والهيئات إنما هو لتنظيم هذا الصراع من حيث أشكاله ودوره([22]). فالصراع هو المحرك الأساسي لعملية التنمية، مما يفترض وجود صراع منظم داخل بنية المجتمع وبين مكوناته. وبهذا يمكن تفسير ارتفاع نسب التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي داخل الدولة الحداثية، فبقدر إمعان الدولة ونخبها في النزوع الحداثي المستورد، بقدر ما يتعمق الصراع والتناقض بين الأفراد والمؤسسات، وتشتد القطيعة مع القيم الثقافية والاجتماعية الأصيلة المبنية على التآزر والولاء والنصرة بين جماعة المؤمنين في المجتمع الإسلامي. هذه القطيعة بين الفكر الحداثي ونماذجه المؤسساتية، مع محيطه الحضاري ومجاله التداولي، هي التي ستعرض المشروع الحداثي برمته للانهيار، وأفقه للانسداد، فيتحول إلى وكيل للاستكبار العالمي، ومقاول لأطروحات الغرب وفلسفاته، ذات النزوع الاستغلالي المعيق لأي تنمية حضارية محلية.



3) مؤشرات انهيار المشروع الحداثي المعطوب: من تفعيل المجتمع المدني إلى تعزيز الدولة التسلطية:

برغم أن عناصر الحداثة على مستوى بناء الدولة وتنظيم علاقاتها بالمجتمع، قد ظلت قشرة سطحية، لم تستطع تدمير المؤسسات الاجتماعية والثقافية الأصلية، إلاَّ أن هذه الحداثة، عملت، عكس ادعائها، على تعزيز بناء الدولة التسلطية، وخدمت الحداثة سلطة الدولة أكثر مما خدمت المجتمع، بل استخدمت الدولةُ الحداثةَ لإحكام قبضتها على المجتمع، فكانت الحداثة العربية إذن ضد المجتمع، ومعيقة لتقدمه، على عكس دورها في تاريخ المجتمعات الأوروبية. فإذا كانت الحداثة الغربية، بحسب أطروحة ماكس فيبر، قد قرنت بين العنصر الإيديولوجي البروتستانتي (الكالفيني على الخصوص) والشروط الاجتماعية والاقتصادية([23])، لتحقيق التنمية والنهوض، فإن المشروع الحداثي العربي يعتبر نفسه نقيضا للدين، فكرة ومؤسسات، أي مأسسة الدين في مؤسسات دنيوية([24])، وهذا ما أفقد هذا المشروع صلته بواقعه، وقطع جذوره المرجعية والحضارية، إضافة إلى مجموعة من المؤشرات تدل على النهاية المأساوية لمشروع الحداثة المعطوبة، التي يمكن إجمالها في العناصر الآتية:

‌أ. غياب مرجعية فكرية وإيديولوجية ضابطة للمشروع الحداثي، حتى إن صفة "حداثي" قد تطلق على من يقول الرأي ونقيضه؛ فمرة الحداثي ليبرالي متوحش، وأخرى اشتراكي اجتماعي، ومرة أخرى تكنوقراطي حيادي..

‌ب. افتضاح الانتهازية السياسية للحداثيين العرب، من خلال تنكرهم لقيم ما فتئوا يطالبون بها، كالديمقراطية، والتعددية، والمجتمع المدني، وتواطئهم مع أجهزة الدولة التسلطية، والإمعان في إذلال المجتمع، وتسخيره لهذه الدولة، واندماجهم في أشكال من دول القهر؛ كالدولة البوليسية، ودولة العسكر، والدولة التبعية، وغيرها.

‌ج. انسحاب الحداثيين العرب من ساحة المجتمع، وابتعادهم عن هموم الناس وقضاياهم، وتحولهم إلى "أرستقراطية" همها أن تقتات على موائد الغرب أو الدولة التسلطية، قد تكلف في بعض الأحيان بإنجاز أنواع من الدراسات "المخابراتية" لفائدة مراكز البحث الأجنبية بتمويلات سخية.

‌د. صعود تيار وطني إسلامي منغرس الجذور في تربة الوطن وفي وجدان الشعب، وأكثر التحاما مع هموم المستضعفين. وأقدر خبرة وإنجازا على تفعيل مؤسسات المجتمع الأصلية، والحد من هيمنة الدولة وجبروتها، من دون إغفال ما يعرفه هذا التيار من اختلالات فكرية وتصورية وارتباطات مضطربة بالتاريخ والعلم والمستقبل.

وخلاصة القول: إن مؤسسة الحداثة المعطوبة، برغم تفانيها في ترسيخ نمط التحديث الغربي في المجتمعات الإسلامية، مازالت تصطدم بمناعة فطرية حادة، ولم تستطع تطويع وجدان الشعب وطاقاته لأشكالها المؤسساتية الدخيلة، وبقيت دولة الحداثة المعطوبة غريبة عن المجتمع، والمواطن العادي ينظر إليها توجسا وخيفة، وفي المقابل بدأ المجتمع الأهلي يبني ذاته، ويؤسس مؤسساته، ويستثمر طاقاته ومواهبه، من خلال أشكال وأنماط متعددة تضرب بجذورها في أعماق تاريخ الأمة، وخبرتها الحضارية، وتألقها العمراني. وذلك ما سنحاول دراسته في الفصل الثاني من هذا البحث.



الفصل الثاني: فلسفة الاجتماع الإسلامي: نظام الوقف نموذجا

المبحث الأول: مدخل إلى فلسفة الاجتماع الإسلامي


1) عناصر المؤسسية في الاجتماع الإسلامي:

ركزبنيامين فرانكلين في كتابيه "ملاحظات ضرورية لمن يرغب في أن يكون ثريا" و"نصيحة إلى شاب تاجر" على علاقة الأخلاق بالتجارة؛ إذ نصح المعنيين، من تجار أوروبا، بالإتقان في العمل والعقلانية، والاستقامة، والاحتراف والتفاني. وعلى هذين الكتابين اعتمد الباحث الاقتصادي الألماني ماكس فيبر، في صياغة أطروحته المعروفة في كتابه الشهير "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" المتعلقة بالدين والأخلاق والاقتصاد. فالمؤسسة الأوروبية كانت تنبع من أعماق وجدان الإنسان الغربي ومعتقداته وأخلاقه، ولم تكن مجرد هياكل وأشكال بلا هوية ولا عقيدة، وهذا ما يسعى إلى ترسيخه الحداثيون المقلدون عند نسخهم ونقلهم لتلك المؤسسات بدعوى حياديتها وعالميتها، وإمكانية دمجها في أية تربة ثقافية واجتماعية مخالفة لها.

ووعيا بعمق التداخل بين المؤسسة والثقافة، فإن الاجتماع الإسلامي يقوم على المؤسسات المتسقة مع نمط المجتمع وإطاره الحضاري وثقافته، مما يعمق الفعالية اللازمة لتطوير هذا المجتمع وتحسينه وتحفيز فعاليات المواطنين([25]). فالمؤسسة الأصيلة هي جزء لا يتجزأ من المعادلة الاجتماعية السائدة بما أنها نابعة من صميم المجتمع ومتفاعلة معه، عكس المؤسسات المستوردة التي لم تستطع، كما رأينا، أن تضرب بجذورها في المجتمع أو أن تحقق الصلاحية فيه لغربتها. ثم إن المؤسسة الأصيلة توفر لها عناصر التمايز البنائي والتخصص الوظيفي، والمشاركة الفاعلة في عملية التنمية، هذه العناصر التي حددها صامويل هنتنجتون في معيار التكيف، ومعيار التعقيد، ومعيار الاستقلال والذاتية، ومعيار التماسك([26]). من هنا نخلص إلى أن المؤسسة ليست بناءً وحسب، بل جوهرها يتحدد بالفلسفة التي تؤطرها، وقيمة الأخلاق التي تتأسس عليها. وعليه يمكن رصد عناصر المؤسسية في الاجتماع الإسلامي في المبادئ الآتية:

Œ التقوى: فقد اقترن تأسيس أول مؤسسة في الإسلام بالتقوى، وهي المسجد، وهو الأجدر بالبقاء، والأقدر على إحداث عمليات التحويل والتغيير في بنيات المجتمع الذهنية والواقعية )لمسجد أسِّس على التقوى من أول يوم أحَقُّ أن تقوم فيه، فيه رجال يحبـون أن يتطهَّروا والله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسِّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين( [التوبة: 108-109] فقيمة المؤسسة إذن في غايتها ومقاصدها، وهي تقوى الله، وذلك مقصد عظيم، يسمو على الأشكال والمظاهر التي غرقت فيها المؤسسات الحداثية الدخيلة التي تحكمها فلسفة الصراع والربح المادي. فالعمل الإداري والمؤسساتي انطلاقا من فلسفة الاجتماع الإسلامي هو عمل عبادي، فيه انسجام تام بين حياة الناس وأحكام الشريعة.

� المسؤولية: فالمسؤول عن المؤسسة يكون مسؤولا أمام الله عز وجل «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، )وكلهم آتيه يوم القيامة فردا(، )فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره(، والمسؤولية الثانية تكون أمام الأجهزة الإدارية بحسب القوانين والمساطر المنظمة للمؤسسة.

Ž احترام الضوابط الشرعية: فالمؤسسة المبنية على تقوى الله، والمسؤول أهلها أمام الله عز وجل، شيء طبيعي أن تكون تصرفاتها موافقة للشرع وقواعده، وبالتالي ليس مبررا في الاجتماع الإسلامي خضوع مؤسسات المجتمع والدولة لمؤسسات الاستكبار العالمي، وفرض القيود والشروط على المؤسسات الأصلية، وإلزامها بتطبيق برامج ومخططات مناقضة لأحكام الدين ومتجاوزة لحكمه ومقاصده، بدعوى التنمية والحداثة والتطور، كما نجد في إملاءات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبرامج الأمم المتحدة التي تهيمن عليها رؤية أمريكية وصهيونية أحادية.

� المراقبة: والمراقبة الأولى لله عز وجل ثم أجهزة المراقبة الشرعية التي ينظمها قانون المؤسسة. والمراقبة هي نوع من النصح، وهو أداة جوهرية للإثراء الحقيقي والمخلص في المجتمع، وقد عرف النبي r الدين بأنه النصيحة للمسلمين، فقال: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم». والنصيحة هي رسالة الأنبياء؛ فعلى لسان هود عليه السلام: )أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين( [الأعراف: 68]، وعلى لسان شعيب عليه السلام: )لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم( [الأعراف: 93]. والمراقبة عمل إيجابي يهدف إلى التقدم بالعمل، وليست وسيلة سلبية لتوجيه اللوم أو التهم، كما أنها تهدف إلى إنجاز العمل وإزالة أية عوائق في طريق الوصول إلى الأهداف المتفق عليها، ومن شأنها أن تنظم الأداء الفعلي ليطابق الإمكانات الكامنة للعمل([27]). ولكي تكون الرقابة ناجحة في مؤسسة الاجتماع الإسلامي لا بد من تحقيق جو نفسي يسوده التفاهم الإيجابي بين المنفذ ومرؤوسيه. ويجب أن يكون ذلك قائما على الالتزام بتحقيق أهداف الاجتماع الإسلامي والرقي الذي يريده الإسلام، وأن تكون المراقبة حافزا لمزيد من العطاء والعمل.

إن هذه المبادئ والعناصر التي تؤطر المؤسسية في الاجتماع الإسلامي هي التي تمثل سياجا يحمي القيمة التي تعمل من أجلها المؤسسة. ومتى اختلت هذه المبادئ أو اندثرت فقدت المؤسسة مصداقيتها ومبرر وجودها.



2) مبحث الحقوق والعلاقات المؤسسية في الاجتماع الإسلامي، وعلاقة الدولة بالمجتمع:

ظهر مفهوم الحقوق الاجتماعية وما يحتاجه الفرد في حياته المعيشية في الغرب، بضغط من النظريات الاشتراكية والمنظمات النقابية، وطردا لشبح الثورة الماركسية. في حين كانت هذه الحقوق أصيلة في فلسفة الاجتماع الإسلامي؛ فقد عرف المجتمع الإسلامي أنماطا من العلاقات الاجتماعية مما يحقق العدل والمساواة والشورى في حياة الناس المعيشية. ومن أهم هذه الحقوق، حق العمل، والرعاية الصحية، وبناء الأسرة، وحق التربية، وحق الضمان الاجتماعي([28]).

ففي ما يتعلق بالعمل، فالإسلام يقدس حق العمل ويبطل حق الاستغلال، كما أبطل أسباب الكسب غير المشروع عن طريق الغش، والسرقة، والربا، والاحتكار، وكنز المال... لتكون وسائل الكسب رائجة بين الناس، وذات وظيفة اجتماعية تكفي الجميع. والعمل مصدر أساسي للملكية في الاجتماع الإسلامي، «من أحيا أرضا مواتا فهي له»، وقال تعالى: )فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه( [الملك: 15]، وقوله تعالى: )فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله( [الجمعة: 10]. ونهى الإسلام عن عيش العالة والكسل والبطالة، ولو كان في شكل ذكر أو تفرغ للصلاة. وعاب تكفف الناس لما يسببه ذلك السلوك من ذل ومهانة واحتقار لمكانة الإنسان. فكم يتقزز المرء اليوم من ظواهر التسول في الطرقات وعلى أبواب المساجد، وهو إدانة لنمط التربية والتنظيم في المجتمع، وعلامة عار وإدانة للمستكبرين من أهل الترف والاستهلاك، وليس هذا فقط، بل يمنع الإسلام، كما ذكرنا، رهن الأمة بكاملها لمؤسسات الاستكبار المالي، وسلب إرادتها وكرامتها، تحت غطاء القروض والمساعدات.

وفي فلسفة الاجتماع الإسلامي ليست الدولة حارسا للحدود وحسب أو شرطيا للدفاع عن مصالح فئة دون أخرى، بل دورها في توفير أبسط شروط العدل بين الناس، وتوفير حد الكفاف لجميع المواطنين من غذاء وكساء وسكن ودواء.. ولا يكون هذا بتقديم الهبات والأعطيات و"الامتيازات"، وإنما بتوفير الأعمال، وتحقيق الاستنهاض التربوي والإعلامي اللازم لكسر مركبات الكسل والعالة والاتكال وإزالتها من نفوس المواطنين، ثم الرفع من مكانة العمل، واعتماد آليات تحفيز موضوعية ومتوازنة بين العاملين؛ ففلسفة الزكاة مثلا ليست مجرد هبات عينية تقدم للمحتاجين طوال الزمان، فتظل أيديهم ممدودة إليها مدى الحياة، وإنما المفروض لتحقيق الأهداف السامية للاجتماع الإسلامي؛ أن تقدم لهم لإنماء مشاريع عملية نافعة على شكل ورشات ومصانع وقطع أرض ورؤوس أموال، وتتولى مؤسسة الزكاة عملية المساعدة، والتوجيه والنصح، حتى يستوي المشروع على سوقه. ولهذا فالعمل الاجتماعي الذي لا ينمي المال، ولا يكسب المستفيد قدرات الإنتاج والاستثمار، ونقله من حياة التسول والكسل إلى حياة الجد والإبداع، هو عمل مُخِل بشروط الاجتماع الإسلامي، الذي تحفظ فيه كرامة الإنسان، وتصان عن أي امتهان. فالإنسان في الاجتماع الإسلامي مالك لجهده، عامل في ملكه، سواء كان ملكا فرديا أو جماعيا. وليس مقبولا عمل الإنسان في ملك غيره؛ إذ نظام الأجرة نظام استثنائي، لأن الأرض لمن يملكها. إلا أن التنظير الفقهي الذي نشأ في المدن وليس في الأرياف، حيث تكثر في المدن الصناعات، وفي الأرياف الزراعات، هو الذي رسخ نظام الأجرة، فالنظام السائد في الريف هو المشاركة وليس نظام الأجرة، ولكن، وبما أن هذا النظام أصبح واقعا حقيقيا، والتخلص منه جملة صعب المنال، فقد أحاطته القوانين المنظمة للاجتماع الإسلامي بمجموعة من التشريعات والضوابط والقيم، مما يمنع تحوله، أي نظام الأجرة، إلى عبودية حقيقية، وسخرة مهنية!

ومن الحقوق التي يكفلها الاجتماع الإسلامي لعموم المواطنين، الرعاية الصحية، من خلال بث الوعي الوقائي، من نظافة واعتدال، ومحاربة النجاسات والمسكرات وأشكال التبذير والفساد في الأرض؛ فحث رسول الله r على امتلاك أسباب القوة والإنتاج، ونفر من الضعف والكسل والعجز «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وشجع الرياضات وأوجب العلاج عند المرض. وجاءت الأوقاف، كما سنرى لاحقا، كأدوات دعم واستثمار في البر والخير، من خلال تأسيس المستشفيات والصيدليات والمختبرات.

ويتعمق تماسك بنية الاجتماع الإسلامي من خلال مجموعة من العلاقات المعنوية التي ترقى إلى واجبات وفروض؛ كزيارة المريض، وإغاثة الملهوف، وتفريج الكرب، وإعطاء الماعون، وإطعام المسكين… كما تتحمل الدولة مسؤولية توفير حق بناء الأسر على القانون الكوني الفطري وهو الزوجية، وتطبيق التشريعات التي أحاطها بها الدين؛ من مساواة وتكامل )ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف( [البقرة: 228]، والاحترام والتراضي والمعاني الإنسانية الثابتة؛ كالإيمان والإحسان والصبر والمودة والعدل. وتلغى في الاجتماع الإسلامي كل معاني الفئوية والعرقية والطبقية والعنصرية؛ )يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة( [النساء: 1]. ومن المطلوب في الاجتماع الإسلامي تيسير أسباب الزواج للفقراء والصالحين، والتبكير به؛ وقد عرف التاريخ الإسلامي أوقافا خاصة لتزويج المحرومين، وإعانتهم على بناء أسر، وتحقيق الاستقرار، مما نعدمه اليوم أمام الاختراق الليبرالي الفاحش لقيم الأمة، وتحطيم مناعتها، وتكريس النزوعات الأنانية، والرغبة المجنونة في التحكم والسيطرة والتملك والاغتناء، حتى أصبح الزواج عمليات استثمارية فاحشة، تهدر فيها الأموال، وتمارس فيها المنكرات بلا حدود!

وحق التربية من الحقوق الراسخة في الاجتماع الإسلامي؛ ذلك أن الإسلام أول عقيدة تلزم بالتفكير «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة». وفي الاجتماع الإسلامي هناك ارتباط وثيق بين العلم والإيمان، وبين الدنيا والآخرة، مما شجع أعمال الوقف، وتأسيس المؤسسات الشعبية العلمية، والتكفل بالعلماء والطلبة، والصرف عليها من الأوقاف. وهذه المؤسسات تكون مستقلة تماما عن الدولة وميزانيتها، وترتبط أشد الارتباط بالمجتمع الأصيل. والجدير بالتنبيه هو أن التربية في الاجتماع الإسلامي هي تربية المجتمع وليس الأطفال فقط، وأن التعليم الأساسي لا يقتصر على تعليم القراءة والكتابة والحساب، وإنما يتجاوز ذلك إلى مجال القيم والتنشئة عليها؛ إذ لا خير في علم لا يتبعه عمل صالح يعين على رقي الفرد والجماعة، وعلى تحصيل سعادة الدنيا والآخرة، من خلال التسخير والارتقاء بالطاقات المادية والروحية للكبار والصغار، والرجال والنساء..

والاجتماع الإسلامي تقوم علاقاته، عكس المجتمع المدني بفلسفته الصراعية، تقوم على الأخوة والمساواة والعدالة، )إنما المؤمنون اخوة( [الحجرات: 10]. وأخوة الاجتماع الإسلامي ليست عاطفة وحسب بل هي عقد تكافل وتآزر، ونصرة وتعاون؛ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله». فالتكافل قد يتجسد في الإرث والوصية والنفقة )وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض( [الأنفال: 75]، وبين الجيران )والجار ذي القربى والجار الجنب( [النساء: 36]، وبين أهل الحي، ثم المجتمع كله، عن طريق الزكاة، والنفقات التطوعية التي هي أسمى علامات التعاضد والتآزر والالتحام ضد الملمات والشدائد الاقتصادية؛ «نعم القوم الأشعريون كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد وقسموه بينهم بالسوية؛ فهم مني وأنا منهم»، وفي الحديث أيضا «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل مال فليعد به على من لا مال له».

ولما تشبع المسلمون الأوائل بمفاهيم فلسفة الاجتماع الإسلامي كان عمر بن الخطاب t يقظا ومانعا من تحول الفاتحين إلى إقطاعيين؛ فامتنع عن توزيع أرض الفتوح وجعلها ملكا عاما للمسلمين. وكان الخليفة علي، كرم الله وجهه، ذا نظرة ثاقبة في تحليل ظاهرة الفقر والحرمان، كما قال: «ما جاع الفقراء إلا بمنع الأغنياء». إن الفقر، بذلك، إن هو إلا فضح لأنانيات الأغنياء، وافتقادهم لمعاني فلسفة الاجتماع الإسلامي ومفاهيمها. وهذا ما جعل الفقيه السلفي الثائر ابن حزم، في محلاه، يفرض على الجائع أن يأخذ ما يسد به حاجته، ولو مع استعمال القوة!

إن فلسفة الاجتماع الإسلامي تقوم على أساس تكريم الله تعالى للإنسان باستخلافه له؛ فالعبودية لله هي عمق التحرر من الطاغوت، ورفض تغوُّل الدولة، وتضاؤل قيمة الفرد والمجتمع تجاهها. ففلسفة الاجتماع الإسلامي تسعى إلى تحقيق حد معين من استقلال الفرد والمجتمع عن جهاز الدولة، من خلال إقامة المؤسسات الشعبية المستقلة عن أيادي السلطة. هذه المؤسسات يمولها الشعب عن طريق الأوقاف. وهذا ما يمنع احتكار سلطة المال أو سلطة التدبير والحكم بيد فئة قليلة، عادة ما تُكَوِّنُ في العالم الثالث (مافيا) من المترفين من سكان القصور، الذين لا يتورعون في نقد (التطرف الديني)، لإغراق المستضعفين في أحزمة الفقر حول المدن، ومناطق الحرمان في البوادي والأحياء الضيقة. ويسعى أولئك المترفون، ضدا على فلسفة الاجتماع الإسلامي، على الوقوف، بشتى الوسائل القذرة، على الوقوف دون التحام جماعات المستضعفين بالإسلام، واستثماره، اعتقادا وسلوكا، سلاحا حادا لاسترداد حقوقهم المغتصبة، وكرامتهم المهدورة، وتأديب الطغاة الغاصبين، وتوفير مناخات التضامن الوطني والحرية والعفة والكرامة، حتى تنطلق الطاقات المعطلة من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..


المبحث الثاني: دور نظام الوقف في ترسيخ فلسفة الاجتماع

الإسلامي والجواب عن أسئلة الفقر والحرمان


1) مقدمة في معاني الوقف وأنواعه:

ليست دراستنا للوقف دراسة فقهية متخصصة، ولكنها دراسة ذات طابع اجتماعي؛ تحاول الوقوف على دور نظام الوقف في البناء الاجتماعي، وترصد الشبكة الواسعة والمتنوعة من المؤسسات والمبادرات والأنشطة الأهلية التي تمولها الأوقاف لدعم الكيان العام للأمة بما فيه جهاز الدولة ذاتها. فحديثنا عن نظام الوقف من حيث شرعيته الاجتماعية وقدرته على تأسيس مجتمع أهلي فاعل وحيوي يتجاوز مفهوم "المجتمع المدني" المعبر عن تطور تاريخي وحضاري وسياسي خاص بتجربة غربية أحادية، ومحكوم بفلسفة صراعية مدمرة.

وأجمع تعريف لمعنى الوقف عند الذين أجازوه أنه حبس العين، وتسبيل ثمرتها، أو حبس عين للتصدق بمنفعتها([29]). أو هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء([30]). وينطلق أغلب الفقهاء في إثبات مشروعية الوقف من قوله تعالى: )وافعلوا الخير لعلكم تفلحون( [الحج: 77] وقوله تعالى: )وما تفعلوا من خير فلن تكفروه( [آل عمران: 115] وقوله تعالى: )لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون( [آل عمران: 92] وقوله تعالى: )وأن تصدقوا خير لكم لو كنتم تعلمون( [البقرة: 280] وقوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة( [المائدة: 35]. ونقل عن أبي حامد الغزالي قوله: «وليس الصدقة الجارية إلا الوقف»([31]). فالوقف إذن يحكمه ضابطان واحد تصوري وآخر عملي؛ فالضابط التصوري هو أن يكون صدقة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى بالإنفاق في أوجه البر بالصدقة الجارية([32])، والضابط العملي هو منع التصرف في العين الموقوفة بالبيع والهبة والرهن، وصرف المنفعة في الجهة المعينة([33]). وهذه الجهة هي جهات البر والقربات التي قررها الإسلام كالوقف على المساجد، والمصحات ودور العلاج، وعلى التعليم وغير ذلك([34])، مما يحدده الواقف، في ما يسمى بـ"شروط الواقف"؛ فهو حر مختار يضع قربته في من يشاء وبالطريقة التي يختارها من طرق الانتفاع. فكتاب الوقف الذي تحرر فيه إرادة الواقف تحريرا كاملا يعد دستور الوقف، وما لا نص فيه تنفذ فيه الأحكام الشرعية الخاصة بالأوقاف([35]). وذهب الإمام مالك والإمامية من الشيعة إلى أن الوقف يجوز أن يكون مؤقتا، بخلاف أكثر الفقهاء الذين يرون أن الوقف يكون على وجه التأبيد([36]).

وأما عن تاريخ الوقف فيذهب الإمام الشافعي إلى أن أهل الجاهلية لم يحبسوا دارا ولا أرضا، وإنما حبس أهل الإسلام([37]). وذكر أن أكثر من ثمانين رجلا من الصحابة من الأنصار وقفوا([38]). ونقل عن جابر t قوله: «لم يكن أحد من الصحابة له مقدرة على الوقف إلا وقَّف»([39]). وذكر الشافعي أن أكثر دور مكة وقف([40]).

وأحكام الوقف ذات طابع اجتهادي تتجلى فيها أصول مذاهب الفقهاء، وعمق تصورهم وسعة مداركهم واطلاعهم، وقوة الملكة التشريعية عندهم([41]). ولهذا فمن يستعرض النصوص الفقهية الكثيرة في الاقتصاد الإسلامي، والاجتماع الإسلامي، يستوقفه هذا الكم الهائل من الاجتهادات والتوصيات والأحكام في مسألة الوقف والصدقات، وأوجه صرفها على أعمال الخير والبر والنفع العام للمجتمع([42]).

لقد كان الوقف في الاجتماع الإسلامي وعاء تصب فيه خيرات العباد، ومنبعا يفيض بالخيرات على البلاد والعباد، تتحقق به مصالح خاصة ومنافع عامة، وهذه الخيرات هي من أموال المسلمين ومن كسبهم الحلال والطيب. ولما كانت هذه المفاهيم منغرسة في وجدان الناس، وحب الخير متجذر في أعماقهم، حفظ لنا التاريخ المغربي ألوانا شتى من الوقوف قبل أن تدمره مؤسسات الحداثة المستوردة، وأفكار الصراع، وأنانيات الليبرالية. فقد وجدنا في تاريخ الأوقاف المغربية، وقفا لتزويج الفقيرات، وتعريس المحرومين([43])، ووقفا للقرض المالي بدون فائدة([44])، ووقفا لختان الأطفال اليتامى([45])، ووقفا للأضِراء والزّمنى([46])، ووقفا للغرباء وعابري السبيل([47])، ووقفا على العاجزين عن الحج([48])، ووقفا للمستشفيات([49])، ومؤسسات وقفية تنهض بتغسيل الأموات([50]).

ولما كانت الوظيفة الأساسية للوقف هي استنهاض قوى المجتمع وكافة أنشطة التضامن العام، فقد شدد الفقهاء في اليد التي تتولى وترعى الموقوف، واشترطوا فيها الأمانة والنماء، حتى لا يكون الوقف مالا سائبا؛ فالإسلام يفترض الولاية الصالحة، التي تحفظ الأعيان، وتوصل الحقوق إلى أصحابها من غير نهب ولا خيانة([51]).

وبرغم الطابع العبادي للوقف، وباعتباره عملا خيريا، تخصص منافعه لجهات البر، فإنّا لم نعدم في تاريخ الأوقاف الإسلامـية من كان يستغلها لمصالحه الخاصة، ويجعلها طريقا لتحصين أمواله من المصادرة([52]). كما عرف الوقف تدخل سلطة الدولة لإخضاعه لوزارة الأوقاف، وتصرفت في مصارفه، الشيء الذي ألحق أضرارا كبيرة بنظام الوقف، في كثير من البلاد الإسلامية، مما أفقده الثقة الاجتماعية به، ومن ثمة تجفيف منابع تجديده، وتقويض دوره([53]). لصالح المؤسسة الحداثية الدخيلة. وزاد في تكريس تهميش الوقف شيوع اعتقاد خاطئ بأن الأوقاف ليست سوى إدارة حكومية تعنى بشؤون المساجد وموظفيها، ولا صلة لها بالأنشطة الاجتماعية والإنمائية.



2) دور الوقف في تأسيس المجتمع الأهلي الإسلامي:

المجتمع الأهلي الإسلامي هو الاسم الأصيل للمؤسسات والأنشطة التي يزاولها الناس في استقلال عن جهاز الدولة. وهو غير المجتمع المدني، الذي يجري الترويج له من قبل الحداثيين المقلِّدين؛ ذلك أن المجتمع الأهلي الإسلامي تحكمه فلسفة الاجتماع الإسلامي، كما ذكر سلفا، المبنية على التعاون والتآزر والتعاضد، عكس الاجتماع المدني، الذي تؤطره خلفية فلسفية، تؤمن بحتمية الصراع في الحياة بعامة. وبرغم أن المجتمع الأهلي الإسلامي الذي يساهم الوقف في تمويله ودعمه، يسعى إلى الاستقلال النسبي عن سلطة الدولة، من خلال أنشطة ومبادرات ذاتية، سواء أكانت ربحية أو غير هادفة للربح، فإن فعالية الوقف تتجلى أيضا في تقوية التوازن بين الدولة والمجتمع، بل والإسهام في بناء مجال مشترك بينهما، وليس بناء جبهة يحتمي بها المجتمع، على النحو الذي تؤدي إليه فلسفة المجتمع المدني([54]).

وتتلخص عناصر المجتمع الأهلي الإسلامي التي يدعمها نظام الوقف في المستويات الآتية([55]):

(‌أ) المؤسسية: وتتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد ومحدودية الاهتمامات التنظيمية.

(‌ب) استقلال الإدارة والتمويل: فإدارة الوقف تعتمد على ما أثبت في نصوص الوقفيات دون تدخل من سلطة إدارية وحكومية. فالوقف بذلك لا ينتمي إلى الجهاز الإداري للدولة إلا في الحالات الاستثنائية التي تنعدم فيها إدارة أهلية. أما الاستقلال المالي فيتجسد في اعتماد التمويل من خلال الاستفادة من ربح الوقفيات المخصصة لذلك. والدولة لا تقدم عادة أية مساعدات تذكر للأوقاف، بل قد لا تعفيها من الضرائب.

(‌ج) اللامركزية: وتتجلى في عدم وجود إدارة وقفية مركزية موحدة تتولى شؤون الوقف، إلا في الوقت الذي ترسخت فيه الدولة الحداثية التسلطية وعملت على احتكار كل مناشط الاجتماع، والتحكم في كل المبادرات. كما أن لامركزية الوقف، تظهر في تنوع الأنشطة وتعدد أوجه البر التي يتولى الوقف تمويلها، من غير اقتصار على جانب دون آخر، أو على فئة ما دون أخرى، بل عمَّ خيرها كل مناشط حياة الأمة والمجتمع.

من هنا يبرز دور الوقف في تفعيل مؤسسات المجتمع الأهلي الإسلامي، وتمتين علاقات الشبكة الاجتماعية، وحماية العمل الديني، ومؤسسات الدعوة الإسلامية من أي امتهان أو استغلال؛ إذ كان للوقف دور أساسي في حماية العلماء الأحرار، وتمويل الجماعات والهيئات والتنظيمات الشعبية، ومساعدتها لتجاوز قبضة المركزية والاستبداد والفقر والخصاصة، مما تعمقه إدارة الدولة التسلطية وتعمل على إدامته وتأبيده، تحكما في أرزاق الناس، واستعبادا للفئات المحرومة، وإشغالها بهمومها المعيشية اليومية، وإلهائها عن أي تفكير رسالي هادف، أو طموحات حضارية راسخة.

والمتأمل في الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد الإسلامية، يكتشف الحاجة الماسة لمؤسسات الوقف؛ إذ هذه المؤسسة العريقة هي القادرة على تجاوز حالات الاختناق التي تعيشها الدولة، وكذا تطوير ملكات المجتمع، واستثمار طاقاته، ونقله من حالات اللامبالاة والحيادية السلبية إلى الجدية والمسؤولية، لما يثق هذا المجتمع في استرجاع إرادته، وتحترم الدولة مجالها واختصاصاتها المحددة بالقانون. إلا أن إحياء مؤسسة الوقف، كمؤسسة دينية وتاريخية واجتماعية، يوجب تمتيعها بشخصيتها الاعتبارية والمعنوية، ورفض وصاية الدولة عنها، فهي مؤسسة مجتمعية ذات نفع عام تنشأ وتستمر وتنتهي بشكل قانوني([56]). كما يقتضي الأمر تطوير نظرتنا الاجتماعية والفلسفية إلى الوقف، وعدم الاقتصار على الأشكال والأنواع التاريخية، وتوجيه الوقفيات لخدمة قضايا المجتمع المعاصر، وما يطرحه من مشكلات وتحديات، في مجالات عدة؛ كالعلم والمعرفة، والطب، والصناعات، ومؤسسات البر الكثيرة..



3) دور الوقف في التنمية والنهوض الاجتماعي:

كان الوقف إذن مصدر قوة للمجتمع، من غير أن يكون خصما للدولة، بل هو الذي يعزز رابطة المرجعية الشرعية بين الدولة والمجتمع، مما يعمق التلاحم بينها ويرسخ التعاون الاجتماعي النافع.

وإذا كانت البلاد الإسلامية قد جربت كثيرا من مشاريع التنمية ذات الخلفيات الفلسفية الحداثية الغربية، فإن التحديات الحضارية المعاصرة تفترض العودة إلى الذات، واستنهاض طاقاتها، والاستفادة من ثقافة التدين في المجتمع الإسلامي للدفع بعجلة التنمية إلى الأمام؛ فبالتدين يمكن نشر الخير، وتنمية المجتمع، وإشاعة روح السخاء والبذل والتنافس في الإنفاق بين الناس. وبكثرة الأوقاف يمكن توظيف العاطلين، وتشجيع الاستثمارات المحلية، وغرس روح الكسب والجد في الأفراد، والفرار من حياة الخمول والعجز والعالة، فيكون الوقف مصدر قوة مزدوجة لكل من المجتمع والدولة([57]). وبالوقف يمكن أن توفر الدولة مصادر مالية إضافية لتمويل مشاريع مختلفة، وبالمقابل تتخفَّف الدولة من مجموعة من المصاريف التي تثقل كاهل ميزانيتها.

لقد أثبتت التجربة التاريخية دور الوقف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والصحية من رعاية المساجد إلى بناء المدارس والمستشفيات. وهذا ما يفترض الرجوع إلى خبرة الأمة الحضارية، والاستفادة من حالة الصحو التي تعيشها اليوم للانتقال إلى حالة التنمية والنهوض.

إن تنمية المجتمع الإسلامي لن تتم باستنبات المفاهيم والفلسفات والمناهج الغربية في وجدان الأمة، ولكن التنمية الحقيقية هي التي تنطلق من رصيد الأمة ووحدتها العقدية والاجتماعية، بخصائصها الأخلاقية التي تسعى للحفاظ على المجتمع الإنساني، وليس الإسلامي فقط، من أن يتحول إلى مجتمع التمزق والصراع والإلحاد والإباحية، أو ينتهي به التطور غير الموجَّه إلى مجتمع الغاب الذي يفقد فيه الإنسان الأمن والحفاظ على حقوقه وسمات آدميته المكرمة عند الله تعالى([58]).



خاتمة:

يبقى في الأخير أن نشير إلى ضرورة تعميق البحث والنظر في الفكر الاجتماعي الإسلامي، وتحويله إلى ثقافة عامة متداولة بين الناس، والتخفف من العرض النظري المجرد لفلسفة الإسلام، وبنائه الاجتماعي، ثم العمل على إقناع الأغنياء والمحسنين وأهل المال، بالفائدة الحضارية الملحة للأوقاف، والشروع في إنشاء مشاريع وقفية اقتصادية أو اجتماعية أو علمية، يقتدى بها في ما يمكن أن يتأسس من مشاريع مستقبلية بحول الله، تتولاها أياد أمينة وكفاءات قوية، من المتدينين الأتقياء.



مراجع البحث:



1/ «إحياء سنة الوقف»، سليمان الطفيل، مجلة البيان، السنة الرابعة عشرة، العدد 145، ديسمبر – يناير 1999 م.

2/ «الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية»، ماكس فيبر، دراسة: رضوان السيد، مجلة منبر الحوار، عدد 32-33، ربيع وصيف 1994 م.

3/ الإسلام والتنمية الاجتماعية، د. محسن عبد الحميد، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، 1409 هـ/ 1989 م.

4/ «الإسلام والحداثة»، السيد محمد حسين فضل الله، جريدة الشرق الأوسط، عدد 7507، الجمعة 18 يونيو 1999 م.

5/ الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة، منير شفيق، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ودار البراق للنشر بتونس، الطبعة الثالثة، 1412 هـ/ 1992 م.

6/ التراث والحداثة، د. محمد عابد الجابري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، سبتمبر (أيلول) 1991 م.

7/ «التحديث والحداثة، تحديات ورهانات»، محمد سبيلا، ضمن: مشروع التحديث في المجتمع المغربي، منشورات الشعلة، الطبعة الأولى، 1998 م.

8/ الحريات العامة في الدولة الإسلامية، الشيخ راشد الغنوشي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، آب/ أغسطس 1993 م.

9/ «حوار مع د. طه عبد الرحمن»، مجلة العالم، عدد 453، لندن، يونيو 1992 م.

10/ «حوار مع عـبد الله العروي»، جريدة السياسة الجديدة، بتاريخ 23-29 أكتوبر 1998 م.

11/ دليل التدريب القيادي، هشام الطالب، مـنشورات المعهد الـعالمي للفكر الإسلامي والاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية، طـبعة دار الأمان، الرباط، المغرب، 1416 هـ/ 1996 م.

12/ «العلمانية من منظور مختلف (مقاربة أولية)»، صالح سلطان، مجلة الطريق، العدد الثاني، السنة الثامنة والخمسون، 1999 م.

13/ في الحداثة والخطاب الحداثي، منير شفيق، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1998 م.

14/ «كيف يمكن أن نفتح باب الإبداع في ممارساتنا الفلسفية»، د. طه عبد الرحمن، العلم الثقافي، ملحق ثقافي تصدره جريدة العلم المغربية، عدد السبت 4 مارس 2000 م.

15/ «المتفلسف العربي مقلد لا جديد عنده»، حوار مع د. طه عبد الرحمن، العلم الثقافي، ملحق ثقافي تصدره جريدة العلم، عدد السبت 18 دجنبر 1999 م.

16/ «متواليات الوهم: ثيولوجيا الوعي الماركسي للخطاب الإسلامي»، عبد الرحمن الحاج إبراهيم، مجلة الآداب، بيروت، سنة 1999 م.

17/ محاضرات في الوقـف الإسلامي، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، د. ط، د. ت.

18/ «المجتمع المدني، تساؤلات وآفاق»، محمد عابد الجابري، ضمن: وعي المجتمع بذاته، عن المجتمع المدني في المغرب العربي، إشراف: عبد الله حمودي، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1998 م.

19/ المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك، د. عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 232، ذو الحجة 1418 هـ/ أبريل – نيسان 1998 م.

20/ »معالم الخطاب الإسلامي الجديد، ورقة أولية«، د. عبد الوهاب المسيري، موقع www.islamonline.net، الثقافة والفكر، 19 نوفمبر 1999.

21/ «من أجل علمانية أكثر انفتاحا»، نضال درويش، مجلة الطريق، العدد الثاني، السنة الثامنة والخمسون، 1999 م.

22/ نظريات التنمية السياسية المعاصرة، دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، نصر محمد عارف، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية (6)، الطبعة الثانية، 1414 هـ/ 1999 م.

23/ «نحو تفعيل دور نظام الوقف في توثيق علاقة المجتمع بالدولة»، إبراهيم البيومي غانم، المستشار الأكاديمي للأمانة العامة للأوقاف، الكويت، مجلة المستقبل العربي، عدد 266، أبريل 2001 م.

24/ نحو رؤية ماركسية للتراث العربي، توفيق سلّوم، منشورات دار الفكر الجديد، بيروت، 1988 م.

25/ الوقف في الفكر الإسلامي، الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله، جزءان، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1416 هـ/ 1996 م.

26/ «اليقظة الفلسفية المغربية ودرء آفة التقليد»، د. طه عبد الرحمن، مجلة مدارات فلسفية، العدد الأول، 1998 م.



([1]) »حوار مع عبد الله العروي«، جريدة السياسة الجديدة، بتاريخ 23، 29 أكتوبر 1998.

([2]) التراث والحداثة، محمد عابد الجابري: 15.

([3]) نحو رؤية ماركسية للتراث العربي، توفيق سلوم: 121.

([4]) »حوار مع د. طه عبد الرجمن«، مجلة العالم، عدد 453، لندن، يونيو 1992: 50.

([5]) »اليقظة الفلسفية المغربية ودرء آفة التقليد«، د. طه عبد الرحمن، مجلة مدارات فلسفية، العدد الأول، 1998: 105.

([6]) التراث والحداثة، محمد عابد الجابري: 17.

([7]) نفسه: 16.

([8]) ينظر: في الحداثة والخطاب الحداثي، منير شفيق: 30.

([9]) »التحديث والحداثة: تحديدات ورهانات«، محمد سبيلا، ضمن: مشروع التحديث في المجتمع المغربي: 12.

([10]) نفسه: 14.

([11]) يمكن الرجوع إلى هذه الأساطير بتفصيل في: »كيف يمكن أن نفتح باب الإبداع في ممارساتنا الفلسفية؟«، د. طه عبد الرحمن، العلم الثقافي، ملحق جريدة العلم المغربية، السبت 4 مارس 2000.

([12]) المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك، عبد العزيز حمودة: 37.

([13]) »المتفلسف العربي مثقف مقلد لا جديد عنده«، حوار مع د. طه عبد الرحمن، العلم الثقافي، السبت 18 دجنبر 1998.

([14]) »متواليات الوهم: ثيولوجيا الوعي الماركسي للخطاب الإسلامي«، عبد الرحمن الحاج إبراهيم، مجلة الآداب البيروتية، سنة 1999: 91.

([15]) ينظر: في الحداثة والخطاب الحداثي، منير شفيق: 27.

([16]) »الإسلام والحداثة«، السيد محمد حسين فضل الله، جريدة الشرق الأوسط، عدد 7507، الجمعة 18 يونيو 1999.

([17]) »معالم الخطاب الإسلامي الجديد، ورقة أولية«، د. عبد الوهاب المسيري، موقع www.islamonline.net، الثقافة والفكر، 19 نوفمبر 1999.

([18]) ينظر: الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة، منير شفيق: 11.

([19]) »المجتمع المدني: تساؤلات وآفاق«، محمد عابد الجابري، ضمن: وعي المجتمع بذاته: 42.

([20]) نفسه: 41.

([21]) »من أجل علمانية أكثر انفتاحا«، نضال درويش، مجلة الطريق، العدد الثاني، السنة الثامنة والخمسون، 1999: 60.

([22]) نظريات التنمية السياسية المعاصرة، دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، نصر محمد عارف: 344.

([23]) »الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية«، ماكس فيبر، دراسة: رضوان السيد، مجلة منبر الحوار، عدد 32-33: 20.

([24]) »العلمانية من منظور مختلف (مقاربة أولية)«، صالح سلطان، مجلة الطريق، العدد الثاني، السنة الثامنة والخمسون، 1999: 64.

([25]) نظريات التنمية السياسية المعاصرة، نصر محمد عارف: 351.

([26]) ينظر: نفسه: 338-339.

([27]) دليل التدريب القيادي، هشام الطالب: 122.

([28]) سيكون تركيزنا في هذه الفقرة على ما ذكره المفكر الإسلامي اللامع راشد الغنوشي، في أطروحته الأسيرة: الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آب/ أغسطس 1993.

([29]) محاضرات في الوقف، محمد أبو زهرة: 39.

([30]) نفسه: 5. كما يعرفه ابن قدامة في المقنع بقول هو: »تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة«، عن »إحياء سنة الوقف«، سليمان الطفيل، مجلة البيان: 20-21.

([31]) الوقف في الفكر الإسلامي، الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله، 1: 104.

([32]) محاضرات في الوقف، محمد أبو زهرة: 77.

([33]) نفسه: 48.

([34]) نفسه: 178.

([35]) نفسه: 138. وينظر: »نحو تفعيل نظام الوقف في توثيق علاقة المجتمع بالدولة«، إبراهيم البيومي غانم، مجلة المستقبل العربي، عدد 266، أبريل 2000: 41.

([36]) نفسه: 98.

([37]) ينظر: »إحياء سنة الوقف«، سليمان الطفيل، مجلة البيان، السنة الرابعة عشرة، العدد 145، ديسمبر ـ يناير 1999: 20.

([38]) نفسه: 21.

([39]) نفسه: 20.

([40]) نفسه: 22.

([41]) الوقف في الفكر الإسلامي، الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله ، 1: 180.

([42]) نفسه، 1: 191.

([43]) نفسه، 1: 134.

([44]) نفسه، 1: 135.

([45]) نفسه، 1: 137.

([46]) نفسه، 1: 138.

([47]) نفسه، 1: 141.

([48]) نفسه، 1: 142.

([49]) نفسه، 1: 150.

([50]) نفسه، 1: 157.

([51]) نفسه، 1: 279.

([52]) محاضرات في الوقف، محمد أبو زهرة: 21.

([53])»نحو تفعيل نظام الوقف في توثيق علاقة المجتمع بالدولة«...: 47. وينظر أيضا: الوقف في الفكر الإسلامي، الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله، 1: 268.

([54]) »نحو تفعيل نظام الوقف في توثيق علاقة المجتمع بالدولة«...: 44.

([55]) ينظر: نفسه: 42-43.

([56]) الوقف في الفكر الإسلامي..، 1: 115.

([57]) »نحو تفعيل دور نظام الوقف«...: 45.

([58]) الإسلام والتنمية الاجتماعية، د. محسن عبد الحميد: 71.
http://www.almultaka.net/ShowMaqal.php?module=633080e82206198baebe373000087653&cat=8&id=751&m=2630288989cc1115c84eafbed80d82fe

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق