241189572571696

الأحد، 18 أبريل، 2010

التحولات الجيوسياسية الكبرى في زمن العولمة*

إغناسيو رامونيه

ترجمة: مصطفى النحال

اسم إغناسيو راموني معروف لدى القارئ المغربي، فهو مدير تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك، ومسؤول عن إصدار مجلتها الفصلية مانيير دو فوار، ومؤلف لمجموعة من الكتب تهم الشؤون الاقتصادية والسياسية والجغرافية التي تهم العالم المعاصر. لغة منتقاة بعناية، عمق في التفكير، ووضوح في التعبير. تلك خاصية إغناسيو راموني التي لامسها الجمهور الذي تتبع هذا العرض الذي ألقاه بالمعهد الفرنسي بالدار البيضاء مساء يوم الأربعاء 2000/04/03.

وفي هذا العرض يقوم راموني بتشريح مجمل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم في زمن العولمة والأنظمة الرقمية واقتصاد المال.

هذا اللقاء بالنسبة لي ليس لقاء فقط مع هذه المؤسسة بقدر ما هو لقاء كذلك مع هذا البلد، وأنا سعيد لذلك، أتصور أنكم سوف تطرحون أسئلة في النهاية. لكن قبل ذلك أود أن أعرض أمامكم، خلال 54 دقيقة، بعضا من التحولات التي يعرفها العالم اليوم، والتي تسمح في نظري، بمعنى من المعاني، بفهم طبيعة المشهد الجيوسياسي الدولي، وكيف ينخرط كل واحد منا، نحن المواطنين، في هذا التيار الكبير الذي يسمى العولمة، التي تعتبر سمة من سمات المرحلة الحالية. ومن المعلوم أن هذه المرحلة بدأت خلال الثمانينات وبالضبط في نهايتها، ولنتخذ سنة 1989 مؤشرا للقطيعة مع مرحلة سابقة، وهي السنة التي عرفت انهيار جدار برلين. لكن، وحتى لا أبقى مقتصرا بنوع من الصنمية والأحادية على هذه السنة فقط، نستطيع أن نوسع المؤشر الزمني ليشمل 1991-1989. فخلال هذه الفترة الوجيزة وقعت ثلاثة أحداث أساسية كبرى هي التي تؤسس لهذه المرحلة الجديدة. وهذه الأحداث هي سقوط جدار برلين سنة 1989، واندلاع حرب الخليج الأولى سنة 1991، وانهيار الاتحاد السوفياتي في دجنبر 1991. فهذه الأحداث في نظري ليست مؤشرا على الانفتاح بقدر ما هي مؤشر على الانغلاق والانتهاء. إنها أحداث تضع نهاية لمرحلة الحرب الباردة التي بدأت منذ 1947 وانتهت سنة 1989 كما تضع نهاية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد اعتاد الصحفيون والمؤرخون المعاصرون أن يقولوا: "لم يحدث شيء يذكر منذ الحرب"، أي أنهم يحيلون دائما على هذا الحدث الكبير المميز للقرن 20. وإذن فإننا لم نعد، بعد 1989، في مرحلة ما بعد الحرب. نحن الآن في مرحلة تسمى "مرحلة قبل شيء ما لا نعرفه"، مرحلة مختلفة لكننا لم نعد في مرحلة ما بعد الحرب، تماما مثلما أن الحرب العالمية الثانية وضعت حدا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهي مرحلة جديدة آنذاك بدأت تلوح ملامحها مع مجيء هتلر إلى السلطة سنة 1933. ومن جهة أخرى، وهذا ما سأحاول بلورته بعد قليل، يمكن القول إن 1991-1989 شكلت نهاية مرحلة، إذا تتبعنا ما يقوله الكاتب البريطاني إدريك هو بسبوم في كتابه مجرى القرن، وهو أن القرن العشرين بدأ مع الثورة الروسية سنة 1917 ونهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهى مع انهيار حائط برلين. وإذن، فإن القرن انتهى وانغلق في هذا التاريخ. وأظن كذلك أن 1991-1989 بالمعنى الرمز هذه المرة، وليس بالمعنى الدقيق، يشكل نهاية دورة كبيرة هي دورة العصر الصناعي الذي بدأ في القرن 18. لقد خرجنا اليوم ربما من هذا العصر وهكذا بتنا نعرف اليوم متى بدأ العصر الصناعي ومتى انتهى، وإننا دخلنا عصرا جديدا مختلفا. ويمكن أن نورد في هذا السياق ملاحظتين اثنتين:

الملاحظة الأولى هي أننا دخلنا عصرا مختلفا لا نعرف اسمه. منذ عشر سنوات لم يتمكن الصحافيون ولا المؤرخون بالخصوص من إيجاد اسم لهذا العصر الجديد الذي بدأ بما يمكن أن نسميه "لغز تاريخي". ويتمثل هذا اللغز التاريخي بنظري، في اختفاء الاتحاد السوفياتي. لماذا اختفى الاتحاد السوفياتي؟ هناك عشرات الأجوبة بطبيعة الحال، لكن ليست مقنعة، ومازلنا لا نعرف لماذا اختفى الاتحاد السوفياتي. قد يكشف المؤرخون عن ذلك في المستقبل، لكننا لحد الآن نجهل السبب. ذلك أنه لم نعتد أن نرى إمبراطورية في أوج عظمتها وقوتها تتهاوى خلال بضعة أسابيع وتتوارى دون أن يهزمها خصم آخر. حسب علمي لم يسبق أن حدث هذا في التاريخ. ثم إن هذا الانهيار حدث أمام مرأى الجميع دون أن يحرك أحد ساكنا أو يطرح مثل هذه الأسئلة.

إنه أمر مثير للاستغراب فعلا. وإذا كانت هذه المرحلة الجديدة قد بدأت بهذا اللغز، فإن اختفاء هذه القوة الكبيرة هو الذي طبع القرن.

وعلى أية حال فإن القرن 20 هو القرن الذي فرض على الجميع بمعنى من المعاني الإحالة على الثورة السوفياتية سلبا أو إيجابا، اتفاقا أو اختلافا. عندما نتأمل في التحولات التي تجري الآن، فإننا نضطر أولا إلى القيام بنوع من التفكير الفلسفي السريع. صحيح أن القرن 20 بدأ دورته بالثورة البولشفية، وهي ثورة سياسية وعنيفة في الوقت نفسه. كان الأمر يتعلق بإرادة مجموعة قليلة العدد نسبيا تتوفر على نموذج مجتمع مختلف، إرادة إحداث تغيير سياسي باستعمال العنف إن اقتضى الأمر ذلك، لأن هذه الإرادة وضعت نصب عينيها هدفا يمكن أن يعتبر إيجابيا من طرف الغالبية العظمى. لكن عندما نفكر في 1989، فإننا نلاحظ بأنها لم تكن نتيجة هذه السيرورة. فإلى أي نوع من السيرورات تنتمي إذن؟ إنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته "الثورات الصامتة".

هناك ثورات مثل الثورة البولشفية التي تحققت بفعل إرادة جماعة صغيرة مسلحة من الناحية الإيديولوجية بنموذج سياسي يتنبؤون به؛ ومن جهة أخرى هناك هذه الثورات الصامتة التي تنفذ إلينا في نهاية المطاف وهي تكاد لا ترى، لكنها تستطيع تغيير مجرى الأشياء. ما هي، إذن، هذه التحولات التي أحدثتها هذه الثورة الصامتة، غير المرئية، غير المرئية بالمعنى المزدوج للعبارة، أي سواء لقبولها، المهم هو أنه ينبغي الوعي بها؟ يمكنني القول دون أن أكون وثوقيا إن إحدى هذه الثورات الصامتة هي الثورة التكنولوجية التي نعيشها منذ ما يقرب من عشرين سنة. وتتوفر هذه الثورة التكنولوجية على مظهرين أو وجهين: الوجه الأول هو ما أطلق عليه البعض اسم "إضفاء الطابع الإعلامي على المجتمع" أو على المجتمعات، فالمعلومات اخترقت المجتمعات واخترقت بصفة خاصة عالم الإنتاج، كل قطاعات الإنتاج. وهكذا استطاعت المعلومات أن تخترق بشكل واسع المجتمعات المتطورة، لأن المعلومات، بكل بساطة، باتت غير مرئية تقريبا، باتت غير مرئية ومعممة. فقبل سنوات، عندما كان الناس يتحدثون عن المعلومات، كانوا يقولون، "المعلومات هي الحواسيب، وهي الآلات العظيمة". وقد أصبحت الحواسيب أكثر قوة وأقل ثمنا. لكننا اليوم أصبحنا نحمل المعلومات معنا وفينا. وهناك من يحمل معه بطاقات الطائرة، أو مفاتيح إلكترونية لبعض الفنادق مثلا، أو الهواتف المحمولة. إنها آلات مليئة بالمعلوميات وبالمعلومات. فبطاقة الميترو مثلا تخبرك بوقت السفر والوجهة التي تريدها والمدة التي تستغرقها رحلتك. وهاتفك المحمول لا يسمح لك فقط بالحديث مع شخص آخر، بل يسمح لك بالحديث معه هو كآلة. فهو الذي يتحدث إليك ويقول لك لقد تركت رسالة، أو ترك لك شخص ما رسالة، الآلة تتحدث إليك وليس الأشخاص. وبالتالي صارت المعلوميات ملتصقة اليوم بأجسادنا. أصبحت، كما قلت، غير مرئية وحاضرة بين ظهرانينا، لكن في الواقع ما معنى المعلوميات؟ إنها بمعنى من المعاني، في مجال الإنتاج، إضفاء الذكاء على الآلات. وليست هذه هي المرة الأولى، فقد سبق لكارل ماركس أن قال: "اعطوني الطاحونة الهوائية أعطيكم العصر الوسيط".

لقد كان يريد أن يقول إنه في فترة تاريخية معينة، تكون الآلة أحيانا بمثابة شعار وعلامة على التحولات السوسيو اقتصادية التي يمكن أن تقع. فالطاحونة الهوائية، بطبيعة الحال، هي التصور الآخر للاقتصاد، هي ظهور عنصر جديد وسيط بين المنتج والمستهلك استطاع أن يحول القمح.. ثم إن الطاحونة آلة، أول آلة جد متطورة ظهرت في بريطانيا، آلة غير معروفة بما فيه الكفاية، لكنها استطاعت أن تحدث تحولا في البنيات الاقتصادية. ويمكن ـن نذكر أيضا ماكلوهان الذي يقول إن إحدى الأدوات التي حولت العالم كثيرا هو الركاب.

فبدون ركاب لا تكون هناك فروسية عسكرية أو غيرها. وحين يتحدث المؤرخون عن الفتوحات العربية الإسلامية يعزون ذلك إلى كون العرب كانوا يتوفرون على جياد خاصة وحرونة، لكن هذا خطأ، لأن السبب يعود إلى أن الفارس العربي كان يمتطي جواده بركاب يخزه به لينطلق بسرعة دون أن يسقط؛ فالركاب آلة غيرت نظام الأشياء، وإذا أردنا أن نتحدث مثل كارل ماركس، فإننا نضيف إلى الركاب هو العصر الوسيط لكونه يفترض لباسا فروسيا وسيفا وطريقة معينة في الركوب والإقدام... هناك إذن بعض الأدوات التي تعتبر أحيانا غير مهمة إلا أنها يمكن أن تغير وجه العالم. ومن جهة ثانية حين اخترع جيمس واط الآلة البخارية في القرن 18، كان يؤسس للعصر الصناعي. وسوف تعمل هذه الآلة على تغيير كثافة الإنتاج في المناجم والمانيفاكتورات العملاقة بالخصوص. ويمكن القول مع آدام سميت وريكاردو بأنها أدت إلى ظهور النظام الرأسمالي والطبقة العاملة التي لم تكن لتوجد قبل العصر الصناعي. وقد كان لهذه الطبقة الاجتماعية تأثير كبير على القرنين الماضيين. ونضيف أن الرأسمالية، إذا كانت قد أدت إلى ظهور الطبقة العاملة، فإنها أدت كذلك إلى ظهور الاشتراكية التي هي جواب رد على الرأسمالية. إذن، فإن الآلة البخارية أحدثت انقلابا اقتصاديا وسوسيولوجيا وكذلك نظريا. ما هي الآلة البخارية في نهاية المطاف؟ إنها تلك الآلة التي عوضت العضلات. فإلى حدود ظهور الآلة البخارية، كان الإنتاج يعتمد على القوة الحيوانية والقوة البشرية. لكن مع الآلة البخارية تغير كل شيء. وإذا كانت هذه الآلة قد عوضت العضلات فإن المعلوميات لا تعوض اليوم العضلات بقدر ما تعوض الأدمغة، تعوض الدماغ البشري بطبيعة الحال. هناك الكثير من الأنشطة الذهنية التي بدأت تحققها المعلوميات. وإذا كانت الآلة البخارية قد أحدثت تلك الانقلابات المشار إليها أعلاه (الرأسمالية-الطبقة العاملة-العصر الصناعي...) فلا بد أن تحدث المعلوميات انقلابات وتحولات هائلة، وبالخصوص فيما يتعلق بالإنتاج. ذلك أن الإنتاجية انفجرت بشكل مهول وبأقل عدد من اليد العاملة، نتيجة إدخال الآليات والتحكم الأوتوماتيكي. فأغلب الآلات اليوم تتوفر على عقل مسير. آلة التصبين مثلا اليوم لها عقل، يكفي ن تبرمجها لكي تقوم بمفردها بكل العمليات الواجب تحقيقها. قل الشيء نفسه عن السيارات وآلات الإنتاج في المعامل. نلاحظ في أوروبا الغربية خلال 25 سنة الماضية كيف تزايد الإنتاج وتزايد النمو، وبالمقابل يتضاعف عدد العاطلين. فمنذ 1973/1972، ورغم أن حركة الهجرة قد تراجعت بشكل ملموس في السنوات الأخيرة، إلا أن عدد العاطلين في أوروبا وصل إلى 18 مليون رغم تزايد النمو، في حين يصل عدد الفقراء رسميا إلى 50 مليون فقير. هناك إذن علاقة بين انتشار المعلوميات ومشاكل الإنتاج وما يرتبط بها من تخفيض لليد العاملة.

أما المظهر الثاني لهذه الثورة الصامتة، فهو ما يطلق عليه اسم الثورة الرقمية، وهي ثورة تجري أيضا في الميادين التقنية والمعلوماتية والتواصل. وهذه الثورة هامة جدا. ولكي نفهم أهمية هذه الثورة كما تعرفون، لابد أن نستحضر ما يلي: لحد الآن استعمل الناس وما زالوا يستعملون في تواصلهم ثلاثة أنساق هي الصوت والصورة والكتابة. وقد عرفت هذه الأنساق التواصلية، على مر الزمن، تقدما كبيرا على المستوى التقني. فالصينيون اخترعوا الورق وتغيرت طريقة الكتابة منذ السومريين، وظهر الراديو والتلغراف. وكلما ظهر تقدم تقني إلا واقتصر على أحد هذه الأنساق أو على اثنين منها وليس على الأنساق الثلاثة. فعندما ظهرت الطباعة لم تمس الطباعة الأصوات. وعندما ظهرت مكبرات الصوت في العشرينات لم تهم الصورة أو الكتابة مثلا.. إنها تقنية خاصة بالصوت. ما هو النظام الرقمي؟ إنه عبارة عن أنبوب نضع داخله الصوت والصورة والنص المكتوب. وعندما تدخل هذه الأنساق تتحول إلى نسق ثنائي ذي متوالية 0 و1 وتدور داخل الأنبوب بسرعة الضوء أي 300 ألف كلم في الثانية، وهكذا تخرج كذلك في شكل صورة وصوت وكتابة. وإنها، إذن، ثورة هامة، بما أن الأمر يتعلق بظهور نسق رابع من الأدلة هو النسق الثنائي، أي النظام الرقمي الذي يمزج بين الصورة والصوت والكتابة. ونلاحظ انتشار ذلك فيما يسمى بتعدد الوسائط والأسطوانات المضغوطة، وباختصار الأنترنيت. فهذا الأخير هو القارة التي تسمح لنا باكتشاف الثورة الرقمية تماما كما أن القارة الأمريكية سمحت لنا باكتشاف القافلة. يتعلق الأمر باكتشاف قارة معلوماتية جديدة، وقارة تواصلية لا حدود لها. وهذه الثورة كذلك هي التي أدت إلى ظهور الطرق السيارة للتواصل(...) وأدت إلى خلق نظامها الخاص للإبحار الأنترنيتي والتحولات الأنترنيتية. هذه هي الثورة الصامتة الأولى التي هي الآن بصدد إحداث التحولات الكبرى وتعطي الأولوية لما هو غير مادي على ما هو مادي، وتزيل الحدود ليس فقط الجيوسياسية، بل والثقافية كذلك. وينبغي التفكير في هذه التحولات لأنها تجري بسرعة فائقة.

أود الآن أن أتحدث عن الثورة الصامتة بسرعة وهي الثورة الاقتصادية: إننا نعيش اليوم ثورة رأسمالية ثانية تتميز بوجود ظاهرة مركزية، منذ حوالي 10 سنوات، ألا وهي ظاهرة العولمة. فالعولمة هي الظاهرة المثيرة التي تعرفها الكرة الأرضية. فإذا خرجت من هنا وصادفت أحد القادمين من المريخ يبادرني بالسؤال: "لقد قدمت من المريخ إلى الأرض، ماذا يجري فوقها"، فإنني سوف أجيبه: "ما يجري الآن فوقها هي العولمة". إنها ظاهرة مركزية تحول العالم. كيف تشتغل العولمة الآن؟ وعلى سبيل المقارنة نلاحظ أن النظام الرأسمالي الأول أفرز اقتصادا ماديا يقوم أساسا على الإنتاج المادي، في حين أن نظام العولمة يفرز الآن اقتصادا احتماليا. فنظام المعلوميات هو التجسيد الفعلي لهذا الرأسمالي الذي يرسل عبر الطرق السيارة للتواصل أوامر البيع والاستهلاك. أصبحنا ننقل عبر البورصة مثلا مواد بطريقة أسرع وأكثر فعالية من نقل البضائع. إننا إذن أمام حجم اقتصادي غير مادي، غير ملموس. ما تغير اليوم هي طبيعة العلاقة بين الاقتصاد المادي والاقتصاد غير المادي: %95 هو اقتصاد مالي وليس ماديا، في حين أن %5 هو اقتصاد مادي. فالعولمة الاقتصادية طيلة السنة تقوم أساسا على المال والنشاط المالي، وهذا ما يؤدي إلى تطور المضاربات والمزايدات المالية في الأسواق والبورصات، أضف إلى ما سبق أن ما يتطور اليوم هي الأنشطة التي تتميز بأربع خصائص هي أنها كونية ومباشرة ومستديمة وغير مادية. عندما يكون النشاط كونيا، ومستديما، أي 24/24، وعندما يكون مباشرا، أي كلما أردت القيام به فعلت ذلك، فإذا أردت شراء الخبز، على سبيل المثال، لا تستطيع ذلك إلا إذا كانت المخبزة مفتوحة، وإذن فليس هذا نشاطا من هذا القبيل. ينبغي أن يكون متوفرا في كل وقت وحين طيلة اليوم. وينبغي أن يكون غير مادي كذلك. هذا هو الأنترنيت. فالأنترنيت يسمح بتطوير تلك الأنشطة ذات الخصائص الأربع السابقة. وكلما كان النشاط لا يتوفر على إحدى هذه الخصائص الأربع كلما أحيل على العصر الصناعي. وبالتالي نلاحظ اليوم أنه تنمو حول الاقتصاد الجديد تكنولوجيات التواصل وشبكات الأنترنيت التي تطورت في العديد من البلدان وأفضت إلى ما يسمى "التجارة الإلكترونية". ومن ثم فإن هذه الثورة الثانية هي الآن بصدد إحداث تغييرات وتحولات كبيرة في المشهد العام السياسي والاقتصادي. وسوف أتناول هنا الجانب السياسي لأقول بأن الأمر يتعلق بثورة صامتة كذلك، إن لم يكن أكثر في نظري، أي ببنينة السلطة العالمية أو الكونية. فمن يتحكم الآن في هذا العالم الذي خرج من الحرب الباردة، ومن توازن الرعب ومن عالم الغضب؟ لحد الآن كنا نعتقد أن الخريطة الجيوسياسية للعالم كانت مبنية وفق الشكل الهرمي التالي: في قمة الهرم الأمم المتحدة، مع الهيئة العامة لأمم المتحدة التي تضم حوالي 200 دولة لكل منها حقوقها وواجباتها. في الوسط هناك الدول التي تتوفر على أنماط سياسية مميزة للعصر الصناعي، وهي أنماط لم تكن موجودة قبل القرن 18. وعلى مستوى المواطن، هناك الأحزاب السياسية التي تهيكل نشاطه السياسي. لكن نلاحظ اليوم أن الخريطة لم تعد كما كنا نعتقد. فالأمم المتحدة توجد في حالة شرود ولا وجود لها. إنها منظمة يرتبط بها الجميع، لكنها اليوم شاردة ولا تلعب أي دور. ومن ثم، فإن قمة الهرم أصبحت تحتلها أربع أو خمس دول متعددة الأطراف، هي: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والمنظمة العالمي للتجارة. ويمكن أن نضيف إليها منظمة حلف الشمال الأطلسي، باعتبارها جهازا لصيانة أمن هذا النظام. هذه المنظمات الأربع، في نظري، هي حكومة الكرة الأرضي، والوزراء الأربعة الذين يسيرون شؤونها. هذه المنظمات هي التي تتحكم وتملي قوانينها وتوصياتها. ولهذا السبب لاحظنا كيف أن المواطنين الذين انتبهوا إلى هذا الأمر نظموا تظاهرة احتجاجية خلال شهر دجنبر الماضي ضد المنظمة العالمية للتجارة في سياتل، وهي المنظمة التي كشفت النقاب عن قدرتها على بنينة وهيكلة حياة الناس. كما أنه خلال شهر أبريل الماضي، احتج المواطنون في واشنطن على اجتماع صندوق يقوم منذ مدة بإملاء توصياته وآرائه على الدول الجنوبية السائرة في طريق النمو، بحيث أن توصياته تتعالى على الحكومات الوطنية.

أما إذا انتقلنا إلى وسط الهرم الذي كانت تحتله الدول، فإننا نلاحظ احتلاله من طرف بعض الفاعلين الذين أصبحوا يقومون مقام هذه الدول. فهذه الأخيرة لم تختف، غير أنها لم تعد قادرة على مراقبة مجموعة من الأشياء. تحدثنا سابقا عن الحدود المعلوماتية والتواصلية، ويمكننا أن نضيف عناصر أخرى. من هم هؤلاء الفاعلون؟ إنهم تلك المجموعات الصناعية أو المالية أو الإعلامية الكبرى التي تنصهر فيما بينها يوما عن يوم باستثناء شركة ميكروسوفت المهددة حاليا بالانقسام. يتعلق الأمر إذن بشركات عملاقة أصبحت قوتها على المستوى الاقتصادي تتعدى قوة الدول أحيانا. لنأخذ على سبيل المثال، مقاولة مثل طويوطا التي لها رأسمال يفوق بلدا مثل النمسا. لا نتحدث هنا عن البلدان الإفريقية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ففي بعض الحالات، مثل إلف ELF في الغابون، تفعل هذه المقاولات ما تريد في هذه البلدان، بل أكثر من ذلك، هناك مقاولات لها أصوات في الأمم المتحدة، مادامت البلدان الصغيرة مضطرة للتصويت حسب هواها وإرادتها. وهناك من تشعل الحرب لتحمي مخازنها. نلاحظ إذن ظهور فاعلين جدد بدؤوا يحتلون وضعية البلدان، أي وضعية الاتفاقات الدولية. فعندما يتم الاتفاق مع مستثمر دولي يصعب إلغاء هذا الاتفاق بسهولة، بل إن بعض هذه المقاولات وصل إلى حد الحضور في محكمة لاهاي.

وعلى مستوى المواطن، يلاحظ نوع من التراجع في الانخراط في الأحزاب السياسية. فالكثير من الأحزاب تراجعت فيها نسبة الأطر والمناضلين والأعضاء، وبدأت تتزايد تلك النظرة النقدية تجاه الأحزاب لعدة أسباب.

وفي المقابل، نرى أن المجتمع المدني بدأ يحتل مكانة الأحزاب السياسية، وذلك في شكل منظمات غير حكومية. فقد تزايد عدد وشكل المنظمات غير الحكومية. فقد تزايد عدد هذه المنظمات بشكل لافت، وربما يعود السبب إلى أنها تهدف إلى حل مشكل محدد وآني، وهذا ما يرغب فيه المواطنون. ومن ثم، فإن المنظمات غير الحكومية هي التي خرجت إلى الشارع في سياتل وواشنطن. فالمجتمع المدني الدولي، أو إرهاص المجتمع المدني الدولي يعبر الآن عبر المنظمات غير الحكومية. لكن هذه الأخيرة لا تسعى إلى أن تحل محل الأحزاب السياسية، بقدر ما تسعى إلى أن تنقل إليها الإحساس الذي تشعر به. فعندما تأخذ مثلا الشركات متعددة الجنسيات والمجموعات الكبرى والمنظمات الغير الحكومية في إطار عملية انتخابية يقوم بها المواطن، أي عندما نكون أمام استحقاق ديموقراطي، فإننا لا نصوت على من يرد في أول اللائحة، ولا على الثاني ولا على الثالث، وهو الأمر الذي لم يكن يحدث في السابق. وبالتالي، فإن هناك نوعا من الديموقراطية الذي يمكن أن يدور في الفراغ، إذا لم نفكر في تنظيم هذه المنظومة.

وفي الختام، ودائما في سياق التساؤل حول من يحكم العالم، نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت مكان الأمم المتحدة. وزير الخارجية الفرنسي ينعت الولايات المتحدة بالقوة الهائلة، ليشير إلى هذه الوضعية التدشينية التي يشهدها العالم. إنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تبسط فيها دولة نفوذها القوي على مجموع الكرة الأرضية. لم يسبق أن شهدنا هذا الأمر. كانت هناك هيمنات جزئية هنا وهناك منذ القرن 16 (إسبانيا، البرتغال، فرنسا) وكانت هذه الهيمنات تجد منافسين. وحتى في القرن 20 كانت هناك هيمنة لبريطانيا، لكن وقفت في وجهها ألمانيا، ومن ثم الحروب الثلاثة (1945/1914/1910)، ثم تلتها الهيمنة الأمريكية لكنها وجدت أمامها الاتحاد السوفياتي الذي حقق نوعا من التوازن... غير أن الهيمنة الحالية، في سياقها، هيمنة شاملة. وتتميز هذه الهيمنة بخمسة مظاهر أساسية:

- أولا على المستوى السياسي، فليست هناك أزمة في العالم لا تتدخل فيها أمريكا بشكل مباشر أو غير مباشر: حرب البوسنة مثلا انتهت باتفاقيات دايتون في الولايات المتحدة وليست في الأمم المتحدة. وكذلك الشأن بالنسبة لمسلسل السلام في الشرق الأوسط الذي ترعاه الولايات المتحدة. وقل نفس الشيء في مناطق أخرى كالبلقان والكوسوفو. إنها الحكم والفاعل السياسي الكبير.

- ثانيا على المستوى الاقتصادي، حيث تتجاوز الولايات المتحدة بكثير جل بلدان العالم، سواء فيما يخص الاقتصاد المادي أو المالي أو الافتراضي. يكفي أن نقول، إن المحرك أو قلب الاقتصاد المالي العالمي هو سوق نيويورك، فجميع العمليات التبادلية أو المضاربات تتم هناك.

- ثالثا تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة عسكرية بكثير. ليست هناك أي قوة في العالم توازيها في مجال الأبحاث العسكرية والمناورات. فميزانية البحث العسكري الأمريكي تفوق مجموع العمليات العسكرية الفرنسية ككل (حوالي 3 ملايير دولار) ثم أن الميزانية العسكرية الأمريكية هي ضعف مجموع ميزانيات القوة الخمس الأولى في العالم. هي أول قوة فضائية، وأول قوة نووية وأول قوة عسكرية. ويكفي أن نشير إلى أن سلاح طوماهوك قادر على ضرب أي نقطة في العالم بسهولة وسرعة كبيرتين، كما تبين ذلك سنة 1998، عندما ضربت نواحي الخرطوم وأفغانستان. انظروا أين توجد أفغانستان وأين توجد الهند التي انطلقت منها طوماهوك بحيث يمكن القول، إنها تملك "الحق الإلهي" وتضرب من تشاء وأين تشاء. وليست هناك أية دولة أخرى تنافسها لا الصين ولا روسيا ولا غيرهما.

- على المستوى التكنولوجي، نشير إضافة إلى ما قلناه سابقا إلى أن نظام الأنترنيت هو نظام أمريكي يفرض على العالم، ولا تقبل أمريكا نظاما آخر لا تراقبه، مهما كان متطورا.

- وأخيرا على المستوى الثقافي، فإن الولايات المتحدة هي أكبر قوة ثقافية في العالم، وإن كانت لا تتوفر على وزارة للثقافة، أقصد هنا بطبيعة الحال الثقافة بالمعنى الأنتروبولوجي: كوكاكولا، والت ديزني، ماكدونالدز... هناك العديد من الأشخاص، في العالم، الذين يلبسون يوميا مثل الأمريكيين ويعيشون حياة مثل حياتهم. ومن المفارقة أنه في البلدان التي تهيمن فيها بشكل قوي، لا نجد فيها أية مقاومة تذكر (أوربا الغربية مثلا التي تعتبر من أكثر المناطق "أمْرَكَة"). ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ليست ديكتاتورية ولا شريرة، بل ديموقراطية. وتضم مجموعة هامة من المثقفين والفنانين والمبدعين.

*) ) عن جريدة الاتحاد الاشتراكي، 7 ماي 2000.

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق