241189572571696

الأحد، 18 أبريل، 2010

دراسة عبرية عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران السيناريوهات والتوقعات كافة التي يمكن أن تحدث بشأن تعامل "إسرائيل" مع الملف الإيراني:

تقديم عن الدراسة:
أعد اللواء احتياط بالجيش الصهيوني جيورا إيلاند، والذي شغل في السابق منصب رئيس مجلس الأمن القومي الصهيوني في الفترة بين عامي 2004 – 2006، دراسة وافية، حملت عنوان الخيار العسكري الإسرائيلي في التعامل مع الملف النووي الإيراني ونشرها مركز "بيجين سادات" البحثي الصهيوني، حيث تضمنت الدراسة شرحاً مفصلا عن الرؤية الإسرائيلية المتعلقة بالمشروع النووي الإيراني، باعتباره يشكل خطراً على وجود إسرائيل واعتبار إسرائيل له في حالة تمكن إيران من الحصول على قدرات عسكرية نووية، تهديداً يؤثر بشكل مباشر على شكل الصراع مستقبلاً في منطقة الشرق الأوسط، وتحدث كاتبها تفصيلاً عن السيناريوهات والتوقعات كافة التي يمكن أن تحدث بشأن تعامل إسرائيل مع الملف الإيراني، و«الرؤية» تنشر الحلقة الأولى من الدراسة.

بطـاقـة التـعـريـف بالدراسة
العنوان الأصلي: الخيار العسكري "الإسرائيلي" في التعامل مع الملف النووي الإيراني
المؤلف: غيورا أيلاند ، رئيس مجلس الأمن القومي الصهيوني السابق
إعداد: أحمد الغريب
جهة الإصدار: صحيفة الرؤية الكويتية عن مركز "بيجن السادات"
تاريخ الإصدار : 11 نيسان 2010
جهة الإصدار: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ الإصدار: نيسان /أبريل 2010


مقدمة الدراسة
تحدث الخبير الإسرائيلي في مستهل حديثه عن ما قدمته واشنطن قبل بضعة أشهر لطهران بشأن إمكانية التفاوض معها، وقال ان طهران كانت تتمنى سماع هذا العرض منذ عام 2006 وهو التفاوض معها بشأن وقف سلمي للبرنامج النووي الايراني دون شروط مسبقة، ففي عام 2006 كانت إيران مستعدة لإيقاف تخصيب اليورانيوم بشكل مؤقت مقابل مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، لان مثل هذه المفاوضات تعطي النظام الإيراني قدرا كبيرا من الشرعية، وقبل ذلك بنحو عامين تجرأت إيران فيما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم واضعة خطتها العسكرية الخاصة وبتصنيع السلاح النووي على الرف وإيقافها، أما اليوم فقد تغيرت الظروف المتاحة، فواشنطن تتودد إلى طهران .

وفي الوقت الذي تعلن فيه طهران استعدادها للتحدث عن اي موضوع استراتيجي مع الولايات المتحدة بشكل منفرد، أو مع مجموعة الخمسة زائد واحد وهى المجموعة التي تضم في عضويتها الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا.

إلا أنها ترى أن حقها الشرعي في تطوير الطاقة النووية موضوع غير قابل للمناقشة وبالطبع فإنها لا تبدي أي استعداد لتجميد أنشطتها النووية خلال المحادثات.

وتساءل كاتب الدراسة بدوره: كيف حدث هذا الاستنزاف ؟ ولماذا أصبح امتلاك إيران للسلاح النووي أو عدم امتلاكها له خاضعاً للقرار السياسي وليس لتجاوز التحدي التقني ؟ وهل ما زالت هناك فرص حقيقية لفرض حصار على إيران ؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الإجراءات المناسبة والمخاطرة من أجل الحيلولة دون وصول منطقة الشرق الأوسط إلى وضع خطير تحت المظلة النووية الإيرانية؟


أولاً: الإستراتيجية الإيرانية
أشار كاتب الدراسة في معرض حديثه عن النقطة الأولى إلى أنه وعلى الرغم من أن الموقف الإيراني الرسمي الذي يتمسك بالقول بأن إيران تقوم بتطوير قدراتها النووية لأغراض سلمية صرفة، فإنه من الواضح أن طهران لديها مصلحة في الحصول على السلاح النووي، وهذا ليس فقط موقف النظام الإيراني، بل هو موقف غالبية الشعب الإيراني الذي يرى في ذلك حقاً مبرراً.

فيما يتعلق بإيران هناك أربعة مبررات لاقتناء السلاح النووي وهي كالتالي:

1. الدفاع عن النفس، حيث أدت الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في الفترة ما بين 1980 وحتى 1988 إلى دمار واسع وخسائر بشرية ومادية كبيرة ومن الواضح أنه بوجود سلاح نووي إيراني فان ذلك لن يتكرر وبالتالي فإيران ترى في السلاح النووي عامل ردع فعال.

2. أن الأسلحة النووية وبدون أدنى شك سوف تحمي النظام الإيراني الحالي وتردع الولايات المتحدة الأميركية عن محاولة تغيير هذا النظام.

3. أن السلاح النووي سوف يزيد بالطبع من هيبة إيران في المنطقة, فنظراً لحجم هذا البلد وعدد سكانه فأن إيران لا تدرك أبداً لماذا يجب أن تظل تعاني من التمييز في موضوع اقتنائها للسلاح النووي.

4. أن طهران لديها الرغبة في أن يكون لديها القدرة على امتلاك السلاح النووي لأسباب دينية، فيما يتعلق بالإيرانيين الكل يمتلك السلاح النووي المسيحيون والهندوس والبوذيون واليهود وحتى المسلمون السنة فلماذا يحرم المسلمون الشيعة من امتلاك السلاح النووي؟.
وذكر كاتب الدراسة أنه وعلى ضوء ذلك فان رغبة إيران في امتلاك السلاح النووي لا تعني أن طهران سوف تحول الحصول على هذا السلاح في أقرب فرصة ممكنة، فطهران راضية حالياً عن قدراتها على امتلاك السلاح خلال فترة قصيرة نسبياً طالما أن هذه القدرة تغطي حيث يعلم الجميع بحقيقة الأمر لكن هذا يتطلب اعترافا رسمياً.

وحتى يومنا هذا نجحت إيران في تنفيذ ثلاث خطوات في هذا المجال، حيث تمتلك ما يكفي من اليورانيوم الخام ونجحت في تحويله إلى اليورانيوم هيكسوفلورايد والأهم من هذا كله أنها نجحت في تخصيب اليورانيوم ليصل إلى الدرجة الرابعة من النقاء .

كما يشار إلى أن تخصيب اليورانيوم يعد التحدي التكنولوجي الأساسي، وتمتلك إيران حالياً ما يقرب من واحد ونصف طن من اليورانيوم المخصب وهي كمية تكفي لصنع قنبلة نووية أو قنبلتين، ومن أجل الحصول على قدرات عسكرية نووية فانه يجب على إيران القيام بتنفيذ أربع خطوات والقيام بها في وقت متزامن وهي:

1. الاستمرار في تخصيب اليورانيوم حتى يصل لدرجة نقاء بنسبة 90% وهذا الأمر يشكل تحدياً تكنولوجياً جانبياً، فطالما أن إيران قد شرعت في تنفيذ الخطوة الأولى فان كل ما هو مطلوب له هو الاستمرار حتى تصل إلى درجة النقاء المطلوبة.

2. تحويل المادة المخصبة إلى شكل صلب وهي كذلك عملية سهلة نسبياً.

3. تجميع السلاح أي جمع المادة المخصبة مع المادة الصلبة في القنبلة من خلال إيجاد آلية تسليح وتفعيل، ويشار إلى أن إيران تنفي رسمياً وجود مثل هذه الخطة، غير أن ما قامت به طهران منذ عام 2003 وامتلاكها للمعرفة اللازمة لتصنيع السلاح النووي يجعل افتراض وجود هذه الخطوة أمراً مبرراً، ولن يتطلب الأمر أكثر من ستة إلى اثني عشر شهراً لكي تقوم إيران بإنتاج قنبلتها النووية، منذ اللحظة التي تبدأ فيها تجديد خطتها المتعلقة بالحصول على سلاح نووي.

4. أما الخطوة الرابعة فهي إنتاج صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية ومن المرجح أن يكون صاروخ شهاب 3 وشهاب 4 قامت إيران بتصنيعهما خصيصاً من أجل جعلهما قادرين على حمل الرؤوس النووية، وبالتالي فان إيران يمكن من الناحية التقنية أن تقوم بإنتاج السلاح النووي خلال فترة وجيزة طالما أنه بإمكانها القيام بهذه الخطوات الأربع.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك فروقاً في تقييم موضوع خطة الأسلحة الإيرانية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية والبريطاني:
- إذ يقول الأميركان وفقا لتقدير استخباراتي أن طهران قامت بإيقاف برنامجها العسكري في عام 2003 وانه ليس هناك أي أدلة على أن إيران جددت خطة الأسلحة النووية .
- أما البريطانيون فيرون أن إيران قد قامت بتجديد برنامجها العسكري عام 2005
- وتقول إسرائيل أن إيران وبحسب كافة التقديرات لم تتخل عن برنامجها النووي طوال هذه الفترة وأنه بغياب الدليل الدامغ فإنه بالإمكان الاختيار بين ثلاثة مسارات :
1. البقاء عند عتبة القدرة على امتلاك السلاح النووي وعدم التقدم أكثر
2. أن تقوم بتطوير قدراتها النووية بشكل سري والمناورة بشأن هذا الموضوع حتى تتوافر لها اللحظة المناسبة التي تقوم فيها بالكشف عن وجود هذا السلاح وإعلانها بشكل مفاجئ لامتلاكه كما سبق أن فعلت باكستان.
3. أن تقوم إيران بكسر القواعد وطرد مفتشي وكالة الطاقة الذرية وتحاول علناً إنتاج قنبلة نووية بأسرع وقت ممكن.
إلا أنه يمكن وبكل سهولة ويسر الافتراض بأن إيران سوف تستمر في عملية تخصيب اليورانيوم إلى أعلى مستوى من أجل أهداف سلمية وألا تتسرع في إنتاج القنبلة النووية قبل أن توفر الظروف المناسبة للقيام بهذا الأمر خلال فترة قصيرة.


ثانياً: الإستراتيجية الأميركية
أشار كاتب الدراسة اللواء احتياط جيورا إيلاند في معرض حديثه عن هذه النقطة إلى أنه كان للرئيس الأميركي السابق جورج بوش رأي خاص في مسألة الملف النووي الإيراني إذ كان يرى اللاعبين على الساحة الدولية باللونين الأبيض والأسود وكان يرى أن إيران تنتمي للمعسكر الأسود وجزء من محور الشر، وبالتالي فإن إيران لم تكن تستحق اى لفتة من الولايات المتحدة وأن الحوار المباشر معها كان موضوعاً غير قابل للبحث وحتى شهر فبراير من عام 2005، رفضت الولايات المتحدة الأميركية أجراء أي محادثات بين مجموعة الثلاثة الأوروبية المكونة من فرنسا وألمانيا وبريطانيا ولكن منذ ذلك التاريخ سمحت واشنطن لهذه الدول الثلاث أن تفاوض طهران لكنها أوضحت أنها لا تؤمن بأن مثل هذه المفاوضات سوف تؤدي إلى نتائج فعالة.

حيث ترى الولايات المتحدة الأميركية أن دولة تنتهك بشكل متكرر قرارات الأمم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية وبالتالي فان الخطوة الصحيحة الوحيدة تجاه إيران هي مطالبتها بالالتزام بالقرارات الدولية وخصوصاً تلك القرارات التي تطالبها بوقف تخصيب اليورانيوم، وإذا ما استمرت إسرائيل بالرفض فانه يجب تشديد العقوبات عليها.

كما أوضحت إدارة بوش أيضاً أن خيار القيام بعمل عسكري قائم في حال عجزت العقوبات الدولية عن الإتيان بنتيجة فعالة.

وعلى هذا الأساس فان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إدارة بوش كان اعتقادها بأن البرنامج النووي الإيراني مسألة قائمة بذاتها وعدم اعترافها أن الحملة الناجحة ضد التهديد النووي الإيراني تتطلب سياسة أوسع.

كذلك فانه ومن الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية يتمثل في فشلها في الحصول على التأييد الروسي لسياستها تجاه إيران، إذ لا يمكن عزل إيران سياسياً أو اقتصاديا في غياب تعاون روسي كامل وذلك لسببين:
1. أن هناك روابط اقتصادية وثيقة وواسعة الانتشار بين روسيا وإيران.
2. أنه وعلى الرغم من رفض القوتين الصاعدتين وهما الصين والهند المشاركة في فرض عقوبات على طهران بسبب مصالحهما المشتركة معها، إلا أنها عادة ما تحتميان بالموقف الروسي في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل.

وطالما استمر الامتناع الروسي عن المشاركة في فرض هذه العقوبات فان الصين والهند لن تشاركا أيضاً على الرغم من الضغوط الأميركية عليهما ومن ناحية أخري تشعر دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا أن وقف استثماراتهم في إيران أمر غير عملي وبالتالي فانه من دون روسيا لن يكتب للسياسة الأميركية النجاح.

من المعروف أن روسيا هي التي قامت بتزويد إيران بمفاعل بوشهر النووي مما يشير إلى أن إيران بحاجة إلى الإبقاء على علاقاتها الوثيقة بروسيا.


ثالثاً: الإستراتيجية الروسية
تناول كاتب الدراسة في هذا الجزء الحديث عن موقف موسكو من الملف النووي الإيراني حيث طرح في البداية عدة أسئلة وهي: ما هي سياسة روسيا تجاه إيران؟ وهل هي مهتمة بامتلاك إيران للسلاح النووي؟ وقال ان الإجابة على ذلك هي لا، مشيراً إلى أن روسيا مثلها مثل الولايات المتحدة لا تفضل امتلاك طهران للسلاح النووي إلا أنها وبخلاف الولايات المتحدة لا تولي الموضوع أهمية إستراتيجية كبري فروسيا قريبة جغرافياً من البلدان التي تمتلك سلاحاً نووياً مثل الصين والهند وباكستان وبالتالي لن يخيفها امتلاك إيران للسلاح النووي، بالإضافة إلى ذلك فان لروسيا لائحتها الخاصة من الأولويات:

* أن تضمن استقرار نظامها الحاكم القائم على نوع من الديكتاتورية الخفيفة وبالتالي لا يمكن للنظام الروسي أن يقبل النقد من الغرب حول ضعف عملية الديموقراطية أو حول سياستها في جمهورية الشيشان.

* أن روسيا تسعى لضمان بقاء جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق تحت التأثير الروسي وألا تنضم إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي.

* تسعى روسيا إلى ضمان كون احتياطات النفط الخام والغاز الطبيعي في خدمة تحسين الاقتصاد الروسي وهو شرط ضروري لاستقرار النظام ولبسط نفوذها السياسي، على الأقل في منطقة أوروبا الشرقية.

* أن لدى موسكو الرغبة في العودة كقوة عظمى تقف على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي فان روسيا لن تتهاون مع الخطوات الأحادية الأميركية التي ستضر بهيبتها.

وقد رأت روسيا أن واشنطن تعمدت خلال فترة إدارة بوش الإضرار بهذه المصالح المهمة، وطالما أن هذه كانت الرؤية الروسية، فإنه لم يكن من المتوقع من موسكو أن تقدم التعاون المطلوب وبكلمات أخرى فانه ما لم تأخذ واشنطن هذه المصالح الروسية بعين الاعتبار فان جهود إنشاء تحالف دولي متماسك ضد إيران ستبوء بالفشل.

ومن الأمثلة على الافتراق بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، عدم تجاوب واشنطن مع الاقتراح الذي قدمته موسكو في ربيع عام 2004 من أجل التخفيف من حدة الأزمة الإيراني إذ كان من الصعب حلها، ففي ذلك الوقت لم يكن لدى الإيرانيين الجراءة على القيام باستفزاز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتخصيب اليورانيوم علناً.

وكان الروس في حينه يرون حينها أنه إذا ما أرادت إيران الحصول على الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء فانه يمكنها إقامة مصنع لتخصيب اليورانيوم وتحويله إلى اليورانيوم المخصب بحيث يقام هذا المصنع في روسيا ويكون ملكية مشتركة بين روسيا وإيران وبالتالي تكون روسيا هي الجهة الوحيدة المسيطرة على الموضوع التكنولوجي. وفي المقابل تقوم إيران من جانبها بإعادة الوقود المستنفذ إلى روسيا كي لا تقوم بتخصيبه واستخدامه في صناعة الطاقة.

وفي حال رفض إيران لهذه الصفقة فإن موسكو ستوافق على التعاون مع الغرب من أجل زيادة الضغط على إيران، إلا أن الروس أضافوا شروطاً أخرى وهي:

- طالبت روسيا بأن يلتزم الغرب وخصوصاً فرنسا بعدم قيام أي بلد بمنافسة روسيا في تزويد إيران بالمفاعلات النووية أو غيرها من التكنولوجيا النووية.

- أرادت روسيا أن يحصل اقتراحها على الدعم التام من الولايات المتحدة الأميركية وأن يصبح حلاً متفقاً عليه بشأن الموضوع الإيراني، ولكن الولايات المتحدة وأوروبا رفضتا منح روسيا ما طلبته، حيث أعلنت الولايات المتحدة أنه مهما كانت طبيعة الاقتراح، فإنها غير مستعدة لتقديم شيء للإيرانيين وبالتالي وافقت إيران على العرض الروسي وتم تأسيس مصنع لتخصيب اليورانيوم في منطقة ناتانز وذلك في العام ذاته.


رابعاً: ماذا وراء جمود الخطاب الأمريكي
لقد كانت الولايات المتحدة تعبر عن سياساتها من خلال خطاب صارم وغير فعال بتاتاً، ومن غير الواضح ما إذا كان هناك إستراتيجية واضحة وراء هذه التصريحات الصارمة، فهل كانت الولايات المتحدة تتوقع أن يتم تغيير النظام في إيران ؟ وهل كان لديها الأمل في أن تستسلم إيران دون شروط لضغوط العقوبات وأن تتخلي عن برنامجها النووي ؟ وهل كانت الولايات المتحدة تحاول دفع إيران للدخول في مواجهة عسكرية.

وأجاب كاتب الدارسة على ذلك بقوله»كانت الولايات المتحدة تعبر عن سياستها بخطاب حاد وغير فاعل ومن غير الواضح ما إذا كان وراء هذا الجمود في الخطاب الأميركي إستراتيجية مقصودة.

وقال إن السؤال الذي طرح نفسه في ذاك الوقت هو هل كانت الولايات المتحدة تتوقع أن يتغير النظام الإيراني.أم هل كانت تأمل في أن تخضع طهران للضغوط النووية فتتخلي عن مخططاتها النووية دون شروط ؟ أم أن السياسة الأميركية كانت تهدف إلى جر إيران إلى صدام عسكري ؟.

وقال إن الظاهر في الأمر هو أن الولايات لم تفرق بوضوح بين الديبلوماسية العلنية والسياسة المرسومة بهذا الشأن. حيث ان الهدف من الديبلوماسية العلنية أن تشرح أنك على حق وأن أحد الأطراف صالح والأخر ينتمي إلى معسكر الشر.

وخلافاً للعلاقات العامة فان الهدف من السياسة هو إجبار مختلف اللاعبين على اتخاذ إجراءات تتناسب مع مصالحك، ويبدو أن الولايات المتحدة لم تحدد مصالحها بوضوح ولم تحدد الخطوات المطلوبة لتحقيق هذه المصالح .

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المصلحة ليست فقط هدفاً مرغوباً ولكنها أيضاً شيء مهم لدرجة نكون معها على استعداد لدفع ثمن لتحقيقها، وعلى الرغم من كل الأخطاء المذكورة فان هناك شيئاً واحداً صحيحاً وثابتاً في سياسات الولايات المتحدة وهو عدم استعدادها للموافقة على قيام إيران بتخصيب اليورانيوم على أي مستوى من المستويات.

حيث ان الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للقبول بفكرة قيام إيران بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية كما تسمح اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي.
ويرى كاتب الدراسة أن السبب الكامن وراء رفض الولايات المتحدة هو أن إنتاج السلاح النووي يشتمل على عدة مراحل أكثرها تعقيداً من الناحية التكنولوجية هي مرحلة التغلب على التحدي المتمثل في تخصيب اليورانيوم نفسه.

وقال انه من اللحظة التي تنجح فيها عملية تخطي التخصيب بنسبة 4%، فإنه ليس من الصعب الوصول إلى نسبة الـ 90% أو أكثر وهي النسبة اللازمة لإنتاج قنبلة نووية، ومن أجل ضمان وجود منطقة عازلة من المهم أن لا تمتلك دولة مثل إيران تقنيات تخصيب اليورانيوم، لأن هذا بحد ذاته سيبقيها عاجزة عن إنتاج قنبلة نووية، وقد عكست جميع قرارات الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية الدعم الدولي لقرار إدارة بوش في هذا المجال.

خامساً: خطوات أوباما الأولى
تناول أيلاند في هذا القسم الحديث عن ما قام به الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن الملف النووي الإيراني منذ توليه الحكم، مشيراً إلى أن المراجعة التي يقوم بها أوباما لهذا الملف تقوم على فكرتين مختلفتين تماماً عن الأفكار التي كانت الإدارة السابقة تتبناها وهما:

- أن المشكلة الإيرانية يجب أن تُحل في إطار إقليمي أوسع.
- أنه من المستحيل إقناع إيران بأي خطوة من خلال استخدام العصا فقط، بل يجب استخدام الجزرة أيضاً وينبغي أن تكون العصا والجزرة كبيرتان بما فيه الكفاية لتدفعا إيران إلى اتخاذ القرار الصحيح.

وأشار الى أن هاتين الفكرتين اللتين توصلت إليهما إدارة أوباما تشكلان أساساً لتغيير إيجابي فى السياسة الأميركية قد يؤدي إلى وقف أو على الأقل تعليق البرنامج النووي الإيراني. ويرى أيلاند أنه، ومع ذلك، فإن الإدارة الأميركية الجديدة قد ارتكبت ستة أخطاء جسيمة وهي كالتالي:

- أنها عبرت ضمنياً عن موافقتها على قيام إيران بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية حينما تحدث عن ذلك ضمن خطابه بجامعة القاهرة، فكان ذلك بمنزلة التنازل الأول الذي تقوم به الإدارة الجديدة دون انتظار الرد الإيراني على الموقف الأميركي من طهران والمتمثل في مطالبتها بالتعامل مع كل الأطراف الدولية بشأن ملفها النووي دون شروط مسبقة. حيث يرى أن إيران تلقت بذلك مكافأة كبرى على تحديها للقرارات الدولية التي اتخذتها المؤسسات الدولية بشأن ملفها النووي منذ فترة طويلة، بالإضافة إلى ذلك، فإنه في أي وقت تنطلق فيه مفاوضات جادة مع إيران، لن يكون حق في تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 5 % مادة للتفاوض بعد الآن.

- الخطأ الثاني الذي ارتكبته إدارة أوباما، فيتمثل في مسألة الإفراط في التفاؤل فيما يتعلق بالتعاون مع الدول العربية والاستعداد لمكافأتها على تعاونها وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية. ويرى كاتب الدراسة أن كبح النفوذ الايراني يعد المصلحة الوطنية الأهم بالنسبة لتلك الدول في الوقت الراهن، وبالتالي فإن التعويض عليهم غير ضروري في الوقت الحالي، ويمكن للولايات المتحدة على سبيل المثال أن تطلب من المملكة العربية السعودية أن تلتزم بزيادة مبيعاتها من النفط إلى الهند والصين، ولكن ليس بالضرورة أن تجمع بين هذا الطلب وقضية غير مرتبطة به مثل تحقيق تقدم في مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية.

- أما الخطأ الثالث، فيتعلق بموسكو، حيث تغيرت لهجة أوباما بشأن روسيا، بل إنه اتخذ قراراً بعيد المدى بإلغاء خطة نشر الصواريخ في بولندا وجمهورية التشيك، وفي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأميركية الجديدة تمضي في اتخاذ تدابير بناء الثقة في التعامل مع روسيا، وهو تطور إيجابي، فإنها قامت بتكرار أخطاء الإدارة السابقة.

ومن الأمثلة على هذه الأخطاء الزيارة التي قام بها نائب الرئيس جون بايدن لجورجيا فى يوليو 2009، فحينما كان فى جورجيا، أعلن بايدن تأييده لطموحات جورجيا فى الانضمام إلى حلف الناتو، على الرغم من أن روسيا وجورجيا كانتا في حالة حرب قبل هذا التاريخ بعام واحد، بالإضافة إلى ذلك، فإنه ركز على دعم موقف جورجيا في مواجهة روسيا فيما يتعلق بمستقبل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، كما أعلن التزام الولايات المتحدة بتقديم المساعدة العسكرية لجورجيا.

وقد أثار كل ذلك بالطبع وكما كان متوقعاً غضب الروس، وإذا كانت أوجه الفائدة التي حققتها الولايات المتحدة الأميركية من سياساتها هذه غير واضح، فإن الواضح تماماً هو الضرر الذي وقع.

- الخطأ الرابع هو عدم وجود قيادة واضحة لإدارة الملف الإيراني، فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض بشكل غير مباشر مع إيران، وأن تدفع ثمناً سياسياً لذلك، فإنه في هذه الحالة كان يجب منع خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي من المسارعة إلى تحديد موعد وإطار عمل لبدء النقاشات مع الإيرانيين في مطلع شهر أكتوبر من عام 2009.

ونبّه أيلاند إلى أن الإيرانيون خبراء في استشعار مَواطن الضعف داخل نظام، ما ومعرفة الانقسامات الواقعة بين أعضائه فيسارعون إلي إعلان استعداداهم للتفاوض مع أي منتدى دولي بما في ذلك مجموعة الخمسة زائد واحد حول مختلف القضايا باستثناء موضوع تخصيب اليورانيوم، فإيران ترى في قدرتها على تخصيب اليورانيوم حقيقة لا رجعة فيها.

منشأة تخصيب جديدة قرب مدينة قم
كما ترى طهران حق إيران التام في امتلاك هذه التكنولوجيا لأغراض سلمية، وبالنسبة لهم يمكن مناقشة القضية النووية فقط في ظل عالم خال من السلاح النووي، بالإضافة إلى ذلك، فإن الكشف عن وجود منشأة تخصيب جديدة قرب مدينة قم، وهو الأمر الذي أحرج إيران ورئيسها إلى حد ما، لم يغير من واقع تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم.

وبحسب كاتب الدراسة فإنه كان يجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تتوقع مثل هذا التطور وكان يجب أن تقوم بالتنسيق مع غيرها من الذي شاركوا في اجتماع جنيف حول ضرورة أن تشتمل المفاوضات مع إيران على العديد من الموضوعات ومنها الخطة النووية الإيرانية.

- الخطأ الأميركي الخامس، كان استبعاد الخيار العسكري عن طاولة البحث، فقد أدلى مسؤولون أميركيون عدة بتصريحات متناقضة، ولكن الرئيس الأميركي وعلى عكس سلفه، لم يلمح حتى إلى أن الخيار العسكري مسألة فيها نظر، فلو أن الولايات المتحدة أرادت أن تتخذ خياراً عسكرياً يمكن الاعتماد عليه وتنفيذه في وقت قصير، لكننا شاهدنا مؤشرات كتلك التي سبقت الحرب على العراق ولكن في الواقع، فإن مثل هذه المؤشرات يعني أنه ليس هناك فرصة حقيقية لقيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران، وقد فهم الإيرانيون ذلك جيداً وفي المقابل تعززت ثقتهم بموقفهم.

- الخطأ السادس والأخير لإدارة أوباما يتعلق بكوريا الشمالية، حيث فسرت إيران غياب رد فعل أميركي على الاستفزازات الكورية على أنه إحجام عن أي نوع من المواجهة، وبالتالي فقد تصورت إيران بأن الولايات المتحدة ستسعى للتوصل إلى اتفاق بأي ثمن تقريباً، ويبدو أن الولايات المتحدة أمام خيارين كلاهما يتضمن استعدادها للتفاوض مع إيران دون شروط مسبقة لكنهما يختلفان في مقاربتها للمواجهة معها.


سادساً: سيناريوهات المواجهة مع إيران
الخيار الأول: اجعل إيران تختار
وفق هذا السيناريو تجري الولايات المتحدة مفاوضات مع إيران مع أو دون مجموعة «الخمس + واحد»، ولن تكون هناك أي شروط مسبقة بحيث يسمح لإيران استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، كما سيسمح لها كذلك بتخصيب اليورانيوم، كما ستعلق العقوبات المفروضة على إيران.

وإيران من جهتها سيكون لزاما عليها أن تفي بالعديد من الالتزامات، ويمكن إعادة مفتشي وكالة الطاقة الذرية إلى إيران من أجل التأكد من تطبيق المعايير التي وضعت في عام 2003، بالإضافة إلى ذلك، فسوف يكون لزاما على إيران أن تمتثل لقائمة المطالب التقنية:

- أولاً: تقوم إيران بنقل اليورانيوم المخصب إلي بلد ثالث مثل روسيا، وسيكون عليها أن توافق على أن يتم تحويله إلى قضبان طاقة، لأنه حين يتم تحويله إلى قضبان طاقة، فإنه من الصعب إعادته إلى مرحلة التخصيب، وإذا قاومت إيران ذلك فإنها ستجد صعوبة في إقناع المجتمع الدولي بأنها تسعى للحصول على الطاقة النووية لأغراض سلمية.

- ثانياً: لا ينبغي السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز نحو 5 %، فعلى الرغم من أن نسبة الـ20 % لا تكفي لإنتاج سلاح نووي، فإنه إذا وصلت نسبة التخصيب إلى هذا المستوى، فإنه سيكون من الصعب الحيلولة دون مزيد من التخصيب في وقت قصير، وبالتالي فإن الوقاية أمر ضروري.

- ثالثاً: أن إيران ستكون ممنوعة من شراء اليورانيوم الخام.

- رابعاً: على الرغم من اتخاذ خطوات للحد من عملية التخصيب وتحويل اليورانيوم المخصب إلى قضبان وقود، فإنه سيكون لزاما على إيران أن تقوم بنقل الوقود المستنفذ إلى بلد ثالث لأن إنتاج الكهرباء في مفاعل يخلق منتجاً يمكن استخدامه لصنع قنبلة البلوتونيوم.

- خامساً: يجب على إيران أن توافق على زيادة الرقابة من جانب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحيث يسمح لهم بدخول جميع المفاعلات المعروفة بما في ذلك المفاعل الجديد لتخصيب اليورانيوم في مدينة قم ومصنع التحويل في أصفهان، وستكون هناك عمليات تفتيش مفاجئة لا يمكن لإيران منعها أو وقفها، كما سيكون لزاما على إيران أن تصادق على البروتوكول الإضافي.

- سادساً: سوف تضطر إيران إلى التوقيع على تعهد لتلبية هذه المطالب، فحتى الآن لم تقم إيران بالتوقيع على تعهد تلتزم بموجبه بتطبيق هذه المطالب، حيث إنها لم تقدم غير اتفاقيات لفظية غير ملزمة، ولذلك فإنه من الضرورة بمكان أن تكون هناك قيود تلزم إيران، ولإقناع طهران بهذه الالتزامات تحتاج الولايات المتحدة إلى وضع جدول زمني من أجل حل القضية النووية، مثل تحديد مدة ثلاثة أشهر، بحيث تحدد مدة ثلاثة أشهر إذا لم يتم التوصل خلالها إلى اتفاق، فسوف يفسر ذلك على أنه رفض إيران لقبول الحلول الوسط كما أنه سيفسر على أنه كشف لنوايا إيران الحقيقية بامتلاك سلاح نووي.

وفي هذه الحالة سوف يتم تبني مسار بديل يشمل عقوبات أكثر صرامة عليها، ومنها على سبيل المثال وقف شراء النفط من إيران ووقف بيع النفط المكرر لها ومثل هذه العقوبات لا يمكن فرضها ما لم يكن هناك تعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة العشرين.

وعلى الرغم من أنه من الصعوبة بمكان إقامة مثل هذا التحالف إلا أن هناك جانبين يمكن أن يفيدا في هذا المجال:

أولهما: إن الولايات المتحدة لم توافق فقط على التفاوض مع إيران دون أي شروط مسبقة بل أيضا اعترفت بحق إيران في إنتاج الطاقة النووية الخاصة بها، فإذا رفضت إيران الحل الوسط، فإنه من الواضح عندئذ أن فشل المفاوضات لا يرجع فقط إلى غياب حسن النية لدى الأميركيين بل بسبب إصرار إيران على امتلاك الأدوات التي تمكنها من إنتاج سلاح نووي، وهو أمر قد يؤدي إلى توافق أكثر البلدان مع الولايات المتحدة الأميركية .

- أن كشف النقاب عن مصنع لتخصيب اليورانيوم بالقرب من مدينة قم والذي كشف الوجه الحقيقي لإيران يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلي زيادة احتمال تشكيل قوات تحالف لمواجهة طهران إذا لزم الأمر.

وقد يشكل هذا الخيار المبني على المفاوضات المباشرة مع إيران والاستعداد للاعتراف بحق طهران في تخصيب اليورانيوم مع وجود تدابير تفتيش مشددة سياسة ناجحة على طول الخط إذا وافقت إيران على كافة هذه الشروط فإنه سيكون من الصعوبة بمكان أن تمتلك القنبلة النووية في المستقبل القريب، أما إذا رفضت هذه الصفقة، فإن ذلك قد يؤدي لفرض عقوبات تحظي بتأييد دولي واسع.

أما إذا استجابت بطريقة إيجابية فسوف تتم مكافأتها، وذلك عبر القيام بالتالي:

1. رفع العقوبات المفروضة عليها.
2. سوف يتوقف الغرب عن اتخاذ خطوات تهدف إلى تغيير النظام الإيراني.
3. أن الولايات المتحدة سوف تقبل بحوار مستمر مع طهران، ما سيؤيد من دون شك إلى تعزيز شرعية النظام محليا ودولياً.

مساومة إيران
في الخيار الثاني ستظل الولايات المتحدة موافقة على التفاوض مع إيران، دون أي شروط مسبقة، مع وجود نقطتين مختلفتين عن الخيار الأول.

يتبنى هذا الخيار الموافقة على الخيار العسكري الإسرائيلي، حيث إن القضية النووية ليست القضية الأكثر أهمية، والولايات المتحدة قد تكون مهتمة بمناقشتها، لكن أيضاً مع التركيز على قضايا أخرى بما في ذلك المساعدة التي تقدمها إيران بشكل غير مباشر لكل من العراق وأفغانستان والمحافظة على الاستقرار في الخليج والتقليل من مساعدة طهران لحزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة.

ثانياً: وفيما يتعلق بالقضية النووية، فإن الولايات المتحدة الأميركية سوف تكون مستعدة للمساومة على معظم البنود التي تدعو إيران للقبول بالقيود التكنولوجية القاسية وهذا ما لا يتطلب من الإيرانيين وضع التزامات مكتوبة بعدم إنتاج سلاح نووي، وهذه الخطة قد ترضي الطرفين، فبناء عليها سوف يسمح لإيران رسمياً بتخصيب اليورانيوم كما سترفع العقوبات، وسوف تتعزز شرعية النظام الإيراني داخلياً وخارجياً وفوق هذا كله، فإن ذلك سوف يبقي على خيار إنتاج السلاح النووي في المستقبل.

عدم تدخل إيران في العراق
ومن وجهة النظر الأميركية، هناك عدة فوائد لهذه الخطة وهي:
- إجبار هذا الوضع النظام الإيراني على التعاون أو على الأقل عدم تدخلها في العراق، وبما أن أوباما ملتزم بسحب القوات الأميركية من العراق، فإنه يشعر بأنه من الضرورة بمكان أن يسجل نجاحات على هذه الجبهة في السنتين المقبلتين، وتجنب الصراع مع إيران يناسب قرار أوباما القائم على حل النزاعات من خلال الحوار.

- أن الاتفاقيات مع إيران من شأنها أن تعزز علاقات الولايات المتحدة مع الصين والهند واليابان وروسيا، بالإضافة إلى ذلك يستطيع الرئيس الأميركي أن يقول إنه قد تمت إزالة التهديد الإيراني المباشر بإنتاج أسلحة نووية، ومن الواضح أن الولايات المتحدة تتابع عن كثب أي تطورات لتجنب مفاجآت في المستقبل، فما الخطة التي اختارتها الولايات المتحدة؟ هل الهدف من المفاوضات مع إيران هو إجبارها على الموافقة على تدابير فعالة من شأنها أن تمنعها من الحصول على أسلحة نووية؟

وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فهل يصل الأمر إلى مرحلة التصعيد كما في الخطة الأولى، أم أن الهدف من المفاوضات هو التوصّل إلى تسوية على جميع الأصعدة كما في الخطة الثانية؟ وهل تمكنت الولايات المتحدة بالفعل من حشد دعم دولي مؤيد لسياستها بشأن الملف النووي الإيراني، بما يكفل تطبيق الخيار الأول؟ وهل قامت الولايات المتحدة فعلاً بتأسيس المرحلة الثانية متمتعة بدعم دولي لفرض عقوبات ضد إيران بسبب فشل المفاوضات السابقة؟ وهل تنوي الولايات المتحدة استغلال الكشف عن المفاعل السري في قم لتصعيد موقفها تجاه إيران ليصل الأمر إلى التفكير بالخيار العسكري؟ وهل هناك أمل بتغيير النظام على ضوء الأحداث التي تلت الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة؟

وهل أصبح هذا الأمر هدفاً أساسياً بالنسبة لواشنطن؟ وقال كاتب الدراسة أن الإجابة على تلك الأسئلة ليست واضحة بما فيه الكفاية، فعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي استهلت بها محادثات جنيف في بداية شهر أكتوبر الماضي فإنه من السابق لأوانه التوصل إلى استنتاجات، حيث قامت إيران بإبداء مرونة مفاجئة خلال تلك المحادثات خصوصاً فيما يتعلق بفكرة نقل بعض اليورانيوم المخصب إلى روسيا، ولكن بناء على خبرة طويلة مع طريقة الإيرانيين في إجراء المفاوضات . فإن على الولايات المتحدة أن تتوقع مواجهة مقاربة مختلفة جداً، حينما تصل الأمور إلي مرحلة الالتزامات الرسمية والعملية والجدية المطلوبة.

وسوف تكون إسرائيل من ضمن البلدان التي ستقوم بمراقبة تطورات الموقف عن كثب وستقوم بمتابعة التطورات في المحادثات المقبلة، وإذا رأت أنه قد تم تبني أي خيار لا يحول دون منع إيران من التقدم باتجاه السلاح النووي فأن ذلك قد يدفع إسرائيل إلى أن تتولى الأمر بنفسها من خلال تبني إجراءات مختلفة.


سابعاً: خيار "إسرائيل" العسكري
إذا حصلت إيران على السلاح النووي فإن إسرائيل ستكون في هذا الوقت أمام خمس مخاطر أساسية:

1. الخطر الأول: أن ذلك سيشكل تهديداً وجودياً مباشراً لها، خصوصاً أن النظام الإيراني الذي لا يعترف بحق إسرائيل في الوجود قد امتلك سلاحاً نووياً.

2. الخطر الثاني: سيؤدي ذلك إلى تشكيل مظلة نووية إيرانية في الشرق الأوسط وفي ظل هذه الظروف، فإن أي صراع في الشرق الأوسط سواء كانت إسرائيل متورطة فيه أم لا، سوف يتأثر بالإشارات النووية الإيرانية، فعل سبيل المثال في حالة حدوث أي مواجهة مقبلة بين إسرائيل وحزب الله، فإن إيران سوف تصعد من جاهزيتها النووية ومع عدم استبعاد الرد الإيراني الواسع، فإن إسرائيل قد تردع ويتم وقف العملية العسكرية في لبنان.

3. الخطر الثالث: يكمن في أن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يؤدي إلى اشتعال سباق التسلح في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن دولا أخرى مثل مصر والسعودية وتركيا لن تكون قادرة على تجنب الحاجة إلى الحصول على السلاح النووي، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى انهيار نظام حظر الانتشار النووي.

4. الخطر الرابع: امتلاك إيران للسلاح النووي من شأنه أن يقوض الاستقلال الداخلي في الدول العربية، حيث يناضل الشيعة من أجل تحسين أوضاعهم السياسية.

5. الخطر الخامس: وجود إيران نووية من شأنه أن يعزز شرعية محمود أحمدي نجاد كما يمكن النظر إلى هذا الموضوع على أنه نصر إسلامي، ما قد يحفز دولاً إسلامية أخرى، أو مجتمعات مسلمة في دول غير مسلمة على رفع مستوى مطالبها، ومع أخذ هذه المخاطر في الاعتبار، فإن إسرائيل قد أوضحت أن العمل العسكري ضد إيران هو أحد خياراتها المطروحة.

غير أن هذا الخيار له مخاطر جمة منها أن فشل الهجوم تكتيكياً من شأنه أن يخلق ضررا خطيرا في قدرة الردع الإسرائيلية، كما أن الهجوم العسكري الإسرائيلي قد يشكل ذريعة جيدة لإيران لمهاجمة إسرائيل.

وقد ترد إيران بشكل تقليدي وهذا هو المرجح، لكن ذلك لا ينفي إمكان لجوء إيران إلى الأسلحة غير التقليدية مثل السلاح البيولوجي والكيميائي وهذه ستكون أكتر تدميراً.

تحرك حزب الله
بالإضافة إلى ذلك فإن أي هجوم سيؤدي إلى تحريك حزب الله ويزيد من احتمالات نشوب نزاع بين سوريا وإسرائيل.

كما أن إسرائيل سوف تخسر بالتأكيد الدعم الدولي وهو دعم هزيل بالأصل، والأهم من ذلك كله، فإنه لن ينظر إلى إيران بعد ذلك على أنها الولد السيئ التصرف.

ومن جهة أخرى، فقد تختار إيران استخدام النفط كسلاح للرد، وذلك من خلال إغلاق مضيق هرمز أو مهاجمة حقوق النفط في الخليج، ما سيخلق أزمة خطيرة في مختلف أنحاء العالم، كما أنه سيؤدي إلى تغيير نظرة الشعب الإيراني الذي لا يمتلك مشاعر سلبية تجاه إسرائيل حالياً.

كما أن أي عمل عسكري ضد إيران سيؤجج المشاعر المناهضة لإسرائيل في جميع أنحاء المنطقة، بالإضافة إلى ذلك فإن الهجوم الإسرائيلي قد يشمل بلداناً أخرى قد تضطر إسرائيل لاستخدام مجالها الجوي وقد يدفع هذا الهجوم أيضاً بلدان الخليج المناهضة لإسرائيل أو الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات هجومية بل ربما يثير ردود فعل قوية من قبل الحكومات في جميع أنحاء المنطقة.

من جهة أخرى، فإن إسرائيل ليس لديها القدرة على القيام بحملة عسكرية ضد إيران تستمر لفترة طويلة ومتواصلة وتستغرق شهوراً، كما أنه لا يمكنها الاستفادة من قواعد المطارات في أي دولة أخرى، بالإضافة إلى ذلك، فإنه لن يكون لإسرائيل شركاء سوي الولايات المتحدة الأميركية التي لن ترغب في أن تظهر بمظهر الداعم لعمل عسكري إسرائيلي.

غير أن إقدام إسرائيل على أي عمل عسكري من جهتها سوف يؤخذ بعين الاعتبار فقط إذا ما استنفدت كل الوسائل الديبلوماسية وفقط حين يكون من الواضح أن الولايات المتحدة لا تفكر بالقيام بهذه الخطوة بنفسها.

ومادامت القوات الأميركية موجودة في العراق، فإنه سيكون من الصعب تنفيذ ضربة جوية ضد إيران في غياب تنسيق تكتيكي على الأقل مع الولايات المتحدة الأميركية.

ورغم ذلك، فإن القيام بعمل عسكري ضد إيران يظل احتمالاً قائماً، في حين أن أربعة عوامل ستحدد فعالية أي هجوم وهي كالتالي:
- نوعية المعلومات الاستخباراتية التي ستجمعها إسرائيل من أجل تحديد المواقع النووية الإيرانية بدقة.

- اختراق المجال الجوي الإيراني، فمن أجل ضرب هدف يجب الوصول إلي المجال الجوي الإيراني، خصوصاً أن القدرة على الوصول إلى هدف ما بدقة تعتمد على مزيج من القدرة على التحليق للوصول إلى الهدف والقدرة على إيصال الذخيرة اللازمة لضربة بدقة، أما اختراق المجال الجوي، فيعتمد بشكل أساسي على النسبية بين نوعية الأسلحة الإسرائيلية مثل الصواريخ والطائرات والقنابل ونوعية سلاح العدو الذي سيستخدمه لضرب وإسقاط الأسلحة الإسرائيلية.

وعندما يكون الموضوع شن هجوم على إيران، فإنه من المهم أخذ عنصر آخر بعين الاعتبار وهو مستوى القدرة على الطيران في أجواء دول أخرى سواء كان ذلك بشكل سري أو بناء على اتفاق تكتيكي، كما أن مستوى المفاجآت التكتيكية سيؤثر أيضاً على موضوع اختراق المجال الجوي الإيراني.

فإذا ما نفذ الهجوم خلال أزمة ديبلوماسية أو في فترة ازدياد التوتر، فإن فعاليته ستتقلص لأن الإيرانيين سيقومون حينها برفع نسبة الحذر أو الاستنفار العسكري، وخاصة فيما يتعلق بالأنظمة التي تتصدي للضربات الجوية، وفي الوقت ذاته سيسارعون إلى توزيع وإخفاء الأهداف المعرضة للاعتداء.

- أما العنصر الثالث: فهو فعالية الأسلحة المستخدمة، فمهاجمة هدف بدقه ليست كافية، حيث إن إلحاق الضرر بالهدف ضروري أيضا وإلحاق الضرر يعتمد على النسبية بين فعالية الأسلحة المستخدمة، وخصوصاً قدرتها على اختراق الدفاعات ووسائل الحماية المعتمدة من قبل الجهة المدافعة.

- وأخيراً العلاقة بين الأضرار المادية والأضرار التي لحقت بقدرات العدو، فحتي لو نجحت إسرائيل في معرفة ما يمكن ضربه، فإن نجاحها في ضرب أهداف معينة وإلحاق الضرر بها، لا يعني أن الفعالية المطلوبة قد تم تحقيقها، فالفعالية تعتمد على قدرة الكيان الذي نفذت الضربة ضده على إصلاح الأضرار التي لحقت به، فعلي سبيل المثال، إذا ما تم تدمير منشأة أساسية، فيما لم يتم إلحاق أي أذي بالنظام المعلوماتي أو بالطاقم البشري وكانت هناك إمكانية أن يعالج بناء المنشأة المدمرة في وقت قصير، فإن فعالية الضربة العسكرية لا تكون ذات قيمة عالية.

وبالتالي، فإن تحديد الهدف أمر جوهري وأساس لنجاح أي ضربة عسكرية ومن الواضح أن جعل إيران تستسلم أو تدمير كل مرافقها النووية بشكل تام يعدان من الأهداف التي لا يمكن تحقيقها من خلال ضربة عسكرية إسرائيلية، غير أن ضربة عسكرية من هذا النوع، سوف تتسبب بالتأكيد في تعطيل برنامجها النووي وقد تتسبب في تأخيره بدرجة كبيرة، والسؤال الأهم هنا ما هو حجم هذا التأخير الذي سيحدث؟

إخفاء أنشطتهم النووية
أشار كاتب الدراسة إلى أن هناك تنافسا بين إسرائيل وإيران، ومع مرور الوقت، فإن الإسرائيليين سيقومون بتحسين أداء أجهزتهم الاستخباراتية وقدرتهم على الهجوم وجاهزية قواتهم.

أما الإيرانيين من جهتهم سيقومون أيضاً بالاستثمار في جهود موازية وسيعتمدون في ذلك في التركيز على ثلاثة أمور، وهي كالتالي:
1. إخفاء وتمويه أنشطتهم النووية.
2. حماية مواقعهم النووية بما في ذلك توزيعها.
3. تحسين قدراتهم الدفاعية المضادة للهجمات الجوية.

وبالتالي فإن معايير الفعالية المتوقعة تعتمد على الفرق بين التحسينات التي أجرتها إسرائيل على قدراتها في مواجهة التحسينات الإيرانية.

فعلى سبيل المثال، تحاول إيران أن تجهز نفسها بأنظمة متطورة مضادة للطائرات تقوم بشرائها من روسيا، حين يتم وضع هذا النظام قيد الاستخدام فإن إسرائيل أو غيرها من الدول سوف تواجه صعوبات أكبر من التي قد تواجهها حالياً، وليس هناك شك في أن الفرص المتاحة للقيام بعمل عسكري ستكون أوسع قبل أن يصبح النظام الإيراني المضاد للطائرات قيد الاستخدام.

ثامناً: الإعتبارات غير العسكرية
تطرق كاتب الدراسة في هذا القسم للحديث عن أنه وبالإضافة إلي الاعتبارات الإستراتيجية والعسكرية هناك ثلاثة عوامل أخرى يجب أن تسترشد بها إسرائيل:

* العامل الأول هو مستوى الدعم الأميركي في حال إذا ما قررت إسرائيل أن تقوم بشن هجوم على إيران، فإسرائيل لا يمكنها مهاجمة إيران دون دعم أميركي وهذا الأمر ينطبق من على الناحيتين العملياتية والإستراتيجية، وبالتالي فإن أي فيتو أميركي صريح وصارم ضد الهجوم العسكري الإسرائيلي كفيل باستبعاد هذا الخيار عن طاولة البحث.

ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة إذا لم تعارض الولايات المتحدة العدوان الأميركي صراحة، فإنه يمكن أن يكون هناك مستويات مختلفة من الدعم، تتراوح ما بين الدعم العلني الصريح المترافق مع إعلان أن الدول التي قد ترد بمهاجمة إسرائيل، مثل سوريا ستكون في حالة حرب مع الولايات المتحدة أو قد تذهب الولايات المتحدة إلي النقيض من ذلك فتضم صوتها ولو بشكل ضعيف إلى الإدانات الواسعة المتوقع أن تواجهها إسرائيل في حالة قيامها بتوجيه مثل هذه الضربة.

المصدر: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، 14/4/2010
منقول عن مركز الزيتونة للدراسات

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق