241189572571696

الأحد، 18 أبريل، 2010

الإسـتـشــراق الوعي بالذات من خلال الوعي بالآخر

سالم يافوت

مقدمة

تذهب الغالبية العظمى من الدارسين والمهتمين بالإستشراق إلى تعريف هذا الأخير بموضوعه بالقول بأنه التماس علوم الشرق ولغاته وثقافته وحضارته؛ تعريف كهذا ينحصر في محاولة تجلية مضمون الجهد الإستشراقي بوصفه طلبا غربيا للشرق.

أن الهزة الإبستمولوجية التي عرفتها العلوم الإنسانية أمست تفرض ضرورة تعريف الإستشراق بوصفه منهجا شغله المستشرقون على مادة معرفتهم التي هي الشرق بتحويله إلى موضوع للدراسة والبحث و التمثل والتمثيل والتقويم مما جعل الإستشراق يبدع، على صعيد التصور، شرقا، متخيلا لاصلة له بالشرق "الحقيقي"؛ يحول الشرق إلى مرآة يقرأ فيها ذاته؛ فالغرب منذ العصور الوسطى ينظر إلى ذاته كغرب عبر نظرته إلى الشرق المختلف.

ولم يفعل الشرقيون في تصديهم للإستشراق سوى أن كرسوا نفس الآليات الإيديولوجية مما جعلهم لا يفرزون، في الغالب، إلا استشراقا معكوسا يخلق غربا متخيلا، فهل بالإمكان، في سياق كهذا، قيام حوار ثقافي خصب ومثمر؟ أن يقوم حوار من هذا القبيل إلا عبر عملية نقد مزدوجة؛ نقد الذات ونقد الآخر الغير.

جرت عادة الدارسين المهتمين بالبحث في الاستشراق على أن يتناولوه انطلاقا من المستشرقين و من مواقفهم مع ارجاع "عدم موضوعية" ما يطلقونه من أحكام إلى ميول ونزعات ورغبات "ذاتية" بالمعنى القوى للعبارة. فكأن ما يطلقونه من أحكام مظهر "لسوء نيتهم" أو "خبث طويتهم"، وهو ما يجعلهم يدافعون عن أفكار "مخالفة للحقيقة والواقع"، ويلتمسون تفسيرا لوقائع ثقافية وحضارية في العرق أو ما شابهه، رغم قناعتهم الداخلية بأن تفسيرهم ذاك ليس هو الحقيقة. كما جرت عادة أولئك الدارسين أيضا على اعتبار الاستشراق فرعا من فروع المعرفة أو فنا من فنونها أو قطاعا نظريا قائم الذات لا شأن له بباقي العلوم الإنسانية الأخرى كالتاريخ وعلم الاجتماع والانطربولوجيا النظرية؛ فهو ينفرد بموضوعه مثلما تنفرد هي بموضوعها، وينفرد بمنهجه مثلما تنفرد بمنهجها؛ فانصب الاهتمام أساسا على نقد أطروحاته ومواقفه ومقارعته بأطروحات ومواقف أخرى، مقارعة تتم على مستوى الموقف والمواقف، ولا تنفذ إلى عمق الإشكالية. ولعل هذا ما يفسر لنا الإحساس الذي نشعر به كلما طالعنا دراسة استشراقية: إلا وهو أن ثمة وفرة في ما كتب عن الاستشراق، لا سيما الاستشراق المستند إلى النظريات العرقية. وإذا كان قد بات من شبه المؤكد، منذ مدة كما قال ليفي ـ ستروس، إن الثقافة هي التي تصنع العرق، وليس العرق هو الذي يصنع الثقافة، فإن الضرورة تفرض أن يتم تناول الاستشراق من منظور مغاير، أي تناوله كأشكال معرفي ابستمولوجي؛ ففرق بين أن نؤرخ للاستشراق ولمواقفه، و بين أن نخرج إشكاليته إلى واضحة النهار.

ينبغي تناول الاستشراق كقضية منهجية، كأسلوب منهجي في معالجة بعض المسائل التاريخية و الحضارية والثقافية يستند إلى تمركز على الذات وإلى منظومة قيم تكرس هيمنة ذات الباحث و هيمنة منظوره الحضاري والعرقي.

غير خاف أن محاولة من هذا القبيل تتطلب مراجعة منهجية تستفيد من الثورة الجديدة التي عرفها التاريخ. فتفكيك آليات الهيمنة المركزية الأوربية، والتي تسند الاستشراق، يقتضي التحليل المعرفي للتاريخ ونقد أساس العلم التاريخي، من خلال نقد بعض المفاهيم، خصوصا تلك التي يتم نقلها واسقاطها تأكيدا لوحدة التاريخ و وحدة مراحله وأطواره وتجانس اتجاهه من الماضي إلى المستقبل؛ كما يقتضي كشف آليات تخفي السلطة وتواريها في المعرفة الاستشراقية، في خطاب المستشرقين وهو ما سيمكن من تحليل صورة الغير: العرب، الاسلام وسائر الشعوب الأخرى غير الأوربية، لدى الغربيين سيساعد على تفكيك الرؤية التي كونها الغرب لنفسه وللغير أو الأغيار على الأصح. ويعني هذا أننا أمام "معرفة غربية" أمست الحاجة ملحة إلى نقد أسسها، ومراجعة تلك الأسس(1)؛ ذلك أن كل معرفة تتناول المجتمع الإنساني، خلافا لمثيلتها التي نتناول العالم الطبيعي، هي معرفة تاريخية؛ لذا فهي تقوم على الأحكام والتفسيرات ومعنى ذلك أن الحقائق تستمد أهميتها مما يسوغه التفسير ويسبغه عليها. والتفاسير تعتمد اعتمادا كليا على من يقوم بها، وعلى من يخاطبهم المفسر، وعلى ما ينشده هدفا لتفسيره، وعلى اللحظة التاريخية التي يتم التفسير فيها(2). كيف يستطيع المرء أن يفسر ثقافة، غير ثقافته، إن لم تكن ظروف سابقة قد وضعت تلك الثقافة موضع السؤال والتفسير؟

وقد كانت هذه الظروف دوما، في ما يخص الاهتمام الأوروبي بالثقافات العربية، ظروفا تجارية واستعمارية، أو ما هي ظروف التوسع العسكري.

إن الاستشراق خطاب أو إنشاء يصور تمثلات أو ألوانا من التمثيل حيث تتخفى القوة والمؤسسة و المصلحة. إنه خلق جديد للآخر، الغير، أو إعادة إنتاج له على صعيد التصور والتمثيل، مما يجعل من الاستشراق لا يطابق تمام المطابقة موضوعه الذي هو "الشرق".

وعليه فإن الاستشراق استجاب للثقافة التي أنتجته أكثر مما استجاب لإرادة المستشرقين كأفراد ذوات ورغباتهم واختياراتهم الشخصية.

يفرض المقام، إذن، طرح الاستشراق كقضية، كإشكال، أي كأسلوب منهجي في معالجة القضايا التاريخية والحضارية والثقافية للشرق، يستند إلى رؤية معينة قوامها التمركز على الذات الغربية وإلى منظومة قيم تكرس هيمنة ذات الباحث وهيمنة منظوره الحضاري.

ليس هذا العيب المنهجي حكر على الغرب وحده، فكل حضارة في رؤيتها للغير تبدع هذا الأخير وتخلقه فتجعل منه "غيرا متخيلا". يتجلى هذا بوضوح في "الاستشراق المعكوس" أي في أغلب الكتابات العربية التي أراد أصحابها منها الرد على الاستشراق وانتقاده أو الطعن في أسسه ورؤاه، وهي كتابات تركز على الذات، ذات مؤلفيها، في الرد على المركزية الغربية، فتخلق من حيث لاتدري مركزية مضادة تذكي وتؤجج ما أصبح يسمى بصراع الحضارات أو المركزيات.

إن كل معرفة بالغير، هي معرفة تقييمية، تستند إلى منظومة قيم تتخذها مرجعا، فتمارس تأثيرها على الباحث موجهة تعامله مع الموضوع الذي يدرسه واختياره للمفاهيم والفرضيات والوقائع(3). وبذلك يتكرس انغلاق كل ثقافة على نفسها.

حوار الثقافات

هل من حوار ممكن بين الثقافات والحالة هاته؟

تبين لنا أن العيوب التي يوصف بها الاستشراق تنطبق حتى على "الاستغراب" الذي نعني به محاولة الشرقيين التماس حضارة الغرب وفكره وثقافته و تاريخه وحاضره؛ وهو التماس يتم أحيانا بدافع رغبة الانتقام للذات، وهو ما يسمى بالاستشراق المعكوس(4).

ويعني هذا من بين ما يعنيه أن حوار الثقافة العربية مع غيرها من الثقافات، خاصة الثقافة الغربية يقتضي الاعتراف المتبادل، وهو غير حاصل بسبب أصوليتين: أصولية اسلامية تختزل الثقافة العربية الإسلامية بتعددها وتنوعها إلى دين، وتختزل الدين على عقائد متشددة، وتعتبر أن الإسلام ـ كما تتصوره ـ في غنى عن أي حوار مع جاهلية العصر، أي الثقافة الغربية ومن نسج على منوالها. وهناك أصولية غربية تعتقد أن قيم الحداثة (الحرية، الفكر النقدي، الديمقراطية الليبرالية، حقوق الإنسان) هي قيم غربية حصرا، فلا طريق إذن للتحديث سوى التغريب(5). وقد تكرس هذا الاعتقاد أكثر بعد انهيار المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة. ذلك أن الغرب اللبيرالي وهو يعلن انتصاره، فسر هذا الأخير بمصداقية قيمه الثقافية الليبرالية. وبذلك تمت المرادفة بين التحديث والتغريب واعتبرت القيم الغربية، الوحيدة التي تكرم الإنسان وتبني الديمقراطية الحقة (أي الليبرالية)، وتؤسس اقتصاد السوق الذي وحده يخلق الثروة والنماء الاقتصادي.

كيف يفهم العرب"التغريب" ؟

لفظتان، كثر اللغط حولهما في الثقافة العربية المعاصرة هما:"التغريب"و "الغزو الثقافي". إنهما لفظتان غير بريئتين نظرا لحمولتهما المناوئة لكل حداثة وتحديث.

فالأصوليون يرفضون الحداثة لأنها تغريب وذلك بمعنيين:أولا، لأنها تغريب للإسلام إذ يصبح غريبا بين أهله؛ وثانيا لأنها اقتداء بالغرب. فإذا كان الإصلاحيون المسملون، منذ القرن التاسع عشر قد دعوا إلى الإقتداء بما هو صالح نافع للمسلمين من تنظيمات وقيم غربية، فإنهم، إذن، لم يرفضوا الغرب جملة و تفصيلا، بل قبلو بمبادئ وتنظيمات تدخل في صلب الحداثة السياسية: دعوا مثلا إلى الديمقراطية بحجة إن الإسلام نفسه أمر بالشورى. أما الأصوليون اليوم فيرفضون الديمقراطية لأنها في اعتبارهم شرك بالله في حكمه وشرعه. من هنا نجد رواد التشدد الأصولي أمثال سيد قطب والمودودي يرفضون المفهوم الديمقراطي للسيادة: أي أن تكون للشعب أو للأمة يمارسها مباشرة بالاستفتاء، أو غير مباشرة بالانتخاب فالسيادة لله وحده، والبرلمان حرام لأن البشر لا يشرعون إذ الله قد شرع شريعته كاملة وإلى الأبد(6).

مع هذا التفكير ينغلق الباب أمام كل حوار للحضارات فالإسلام عند الأصولي ينبغي أن يسود ليس بالدعوة وحسب بل بالجهاد أيضا، والذي يعني فرض ما يعتقده الأصولي المتشدد بالعنف الذي يسمونه جهادا.

وعليه، فإن فكرة صدام الحضارات، ليس صاحبها هنتكتون وحده أو غيره من الساسة الأمريكان، ما دام حملتها هم من أنصار الفكر الديني المتشددين.

يضاف إلى هذا العامل الذي يشكل أكبر عائق أمام حوار حضاري وثقافي بين العرب والغرب، عامل آخر يتمثل في السياسة الأمريكية تجاه قضايا العرب والمسلمين، وبالأخص تجاه القضية الفلسطنية. فهذه القوة الوحيدة في العالم تدعي أنها تقود حركة دمقرطة العالم وإلزام الحكام المستبدين بالديمقراطية و حقوق الإنسان، بل وتذهب إلى حد تغيير أنظمة بالقوة، في الوقت الذي تمارس فيه سياسة مزدوجة المعايير.

لكن هذا لا يشكل مع ذلك عذر الرفض مبدأ حقوق الإنسان والديمقراطية وإنكار قيمتهما وضرورتهما بصرف النظر عن السياسة الخارجية الأمريكية والتي هي سياسة تغطية المصالح.

ثمة عامل آخر يقف عائقا أمام قيام الحوار المنشود هو أن التعليم في أغلب البلدان العربية لم يؤد المهام التي كانت منظرة منه من رفع الوعي وخلق حركية اجتماعية تفرز نخبا اجتماعية جديدة تحل محل النخب التقليدية لذا لم تتوسع قاعدة الديمقراطية وتكافؤ الفرص. فظلت الأوضاع هي هي: تعليم تفرز نخبا عاطلة، ونخب تقليدية تداول السلطة فيما بينها. لذا لم تتفتح الأذهان والقدرات على المحيط الخارجي بانفتاحه وتشابكه بفضل طور تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. لكن دار لقمان تعليمنا ما تزال على حالها تنتج معرفة محلية لا تساير تطور المعرفة في العالم المتقدم. فقد تضاءل في بعض البلاد العربية الاحتكاك بالجهات المتطورة، كما أن اقتناء المنشورات العلمية أصبح هزيلا أما لأسباب مالية أو إيديولوجية: تحصين العقول من الغزو الثقافي الأجنبي؛ يضاف إلى هذا هزالة المعرفة باللغات الأجنبية. لذا فإن المعارف التي تلقن تظل معارف محلية لا تساير مستويات المعرفة المتقدمة.

النتيجة المحققة لذلك هي الجهل بالغرب أو المعرفة السطحية به. وكثيرا ما توضع معه قيمه في سلة واحدة. هذا حال الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان الآن حين جعلت أمريكا نشرها أولوية من أولويات سياستها الخارجية. هذا فضلا عن أن التوجه الليبرالي الجديد يدعو إلى تشجيع المبادرة الفردية و روح الابتكار وقبول المغامرة والذكاء الفردي ضدا عن قيم التضامن والعدالة الاجتماعية. كما ينبغي للعلاقات الدولية أن تقوم على التضامن والتكافل الدولي·

أي حوار ثقافي يمكن تصوره في سياق كهذا يطبعه التجاهل المتبادل ؟ فالغرب من جهة يعتبر قيمه الثقافية هي وحدها المنتجة للحداثة والتي لا طريق إليها إلا التغريب. وبهذا المعنى تم الحديث عن "نهاية التاريخ" بمعنى أن الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية الليبرالية هي خاتمة التاريخ·

وهي خاتمة يعتقدون أنها ستظل في مهب الريح ما دام هناك إرهاب إسلامي يقف لها بالمرصاد·

إذا كان التراث بالنسبة لإصلاحيي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين هو مجموع الإرث الحضاري والثقافي والأخلاقي بقيمه المسايرة للعصر والقادرة على الدخول في حوار مع الغير، فإن التراث بالنسبة للأصوليين المعاصرين هو الدين والذي يشكل الهوية الثابتة في الزمان وعلى الرغم من الزمان، فلا حاجة لأي مدد من الغير في إعادة بناء الذات الجماعية.

من مظاهر إلغاء الزمان وحتى إمكانية الحوار، مهاجمة رؤوس الإسلام السياسي المعروفين بالتطرف لمبدأ الحرية والديمقراطية كأسلوب لتحقيق العدل، تحت ذريعة أن المسلمين، في غنى عن أي شيء، في المجال السياسي والحكم والتشريع(7).

قياسا إلى موقف الإصلاحيين الأوائل، هل ثمة من تراجع في الفكر الإسلامي أكثر من هذا؟ لقد أصبح يجادل في الديمقراطية هل هي حلال أم حرام؟

خاتمة

يتبين مما ذكرناه أن السبيل الأوكد لحوار الثقافات والحضارات هو أن يستفيد بعضها من مكتسبات البعض الآخر. والدرس الذي تعلمناه من ا بن رشد ثم من إصلاحي نهاية القرن التاسع عشر هو أن المكتسبات التي حصلت بالتراكم في الغرب (النمو الاقتصادي وبناء دولة القانون وإرساء المؤسسات الديمقراطية، وتحقيق الحقوق الاجتماعية، تصبح مطالب آنية لدى الأمم الأخرى لأن شعوبها تقيس أوضاعها بما أصبح واقعا لدى الأمم المتقدمة.

كما يتبين أن المقصود بحوار الثقافات، ليس مجرد مناظرة أو مساجلة بين أطراف ثقافية دينية؛ صحيح أن المناظرة المنتجة شرط لذلك، لكنها لن تكون سوى سبيل واحد من بين سبل متعددة للحوار الحضاري. فلن يتحقق هذا الأخير ما لم يتخل المسلمون عن فكرة أن الغرب كله شر، وما لم يتخل العديد من الكتاب الغربيين عن فكرة أن الحداثة الاقتصادية والسياسية لا يمكن أن تقوم إلا على نفس القيم الغربية التي بفضلها كان ميلاد هذه الحداثة/لأن في مثل هذه الدعوى انزلاقا إلى العرقية الثقافية المغلقة، والقائمة ضمنيا على القول بضرورة تغريب العالم كله·

إنها دعوى تتجاهل أن تفوق الغرب لم يكن بسبب هذه القيم، وإنما كان لعوامل أخرى وهي "فائض القيمة" التاريخي الذي اكتسبه الغرب من استعماره لبقية العالم. صحيح أن وراء تقدم الغرب ثورة علمية وتكنولوجية وطفرة اقتصادية ثم سياسة بإقامة الدولة الوطنية الحديثة والنضال الطويل من أجل جعلها دولة قانون ومؤسسات ديمقراطية. إلا أن وراء ازدهار الغرب أيضا نهب خيرات المستعمرات وتسخير سكانها. فتكون للغرب تراكم اقتصادي وسياسي وعلمي وتكنولوجي جعل الهوة تتسع بينه وبين بقية العالم (8).

أما عن الإسلام، الذي يدعي دعاة التطرف والتزمت، ظلما أنه دين وحسب وليس دنيا أنه نقيض للغرب وللحداثة، فإن النظر إليه كقيم وكتاريخ تؤكد أنه لم يدع الناس إلى الزهد في الدنيا، بل حض على العمل والكسب، وجعل الاستخلاف مفهوما مركزيا. فالإنسان مستخلف في الأرض يستثمرها وفقا لمبدأ الإصلاح والمصلحة ودرء المفسدة.

ما الذي يمنع، إذن، من تأصيل الحداثة في التراث العربي؟ أن التأصيل تبيئة لأفكار التقدم والتحديث في ثقافتنا والتي هي ثقافة ليست خلوا من تلك الأفكار هذا هو الاتجاه الذي سارت فيه الإصلاحية العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر التي حرصت على الدفاع عن ضرورة التحديث دون التفريط في الهوية الثقافية. لقد كانت قضية الأفغاني ومحمد عبده هي تحديث المجتمع بتجاوز تأخر مزدوج: تأخر بالنسبة للغرب في مختلف أنظمته ومؤسساته الضامنة لما أسموه "العدل والإنصاف" أي الحرية والعدالة والمساواة أمام القانون؛ وتأخر بالنسبة للإسلام المعياري، الإسلام الأصل، بالاعتماد أصلا على النص مع فتح باب الاجتهاد لإعادة قراءته حسب مقتضيات العصر والمصالح للمجتمع، وهو أمر لا يتأتى إلا بنبذ التقليد والجمود.

لم يرفض الإصلاحيون الغرب، بل حاوروه ودعوا إلى الاقتباس منه، ولو قورن هذا الموقف بموقف الجماعات المتطرفة منذ منتصف القرن العشرين، لتبين أن موقف ليبرالي متقدم جدا ومنفتح · ذلك أن الشوط الذي دشنته جماعات الرفض هو الدفع بالأمور نحو راديكالية متزمتة رافضة جوهرها المناداة بالقطيعة بين الإسلام والعالم الغربي وقيمه كالديمقراطية والاختلاف والتسامح وحقوق الإنسان·

إنها في الحقيقة، ردة أو ارتداد عن القيم التي دافعت عنها حركة الإصلاحيين الأوائل والتي كانت في جوهرها حركة حداثية ليبرالية تنادي بفكرة الدستور والديمقراطية والأخذ بتجارب الأمم والحوار ····(9).

وبذلك كانوا أكثر تاريخانية و حداثية.



الهوامش:

1 - R. Preiswerk, D. Perrot, Ethnocentrisme et histoire, Paris, 1975, P. 350, 14-17, 105, 351, 360.

2 - ادوارد سعيد، تغطية الإسلام، ترجمة سميرة خوري، بيروت، 1983، ص 126-127.

3- نفس المصدر، ص77·

4- انظر على سبيل المثال حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب·

5 - انظر: علي اومليل، سؤال الثقافة، الثقافة العربية في عالم متحول، بيروت، 2005، ص 7.

6 - علي أومليل، مرجع آنف، ص 120.

علي اومليل، مواقف الفكر العربي من التغيرات الدولية: الديمقراطية والعولمة، عما، 1998.

7- انظر على سبيل المثال: محمد الخالدي، نقض النظام الديمقراطي، بيروت، 1984.

محمد بن محمد الفزازي، الشورى المفترى عليها، والديمقراطية، الدار البيضاء، 1996.

8 - على اومليل، سؤال الثقافة، ص 48.

9 - انظر سالم يفوت، الفكر السياسي العربي، كتاب جماعي، ص 145 ومايليها، بيروت، ط· 1، 2005.

المصدر : مجلة مدارات فلسفية

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق